عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: القذافي حاول اغتيال الملك حسين بصاروخ سلمه لوديع حداد

رئيس الوزراء الأردني الأسبق روى شهادته على عقد ونصف العقد في مركز القرار (2 من 3)

TT

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: القذافي حاول اغتيال الملك حسين بصاروخ سلمه لوديع حداد

لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب)
لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب)

في الحلقة الثانية من شهادته، روى رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل محاولة اغتيال للملك حسين بصاروخ «أرسله معمر القذافي» عبر مجموعة تابعة لوديع حداد، قائد «المجال الخارجي»، ذراع العمليات السرية لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

كما يعرج عبيدات الذي تولى أيضاً رئاسة المخابرات ووزارتي الداخلية والدفاع، على كواليس المواجهة بين القوات الإسرائيلية والجيش الأردني والفدائيين الفلسطينيين في بلدة الكرامة الحدودية في مارس (آذار) 1968، مؤكداً أن الجيش الأردني «هو الذي حسم المعركة»، لكنه خرج «بهزيمة معنوية أمام ادعاءات الفدائيين».

رحل عبيدات مطلع الشهر الجاري. وكانت الشهادة سجلت قبل «طوفان الأقصى» الذي حالت تداعياته دون نشرها. وفي ما يلي نص الحلقة الثانية:

نحتاج إلى أن نعود قليلاً إلى الوراء ونتحدث عن ظروف «معركة الكرامة»؟

- «الكرامة» نقطة مفصلية في غاية الأهمية، أهميتها للجيش أولاً؛ لأن الجيش العربي عاش هزيمة 1967 وشعر بمراراتها؛ لأنه انسحب من الضفة الغربية ولم يستطع لأسباب عدة أن يدافع عنها، وبالتالي يشعر بمسؤوليته الأخلاقية والوطنية والقومية عن هذه الهزيمة.

وجاءت فرصة «معركة الكرامة» لاستعادة الروح المعنوية القتالية للجيش ويسترد فيها بعض اعتباره. جاءت «معركة الكرامة» فرصة مواتية لفعل شيء مهم.

إذن، برأيك أن الجيش الأردني هو الذي لعب الدور الأكبر في «معركة الكرامة»؟

- هو الذي حسم المعركة، هو أفشل بناء العدو جسوراً في مناطق عدة للدخول، ودُمّرت آلياتهم في الأرض الأردنية، وبالتالي لأول مرة بتاريخ إسرائيل يطلبون وقف إطلاق النار. وكان الراحل الملك الحسين هو من رفض.

إسرائيل لم تعترف بخُمس قتلاها، وعند السماح بإجلاء جرحى المعركة كانت الطائرات العامودية (تسيل) منها دماء الجرحى والقتلى.

هناك ضباط من كتيبة المدفعية الذين كانوا يسمون «ضباط الملاحظة»، وقد عرّضوا أنفسهم للموت، فقد كانوا يتقدمون بأقرب نقطة من العدو، ويعطون إحداثياتها بدقة، ثم يطلبون قصف الموقع الذي تم إرساله، أي أنهم أعطوا نقاط وجودهم كمواقع يتمركز فيها العدو، وبالتالي قصف الموقع. أي أن الجندي الأردني كان يحدد موقعه القريب من الجيش الإسرائيلي ليتم قصفه. وبذلك يتم قصف الجندي الأردني الذي يريد الشهادة دفاعاً عن أرضه واسترداداً لكرامته بعد هزيمة النكسة. لكن إعلان «الكفاح المسلح» ألغى دور الجيش في المعركة، وظهر الفدائيون بوصفهم أبطالاً حققوا النصر على إسرائيل. وكانت لذلك تداعيات كثيرة؛ لأنهم احتكروا النصر وتجاهلوا دور الجيش الأردني تماماً.

طبعاً «الكفاح المسلح» بعد هذا الادعاء، جمعوا مئات الملايين من التبرعات، وكانت الأموال الأكثر من حصة تنظيم «فتح». لقد سيطرت ماكينة الفدائيين على الإعلام العربي. وخرجنا من المعركة بهزيمة معنوية أمام ادعاءات الفدائيين.

وبالمناسبة، جميع التبرعات التي حصلت عليها التنظيمات الفلسطينية من دول عربية عدة لم تصل للشعب الفلسطيني، بل ذهبت لحساب التنظيمات وقياداتها.

إذن، برأيك تداعيات «معركة الكرامة» والحرب الإعلامية انسحبت على أحداث أيلول؟

- الجيش عندما دخل إلى عمّان في أحداث سبتمبر (أيلول) كان يريد أن يُخلّص الشعب الأردني من حالات فوضى السلاح والاستعراض بالقوة وحالة الفلتان الأمني في الشوارع.

فلما دخل الجيش وبدأ في طرد الفدائيين من عمّان أخذ كل شيء في طريقه. وحتى منزلي الذي استأجرته حديثاً بعد حادثة اختطافي وكان قريباً من مقر قيادة الجيش دخله الجيش الأردني ليفتش عن فدائيين، وكانت أسرتي تقيم في المنزل ساعة المداهمة. وقالت زوجتي لهم إن زوجي ضابط مخابرات، فرد عليها العسكري الأردني: بلاش كذب. ولم يخرجوا من البيت إلا بعد اتصالها معي، فكلفت ضابطاً عندنا قائد سرية المخابرات يتفاهم مع الجيش، وبعدها تركوا البيت وخرجوا. والمعنى هو أن الجيش قام بمسح المناطق من دون أن يفرّق بين هذا أردني أو فلسطيني. يريد استعادة السيطرة على الأمن وفقط.

كل ذلك اضطرني إلى إرسال أسرتي إلى منزل والدي ووالدتي في محافظة إربد شمال المملكة.

الملك حسين يتفحص دبابة إسرائيلية خلفتها قوات الاحتلال خلال معركة الكرامة (غيتي)

ألم يتدخل الجيش السوري وأدخل قوات عسكرية إلى محافظات الشمال؟

- نعم. عندما دخل الجيش السوري إلى مناطق من شمال البلاد، كانوا يرفعون أعلام منظمة التحرير الفلسطينية على الدبابات السورية. عرفنا لاحقاً بأن قرار تحرك الجيش السوري كان قراراً سياسياً من حزب «البعث»، وأن حافظ الأسد الذي كان وزيراً للدفاع استجاب للقرار مضطراً، وبالأخير تراجعت الدبابات السورية.

وماذا عن تدخل العراقيين؟

- العراقيون كانوا موجودين، لكنهم لم يتدخلوا، هناك ما يجب قوله في هذا المجال.

أولاً: ما سمعته من العراقيين بأن الدولة والقوات العراقية الموجودة، لم يكن في خاطرها أو نواياها أي مشاركة في عملية تستهدف إنهاء الحكم الملكي الهاشمي في الأردن. وذلك قطعاً بسبب أن العراقيين لا يريدون حمل مسؤولية القضية الفلسطينية وأعبائها من اتصالات سياسية دبلوماسية أو من حيث التعامل مع الفدائيين؛ لذلك كان تقديرهم بأنهم لا يريدون المشاركة في مغامرة غير محسوبة.

ثانياً: ما فهمته من رواية أخرى، لكن لا أستطيع تبنيها. وهي أن قيادة العمليات في الجيش تسلمتها شخصية باكستانية، فكان الرئيس ضياء الحق يتسلم العمليات في القيادة، وكان يرسل برقيات وضعت كثيراً من القوات العراقية وغيرها في حالة ارتباك أوهمتهم أن هناك وحدات عسكرية ضاربة سيصطدمون معها أو ستهاجمهم، فأخذت القوات العراقية وضع الاحتياط والتحفز أكثر من وضع الهجوم.

وعرفنا لاحقاً أن وفداً من «فتح» وكان من بينهم أبو إياد زار العراق معاتباً. فقابلهم أحمد حسن البكر وتحدثوا بصراحة متناهية، مقدمين اللوم على الحكومة العراقية، فرد عليهم البكر: «إحنا يا إخوان دولة لها روح واحدة. إذا غلطت غلطة جوهرية تنتهي، أنتم مثل (البزون) على رأي العراقيين أي القطط، لكم سبع أرواح إذا راحت روح تيجي غيرها، فتستطيعون عمل ما بدا لكم. أما نحن لا نستطيع نكون مثل البزون. نحن دولة مش قطة لها سبع أرواح. الغلطة تأخذنا إلى الأبد؛ ولذلك ما حد يعطينا نصائح، ومع السلامة».

هل تعتقد أن ظلم الجيش الأردني برواية «معركة الكرامة» والترويج للفدائيين فقط جعلها مصدر الشرعية لعرفات وللمنظمة؟

- والله لا أعلم، إن كانت فقط بحدود الشرعية لياسر عرفات بعد «معركة الكرامة». المشكلة أن عرفات نال شرعيته على حساب الجيش الأردني الذي قاتل ببسالة وصمود. وأعيد وأكرر أن الجيش الأردني، بسلاح مدفعيته وليس بسلاح الجو والطيران، هزم إسرائيل.

لقد روى لي المرحوم محمد بشير إسماعيل، وكان مديراً للاستخبارات العسكرية، أن إحدى آليات الجيش الإسرائيلي التي تمركزت في منطقة الشونة الجنوبية، وهي تابعة للقيادة الإسرائيلية، والتي تركها الإسرائيليون قبل تراجعهم، وجدوا داخلها وثائق، وبعد مصادرتها وتحليلها تكشفت الخطة الإسرائيلية التي أرادت أن يتحرك الجيش الإسرائيلي من الكرامة ثم غور الأردن ارتفاعاً نحو جبال السلط، وصولاً إلى منطقة السرو القريبة من عمّان، ومن هناك يتم فرض التفاوض مع الحكومة الأردنية.

جندي إسرائيلي يفخخ موقعاً فلسطينياً في الأردن خلال معركة الكرامة في 21 مارس 1968 (غيتي)

كانت هذه خطتهم بعد أن ينهوا موضوع المنظمات الفدائية كاملة؛ لأن المنظمات الفدائية تركت مواقعها التي قاتلت بالكرامة. هنا لا ننكر بأن بعض المنظمات الفدائية الفلسطينية قاتل عناصرها ببسالة، ومنهم من استشهد ومنهم من ترك موقعه وتراجع، ومنهم من اختفى. هناك بطولات كانت من الجانبين، لكنها كانت فردية من قِبل الفدائيين والمقاومة؛ وهذا حتى لا نكون ظلمنا أحداً.

من يتحمَّل مسؤولية ما حدث في أيلول؟

- الذي أعلن نفسه سلطة فوق السلطة. بمعنى أن لا سلطة فوق سلطة المقاومة. الذي أراد قيام سلطة غير السلطة الشرعية بالمملكة، ومن تدخل في كل شيء حتى بالمحاكم الشرعية بالزواج والطلاق. الذي يقطع الطريق على الناس في المدن والقرى والذي يعتقل الضباط والجنود وهم متوجهون إلى أسرهم خلال إجازاتهم. كل هؤلاء يتحمّلون المسؤولية. الذين حاولوا التصرف كأنهم أمن وجيش داخل مقار التنظيمات والتي أصبحت بديلاً عن مؤسسات الدولة.

لقد كانت هناك دولة موازية، من الأغوار بصفتها خط مواجهة مع العدو إلى عمّان. من فعلوا ذلك هم الذين يتحمّلون المسؤولية.

من كان يُهدّد من يرتكب مخالفات في عمّان بإنزال المخالف لمنطقة الغور، ومن المفارقات المضحكة المبكية أن عنصر المقاومة الذي يرتكب مخالفة في عمّان يُهدّد من أبي عمار وجماعته والقيادات التابعة له بإنزاله للأغوار لمواجهة إسرائيل. هذا من يتحمّل مسؤولية. من فتح مقار له ومكاتب مارست نشاطاتها بالطول والعرض في عمّان بعد نقلها من الأغوار. هذا الذي يتحمل المسؤولية.

هل كان لديكم قلق في أحداث 1970 من سقوط الدولة؟

- في المخابرات العامة لم يكن هناك قلق من ذلك، وكنا نعتقد أن هذه أزمة أيام وستنتهي وسيُفرض النظام وكل شيء سيعود لطبيعته.

لقد وقعت بيد الجيش الأردني خطة وجدوها عند قائد جيش التحرير في عمّان قائد «الكفاح المسلح» تفيد بتقسيم عمّان لمناطق لمنع الجيش من دخولها. لذلك؛ كان الدور للجيش في «معركة الكرامة» وأحداث أيلول.

هل كان صعباً على الملك أخذ القرار بهذا الشأن؟

- القرار تأخر كثيراً، هذا الكلام كنا نسمعه دائماً وأبداً، وكان يسمعه من الجيش وكان يسمع عبارات قاسية من الجنود وضباط الصف. كان الراحل الحسين يسمع شبه إهانات، مثل: شو اللي قاعد بتعمله فينا؟ ليش تارك الأمور هيك؟

وبهذا الشكل حسم القرار بالمواجهة. فالجيش شعر بمرارات الإهانة من مسلكيات الفدائيين وسلوكهم في بث الفوضى وأنهم سلطة فوق سلطة الدولة.

هل تعاملت مع ملف وديع حداد؟

- وديع حداد كان مشهوراً عندما كنت مديراً للمخابرات، وهو من كان وراء إرسال صواريخ لضرب طائرة الملك حسين خلال أعوام 1975 و1976 و1977. أرسل حداد صاروخاً للأردن مع مجموعة يقودها مواطن أردني الجنسية اسمه بريك الحديد، وهو من عشيرة معروفة في عمّان، وكان منتمياً إلى «الجبهة الشعبية». وقد كانت مجموعة تابعة له ترصد طائرة الملك حسين. وكان المقصود ضرب الطائرة بصاروخ بمعرفة القذافي وموافقته.

لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب)

هل هذه معلومات المخابرات وقتها؟

- 100 في المائة. القذافي شخصياً زوَّدهم بهذا الصاروخ وتم نقله إلى الأردن، وقد رصدت المخابرات جميع تحركات المجموعة بقيادة بريك الحديد منذ اللحظة الأولى. وقد ألقي القبض على المجموعة لاحقاً، واضطررنا إلى إبلاغ الملك حسين.

وبالفعل، طارت طائرة الحسين في الموعد المقرر لها من مطار ماركا العسكري؛ وتحسباً لأي مفاجأة طارت بعكس الاتجاه الذي كان محدداً لمسارها، مع استخدام أجهزة للتشويش على أي صاروخ يستهدف الطائرة التي على متنها الراحل الحسين.

هل عرف القذافي بأنكم كشفتم محاولة اغتيال الملك الحسين؟

- في تلك الأيام كان مضر بدران - رحمه الله - رئيساً للديوان، وطلب جميع الوثائق المتعلقة بالمحاولة وصورة الصاروخ الذي تم ضبطه. وغادر إلى ليبيا لمقابلة القذافي، وعند مواجهته بكل ما بحوزة بدران من معلومات، أنكر القذافي علمه بالأمر. وقال: أنا ما معي خبر.

جماعة وديع حداد يحركها القذافي؟

- ساعدهم في هذا الموضوع؛ لأنه من المهم عند القذافي وجود أشخاص يقومون بمثل هذه العمليات.

هل كنتم كمخابرات تخترقون جماعة وديع حداد؟

- عندما نكون مسيطرين على مثل هذه العملية من الألف إلى الياء ماذا يمكن أن تقول!

ألم يكن كارلوس تحت متابعتكم؟

- طبعاً؛ لأن كارلوس كان يبحث عن أذرع في المنطقة ولم يكن يعمل منفرداً.

كانت المخابرات الأردنية تتابع كارلوس حتى بالسودان؟

- طبعاً، هناك تحديث للمعلومات أولاً بأول.

ماذا عن وديع حداد وخطف الطائرات؟

- تلك الحادثة كانت بمثابة «القشة التي قسمت ظهر البعير». ولا شك بأن تلك الحادثة كانت وراء دخول الجيش، وما تبع ذلك من تداعيات. ولك أن تتخيل أي حال وصلنا إليه، فبعدما خطفوا الطائرات، عقد الخاطفون مؤتمراً صحافياً في فندق الأردن، وتحدث جورج حبش في المؤتمر الصحافي في عمّان ليعلن عن العملية.

ألم يكن لدى دائرة المخابرات أي معلومات عن خطة خطف الطائرات؟

- لا. ثم أمام كل تلك الفوضى في تلك الأيام ماذا ستقول عن حالة أشبه بالفلتان الأمني.

كانت هناك مجموعة يابانية ومجموعة ألمانية. هل كان هناك تنسيق مع المخابرات الألمانية وتبادل معلومات حول تلك المجموعات؟

- أي معلومات متوفرة لدينا كانت متاحة للقنوات مع كل الأجهزة التي نتبادل معها المعلومات.

ما هي قصة أبو داود وتخطيطه لخطف وزراء رهائن في الأردن؟

- في تلك الفترة شهدت الحركات الإرهابية ازدهاراً في العالم، وأذكر جيداً بأني زرت روما تمهيداً لزيارة الراحل الملك الحسين للفاتيكان. غادرت وكنت وقتها نائباً لمدير المخابرات، ومعي فتحي أبو طالب، وكان وقتها نائباً لمدير الاستخبارات العسكرية ولاحقاً تسلم رئاسة هيئة الأركان وحمل رتبة مشير - رحمه الله. طبعاً زيارتنا هي زيارة أمنية وكانت في عام 1973؛ تمهيداً لزيارة الملك الحسين. وبعد وصولنا زرنا في روما شخصاً يماثل مدير المباحث العامة وهو جنرال.

وعندما دخلنا عليه وكأننا قادمون لقبض روحه، كان متشائماً جداً عند دخولنا، فطلب لنا قهوة وكان متوتراً للغاية، فسألناه عن تقديره للموقف الأمني خلال فترة زيارة الراحل الحسين ونصيحته؛ لأن الوضع الأمني صعب والحركات الإرهابية كانت في عنفوانها.

فكان جواب الرجل مختصراً ومفيداً. وقال أرغب في إجابتكم من الآخر. أنتم متخصصون وتعلمون بمواضيع الأمن، خصوصاً لكبار الضيوف من كبار الشخصيات. وزاد بقوله: أنا أجلس في هذه العمارة بالطابق الخامس، ولا أدري بأي لحظة ستنفجر بي، فلا أملك أي ضمانة حيال ما طلبتم مني. فلا سيطرة لنا على الأمن بأي صورة من الصور.

طبعاً شكرناه وغادرنا وبعثنا ببرقية مشفرة للقيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية ننصح بعدم زيارة الملك للفاتيكان.

هل اخترقتم مجموعة وديع حداد، وهل استطعتم اختراق منظمة «أيلول الأسود»؟

- نعم، بالتأكيد.

من كان زعيم «أيلول الأسود»؟

- أبو إياد كان مسؤول «أيلول الأسود» ومعه أبو يوسف النجار.

لا أتذكر الآن، لكن هذه خلية أُنشئت لغرض محدد، وهو اغتيال وصفي التل، وتنفيذ عمليات أخرى. لكنهم بالأردن لم ينفذوا أي شيء؛ لأنهم لم يقدروا.

هل تعتقد أن أبو إياد كان مسؤولاً عن اغتيال وصفي التل؟

- لا أدري، لكنه هو مسؤول «أيلول الأسود»، وهذه المسؤولية مسؤولية قيادة «فتح».

هل قابلت أبو داود؟

- بالمناسبة، أبو داود من الذين عملوا نقداً ذاتياً لحركة «فتح» هو ومجموعة معه. وكان موضوعياً إلى حد كبير جداً في عملية النقد الذاتي.

إذن، دعنا نتذكر قصة أبو داود بقليل من التفاصيل؟ فمتى عرفتم بأن أبو داود يخطط لعملية بالأردن؟

- قد يكون ذلك في منتصف عام 1972. فقد توفرت معلومات أن أبو داود ومعه مجموعة تريد دخول الأردن من بغداد.

وأن مجموعة من قيادة «فتح» خططت لهذه العملية، وتم اختيار أبو داود لقيادتها.

هل عرفتم أنه تم اختيار أبو داود لقيادتها؟

- نعم، من البداية.

أي أنكم اخترقتم «أيلول الأسود»؟

- نحن اخترقنا «فتح». فهذه العملية لا علاقة لها بـ«أيلول الأسود»، وهي عملية خاصة، فقد أُسنِدت إلى أحد الضباط في العمليات ولمساعد نائب مدير المخابرات للعمليات وكان طارق علاء الدين - رحمه الله. وكان نذير رشيد - رحمه الله - مديراً للمخابرات، وكنت نائباً لمدير المخابرات.

وباختصار، تمت متابعة العملية قبل دخولها للأردن من بغداد، وقد دخلت المجموعة تركب سيارات مرسيدس، وكانوا يلبسون اللباس العربي التقليدي. وكان مع أبو داود امرأة ادَّعى أنها زوجته وهي ليست زوجته.

وكانوا يخبئون أسلحة بالسيارات الثلاث، وقد أخفوا الأسلحة بطريقة فنية؛ لكي لا ينكشف الأمر، وقد خزَّنوا الأسلحة بمقاعد السيارات نفسها.

بطبيعة الحال، كانوا يحملون جوازات سفر مزورة. لكن مع ذلك تم ترتيب إلقاء القبض عليهم. وبحكم تفتيش المركبات من جهتنا الحدودية مع العراق، اشتُبه بهم، وبالتالي تم اقتيادهم للدائرة. وجرى تفتيش المركبات تفتيشاً دقيقاً وتفككت كل المركبات، وتم جمع الأسلحة كاملة، فسلم أبو داود بالأمر.

وبطبيعة الأمر، عندما تكتمت المخابرات على العملية ولم تعلن عن إلقاء القبض على عناصرها، ولم تكن قيادة «فتح» تعلم أن العملية انكشفت وقد تم توقيف جميع عناصرها. حاولت «فتح» عبر إذاعتها التمويه على مكان وجود أبو داود وزعموا بأن أبو داود بطل عمليات طبرية والقدس. وبعد أن انكشفت العملية أطلقوا على أبو داود لقب «نخلة عمّان». ثم بدأ التحقيق معه، وكان رجلاً واقعياً ولم نحتج إلى وقت طويل حتى قدّم اعترافاته. فعندما شعر بأن الأمور كانت مكشوفة لنا بالكامل كان الرجل واقعياً. فقال: «يا جماعة خلص. يعني الأمور واضحة».

أبو إياد يقول إن أبو داود تعرَّض لتعذيب؟

- لم يمس أحد شعرة منه. وهو رجل كان يفهم تماماً طبيعة الظروف بعد العثور على الأسلحة وجوازات السفر المزورة. لذلك؛ أدلى باعترافات كاملة، وأن العملية كانت تهدف إلى احتجاز مجلس الوزراء الأردني أثناء انعقاده ووضعهم رهائن؛ من أجل التفاوض على إطلاق متهمين خطرين كانوا معتقلين بالأردن وهم من منظمة «فتح». وتم تدوين إفادته كاملة وانتهى الموضوع.

لم تنته الأمور عند ذلك. بل قيل عن لقاء جمع الملك الحسين بأبو داود في دائرة المخابرات العامة؟

- في تلك الأيام كان محمد رسول الكيلاني، وهو أول مدير لجهاز المخابرات عند تأسيسه، في زيارة للملك الحسين. وطلب منه إعادة فتح ملف التحقيق مع أبو داود؛ لأن لدى الرجل معلومات مهمة. الملك حسين لسبب أو لآخر اقتنع وطلب من مدير المخابرات نذير رشيد أن يسمح لمحمد رسول الكيلاني بالاطلاع على ملف الاعترافات. لم يعجب ذلك المرحوم رشيد؛ لأن الأمر فيه تقليل من شأن الضباط المحترفين الذين حققوا مع أبو داود.

في تلك الأثناء قام والد ووالدة أبو داود بزيارة لمنزل محمد رسول، طالبين منه أن يلتقيا بالملك الحسين، ليطلبا منه العفو عن ولدهما، وفعلاً بعدها جاء الراحل الحسين وقابل أبو داود وسمع اعترافه.

أبو داود اعترف أمام الملك حسين؟

- الملك الحسين قرأ اعترافات أبو داود كاملة وبعدها قابله.

بماذا تحدثنا عن تفاصيل هذه اللحظات الإنسانية؟

- قابل الراحل الملك الحسين والد ووالدة أبو داود في دائرة المخابرات العامة، وقبلها كان الوالدان التقيا ولدهما الذي ظل سجيناً لفترة من الوقت. استجاب الراحل الحسين لاسترحام الأب والأم. وبعدها التقى أبو داود بمفرده.

وبعدما أحيل نذير رشيد إلى التقاعد وأعيد محمد رسول الكيلاني للخدمة مرة ثانية حاول إعادة فتح التحقيق والتوسع، لكنه لم يجد ثغرة تسمح له بإعادة فتح الملف. لكن الملك الحسين كان قد وعد الأب والأم بالإفراج عن ابنهما. وبعد فترة قصيرة تم الإفراج عنه.

وبتقديري، وهذا ما لمسته، بأن أبو داود تأثر من موقف الراحل الحسين ومعاملته الطيبة لوالديه وعفوه عنه. ولم يعد بأي تهديد للأردن أو القيام بأي عمل مستقبلي ضد الأردن.

أبو داود بين شرطيين فرنسيين بعد توقيفه لفترة قصيرة في مطار أورلي بباريس عام 1977 (أ.ف.ب)

بالنسبة لمحمد رسول لم يمكث طويلاً بفترته الثانية في إدارة الجهاز. فالمدة التي غاب فيها عن الدائرة شهدت الكثير من التطورات، وقد تقدمنا فنياً في العمل الاستخباري، كما أن التحديات اختلفت عما كان موجوداً في زمنه. كما زاد عدد الضباط زيادة ملحوظة وأصبح في الجهاز فرق وخبراء مختصون، أي أن المناخ اختلف وأصبح هناك احترافية في العمل.

نتيجة لذلك؛ حدث ارتباك في العمل وصرنا قلقين على مصير العمليات الاستخبارية نفسها؛ لأن العقلية القديمة مع الحداثة التي حصلت في الجهاز تسبب بإرباكات كثيرة. وقد حصل جفاء بيننا كضباط وأفراد، ولم نعد مرتاحين في هذه الأجواء، ففكرت مع المرحوم طارق علاء الدين بالاستقالة. وعندما وصل هذا الكلام للراحل الحسين زار دائرة المخابرات بشكل مفاجئ. وكان مكتبي يقع مقابل مكتب محمد رسول، وكان مكتب طارق بعدي مباشرة. دخل الحسين لمكتب محمد رسول وكان معه الشريف زيد بن شاكر. بعد نحو نصف ساعة خرج الحسين وقد استقبلته أمام مكتبي، فسلم عليّ وعلى وطارق علاء الدين. وقف معنا وجاملنا بكلمات لطيفة وغادر.

بعد أسبوع صدرت الإرادة الملكية بإحالة محمد رسول الكيلاني - رحمه الله - على التقاعد، وتعيينه مستشاراً للأمن القومي في الديوان الملكي، كما صدرت الارادة الملكية بتعييني مديراً للمخابرات في الأول من سبتمبر 1974.

هل كان الملك الحسين حريصاً على زيارة الجهاز واللقاء مع كبار ضباطه؟

- كانت علاقته بالدائرة علاقة مباشرة، ويجتمع بنا باستمرار ويستمع ليس لمعلوماتنا، بل لآرائنا الشخصية كذلك.

ثم بعد ذلك أصبحت علاقة الراحل مع الجهاز من خلال المدير، وهو الذي يرفع التقرير للملك مباشرة، كما يقدم التقرير الأمني لرئيس الوزراء بموجب أحكام القانون.

بالنسبة لي كنت أقدم تقارير لرئيس الحكومة وأقابل الملك أيضاً. لكن أمام الملك قد يكون من الواجب التوسع في شرح بعض القضايا شفاهة؛ حتى لا يتم تداول تلك المعلومات بين الموظفين. وكنت أقابل الملك باستمرار.

عندما يُطلب مني تقديم عرض أمني أمام الملك، كان الراحل الحسين يستدعي وقتها ولي عهده الأمير الحسن، كما يحضر مستشارو الملك وقيادات الجيش والأمن العام ورئيس الديوان ورئيس الحكومة. وطبعاً يكون العرض للتقرير الأمني فيه شرح للأوضاع الأمنية وأي تحديات خارجية أو داخلية.


مقالات ذات صلة

لماذا يتحدث الإعلام العبري عن «حرب باردة» بين إسرائيل ومصر؟

تحليل إخباري الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

لماذا يتحدث الإعلام العبري عن «حرب باردة» بين إسرائيل ومصر؟

وصل التحريض الإسرائيلي المستمر ضد مصر، إلى درجة تحدث فيها الإعلام العبري عن «استعداد لخوض حرب»، بينما تتجاهل مصر تلك المواقف، مع تركيزها على الوساطة في ملف غزة.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي إسرائيليون في مقبرة جبل هرتزل خلال احتفالات بذكرى القتلى العسكريين الثلاثاء (رويترز)

إسرائيل تُحيي «ذكرى الاستقلال» بمهرجانين متناقضين

تشهد إسرائيل مجموعة كبيرة من المهرجانات في ذكرى ما تسميه بـ«يوم الاستقلال»، لكن المناسبة باتت مساحة لخطابين ومهرجانين متناقضين.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مؤتمر صحافي عقده في ختام أعمال «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الأحد (الخارجية التركية)

تركيا لتمديد وقف إطلاق النار في إيران واستئناف المفاوضات

عبّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن تفاؤله بتمديد وقف النار بين إيران وأميركا، واستئناف المفاوضات، متهماً إسرائيل باستغلال الوضع لفرض أمر واقع في لبنان.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا الجمعة (إعلام تركي)

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا تدفع باتجاه استقرار المنطقة وحل المشكلات عبر الحوار والدبلوماسية والابتعاد عن الصراعات والنزاعات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

أسطول جديد لكسر الحصار على غزة يبحر من تركيا

سفن من «أسطول الصمود» اعترضتها «البحرية» الإسرائيلية في المياه الدولية راسية قبالة ساحل مدينة إيرابيترا بجزيرة كريت (أ.ف.ب)
سفن من «أسطول الصمود» اعترضتها «البحرية» الإسرائيلية في المياه الدولية راسية قبالة ساحل مدينة إيرابيترا بجزيرة كريت (أ.ف.ب)
TT

أسطول جديد لكسر الحصار على غزة يبحر من تركيا

سفن من «أسطول الصمود» اعترضتها «البحرية» الإسرائيلية في المياه الدولية راسية قبالة ساحل مدينة إيرابيترا بجزيرة كريت (أ.ف.ب)
سفن من «أسطول الصمود» اعترضتها «البحرية» الإسرائيلية في المياه الدولية راسية قبالة ساحل مدينة إيرابيترا بجزيرة كريت (أ.ف.ب)

أبحرت عشرات السفن من جنوب غربي تركيا، الخميس، ضِمن أسطول لإيصال مساعدات إلى قطاع غزة المدمَّر الذي تُحاصره إسرائيل، وفق ما أفاد أحد المنظمين «وكالة الصحافة الفرنسية».

قال غوركيم دورو، عضو فرع تركيا في «أسطول الصمود العالمي»، إن «نحو 50 سفينة أبحرت من مرمريس قبل نحو ساعة». وأضاف: «ستنضم إليها أربع أو خمس سفن من تحالف أسطول الحرية في المياه الدولية. وهي الآن تبحر إلى غزة».

وهذا الأسطول هو الثالث من نوعه في غضون عام لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة الذي يعاني نقصاً حاداً في الغذاء والماء والدواء والوقود منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل و«حماس» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

واعترضت القوات الإسرائيلية الأسطول الثاني في المياه الدولية قبالة اليونان، في 30 أبريل (نيسان) الماضي، واقتادت معظم الناشطين إلى جزيرة كريت، لكنها اعتقلت اثنين منهم واحتجزتهما لمدة عشرة أيام.

وقالت منظمات حقوقية إن اعتقال تياغو أفيلا وسيف أبو كشك غير قانوني وأنهما تعرضا لسوء المعاملة أثناء احتجازهما في إسرائيل.

من جهتها، نفت السلطات الإسرائيلية إساءة معاملة الناشطين اللذين لم توجه أي اتهامات رسمية لهما.


إسرائيل ترفض الانسحاب من لبنان قبل «تحييد» «حزب الله»

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في أحد شوارع العاصمة بيروت (إ.ب.أ)
عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في أحد شوارع العاصمة بيروت (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل ترفض الانسحاب من لبنان قبل «تحييد» «حزب الله»

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في أحد شوارع العاصمة بيروت (إ.ب.أ)
عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في أحد شوارع العاصمة بيروت (إ.ب.أ)

رفضت إسرائيل الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة قبل القضاء بصورة تامة على القدرات العسكرية لـ«حزب الله» وتأمين حدودها الشمالية، رداً على طلب لبنان خلال الجولة الثالثة من المفاوضات التي شهدتها واشنطن العاصمة بضيافة وزارة الخارجية.

وعقدت الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بضيافة وزارة الخارجية الأميركية التي تمثلت بمستشارها الرفيع مايك نيدهام والسفيرين الأميركيين في لبنان ميشال عيسى وإسرائيل مايك هاكابي. ولم يشارك وزير الخارجية ماركو روبيو بسبب وجوده مع الرئيس دونالد ترمب في الصين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستضيفاً السفيرين اللبنانية ندى حمادة معوض والإسرائيلي يحيئيل ليتر في المكتب البيضاوي بحضور نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو والسفيرين الأميركيين لدى لبنان ميشال عيسى وإسرائيل مايك هاكابي (أ.ف.ب)

وترأس الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم ترافقه السفيرة في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض ونائب السفيرة وسام بطرس والملحق العسكري أوليفر حاكمة. ومَثّل الجانب الإسرائيلي نائب مستشار الأمن القومي يوسي درازنين والمسؤول في رئاسة الوزراء أوري رزنيك والسفير في واشنطن يحيئيل ليتر.

تمديد وقف إطلاق النار

وعرض المفاوضون في الاجتماع لتمديد الوقف الراهن لإطلاق النار الذي تنتهي مفاعيله الأحد المقبل، مع تشديد المفاوضين اللبنانيين على «أهمية التزامه بصورة كاملة» من كل من إسرائيل و«حزب الله». لكن المفاوضين الإسرائيليين يؤكدون أنهم يتصرفون عسكرياً لمواجهة تهديدات الحزب الموالي لإيران.

ولا يزال الوسطاء الأميركيون عند موقفهم من أن إسرائيل «يحق لها أن تدافع عن نفسها» بموجب اتفاق وقف الأعمال العدائية مع لبنان في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وما تلاه من تفاهمات لاحقة بين اللبنانيين والإسرائيليين. ويتوقع أن يتخذ الوسطاء الأميركيون خلال الساعات المقبلة قراراً في شأن تمديد وقف العمليات العدائية.

السفير الإسرائيلي

واعتبر السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة يحيئيل ليتر أن الجولة الثالثة من المحادثات «تمثل تحولاً» عن الجلستين السابقتين اللتين ركزتا على الانسحابات العسكرية الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، لأنه صار «مفهوماً» أن وجود الجيش الإسرائيلي إنما هو رد مباشر على ترسانة «حزب الله»، مؤكداً أن المناقشات مع مفاوضيه اللبنانيين تجاوزت مرحلة وضع المعايير الأولية للمحادثات، وأنها صارت تعتبر مفاوضات مباشرة لوضع إطار عمل فريد ذي مسارين، هدفه التوصل إلى معاهدة سلام رسمية وتفكيك الحزب الموالي لإيران «بشكل كامل».

وكان ليتر يتحدث مع وسائل إعلام خلال مناسبة في السفارة الإسرائيلية في واشنطن العاصمة، إذ قال: «يدرك الجميع اليوم أن وجودنا في لبنان نابع من وجود (حزب الله)، فهو مسلح حتى النخاع، ويرغب في إطلاق صواريخ على مدننا وبلداتنا وقرانا». وأضاف: «لن نسمح بحدوث ذلك بعد الآن».

وأمل ليتر في أن «ننتقل إلى وضع إطار عمل لفريقين»، الأول «سيتولى مهمة تحقيق السلام، أي معاهدة سلام شاملة، كما لو أن (حزب الله) لم يعد موجوداً»، موضحاً أن التركيز الآن هو على «التوصل إلى معاهدة سلام، كما لو لم يكن هناك (حزب الله)، ومحاربة (حزب الله) كما لو لم تكن هناك معاهدة سلام. وأعتقد أننا سنحقق كلا الأمرين».

صمت لبناني

وكان لافتاً استباق ليتر للجولة الثالثة بتأكيده أنه لا يمكن تحقيق انفراجة دبلوماسية ما لم تحصل عملية تحييد القدرات العسكرية لـ«حزب الله». وقال: «لن نتمكن من تنفيذ اتفاقية السلام التي سنوقعها ما لم ينفذ المسار الثاني، وهو تفكيك (حزب الله)». واعتبر أن «المصلحة المشتركة في تحرير لبنان من (حزب الله) هي التي ستنتصر في نهاية المطاف».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن العاصمة (د.ب.أ)

وكذلك أكد أن إسرائيل «ليس لديها خطط فورية للانسحاب»، علماً بأنه «ليس لدينا أي مطامع في الأراضي اللبنانية». وعبّر عن تفاؤل حذر حيال إيجاد «شريك حقيقي» للسلام عند اللبنانيين، مستشهداً باستطلاعات تشير إلى تحول ملحوظ في الرأي العام اللبناني، حتى بين الشيعة. وإذ ادعى أن «الشيعة، الذين كانوا يؤيدون اتفاق السلام مع إسرائيل بنسبة تراوح بين 5 و10 في المائة فقط، صاروا الآن يعارضون (حزب الله) بنسبة تراوح بين 40 و50 في المائة». ومع ذلك، أقر بأن «هذه عملية لن تكون سهلة، لأننا عملنا على مدى 30 أو 40 عاماً بطريقة مختلفة»، علماً بأن «اللبنانيين مترددون للغاية في المضي قدماً، على رغم رغبتهم الشديدة في طرد (حزب الله) مثلنا تماماً».


إغلاق المؤسسات المسيحية في القدس وسط اعتداءات المستوطنين

يهود متطرفون عند «بوابة دمشق» في القدس القديمة الخميس (إ.ب.أ)
يهود متطرفون عند «بوابة دمشق» في القدس القديمة الخميس (إ.ب.أ)
TT

إغلاق المؤسسات المسيحية في القدس وسط اعتداءات المستوطنين

يهود متطرفون عند «بوابة دمشق» في القدس القديمة الخميس (إ.ب.أ)
يهود متطرفون عند «بوابة دمشق» في القدس القديمة الخميس (إ.ب.أ)

عشية الذكرى العبرية لاحتلال القدس، شهدت المدينة المقدسة، اليوم (الخميس)، سلسلة اعتداءات استيطانية عنيفة، مدعومة من الشرطة الإسرائيلية، شملت اقتحامات واسعة للمسجد الأقصى المبارك، واعتداءات على الحي الإسلامي في البلدة القديمة، وفرض أشبه بحظر التجول في حي النصارى، قرب باب الخليل، وإقامة حلقات رقص هستيرية بأعلام إسرائيل.

وقال شاهد عيان لـ«الشرق الأوسط» إن رجال الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود وقوات المخابرات احتلوا البلدة القديمة داخل الأسوار وخارجها من جديد، وأغرقوا المكان بالأعلام الإسرائيلية في مظاهرة استعراض عضلات، تبين كم هي فاقدة الثقة بسيطرتها. ومع أن قيادة الشرطة أعلنت أنها ستفرض النظام بالقوة وتمنع العنف، فقد هاجم عدد كبير من المستوطنين كل من صادفوه في طريقهم وكسروا عدداً من واجهات المحلات التجارية الفلسطينية. وعندما حاول مواطنون التصدي لهم، استلوا العصي التي حملوها وراحوا يعتدون بالضرب، وسط عدم اكتراث من رجال الشرطة، الذين راقبوا المكان بقواتهم على الأرض وعشرات الحواجز العسكرية في مداخل المدينة وبالكاميرات المنصوبة في كل قرنة وزقاق. واعتدوا على مجموعة من أنصار السلام اليهود الذين حضروا للتضامن مع الفلسطينيين والمشاركة في صدّ الاعتداءات.

الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير يحمل علماً أمام المسجد الأقصى في القدس القديمة الخميس (رويترز)

ويقوم المستوطنون الإسرائيليون، تحت غطاء كامل من الحكومة، بما يعرف بـ«مسيرة الرقص بالأعلام (الإسرائيلية)»، في الذكرى السنوية لاحتلال القدس الشرقية (بحسب التقويم العبري)، بمشاركة عشرات الآلاف. وبسبب الاعتداءات «التقليدية»، حاول الفلسطينيون تفادي الصدام. فقررت جميع المؤسسات المسيحية إغلاق أبوابها ومتاجرها، وأغلق سائر الفلسطينيين في الحي الإسلامي متاجرهم، كما أصدرت سلطات الاحتلال بلاغات لتجار البلدة القديمة ومحيطها، تطالبهم بإغلاق محالهم التجارية عند الساعة الثانية عشرة ظهراً، تزامناً مع مرور مسيرة الأعلام. لكن هذا لم يحمهم من الاعتداءات.

وقد تدفق نحو ألف مستوطن منهم إلى المسجد الأقصى من جهة باب المغاربة، وأدّوا الطقوس والصلوات داخل باحاته، وذلك تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال. وذكرت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس أن المستوطنين أدّوا شعائر وطقوساً تملودية، بينها ما وصف بـ«السجود الملحمي»، في المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى، وتحديداً في محيط باب الرحمة. كما أشارت إلى أن عضو الكنيست، أرييل كيلنر، شارك في قيادة مجموعات المقتحمين خلال الاقتحام الصباحي.

شرطيتان إسرائيليتان تحتجزان امرأة في القدس القديمة الخميس (رويترز)

وبالمقابل، فرضت شرطة الاحتلال قيوداً مشددة على دخول المسلمين الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى، من خلال التفتيش الدقيق واحتجاز الهويات على البوابات الخارجية، ما يحدّ من حرية الوصول إلى المسجد في هذه الفترة. كما فرضت الشرطة إجراءات مشددة تمنع بموجبها دخول الرجال دون سن 60 عاماً، والنساء دون 50 عاماً، منذ صلاة الفجر، إلى جانب اعتداءات بالضرب والدفع على عدد من المصلين عند بوابات المسجد.

كما أُجبر المصلون وموظفو الأوقاف وطلاب المدرسة الشرعية على المكوث داخل المصليات المغلقة فقط، ومنعهم من البقاء في ساحات المسجد، ما أدى إلى تقليص أعداد الموجودين إلى نحو 150 شخصاً، مقابل دخول أكثر من 200 مستوطن خلال الساعة الأولى من الاقتحام. وأفادت دائرة الأوقاف الإسلامية بأن 620 مستوطناً و78 طالباً يهودياً اقتحموا ساحات المسجد الأقصى، صباح اليوم، تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي.

شبان يهود يتجمعون في القدس القديمة الخميس (د.ب.أ)

يذكر أنه في نهاية عام 2024، بلغ عدد السكان العرب في القدس نحو 400 ألف نسمة، أي ما يعادل نسبة 40 في المائة من عموم سكان المدينة، ونحو 70 في المائة من سكان المدينة الشرقية المحتلة. وبحسب إحصائيات إسرائيلية رسمية، فإن 60 في المائة من الفلسطينيين في المدينة يعيشون دون خط الفقر (مقابل 39 في المائة في أوساط المواطنين العرب في إسرائيل). وأكثر من 90 في المائة منهم ينتمون إلى الشريحة الاجتماعية والاقتصادية الأولى، في أسفل الهرم. وهم يعانون من مخططات إهمال في جميع مجالات الحياة، ضمن السعي إلى ترحيلهم.

وأقيمت في المدينة 14 حياً استيطانياً يهودياً. لكن في السنوات الأخيرة تقوم ميليشيات يهودية استيطانية بتنفيذ اعتداءات عنيفة بغطاء من الشرطة وحرس الحدود، بشكل منهجي على مدار اليوم. وبحسب البروفسور يسكا هراني، وهي باحثة في شؤون المدينة، فإن الشرطة سجّلت 181 اعتداء على مسيحيين من هؤلاء المستوطنين خلال السنة المنصرمة، عدا الاعتداءات التي يتعرض لها رجال الدين المسيحيون، والراهبات بشكل خاص.