أميركا والصين... تحوّلات في ميزان القوى بين الاقتصاد والدفاع

لماذا لم تتحوّل مكاسب بكين إلى هيمنة شاملة؟

مناورات بحرية أميركية في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)
مناورات بحرية أميركية في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)
TT

أميركا والصين... تحوّلات في ميزان القوى بين الاقتصاد والدفاع

مناورات بحرية أميركية في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)
مناورات بحرية أميركية في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)

تتصاعد في السنوات الأخيرة النقاشات حول لحظة التحول الحاسمة في ميزان القوى العالمي بين الولايات المتحدة والصين، وسط تنامي المؤشرات على انتقال مركز الثقل الدولي نحو شرق آسيا. غير أن هذا الجدل، رغم زخمه الإعلامي والسياسي، يتطلب قراءة معمّقة للثغرات البنيوية والاستراتيجيات المتغيّرة لدى الطرفين، بعيداً عن الانطباعات السطحية أو التصوّرات المسبقة. وهو ما يتطلّب قراءة للعلاقات الأميركية - الصينية في ضوء التحوّلات الاقتصادية والدفاعية، مع التركيز على الفجوة الهيكلية بين القوّتين، وأثر المتغيّرات الراهنة على أولويات واستراتيجيات كل طرف، واستشراف مستقبل ميزان القوى بينهما.

على الرغم من التقدّم الصيني الملحوظ في مجالات عدة، تظل الفجوة البنيوية بين الولايات المتحدة والصين عائقاً جوهرياً أمام ترجمة المكاسب التكتيكية الصينية إلى تحوّل استراتيجي شامل. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك منظومة اقتصادية هي الكبرى عالمياً، ونظاماً مالياً يهيمن على حركة رؤوس الأموال، إلى جانب شبكة تحالفات عسكرية واسعة تمدّها بعمق استراتيجي يصعب تعويضه.

على الجانب الآخر، تسجّل الصين إنجازات متسارعة في بعض القطاعات كالتكنولوجيا والنفوذ الإقليمي، لكنها تفتقر إلى تكامل القدرات على النحو الذي يسمح لها بتغيير قواعد اللعبة الدولية في الأمد المنظور. وهذا ما يمكن قراءته في الدور السياسي المهيمن الذي تلعبه واشنطن في العديد من ملفات السياسة الخارجية.

هذا التفاوت البنيوي لا يقتصر على فجوة الدخل القومي أو حجم الإنفاق الدفاعي فحسب، بل يطول أيضاً ديناميات الابتكار، ومرونة النظام السياسي، وقدرة كل طرف على امتصاص الصدمات. وبالنتيجة، تتّسم صورة المنافسة الراهنة بتركيبة معقدة: فالصين تصعّد بوتيرة لافتة، لكن الولايات المتحدة تحتفظ بأدوات ترجيح الكفة وتحصين مواقعها، ما يجعل أي تحوّل جذري في ميزان القوى عملية طويلة ومعقدة لا حدثاً فجائياً.

التكتيك العسكري الأميركي

يشهد الجيش الأميركي في السنوات الأخيرة تحوّلات عميقة في بنيته وتكتيكاته، مدفوعاً بضرورة الاستجابة إلى طبيعة المنافسة الجديدة مع الصين، لضمان تفوقه في أي صراع محتمل في المحيط الهادئ، وتحديداً في «سلسلة الجزر الأولى» التي تضم تايوان واليابان والفلبين.

واشنطن ما عادت تتعامل مع الصعود الصيني كظاهرة إعلامية أو سياسية، بل كتحدٍ عسكري استراتيجي يستوجب إعادة صياغة أدوات الحرب نفسها. والتدريبات الواسعة في هاواي (نوفمبر «تشرين الثاني» الماضي) لم تكن سوى مؤشر على هذا التحول؛ فبعد عقدين من حروب «مكافحة التمرّد» في العراق وأفغانستان، أظهر الجيش الأميركي استعداده لمواجهة خصم يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة وقاعدة صناعية قادرة على دعم حرب طويلة الأمد.

التحوّل الجوهري لا يتمثل في ارتفاع حجم الإنفاق العسكري الأميركي (أكثر من 900 مليار دولار في الميزانية التي أقرّها الكونغرس أخيراً، أي ما يفوق ثلاثة أضعاف الإنفاق الصيني)، بل في إعادة توجيه الإنفاق نحو أنظمة أكثر مرونة وفاعلية من حيث الكلفة. وبدلاً من الاقتصار على المنظومات المعقّدة والباهظة، بدأت القوات الأميركية تعتمد بشكل متزايد على الطائرات «المسيّرة» (المسيّرات)، وتقنيات الحرب الإلكترونية، ومنظومات قابلة للاستهلاك السريع.

وجاءت هذه المقاربة استجابة للدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا، حيث أثبتت المسيّرات الرخيصة الثمن قدرتها على تحييد أنظمة متطوّرة بملايين الدولارات.

لكن الفارق البنيوي يبقى في أن واشنطن تدير هذا التحوّل ضمن «عقيدة عسكرية» متكاملة، مدعومة بإمكانات بحثٍ وتطوير وتحالفات عالمية متينة. وفي مقابل القوة الصلبة، غالباً ما يُغفَل عنصر التحالفات عند مقارنة واشنطن ببكين. إذ إن واشنطن لا تواجه الصين منفردة، بل ضمن «شبكة تحالفات» تمتد من اليابان وكوريا الجنوبية إلى أستراليا والفلبين وأوروبا.

والتدريبات أو المناورات العسكرية في المحيط الهادئ، التي شاركت فيها قوات من تايوان وفرنسا وماليزيا، تعكس هذا البعد المتعدّد الجنسيات، الذي يصعب على الصينيين موازنته. ورغم توسّع نفوذ بكين، فإنها ما زالت في طور بناء منظومتها العسكرية الحديثة، مع افتقارها لعمق الشراكات الدولية والدعم التقني على النحو الذي تملكه واشنطن.

كذلك لا تزال قدرة بكين على بناء تحالفات عسكرية متماسكة محدودة، ولذا تعتمد غالباً على علاقات ظرفية أو شراكات غير متكافئة. وبهذا المعنى، لا يعكس التحوّل الأميركي تراجعاً بقدر ما يمثل استجابة ديناميكية لمتطلبات ساحة الصراع الجديدة.

القوة الصناعية الصينية... وحدودها

طبعاً لا يصحّ إنكار التفوّق الصناعي الصيني الذي أضحى مصدر قلق للغرب. فوفق تقديرات عسكرية غربية، باتت قدرة الصين على إنتاج كميّات من الصواريخ و«المسيّرات» تفوق قدرة الولايات المتحدة وحلفائها مجتمعين في بعض الفئات. وهذا الزخم الصناعي منح بكين هامش مناورة أوسع في التنافس العسكري والتقني، وجعلهاً لاعباً يستحيل تجاهله في معادلات الصناعات الدفاعية المتقدمة.

بيد أن هذا التفوّق يصطدم اليوم بحدود بنيوية لا تخطئها العين؛ إذ إن الاقتصاد الصيني، رغم حجمه الهائل، يواجه تحديات متفاقمة على صعيد الاستدامة والنمو. فلقد سجل الاستثمار في الأصول الثابتة تراجعاً بنسبة 1.7 في المائة خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الحالي، في أول انكماش منذ أواخر الثمانينات. والأهم أن هذا التراجع طال القطاعات الثلاثة التي شكّلت لعقود محرّكات النمو الصيني، وهي: العقارات والبنية التحتية والتصنيع.

هذه المؤشرات تعكس أن القوة الصناعية الصينية ليست بمنأى عن التحديات البنيوية. إذ لم يَعُد الاستثمار، الذي كان يشكل أكثر من 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، «صمام الأمان» التقليدي في أوقات التباطؤ، بينما تواصل أزمة العقارات المستمرة منذ خمس سنوات إلقاء ظلالها على الأداء الاقتصادي.

وأيضاً، تواجه الحكومات المحلية ضغوط ديون متزايدة، في حين تتراجع ثقة القطاع الخاص، ما يحدّ من قدرة بكين على إطلاق حزَم تحفيز ضخمة كما فعلت في أزمات سابقة.

واشنطن لا تواجه الصين منفردة، بل ضمن «شبكة تحالفات» تمتد من اليابان وكوريا الجنوبية إلى أستراليا والفلبين وأوروبا

التحدّيات البنيوية الصينية

تكمن إشكالية النموذج الاقتصادي الصيني في اعتماده المفرط على الاستثمار والتصنيع الموجّه للتصدير، وهذه معادلة حقّقت نتائج باهرة في مرحلة الانطلاق، لكنها تصطدم اليوم بمحدّدات الاستدامة مع نضج الاقتصاد.

والمحركات التقليدية للنمو (العقارات والبنية التحتية والتصنيع) بدأت تفقد زخمها لصالح تحديات جديدة، أبرزها تقلّص الطلب المحلي، وبطء الإنتاجية، وشيخوخة السكان. وهذا ما حذّر منه كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أخيراً، مطالبين الصين بمعالجة الضغوط الانكماشية ومصادر الضعف الداخلي، وعلى رأسها هشاشة قطاع العقارات وضعف الطلب المحلي.

من جهة ثانية، تشير تقديرات مستقلة إلى أن النمو الفعلي للاقتصاد الصيني عام 2024 ربما يتراوح بين 2.4 في المائة و2.8 في المائة، أي أقل بكثير من الأهداف الرسمية التي وضعتها السلطات. وهذا الفارق ليس تقنياً بقدر ما يعكس فجوة في قراءة متانة الاقتصاد وقدرته على استيعاب الصدمات. ذلك أن المخاطر الكامنة في قطاع العقارات وتضخّم الديون وتآكل ثقة المستثمرين، عوامل تنذر بتحديات قد تحدّ من قدرة الصين على مواصلة الصعود بالوتيرة السابقة ذاتها.

في المقابل، لدى الولايات المتحدة أدوات متنوعة لامتصاص الصدمات الاقتصادية، منها مرونة السوق، وحرية انتقال رؤوس الأموال، وديناميكية الابتكار، ما يضفي على تفوقها الاقتصادي طابعاً بنيوياً يصعب على الصين تعويضه في المدى المنظور.

مكاسب تكتيكية في «لعبة التكنولوجيا»

على الصعيدين التكنولوجي والسياسي، حقّقت بكين مكاسب تكتيكية مؤقتة، مدفوعة بـ«الدبلوماسية القائمة على الصفقات» لإدارة الرئيس دونالد ترمب، التي يبدو أنها تُعطي الأولوية للمكاسب الاقتصادية القصيرة المدى على المصالح الأمنية والاستراتيجية. ولقد تجسد هذا في قرار إدارة ترمب السماح لشركة «إنفيديا»، صانعة الرقائق الأميركية، ببيع أشباه الموصلات المتقدمة الأقل قوة (ثاني أقوى شريحة) للصين. ثم إن استراتيجية الأمن القومي الجديدة للإدارة الأميركية ركّزت بشكل أكبر على المنافسة الاقتصادية بدلاً من الصراع الآيديولوجي أو الأمني. وفي سابقة منذ أكثر من 30 سنة، لم تنتقد الوثيقة الحكم الاستبدادي الصيني أو تضغط من أجل حقوق الإنسان.

هذه التنازلات عزّزت سردية بكين القائلة إن «الصعود التكنولوجي الصيني لا يمكن إيقافه» وإن واشنطن «لا تستطيع تحمل تكاليف المواجهة المطولة» مع الصين. فعندما وافقت واشنطن على تخفيف الرسوم الجمركية بعدما لوّحت بكين بورقة حجب صادرات العناصر الأرضية النادرة والمواد الحيوية الأخرى، بدت وكأنها تستجيب لـ«الابتزاز» الاقتصادي. لكن المحللين يشيرون إلى أن هذا التراجع قد يكون مجرد استراتيجية أميركية مؤقتة لإعادة التجمع وبناء القوة.

كذلك يرى آخرون أن ترمب قد يكون يستلهم مقولة الزعيم الصيني دينغ شياوبينغ «اخفِ قوتك وتريّث»، حيث تُركز واشنطن على إعادة بناء تفوقها الاقتصادي والتكنولوجي المستقبلي. وجوهرياً، يظل الهدف الأميركي، وفقاً لهذه التفسيرات، الحفاظ على الوضع المهيمن ومنع واحتواء صعود الصين.

دور متزايد لـ«المسيّرات» في ترسانة الجيش الأميركي (رويترز)

التحولات الإقليمية والدولية

لقد فرضت التحولات البنيوية في القدرات الاقتصادية والعسكرية لكل من الولايات المتحدة والصين إعادة رسم الاستراتيجيات الإقليمية والدولية.

وتسعى واشنطن إلى تعميق تحالفاتها في آسيا والمحيط الهادئ، وتكثيف التعاون الدفاعي مع الحلفاء التقليديين (اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا)، مع التركيز على ضمان حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي وردع أي مغامرات صينية تهدد الوضع القائم. وفي الوقت عينه، تواصل الاستثمار في الابتكار التكنولوجي والبحث العلمي، بوصفهما رافعتين أساسيتين للحفاظ على تفوقها النوعي.

أما الصين، فتركز على تعزيز حضورها الإقليمي عبر مبادرة «الحزام والطريق»، وتوسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي في جنوب شرقي آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. لكن محدودية التحالفات العسكرية والتحديات الاقتصادية الداخلية، تفرض عليها انتهاج سياسة خارجية أكثر حذراً، والسعي لتقليص الاعتماد المُفرط على الأسواق الغربية، وتطوير منظومات تكنولوجية وطنية.

في هذا السياق، لا تقتصر المنافسة على الجانب العسكري أو الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى ميادين الذكاء الاصطناعي، وأمن البيانات، والطاقة الخضراء، ما يؤشر إلى تعددية ساحات الصراع وتشابكها. ومن ثمّ، تبقى قدرة كل طرف على التكيّف مع هذه التحولات، وإعادة صياغة أولوياته، العامل الحاسم في ترجيح كفة ميزان القوى مستقبلاً.

مستقبل ميزان القوى

الاستنتاج الأبرز من المشهد الراهن أن الصراع الأميركي – الصيني لم يصل بعد إلى لحظة الحسم، ولا يبدو قريباً منها.

الصين تحقق تقدماً ملموساً في بعض المجالات، وتستفيد أحياناً من تردد أو براغماتية أميركية. لكنها في المقابل تواجه تباطؤاً اقتصادياً داخلياً، وتحديات ديموغرافية، وبيئة دولية أكثر حذراً تجاه صعودها.

ومع أن الصين تحقّق مكاسب تكتيكية في بعض القطاعات وتستفيد من ديناميات الاقتصاد العالمي، يبقى التفوق الأميركي قائماً على منظومة متكاملة من القدرات والموارد والتحالفات. وواشنطن، رغم الاستقطاب الداخلي والضغوط المالية، لا تزال تمتلك مزيجاً نادراً من القوة العسكرية، والعمق الاقتصادي، والتفوّق التكنولوجي، وشبكة التحالفات. وهذا مزيج يجعل الكلام عن «أفول أميركي وشيك» أقرب إلى التبسيط الإعلامي منه إلى التحليل الاستراتيجي الرصين.

وفي المحصلة، قد تكون الصين صاعدة، وقد تكون الولايات المتحدة أقل ثقة مما كانت عليه قبل عقدين، لكن ميزان القوى لا يُقاس بلحظة واحدة. وفي هذا الميزان، لا يزال التفوق الأميركي، حتى إشعار آخر، حقيقة يصعب تجاوزها.

 

الجيش الأميركي يتأهب لـ«حرب مُرعبة» في المحيط الهادئ

> نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية تقريراً عن تحضيرات يجريها الجيش الأميركي لمواجهة الصين، ويشير إلى أنه رغم امتلاك بكين إحدى أكبر ترسانات الصواريخ في العالم وقوة صناعية لا مثيل لها لدعم قواتها في حرب طويلة الأمد، فإن الولايات المتحدة تُجري تحوّلاً جذرياً في عقيدتها التكتيكية لضمان تفوقها في أي صراع محتمل في المحيط الهادئ، وبخاصة، في تايوان. الجيش الأميركي يتأهب، لما سماه التقرير «عصر حرب مُروِّع» يتميز بالاعتماد على التكنولوجيا الرخيصة والمستهلكة، على رأسها «المسيّرات». وهذا التحوّل اضطرت إليه واشنطن لمواكبة الدروس المستفادة من ساحة المعركة في أوكرانيا، حيث تسيطر أنظمة «المسيّرات» على الميدان. وتشمل أشكال التأهب: • تغيير الأدوات والتكتيكات، حيث تبنى الجيش الأميركي بسرعة تكنولوجيا وتكتيكات جديدة، عبر تعويض المعدات القتالية التقليدية والمكلفة بأنظمة رشيقة ورخيصة نسبياً. • «المسيّرات» التي بدأ العسكريون الأميركيون يتدرّبون على أنظمة متعدّدة منها، حيث انتقلت فرق المشاة من نوع واحد إلى 7 أنواع خلال سنة واحدة تقريباً. وكذلك نفَّذ العسكريون أكثر من 600 طلعة جوية بـ«المسيّرات» خلال تدريبات نوفمبر (تشرين الثاني) في جزيرة هاواي وحدها. • القدرة الهجومية؛ إذ يجري التركيز على «المسيّرات الهجومية الانتحارية» التي تُصنَّع هياكلها محلياً بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. كما يجري تطوير أسلحة جديدة للكشف عن «المسيّرات» المعادية وإعاقتها أو تشويشها باستخدام ما تُعرف بـ«السهام الكهرومغناطيسية». • الحرب الإلكترونية، التي أصبح مجالها الذي يتعامل مع الموجات والإشارات الخفية، أكثر أهمية من أي وقت مضى. والهدف هو العثور على مشغّلي «المسيّرات» المعادية وقتلهم عبر الكشف عن الإشارات التي تُصدرها أجهزتهم. مع كل ما سبق، تُعد القدرة الصناعية على الإنتاج الضخم نقطة تفوّق حرجة للصين. إذ بينما تُنتج أوكرانيا وروسيا ملايين «المسيّرات» سنوياً، بإمكان الصين التفوّق على إنتاجهما معاً.


مقالات ذات صلة

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

حصاد الأسبوع مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني

حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع اللواء مقداد ميري (واع)

قصة «القواعد الإسرائيلية» تقابل بنفي وارتباك عراقيين

نفت كل من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين التقارير الصحافية الأميركية عن وجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، لكن الأمر يبقى لغزاً من الألغاز.


واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.