أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

أنتراس حضّ في حديث إلى «الشرق الأوسط» الأسواق الناشئة على تجنب تقليد القوى الكبرى في «الحمائية»

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما أسماه «التكامل المجزأ». وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط»، على هامش مؤتمر العلا، أشار أنتراس إلى أن رؤية السعودية وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

يُعدُّ البروفسور بول أنتراس واحداً من أبرز المنظرين الاقتصاديين في العصر الحديث، وهو أستاذ كرسي «روبرت برينكتون» للاقتصاد في جامعة هارفارد. تتركز أبحاثه التي غيَّرت مفاهيم التجارة الدولية حول «سلاسل القيمة العالمية» وكيفية تنظيم الشركات إنتاجها عبر الحدود. ويعدّ أنتراس مرجعاً عالمياً في فهم كيفية تأثير القوانين والتكنولوجيا على تدفق السلع السعودية وتحدي «الصناديق الجاهزة».

بدأ أنتراس حديثه بانتقاد الطريقة التقليدية في تصنيف الاقتصادات، قائلاً: «من الصعب جداً تقديم عبارات عامة حول كيفية استفادة الأسواق الناشئة من التحول التجاري الدولي، والسبب هو أننا غالباً ما نحب وضع الدول في صناديق أو سلال واحدة كما نفعل مع القارات». وأوضح أنتراس أن مصطلح «الأسواق الناشئة» يخفي خلفه هياكل صناعية متباينة تماماً، مبيِّناً الفرق الجوهري للحالة السعودية: «هناك اقتصادات تعتمد بشكل مكثف على تصدير الصناعات التحويلية، وهذه يمثل التكامل التجاري والوصول للأسواق شريان حياة لها، وهي الأكثر قلقاً من ضغوط المنافسة الصينية التي بدأت بالانزياح من السوق الأميركية نحو أسواقهم. لكن في المقابل، نجد اقتصاداً مثل السعودية، يُصدِّر كثيراً، ولكنه يواجه منافسةً ضئيلةً جداً من جانب الصين في سلعته الأساسية». ويرى أنتراس أن هذا الوضع يخلق فرصةً ذهبيةً للمملكة. فـ«بالنسبة للسعودية، هذا الوقت هو فرصة للحصول على سلع من الصين بتكلفة أرخص من السابق، أو الحصول على تشكيلة متنوعة من البضائع التي لم تكن متاحةً لها لأنها كانت تتدفق بالكامل نحو السوق الأميركية».

وحول كيفية تعامل الأسواق الناشئة مع ضغوط «الإغراق» والمنافسة، وجَّه أنتراس نصيحةً صريحةً: «أعتقد أن على الأسواق الناشئة إظهار أقل قدر ممكن من الميول الحمائية. لن يكون الأمر سهلاً؛ لأن نمو الصادرات الصينية سيؤثر حتماً على بعض المنتجين المحليين، مما سيخلق ضغوطاً سياسية لحمايتهم. لكن الطريق الصحيح للمستقبل هو أن تسوِّق نفسك بوصفك اقتصاداً ملتزماً بنظام متعدد الأطراف، اقتصاداً يسمح للمنتجين الأجانب بالبيع في سوقك، ويشجع منتجيك في الوقت ذاته على استكشاف الأسواق الخارجية. يجب أن نتجنَّب تماماً محاكاة ما تفعله الدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة». وعند سؤاله عن حماية الصناعات المحلية المتضررة، أضاف: «نعم، الإغراق الصيني يمثل قلقاً جدياً لبعض الدول التي تمتلك قاعدة تصنيع محلية تتنافس مباشرة مع الصين، ولكن بالنسبة للسعودية، القلق أقل لأنها لا تملك تلك القاعدة التي تتصادم مباشرة مع المنتجات الصينية. في الواقع، الواردات الرخيصة قد تفيد المستهلك السعودي. وإذا وُجد قطاع متضرر، فهناك طرق أفضل لحماية الناس من الحمائية، مثل تقديم خطط ائتمان، أو إعانات، أو مساعدة الشركات على إعادة التفكير في نماذج أعمالها وتطويرها».

العولمة لم تمت... بل أصبحت «مجتزأة»

ورداً على السؤال الجدلي حول نهاية العولمة، صاغ أنتراس مفهوماً جديداً، قائلاً: «لا أظن أن العولمة قد انتهت، بل أسميها (التكامل المجزأ - Fragmented Integration). سنستمر في التكامل، لكن الاتفاقات التجارية ستُبرَم بطرق مختلفة. لم يعد بإمكاننا الاعتماد فقط على المفاوضات متعددة الأطراف للوصول إلى الأسواق، لأن الشعور بالالتزام بتلك الاتفاقات تَراجَع عالمياً. الصفقات ستظل تُوقَّع، لكنها ستكون أكثر تعقيداً، وسيبقى عدم اليقين هو العنوان الأبرز».

الفائدة والذكاء الاصطناعي: الوجه الآخر للعملة

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، قال أنتراس: «أسعار الفائدة المرتفعة، مضافةً إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، تحد دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن، الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ويرى أنتراس أن هذا النمو هو المُخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».

قلق الوظائف... والتدخل الحكومي

لم يخفِ أنتراس قلقه العميق تجاه سوق العمل، حيث عدّ أن التحدي المقبل مزدوج وخطير؛ فهو يجمع بين مطرقة المنافسة الصينية وسندان الأتمتة عبر الذكاء الاصطناعي. وقال أنتراس بلهجة تحذيرية: «أنا قلق جداً بشأن مستقبل العمالة؛ فالمنافسة الشرسة من الصادرات الصينية، إذا تزامنت مع أتمتة الوظائف عبر الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي إلى اضطرابات حادة في سوق العمل، وتحديداً بين أوساط العمال الشباب».

وأكد أنتراس أن هذا المشهد لا يمكن تركه لقوى السوق وحدها، بل يتطلب استراتيجيةً استباقيةً. «هنا تبرز الحاجة الماسة لتدخُّل الحكومات، وهو تدخُّل يتطلب موارد مالية ضخمة، واستعداداً عالي المستوى». ويرى أنتراس أن المَخرَج الوحيد هو «شرط الإنتاجية»؛ فإذا أثبتت التقنيات الجديدة قدرتها على رفع الإنتاجية بالقدر المأمول، فإن هذا النمو سيوفر للحكومات «الحيز المالي» اللازم لتعويض المتضررين وإعادة تأهيل الكوادر البشرية. واختتم هذه النقطة بالتأكيد على أن النجاح يكمن في «إيجاد توازن دقيق بين معالجة الآثار السلبية قصيرة المدى، والاستثمار في المكاسب الاستراتيجية طويلة الأجل».


مقالات ذات صلة

«فوجي فيلم» لـ«الشرق الأوسط»: الطباعة في السعودية تدخل منظومة حوكمة المعلومات

خاص تتحول الطباعة في السعودية من وظيفة مكتبية إلى جزء من منظومة أمن المعلومات والحوكمة المؤسسية (أدوبي)

«فوجي فيلم» لـ«الشرق الأوسط»: الطباعة في السعودية تدخل منظومة حوكمة المعلومات

تتحول الطباعة في السعودية إلى منظومة آمنة لإدارة المعلومات تربط الورق بالأنظمة الرقمية وتدعم الحوكمة والتتبع والامتثال المؤسسي بكفاءة متزايدة.

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)

«بوليفارد بيزنس بارك»... أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في السعودية

أعلن المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه بالسعودية، اكتمال الأعمال بمشروع «بوليفارد بيزنس بارك»؛ أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال بالبلاد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد على هامش توقيع الاتفاقيات بين السعودية وكندا (الشرق الأوسط)

السعودية وكندا… شراكة تتجاوز التجارة إلى الاستثمار الاستراتيجي

تدخل العلاقات الاقتصادية بين السعودية وكندا مرحلة جديدة تتجاوز التبادل التجاري التقليدي نحو بناء شراكات استثمارية طويلة الأجل، مدفوعة بتقاطع المصالح الاقتصادية.

سعيد الأبيض (جدة)
الاقتصاد صورة جماعية للمشاركين في «ملتقى الاستثمار السعودي الكندي» (الشرق الأوسط)

رئيس وزراء كندا: السعودية أحد أهم أعمدة الاقتصاد العالمي

أكد رئيس وزراء كندا، مارك كارني، أن السعودية باتت تمثل اليوم أحد أهم أعمدة الاقتصاد في العالم، مشيداً بالتسارع الكبير الذي يشهده النمو الاقتصادي السعودي.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الاقتصاد اللقاء بين رئيس وزراء كندا ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي (إكس)

الخريّف يتباحث مع رئيس وزراء كندا في جدة لتعميق التعاون الصناعي والتعديني

التقى وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريّف، برئيس وزراء كندا، مارك كارني، وجرى بحث فرص تعميق التعاون الصناعي والتعديني بين المملكة وكندا.

«الشرق الأوسط» (جدة)

اليابان تلوّح بتحول تاريخي في استثمارات التقاعد… واستجابة فورية بالأسواق

شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في طوكيو (إ.ب.أ)
TT

اليابان تلوّح بتحول تاريخي في استثمارات التقاعد… واستجابة فورية بالأسواق

شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في طوكيو (إ.ب.أ)

أشعلت الحكومة اليابانية موجة تفاؤل في الأسواق المالية بعدما أعلنت عزمها تشجيع صناديق التقاعد الحكومية على زيادة استثماراتها في الأصول المحلية، في خطوة قد تعيد توجيه مئات المليارات من الدولارات إلى الاقتصاد الياباني، وتمنح دعماً قوياً للين وسوق السندات بعد أشهر من الضغوط.

وجاء الإعلان على لسان وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما، التي قالت إن الحكومة تريد اتخاذ إجراءات تشجع صناديق التقاعد، وفي مقدمتها صندوق استثمار المعاشات التقاعدية الحكومي (GPIF)، على زيادة استثماراتها «بشكل كبير» في الأصول المالية اليابانية.

ولم تمض دقائق على التصريحات حتى انعكست آثارها على الأسواق؛ إذ ارتفع الين الياباني، وقفزت الأسهم، في حين سجلت عوائد السندات الحكومية أكبر انخفاض يومي لها منذ أكثر من عام، في إشارة إلى رهان المستثمرين على أن الأموال اليابانية قد تبدأ بالعودة إلى الداخل.

أكبر صندوق تقاعد في العالم

ويحظى صندوق استثمار المعاشات التقاعدية الحكومي الياباني باهتمام استثنائي لأنه أكبر صندوق تقاعد في العالم؛ إذ يدير أصولاً تبلغ 293.6 تريليون ين، أي ما يعادل نحو 1.8 تريليون دولار حتى نهاية مارس (آذار) الماضي.

وأي تعديل في سياسة استثمارات هذا الصندوق لا يقتصر تأثيره على اليابان فحسب، بل يمتد إلى أسواق الأسهم والسندات والعملات حول العالم؛ نظراً لضخامة استثماراته الخارجية.

ويحتفظ الصندوق حالياً بتوزيع متوازن تقريباً بين الأسهم المحلية، والأسهم الأجنبية، والسندات اليابانية، والسندات الأجنبية، وهي السياسة التي اعتمدها خلال السنوات الأخيرة لتنويع المخاطر وتحقيق عوائد مستقرة للمستفيدين من نظام التقاعد.

عودة إلى الداخل

ويعتقد المستثمرون أن الحكومة تسعى إلى إعادة جزء من رؤوس الأموال اليابانية الضخمة إلى السوق المحلية، في وقت يواجه فيه الين ضغوطاً مستمرة، بينما تعاني سوق السندات تقلبات حادة بسبب ارتفاع الإنفاق الحكومي، وحذر «بنك اليابان» في رفع أسعار الفائدة.

وارتفع الين بنحو 0.6 في المائة مباشرة بعد تصريحات وزيرة المالية ليصل إلى 161.28 ين للدولار قبل أن يقلص جزءاً من مكاسبه لاحقاً. كما تراجعت عوائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات بمقدار 11.5 نقطة أساس إلى 2.76 في المائة، وهو أكبر انخفاض يومي منذ أكثر من عام، في حين سجلت الأسهم اليابانية مكاسب واسعة.

وقال سيم موه سيونغ، استراتيجي العملات في بنك «أو سي بي سي»، إن الأسواق تنظر إلى هذه الخطوة بإيجابية لأنها قد تسهم في الحد من التقلبات التي شهدتها العملة اليابانية والسندات خلال الأشهر الماضية، وإن لم تكن تمثل «حلاً سحرياً».

لماذا الآن؟

تأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه اليابان ضغوطاً متزايدة نتيجة استمرار ضعف الين، الذي هبط الأسبوع الماضي إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود؛ وهو ما أدى إلى ارتفاع تكلفة الواردات وزيادة الضغوط على الأسر والشركات، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة المرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط.

كما تواجه الحكومة انتقادات بشأن سياستها المالية التوسعية، في حين لا يزال «بنك اليابان» يتحرك بحذر شديد في رفع أسعار الفائدة رغم عودة التضخم.

وتقول الحكومة إنها تريد مساعدة الأسر على الاستفادة بصورة أكبر من النمو الاقتصادي، في ظل انتقال اليابان إلى مرحلة جديدة تقوم على أسعار فائدة إيجابية ونشاط أقوى في أسواق المال.

وليست هذه المرة الأولى التي يغيّر فيها صندوق التقاعد العملاق استراتيجيته الاستثمارية. ففي عام 2014، وخلال عهد رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي، أجرى الصندوق أكبر تعديل في تاريخه ضمن سياسة «آبينوميكس»، حيث خفّض استثماراته في السندات المحلية وزاد انكشافه على الأسهم والأصول الأعلى مخاطرة لدعم النمو الاقتصادي.

ثم عاد في 2020 ليزيد استثماراته في السندات الأجنبية من 15 في المائة إلى 25 في المائة، مقابل خفض السندات اليابانية من 35 في المائة إلى 25 في المائة؛ في محاولة لتعزيز العائدات في ظل أسعار الفائدة المنخفضة داخل اليابان.

أما اليوم، فإن الاتجاه يبدو معاكساً؛ إذ تسعى الحكومة إلى إعادة جزء من تلك الأموال إلى الداخل لدعم الأسواق المحلية.

هل يمكن تنفيذ الخطة؟

ورغم الحماس الذي أبدته الأسواق، فإن تنفيذ هذه الخطة لن يكون سهلاً. فصندوق استثمار معاشات التقاعد الياباني يتمتع باستقلالية قانونية، وتتمثل مهمته الأساسية في تحقيق أفضل عائد ممكن للمستفيدين من نظام التقاعد بأقل مستوى من المخاطر، وليس تنفيذ سياسات الحكومة الاقتصادية.

كما أن الصندوق يخضع لإشراف وزارة الصحة والعمل والرفاهية، وليس وزارة المالية؛ ما يعني أن أي تعديل في سياسة الاستثمار يتطلب توافقاً حكومياً وإجراءات تنظيمية معقدة... وأقرَّت وزيرة المالية بهذا الأمر، مؤكدة أن القرار «ليس بيدها وحدها»، وأن الحكومة ستعمل على بناء توافق داخلي قبل المضي في أي تغييرات.

ومن المتوقع أن تتضح الصورة بشكل أكبر مع إقرار الحكومة النسخة النهائية من خطتها الاقتصادية الجديدة في 21 يوليو (تموز) الحالي، وهي الخطة التي يترقبها المستثمرون لكونها قد تحدد مستقبل السياسة المالية، ودور أكبر صندوق تقاعد في العالم في إعادة تشكيل الأسواق اليابانية والعالمية.


إدراج «إس كيه هاينكس» في أميركا يختبر استدامة طفرة الذكاء الاصطناعي

شعار «إس كيه هاينكس» خلال معرض أشباه الموصلات في سيول (أرشيفية - رويترز)
شعار «إس كيه هاينكس» خلال معرض أشباه الموصلات في سيول (أرشيفية - رويترز)
TT

إدراج «إس كيه هاينكس» في أميركا يختبر استدامة طفرة الذكاء الاصطناعي

شعار «إس كيه هاينكس» خلال معرض أشباه الموصلات في سيول (أرشيفية - رويترز)
شعار «إس كيه هاينكس» خلال معرض أشباه الموصلات في سيول (أرشيفية - رويترز)

يمثل بدء تداول أسهم شركة «إس كيه هاينكس» في الولايات المتحدة يوم الجمعة، عقب طرح أسهم بقيمة 26.5 مليار دولار، اختباراً مهماً لمدى ثقة المستثمرين في استدامة موجة الذكاء الاصطناعي، في وقت تعرضت فيه أسهم شركات أشباه الموصلات لضغوط بعد موجة صعود قوية.

وفقدت أسهم شركات الرقائق الإلكترونية بعضاً من زخمها خلال الأسابيع الأخيرة، بفعل مخاوف المستثمرين من احتمال تباطؤ الإنفاق على تقنيات الذكاء الاصطناعي. وتراجع سهم «إس كيه هاينكس» بنحو 25 في المائة عن أعلى مستوى قياسي سجله قبل أسبوعين، رغم أنه لا يزال مرتفعاً بنحو 650 في المائة مقارنة بالعام الماضي، وفق «رويترز».

رهان على استمرار موجة الذكاء الاصطناعي

تُعد الشركة الكورية الجنوبية أحدث المستفيدين من موجة إقبال المستثمرين على الشركات التي يُنظر إليها باعتبارها المستفيد الأكبر من ثورة الذكاء الاصطناعي، التي دفعت شركات التكنولوجيا العالمية إلى ضخ استثمارات رأسمالية بمئات المليارات من الدولارات.

وقال توماس هايز، رئيس مجلس إدارة شركة «غريت هيل كابيتال» في نيويورك: «يُعد قطاع أشباه الموصلات العالمي حالياً أحد أكثر القطاعات ازدحاماً من حيث الاستثمارات».

وأضاف: «المصرفيون والجهة المصدرة، وهي (إس كيه هاينكس) في هذه الحالة، يستغلون الطلب المتاح في السوق، في ظل إدراكهم أن التقييمات مرتفعة ورغبتهم في الاستفادة من هذه الفرصة».

طرح قياسي وتعزيز الحضور الأميركي

ارتفع سهم «إس كيه هاينكس» بنسبة 2.2 في المائة إلى 2.233 مليون وون (1479.98 دولار) في سوق سيول يوم الجمعة، بعدما حددت الشركة سعر إيصالات الإيداع الأميركية عند 149 دولاراً للإيصال الواحد، بزيادة 2.7 في المائة عن متوسط سعر السهم خلال الأيام الثلاثة السابقة. ويعادل كل عشرة إيصالات إيداع أميركية سهماً عادياً واحداً.

ويُعد هذا الطرح ثاني أكبر إدراج في السوق الأميركية بعد الاكتتاب العام القياسي لشركة «سبايس إكس» الشهر الماضي، ومن شأنه توفير تمويل للشركة لبناء مصانع جديدة، إلى جانب منحها وصولاً مباشراً إلى أكبر قاعدة مستثمرين في العالم.

وقال جوزيبي سيت، المؤسس المشارك لمنصة تحليل الاستثمار «ريفلكسيفيتي»: «يمثل هذا الإدراج الطريقة المثلى أمام المستثمرين الأميركيين للاستثمار في قطاع ذاكرة الذكاء الاصطناعي. وقد اختارت (هاينكس) بورصة (ناسداك) للاستفادة من الطلب القوي وأعلى التقييمات التي تحظى بها شركات الرقائق الأميركية مقارنة بسوق سيول».

وأضاف: «أتمّت (إس كيه هاينكس) هذه الصفقة بفضل قوة قصتها الاستثمارية، لكن الشركات التي ستتبعها قد تواجه سوقاً أكثر تنافسية وانتقائية».

ريادة رقائق الذاكرة للذكاء الاصطناعي

تتخذ «إس كيه هاينكس» من مدينة إيتشون في كوريا الجنوبية مقراً لها، وتُعد أكبر مُصنّع عالمي لرقائق الذاكرة عالية النطاق الترددي (إتش بي إم)، وهي تقنية أساسية لمعالجة كميات ضخمة من البيانات في وحدات معالجة الرسومات (GPU) المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتي تنتجها شركات مثل «إنفيديا» و«إيه إم دي».

وقد أدى الإنفاق الضخم لشركات التكنولوجيا الكبرى على هذه المعالجات المتقدمة إلى تحويل رقائق «إتش بي إم» إلى مكوّن نادر، ما رفع أسعارها وجعل الشركات المنتجة لها من بين أكثر الاستثمارات جذباً في «وول ستريت»، باعتبارها جزءاً أساسياً من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

كما سجلت شركة «ميكرون»، المنافسة الأميركية لـ«إس كيه هاينكس»، ارتفاعاً قوياً بلغ 711 في المائة خلال الاثني عشر شهراً الماضية. ويرى محللون أن إدراج أسهم «إس كيه هاينكس» في السوق الأميركية قد يساعد في تقليص فجوة التقييم بين الشركتين من خلال توسيع قاعدة المستثمرين وزيادة سهولة الوصول إلى السهم.

وعلى الرغم من ريادة «إس كيه هاينكس» في تقنية «إتش بي إم»، فإن سهمها يُتداول عند نحو 5.8 ضعف الأرباح المتوقعة، مقارنة بنحو 7 أضعاف لـ«ميكرون»، وفقاً لبيانات بورصة لندن.

إنفاق ضخم على البنية التحتية

تواصل شركات التكنولوجيا الكبرى، الساعية إلى تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر سرعة وقدرة، ضخ مئات المليارات من الدولارات في البنية التحتية الداعمة لهذه التقنية، عبر جمع التمويل من أسواق الأسهم والديون.

ويتوقع المحللون استمرار نمو الإنفاق على المدى القريب. وأشارت مذكرة صادرة عن «بنك أوف أميركا» للأوراق المالية هذا الأسبوع إلى أن الإنفاق الرأسمالي العالمي على البنية التحتية للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي قد يقترب من 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2027، بزيادة سنوية تتراوح بين 40 في المائة و50 في المائة. لكن في المقابل، تتزايد التساؤلات حول العوائد المتوقعة من هذه الاستثمارات الضخمة، وسط مخاوف من احتمال اضطرار شركات الحوسبة السحابية الكبرى إلى إبطاء وتيرة الإنفاق.

وقال مات كينيدي، كبير الاستراتيجيين لدى «رينيسانس كابيتال»، المتخصصة في أبحاث الاكتتابات العامة الأولية وصناديق المؤشرات المتداولة: «سيقيّم المستثمرون قوة انتعاش السوق خلال العام الماضي في ضوء التقلبات الأخيرة؛ إذ تظل مخاوف فائض المعروض متأصلة في هذا القطاع».


تراجع العقود الآجلة الأميركية وسط ترقب إدراج «إس كيه هاينكس»

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

تراجع العقود الآجلة الأميركية وسط ترقب إدراج «إس كيه هاينكس»

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

تراجعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» يوم الجمعة، لتتوقف بذلك موجة الصعود القوية التي شهدتها «وول ستريت»، مع متابعة المستثمرين للتطورات في الشرق الأوسط وترقب الإدراج المرتقب لشركة «إس كيه هاينكس»، إحدى أبرز شركات صناعة رقائق الذاكرة في كوريا الجنوبية، في بورصة «ناسداك».

وكانت المؤشرات الأميركية الرئيسية قد أغلقت على ارتفاع في الجلسة السابقة، مدفوعة بمكاسب شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية. ومع نهاية تعاملات الخميس، كان مؤشرا «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» يتجهان نحو تسجيل مكاسب أسبوعية، في وقت عاد فيه التركيز إلى قطاع الذكاء الاصطناعي قبيل الإدراج الأميركي المرتقب لـ«إس كيه هاينكس» في وقت لاحق من يوم الجمعة، وفق «رويترز».

وحددت الشركة، المتخصصة في صناعة رقائق الذاكرة، سعر إيصالات الإيداع الأميركية عند 149 دولاراً للإيصال الواحد يوم الخميس، ما أتاح لها جمع نحو 26.5 مليار دولار. ومن المتوقع أن يصبح هذا الطرح ثاني أكبر إدراج في السوق العالمية بعد الاكتتاب العام القياسي لشركة «سبايس إكس» الشهر الماضي.

وقال دان كوتسوورث، رئيس قسم الأسواق في شركة «إيه جيه بيل»: «ربما جاء إدراج إس كيه هاينكس في الولايات المتحدة متأخراً بضعة أشهر، بعدما تراجعت أسهم موردي رقائق الذاكرة عقب فترة ازدهار قوية في وقت سابق من العام».

وأضاف: «مع ذلك، تجاوز الطلب على الطرح الأميركي توقعات بعض المستثمرين، ما يشير إلى أن تعافي سوق رقائق الذاكرة ربما يكون قد شهد توقفاً مؤقتاً، وليس بالضرورة أن يكون قد بلغ ذروته».

وكانت شركات تصنيع الرقائق من أبرز المستفيدين من موجة الصعود التي شهدتها الأسواق هذا العام، مدفوعة بتوقعات ضخ استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. غير أن المخاوف بشأن ارتفاع التقييمات وعمليات جني الأرباح أدت مؤخراً إلى زيادة التقلبات في القطاع.

وتراجعت أسهم شركات أشباه الموصلات في تعاملات ما قبل افتتاح السوق، بقيادة شركات تصنيع رقائق الذاكرة. وانخفض سهم «مايكرون تكنولوجي» بنسبة 3.2 في المائة، بعد ارتفاعه 4.5 في المائة في الجلسة السابقة، بينما تراجعت أسهم «ويسترن ديجيتال» و«سيغيت تكنولوجي» بنسبة 2.8 في المائة و2.7 في المائة على التوالي.

وبحلول الساعة 5:08 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» بواقع 61 نقطة، أو 0.12 في المائة، في حين تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 12.25 نقطة، أو 0.16 في المائة، وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بنحو 167.5 نقطة، أو 0.56 في المائة.

وأعاد التصعيد الأخير بين إيران وأميركا المخاوف بشأن التداعيات التضخمية للصراع، ولا سيما تأثيره المحتمل على أسعار الطاقة.

وقال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، جون ويليامز، يوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تؤدي الأعمال العدائية في الشرق الأوسط إلى ارتفاع مستدام في أسعار الطاقة خلال بقية العام، لكنه امتنع عن الكشف عن موقفه بشأن التصويت في اجتماع السياسة النقدية المقبل لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي» هذا الشهر.

ومن المقرر أن يدلي رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، كيفين وارش، بشهادته أمام لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب الأسبوع المقبل.

وتُظهر بيانات مجموعة بورصة لندن أن الأسواق تتوقع رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس على الأقل بحلول نهاية عام 2026.

وفي الوقت نفسه، يترقب المستثمرون تسارع نمو أرباح الشركات خلال الأسبوع المقبل، إذ يتوقع المحللون ارتفاع أرباح شركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 24 في المائة على أساس سنوي، مدفوعة بشكل رئيسي بأداء شركات التكنولوجيا، وفقاً لبيانات جمعتها مجموعة بورصة لندن.

كما يترقب المتداولون إعلان نتائج أعمال شركة «دلتا إيرلاينز» للربع الثاني قبل افتتاح السوق.