تصعيد الصراع بين الرئاسة الجزائرية والمعارضة الإسلامية

«حمس» طالبت بـ«وقف القمع»... والوكالة الرسمية تتهمها بـ«النفخ في الجمر»

الرئيس تبون مستقبلاً رئيس «حمس» في فبراير 2024 (الرئاسة)
الرئيس تبون مستقبلاً رئيس «حمس» في فبراير 2024 (الرئاسة)
TT

تصعيد الصراع بين الرئاسة الجزائرية والمعارضة الإسلامية

الرئيس تبون مستقبلاً رئيس «حمس» في فبراير 2024 (الرئاسة)
الرئيس تبون مستقبلاً رئيس «حمس» في فبراير 2024 (الرئاسة)

اتخذت التوترات الحادة بين الحكومة الجزائرية وناقلي المسافرين والسلع المُضرِبين منذ مطلع العام، منحى جديداً تَمثَّل في فتح صراع قوي بين رئاسة الجمهورية، عن طريق وكالة الأنباء الرسمية، والحزب الإسلامي المعارض «حركة مجتمع السلم»، تمَّ فيه استحضار «عشرية الاقتتال مع الإرهاب»، والانتخابات المرتقبة خلال هذا العام.

وعقدت قيادة «حركة مجتمع السلم»، المعروفة اختصاراً بـ«حمس»، أمس الأربعاء بالعاصمة، «لقاءً تشاورياً» مع المجموعة البرلمانية للحزب «في إطار متابعة التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة، وتعزيز التواصل مع الرأي العام المحلي»، وفق ما نشره الحزب بحساباته بالإعلام الاجتماعي، مرفقاً بصور وفيديوهات عن مجريات اللقاء، الذي قاده رئيس الحزب عبد العالي شريف حساني، مرشحه لانتخابات الرئاسة التي أُجريت في 2024.

عبد العالي شريف حساني رئيس «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة (إعلام حزبي)

ودعا حساني، في تصريحات لوسائل الإعلام، على هامش اللقاء، السلطات إلى «مراجعة المواقف بما يعيد الوضع إلى نصابه، وبما يضمن الاستقرار والسكينة»، في إشارة إلى قانون المرور الجديد، الذي يتضمَّن عقوبات مشددة، والزيادات في أسعار الوقود غير المعلنة مسبقاً، وهما إجراءان تسبَّبا في غضب كبير لناقلي المسافرين والبضائع، الذين أوقفوا النشاط بشكل كامل منذ أسبوع؛ ما تسبب في شلل شبه تام للحركة التجارية، ولنشاط نقل الأشخاص في كامل الولايات تقريباً.

وقال حساني: «هناك فرصة للاستدراك نتمنى من السلطات أن تأخذ بها»، لافتاً إلى أن قانون المرور سيمرُّ على «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) الأسبوع المقبل، حيث يمكن تعديله ونزع العقوبات الشديدة، التي يتضمَّنها بخصوص المخالفات المفترضة التي يرتكبها الناقلون.

الزيادة المفاجئة بأسعار الوقود فجَّرت سخط الناشطين في مجال النقل (نقابات قطاع النقل)

وكان أعضاء «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة السفلى) قد صادقوا، الشهر الماضي، على النَّصِّ المثير للجدل، والذي سجَّل نواب «حمس» بشأنه تحفظات عدة، لكن لم يؤخذ بها بحكم أن الحزب الإسلامي يُشكِّل أقليةً ضمن برلمان تسيطر عليه أحزاب الغالبية الرئاسية.

دعوة إلى «السكينة»

شدَّد حساني على أن «عودة السكينة ينبغي أن تكون هدفاً أساسياً، غير أنّ الوضع الراهن صعب، ويستدعي فتح نقاش وحوار سياسي جاد، بدل اللجوء إلى أساليب الردع. نحن بحاجة إلى توظيف وسائل الحوار والإقناع والاستيعاب والتدارك، من أجل تحقيق إجماع حول القرارات المتخذة. فالردع يجب أن يكون الخيار الأخير، ولا يمكن أن يتخذ نقطة انطلاق. كما أن القمع لا يحقق السكينة، ولا يمكن صناعة التهدئة بالقوة لأن القوة لا تولد إلا الاحتقان».

من اجتماع قيادة حركة «حمس» مع كتلتها البرلمانية (إعلام حزبي)

والثلاثاء، أصدرت «حمس» بياناً شديدة اللهجة، طلبت فيه من الحكومة «إطلاق حوار وطني موسَّع حول مطالب المحتجين والمتضررين، واعتماد معالجات عقلانية ومتوازنة، تجمع بين تفهم المطالب المشروعة والاستجابة لها، ومراعاة حساسية الظرف الوطني ومتطلبات الاستقرار». كما طالبت بـ«مراجعة قانون المرور في صيغته الحالية مراجعةً هادئةً ومسؤولةً، تراعي البُعد الاجتماعي، وكذا قدرة المواطن على الالتزام، وتمنع تحول العقوبات والغرامات من حالة الردع إلى مصدر احتقان أو توتر».

كما طالب الحزب الإسلامي المعارض، أيضاً، بـ«إعادة النظر في الزيادات التي مسَّت مواد الوقود في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، لما لها من أثر مباشر في سلسلة الأسعار والقطاعات المرتبطة بها».

اتهام بـ«النفخ في الجمر»

الردُّ الحكومي لم يتأخر كثيراً. ففي مساء الأربعاء، نشرت وكالة الأنباء الجزائرية هجوماً حاداً على قيادة الحزب، من دون ذكره بالاسم، غير أنّ الصحافيين والسياسيين فهموا منه أن المقصود هو «حمس»، وأنه يعكس موقفاً من أعلى السلطات في البلاد، خصوصاً أنها ليست المرة الأولى التي تستهدف فيها الوكالة الرسمية الحزب نفسه؛ بسبب مواقفه المعارضة للسلطة. وكما هو شائع، تتلقّى الوكالة توجيهات مباشرة من الجهاز الإعلامي الرئاسي، على غرار باقي وسائل الإعلام العمومية الثقيلة.

شاحنات بضائع متوقفة في سياق احتجاج الناقلين (حسابات مضربين)

وأكدت الوكالة في مقالها الناري، أنه «مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يبرز من جديد حزب سياسي، نصَّب نفسه وصياً حصرياً على الوطنية، وموزعاً للشهادات في حبِّ الوطن، من خلال حالة من الصخب البذيء، التي تعكس الدجل السياسي»، مشددة على أن «هذا الحزب، الذي يدعي أن همَّه الوحيد هو مستقبل الجزائر، يعمل على إشعال كل الجبهات، مستغلاً الاختلالات الاجتماعية، حيث لا يتوقف عن النفخ في الجمر، ويستعمل معارضة ظرفية بلا بوصلة ولا انسجام، ما عدا انتهازية انتخابية بدائية أكل عليها الدهر».

وأبرز المقال أن «الأخطر من ذلك هو أنّ هذا الحزب لا يتردّد في استغلال غضب الناقلين، الناتج عن سوء فهم جرت تغذيته عمداً، يتعلق بقانون المرور، ذي الهدف الواضح المتمثل في حماية المواطنين والمهنيين على حد سواء».

وبحسب كاتب المقال، فإن الحزب المعني بالهجوم «يستند إلى منظومة فكرية جامدة تعود إلى تسعينات القرن الماضي، متغذية من ثقافة الفوضى والانقسام والظلامية، وهو ما يبرهن في كل محطة من محطات التاريخ الحديث على عجزه عن الارتقاء إلى مستوى الرهانات الوطنية».

وبإثارته فترة التسعينات، يعيد المقال إلى الواجهة حقبة المواجهة مع التنظيمات الإسلامية المسلحة، التي خلَّفت مآسي كبيرة؛ إذ شبّه «حمس» ضمناً بـ«الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، رغم أن خطاب الحركة ومواقف قيادييها تتسم بالاعتدال.

يذكر أن الحزب كان مشاركاً في الحكومة حتى عام 2012، قبل أن ينتقل إلى خندق المعارضة في سياق ما عُرفت بـ«ثورات الربيع العربي». وليست هي هذه المرة الأولى التي تهاجم فيها وكالة الأنباء الرسمية حركة «حمس»، في خطوة تعكس توجهاً حكومياً نحو توظيف الوكالة للرد على المعارضة، بدل أن تتولى الحكومة ذلك بشكل مباشر.


مقالات ذات صلة

الجزائر: استمرار إضراب النقل بالمحاور الاستراتيجية... و«الموالاة» تتحدث عن «تحريض أجنبي»

شمال افريقيا قيادات نقابات النقل خلال دعوتهم إلى وقف الإضراب (وكالة الأنباء الجزائرية)

الجزائر: استمرار إضراب النقل بالمحاور الاستراتيجية... و«الموالاة» تتحدث عن «تحريض أجنبي»

كثَّفت نقابات قطاع النقل من دعواتها إلى توقيف الحركة الاحتجاجية، حيث سُجِّلت يومي الخميس والجمعة عودةٌ جزئيةٌ لنشاط نقل المسافرين والبضائع.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا شاحنات بضائع متوقفة في سياق احتجاج الناقلين (حسابات المضربين)

الجزائر: اتهامات لـ«الخارج» بـ«السعي لتقويض الاستقرار»

وجهت اتهامات في الجزائر لـ«أطراف خارجية» بـ«السعي لتقويض الاستقرار الداخلي».

«الشرق الأوسط»
رياضة عربية حليمة والدة رياض محرز (وسائل إعلام جزائرية)

حليمة محرز... أكثر من تميمة حظ للمنتخب الجزائري

جذبت حليمة، والدة رياض محرز، قائد المنتخب الجزائري، اهتمام وسائل الإعلام في بطولة كأس أمم أفريقيا لكرة القدم، المقامة حالياً في المغرب، مثلها مثل نجلها.

«الشرق الأوسط» (الرباط )
شمال افريقيا جلسة مرتقبة في البرلمان لمناقشة مشروع قانون الأحزاب (البرلمان)

الجزائر: قانون الأحزاب الجديد يثير تحفظات المعارضة بسبب «قيود صارمة»

أحالت السلطة التنفيذية قانون الأحزاب الجديد إلى البرلمان، وهو نصٌّ يثير تحفظات المعارضة بسبب القيود الصارمة التي يفرضها على التشكيلات السياسية.

شمال افريقيا شاحنات متوقفة عن العمل (نقابات قطاع النقل)

إضراب عام يشلّ قطاع النقل في كل أنحاء الجزائر

دفع الموظفون وطلاب الجامعات الفاتورة الكبرى لهذا الاحتجاج؛ إذ استحال على السواد الأعظم منهم الالتحاق بمكاتبهم أو مدرجاتهم الجامعية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الحكومة المصرية تنفي ظهور «إنفلونزا الطيور»

الحكومة المصرية تنفي ظهور «إنفلونزا الطيور»    (صفحة إحدى مزارع الدواجن على «فيسبوك»)
الحكومة المصرية تنفي ظهور «إنفلونزا الطيور» (صفحة إحدى مزارع الدواجن على «فيسبوك»)
TT

الحكومة المصرية تنفي ظهور «إنفلونزا الطيور»

الحكومة المصرية تنفي ظهور «إنفلونزا الطيور»    (صفحة إحدى مزارع الدواجن على «فيسبوك»)
الحكومة المصرية تنفي ظهور «إنفلونزا الطيور» (صفحة إحدى مزارع الدواجن على «فيسبوك»)

تزامناً مع جدل تصاعد بشأن ارتفاع أسعار «الكتاكيت» في مصر، نفت الحكومة انتشار «إنفلونزا الطيور» بالبلاد.

وأكد «المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري» عدم صحة الأنباء المتداولة بشأن انتشار «إنفلونزا الطيور»، أو زيادة في أسعار الدواجن. وأوضح في بيان، الجمعة، أنه «بالتواصل مع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، أفادت بعدم رصد أي حالات إصابة بإنفلونزا الطيور في أي من المزارع المصرية».

وبحسب البيان، شددت «الزراعة» على «تكثيف لجان التقصي النشط التابعة لها حملاتها بكافة المحافظات المصرية، سواء على مزارع الطيور أو أسواق بيعها أو مسارات الطيور المهاجرة، كإجراء احترازي للكشف عن أي أمراض وبائية قد تصيب الطيور، مع إجراء فحوصات دورية شاملة للطيور، وسحب عينات لتحليلها بمعمل بحوث صحة الحيوان، للتأكد من سلامتها وخلوها من أي أمراض».

استشاري الحميات والأمراض المعدية، الدكتور سمير عنتر، قال إنه «لا يوجد انتشار لإنفلونزا الطيور في مصر» حالياً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «فصلَي الخريف والشتاء موسم انتشار الفيروسات بين البشر والطيور بسبب التقلبات الجوية، لكن هذا طبيعي. وتقوم أجهزة الرصد في البلاد بمتابعة أي حالات إصابة والتعامل معها. ومن الطبيعي أن تؤدي التقلبات الجوية إلى نفوق بعض الدواجن والطيور، ولا يوجد أي وضع وبائي».

وبحسب عنتر، فإنه «في حالة إصابة الدواجن لا تنتقل العدوى إلى الإنسان عقب تناول لحومها، لكن عدوى (إنفلونزا الطيور) يمكنها أن تنتقل للعاملين بالمزارع الذين يحتكون تنفسياً بالدواجن بشكل مباشر».

تزامن ذلك مع جدل بشأن ارتفاع أسعار «الكتاكيت» ومخاوف من ارتفاع أسعار الدواجن، وذلك عقب تقارير وسائل إعلام محلية تحدثت عن ارتفاع سعر «الكتكوت» من 12 إلى 35 جنيهاً (الدولار يساوي 47.20 جنيه). لكن وزارة الزراعة المصرية أكدت أن «الزيادة الطفيفة في أسعار الدواجن خلال الفترة الحالية ترجع إلى تعاقب المواسم الاجتماعية والدينية، التي يزداد خلالها الطلب على الدواجن ومنتجاتها»، وأن «أسعار الدواجن في هذه الفترة أقل بنسبة 20 في المائة عن الأسعار خلال نفس الفترة من العام الماضي».

داخل إحدى مزارع الدواجن بمصر (صفحة إحدى مزارع الدواجن على «فيسبوك»)

رئيس «شعبة الدواجن» بالغرفة التجارية في القاهرة، الدكتور عبد العزيز السيد، أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «الوضع في مزارع الدواجن بالبلاد آمن»، موضحاً أنه «لا يوجد أي مبرر لارتفاع أسعار (الكتاكيت) في الوقت الحالي؛ إذ وصل سعر (الكتكوت) إلى أكثر من 30 جنيهاً، على الرغم من عدم وجود زيادة في تكلفة الإنتاج أو انخفاض في الإنتاج». ويشير إلى أنه «يجب أن يتراوح سعر (الكتكوت) ما بين 18 و20 جنيهاً».

وعلى خلفية الجدل المثار حول ارتفاع أسعار «الكتاكيت»، اجتمع وزير الزراعة المصري علاء فاروق، مع مسؤولين بالاتحاد العام لمنتجي الدواجن، لبحث آليات استقرار الأسعار. وبحسب بيان وزارة الزراعة، أخيراً، ​تناول الاجتماع ما تم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الوسائل الإعلامية بشأن ارتفاع أسعار «الكتاكيت». واتفق الجانبان على «زيادة ضخ كميات من الدواجن ومنتجاتها في الأسواق خلال الفترة المقبلة، مع تكثيف الاستعدادات المبكرة لاستقبال شهر رمضان لضمان توافر السلع بأسعار عادلة».

وحول التخوفات من ارتفاع أسعار الدواجن، أكد وزير الزراعة المصري أن «حجم الاستثمارات في قطاع الدواجن يتجاوز 100 مليار جنيه من القطاع الخاص، بإنتاج سنوي يزيد على 1.6 مليار طائر، ونحو 6 مليارات بيضة سنوياً»، وقال في تصريحات متلفزة، مساء الخميس، إن «السعر العادل لـ(الكتكوت) يجب أن يتراوح بين 15 و20 جنيهاً، وهو سعر يحقق التوازن بين مصلحة المنتج والمستهلك».


مصر تطور منظومة تشغيل «السد العالي» لحماية أمنها المائي

وزارة الري المصرية تؤكد متابعة حالة الجاهزية الفنية لمنظومة «السد العالي» وخزان أسوان (مجلس الوزراء المصري)
وزارة الري المصرية تؤكد متابعة حالة الجاهزية الفنية لمنظومة «السد العالي» وخزان أسوان (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر تطور منظومة تشغيل «السد العالي» لحماية أمنها المائي

وزارة الري المصرية تؤكد متابعة حالة الجاهزية الفنية لمنظومة «السد العالي» وخزان أسوان (مجلس الوزراء المصري)
وزارة الري المصرية تؤكد متابعة حالة الجاهزية الفنية لمنظومة «السد العالي» وخزان أسوان (مجلس الوزراء المصري)

في ظل قلق متصاعد من «تصرفات إثيوبيا الأحادية» خلال تشغيل «سد النهضة»، أكدت مصر «استمرار تطوير منظومة (السد العالي) ورفع كفاءتها التشغيلية وتعزيز جاهزيتها لدعم الأمن المائي».

واحتفت مصر، الجمعة، بمرور 66 عاماً على قيام الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر بوضع حجر الأساس لمشروع «السد العالي» في 9 يناير (كانون الثاني) عام 1960.

وقال وزير الري المصري، الدكتور هاني سويلم، إن «السد العالي» يُعد «أعظم مشروع هندسي في القرن العشرين»، وقد حمى مصر من الجفاف والفيضانات على مدى عشرات السنوات، مشيراً إلى «ما يمثله هذا العمل الضخم من نموذج لقدرة المصريين على البناء والعمل»، موضحاً أن «السد العالي» يُمثل بحق «حصن الأمان للمصريين، وأعظم المنشآت المائية في تاريخ مصر الحديث».

وأشار سويلم في إفادة، الجمعة، إلى حرصه الدائم على متابعة حالة الجاهزية الفنية لمنظومة «السد العالي» وخزان أسوان، والتي يُعد تأهيلها وصيانتها ضمن المحاور الرئيسية لمنظومة المياه المصرية «الجيل الثاني 2.0»، مؤكداً أن وزارة الري تواصل تنفيذ أعمال تطوير منظومة الرصد والمتابعة باستخدام أحدث التقنيات العالمية، بالاعتماد على الحلول الرقمية الحديثة والخبرات المتخصصة، بما يضمن تعزيز كفاءة تشغيل «السد العالي» واستدامة أدائه في مواجهة مختلف الظروف الهيدرولوجية.

أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور نادر نور الدين، تحدث عن فوائد «السد العالي»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنه «حمى مصر من الجفاف والفيضانات، ونعتمد عليه كمخزون مائي كبير، فضلاً عن مضاعفة مساحات زراعة الأرز بعد افتتاح (السد) ووصلت في إحدى السنوات لأكثر من 2 مليون فدان، وكنا نصدر كميات كبيرة منه إلى الخارج».

احتفت مصر الجمعة بمرور 66 عاماً على وضع حجر أساس مشروع «السد العالي» (مجلس الوزراء المصري)

وحسب نور الدين: «عندما اشتكت إثيوبيا مصر عند بدء العمل في (السد العالي) وحضرت لجنة خبراء من الأمم المتحدة، قالت حينها إنه (أعظم مشروع في القرن العشرين)، حيث حمى المياه العذبة من أن تُهدر في المياه المالحة دون عائد، وأنقذ 22 مليار متر مكعب كانت تُهدَر في البحر المتوسط أثناء موسم الفيضان دون استخدام».

وعدد نور الدين فوائد أخرى لـ«السد العالي» منها «المساهمة في توليد الكهرباء؛ إذ إن إنتاجه يمثل 8 في المائة من إنتاج الطاقة الكلية لمصر، وكذا تحول الزراعة إلى (مطرية)، فمساحة الرقعة الزراعية في البلاد 9 ملايين فدان، وإنما المساحة المحصولية 18 مليون فدان، وذلك بسبب زراعة الأرض مرتين في العام على الأقل».

الخبير في الشؤون الأفريقية، رامي زهدي، تحدث عن مصطلح الأمن المائي، بقوله: «ظهر خلال السنوات الأخيرة في السياسة المصرية والسياسة العالمية بصفة عامة، وبدا الأمن المائي عبارة مهمة عند كل دولة، فمصر تعاني من تهديدات الأمن المائي منذ سنوات طويلة، لكن عندما حدثت أزمة (سد النهضة) وتنامى الخطر، كانت فرصة إيجابية لمصر أن تُعدل مسار حماية أمنها المائي منذ عام 2014».

وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»: «كان جزءاً مهماً من الأمن المائي المصري: إعادة صياغة الحلول، وتنمية الموارد المائية وتطويرها؛ لذا تم عمل مشروعات للتعامل الجيد مع موارد المياه، ومنها: عمليات تطوير (السد العالي)، ومشروعات تخزين مياه الأمطار، والتعامل مع مياه الفيضانات، ومشروعات تحلية المياه».

وزير الري في مصر قال إن «السد العالي» يعد «أعظم مشروع هندسي في القرن العشرين» (مجلس الوزراء المصري)

وتشكو مصر من «استمرار التعنت الإثيوبي»، وأعلنت في ديسمبر (كانون الأول) 2023 «فشل» آخر جولة للمفاوضات بشأن «سد النهضة» وإغلاق المسار التفاوضي بعد جولات متعددة على مدار سنوات طويلة... وتطالب مصر والسودان (دولتا المصب) بـ«اتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل (سد النهضة) بما لا يضر بمصالحهما المائية».

زهدي يرى أن «مشروعاً بحجم (سد النهضة) يتم تشغيله من دون تنسيق واتفاق ملزم، أو أي مشروع يحمل هذه الصفحة، يُمثل تهديداً للأمن المائي المصري»، لافتاً إلى أن «القلق ما زال متصاعداً من (السد الإثيوبي)»، موضحاً أن «مشروعات المياه في مصر، جزء منها لمعالجة المشاكل السابقة، والجزء الآخر لتوقع أي خطر ناجم عن (سد النهضة)، وهو ما لم يحدث حتى الآن، لكنه قائم».

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (أ.ف.ب)

ويؤكد وزير الري المصري، الجمعة، حرصه على متابعة أعمال رصد المناسيب والتصرفات المائية المارة من «السد العالي» على مدار 24 ساعة.

ويشير نور الدين إلى أن «مصر لم تشعر بالملء الإثيوبي لـ(سد النهضة) خلال المرات الخمس الماضية؛ لأن مخزون بحيرة (السد العالي) كان مطمئناً، وإثيوبيا ملأت من مياه الفيضان العالي، ولم تملأ من حصة مصر؛ لذا لم نتأثر، بل فتحنا (مفيض توشكي) 5 مرات على الأقل في السنوات الخمس الماضية نتيجة لوجود (السد العالي)».

ويفسر: «لكن حال عدم وجود (السد العالي) في البلاد، كانت مصر ستعاني أثناء سنوات التخزين العالي لإثيوبيا، ففي أحد الأعوام مثلاً خزنت أديس أبابا 24 مليار متر مكعب، أو أثناء الفيضانات، خصوصاً الذي ضرب السودان أخيراً، وعندما وصلت لمصر استوعبتها بحيرة (السد العالي)».

ووفق بيان لـ«مجلس الوزراء المصري»، الجمعة، فإن «قرار بناء (السد العالي) اتُّخذ في عام 1953 بتشكيل لجنة لوضع تصميم المشروع، وتم وضع تصميم (السد) في 1954، ولجأت مصر آنذاك إلى تأميم قناة السويس عام 1956 لتوفير الموارد المالية اللازمة لبناء (السد) ليتم توقيع اتفاقية البناء في 1958».


باكستان لتزويد السودان بطائرات هجومية ومسيرات بقيمة 1.5 مليار دولار

مقاتلة باكستانية من طراز جاي.إف 17 ثاندر في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)
مقاتلة باكستانية من طراز جاي.إف 17 ثاندر في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)
TT

باكستان لتزويد السودان بطائرات هجومية ومسيرات بقيمة 1.5 مليار دولار

مقاتلة باكستانية من طراز جاي.إف 17 ثاندر في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)
مقاتلة باكستانية من طراز جاي.إف 17 ثاندر في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)

تشهد الأزمة السودانية تطورات متسارعة على المستويين العسكري والدبلوماسي، وفي وقت تتواصل فيه الحرب بشكل مروّع خاصة في إقليمَي دارفور وكردفان، تصاعدت التحذيرات الدولية من تفاقم الكارثة الإنسانية واتساع نطاق الصراع إقليمياً.

وكشفت مصادر عسكرية عن أن باكستان باتت في المراحل النهائية لإبرام صفقة تسليح مع السودان تُقدّر قيمتها بنحو 1.5 مليار دولار، تشمل تزويد الجيش السوداني بطائرات هجومية خفيفة، وطائرات مسيّرة للاستطلاع والهجوم، بالإضافة إلى أنظمة دفاع جوي متطورة. ووفقاً لمسؤول كبير سابق في القوات الجوية وثلاثة مصادر تحدثوا لـ«رويترز»، فإن الصفقة تتضمن نحو 10 طائرات من طراز «كاراكورام-8»، وأكثر من 200 طائرة مسيّرة، إلى جانب طائرات تدريب من طراز «سوبر مشاق»، مع احتمال إدراج مقاتلات من طراز «جيه إف-17» التي طُوّرت بالشراكة مع الصين، لكنه لم يقدم أرقاماً أو مواعيد للتسليم.

الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني (أ.ف.ب)

وقال المارشال المتقاعد أمير مسعود، الذي شغل سابقاً منصباً رفيعاً في القوات الجوية الباكستانية، إن الصفقة «في حكم المبرمة»، مشيراً إلى أنها قد تعيد إلى الجيش السوداني تفوقه الجوي الذي فقده تدريجياً مع تصاعد استخدام «قوات الدعم السريع» الطائرات المسيّرة. ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من الحكومتَين الباكستانية أو السودانية لتأكيد هذه المعلومات أو نفيها.

طموحات باكستان الدفاعية

تتمحور طموحات باكستان الدفاعية حول تعزيز قطاعها العسكري المتنامي، الذي اجتذب اهتماماً واستثمارات متزايدة، لا سيما منذ نشر طائراتها في نزاع مع الهند خلال العام الماضي. ووفقاً لمسؤولين، أبرمت إسلام آباد في الشهر الماضي صفقة أسلحة تتجاوز قيمتها أربعة مليارات دولار مع الجيش الوطني الليبي (قوات شرق ليبيا)، في واحدة من كبرى صفقات بيع السلاح تقوم بها الدولة الواقعة في جنوب آسيا، وتشمل مقاتلات «جيه إف 17» وطائرات تدريب.

وأجرت باكستان أيضاً محادثات مع بنغلاديش بشأن صفقة دفاعية ربما تشمل طائرات التدريب «سوبر مشاق»، ومقاتلات «جيه إف 17»، مع تحسن العلاقات مع داكا. وترى الحكومة أن الصناعة المتنامية في باكستان يمكن أن تكون محفزاً لتحقيق استقرار اقتصادي طويل الأمد.

تقدم للجيش السوداني

ميدانياً، أعلن الجيش السوداني تنفيذ غارات جوية وبرية مكثفة استهدفت مواقع «قوات الدعم السريع» في ولايات دارفور وكردفان، بالإضافة إلى طرق إمداد قادمة من الجنوب الليبي. وذكر بيان صادر عن المتحدث الرسمي باسم الجيش أن العمليات أسفرت عن تدمير أكثر من 240 مركبة قتالية، وقتل المئات من عناصر «الدعم السريع»، فضلاً عن تدمير طائرات مسيّرة ومخازن عسكرية ومحطات تشغيل في مطار مدينة نيالا، التي تُعد معقلاً رئيسياً لـ«قوات الدعم السريع» في جنوب دارفور. في المقابل، أعلنت قوات الدعم السريع إسقاط طائرة مسيّرة تركية الصنع كانت تحلّق فوق نيالا، متهمة الجيش بتنفيذ هجمات جوية تستهدف المدنيين والبنية التحتية، بما في ذلك قصف منشآت طبية. وأكدت جاهزية دفاعاتها الجوية للتصدي لأي هجمات مستقبلية.

وتأتي هذه التطورات في ظل مخاوف إقليمية متزايدة، لا سيما بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» في وقت سابق على منطقة المثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر، وهو ما أثار قلق القاهرة من تداعيات أمنية محتملة. وتسببت الحرب الدائرة في السودان منذ أكثر من عامين ونصف العام في أسوأ أزمة إنسانية في العالم، واجتذبت أطرافاً خارجية لها مصالح في البلاد، وتهدد أيضاً بتقسيم السودان الذي يحظى بموقع استراتيجي، وله سواحل على البحر الأحمر، ولديه إنتاج كبير من الذهب.

دعم بريطاني-ألماني

على الصعيد السياسي، أعلنت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، أن بريطانيا ستنظم بالتعاون مع ألمانيا مؤتمراً دولياً حول السودان في برلين خلال أبريل (نيسان) المقبل، تزامناً مع الذكرى الثالثة للحرب، مؤكدة أنها ستستغل رئاسة بلادها لمجلس الأمن لمنع تراجع الملف السوداني عن أولويات الأجندة الدولية.

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر (أ.ب)

وأضافت كوبر، في مقال خصّت به «الشرق الأوسط»، أن لندن ستواصل تسليط الضوء على الفظائع المرتكبة في السودان، وحشد الدعم الدولي لإطلاق زخم جديد نحو السلام في عام 2026، مشيرة إلى أن الجهود الدولية تشمل مساعي أميركية للتوصل إلى هدنة عبر تنسيق يضم المجموعة الرباعية (الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات)، وأنها أجرت محادثات في واشنطن مع وزير الخارجية ماركو روبيو، وكبار مستشاري الرئيس دونالد ترمب. وشددت على أن حرب السودان لم تعد محلية، بل باتت إقليمية وعالمية، وتمثّل اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على بناء تحالفات فعّالة وتحقيق اختراق حقيقي نحو تسويتها.