دفعت التطورات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي والتفاعل بين الإنسان والآلة الروبوتات إلى أن تتجاوز نطاق المصانع، لتقدم المساعدة الحقيقية في الحياة اليومية للبشر. فلم تعد الروبوتات اليوم محصورة في الأتمتة الصناعية فحسب، بل أصبحت مصممة بوصفها مساعِدة للرعاية ورفقاء، ومساعِدة في البيئات المنزلية والعيادات والمستشفيات ودور الرعاية طويلة الأمد.
ويقود هذا التحول التقدم في مجالات الاستشعار، والروبوتات الناعمة، وأنظمة التحكم التكيفية، وواجهات التفاعل الاجتماعي، مما يمكّن الروبوتات من التفاعل مع البشر بأمان وتعاطف، حتى في السياقات الحساسة؛ مثل: رعاية كبار السن، وإعادة التأهيل، وسير العمل في المستشفيات.
وعلى الرغم من هذا التقدم، لا تزال معظم الأنظمة الروبوتية تعمل وفق برامج ثابتة، مما يجعلها عاجزة عن التكيف مع التغيرات الطفيفة في البيئات اليومية، مثل تحريك الأغراض أو حدوث ظروف غير متوقعة.

«الذكاء الاصطناعي المتجسد»
وفي محاولة لمعالجة هذا التحدي، أطلق فريق بحثي بجامعة سنغافورة الإدارية مشروعاً لتطوير روبوتات قادرة على التعلّم والتكيّف مع التغيرات في محيطها، اعتماداً على ما يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي المتجسد» (Embodied AI)، الذي يدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة مع نماذج اللغة الضخمة، لمنح الروبوتات قدرات التعلم والتكيف الذاتي والتفاعل الذكي مع بيئاتها.
يركز المشروع الذي عُرض في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، على تدريب الروبوتات من خلال مجموعة واسعة من المهام العملية، مثل 200 مهمة مطبخية متكررة أكثر من 300 مرة لكل منها، أي نحو 60 ألف تسلسل فيديو، بهدف تعليم الروبوت استنتاج خطوات جديدة استناداً إلى الملاحظات الواقعية.
ويخطط الفريق لتطوير نموذج لغوي ضخم يمكّن الروبوت من تعديل خططه فورياً، مثل البحث عن كوب غير موجود في مكانه المعتاد قبل متابعة المهمة. ويستهدف المشروع تطبيقات اجتماعية مهمة؛ مثل: رعاية كبار السن، والمساعدة في المهام اليومية المعقدة، ودعم التأهيل الطبي والعلاج الطبيعي، مع اعتماد نهج مرن يمكن دمجه مع تقنيات الذكاء الاصطناعي المستقبلية، والالتزام بأقصى معايير السلامة والإشراف البشري، لضمان تطوير روبوتات ذكية متعاطفة تكمل الرعاية البشرية وتدعم حياة أكثر أماناً واستقلالية.
يقول الأستاذ المساعد في علوم الكمبيوتر بجامعة سنغافورة الإدارية، مدير المشروع البحثي، الدكتور تشو بين: «نستهدف أن تقدم الروبوتات دعماً منزلياً من خلال أداء مهام معقدة في بيئات مزدحمة أو متغيرة، مثل تنظيم الأشياء والمساعدة في الروتين اليومي، وتتفاعل في الأدوار الخدمية مع تغييرات سير العمل في المصانع والمستشفيات والأماكن العامة».
ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «كل ذلك يعتمد على قدرتها على التعلّم من الملاحظات في الوقت الفعلي وتعديل سلوكها تلقائياً، مما يجعلها أكثر موثوقية وفائدة في البيئات البشرية اليومية».
وتوقع أن تعيد هذه الروبوتات تعريف المساعدين الشخصيين بالذكاء الاصطناعي، وتعزز الرعاية البشرية بأمان، وتراقب رفاهية الأفراد، وتدعم استقلالية كبار السن وذوي الإعاقة، لتصبح شريكة متعاطفة وموثوقة وتكمل عمل مقدمي الرعاية وتضع معياراً جديداً للدعم الذكي في المنازل والمستشفيات.

روبوتات مساعدة
* روبوتات في خدمة المُسنين. تروّج دول مثل الصين بشكل نشط لمفهوم الذكاء الاصطناعي والروبوتات بوصفها ركيزة أساسية للرعاية المستقبلية لكبار السن، حيث بلغ عدد الأشخاص فوق 60 عاماً بنهاية 2024 نحو 310 ملايين، أي نحو 22 في المائة من إجمالي السكان.
وأصدرت الحكومة الصينية إرشادات لتسريع اعتماد الروبوتات الاجتماعية، وأنظمة المنازل الذكية، والأجهزة القابلة للارتداء، وحساسات المنزل لمتابعة رعاية كبار السن، بهدف مساعدتهم في المهام اليومية، وتقديم الرفقة العاطفية، والمراقبة الأمنية.
ويُعد الروبوت الاجتماعي «ElliQ» الذي ابتكرته شركة «Intuition Robotics» الأميركية مثالاً على هذا التوجه، إذ يقدم حلاً متكاملاً للرعاية، بمراقبة المؤشرات السلوكية والصحية مثل النوم والنشاط، وإرسال تنبيهات إلى مقدمي الرعاية، وتذكير المستخدمين بتناول الأدوية، واقتراح أنشطة للعافية.
* الروبوتات المساعدة والعلاجية. تُسهم الروبوتات الاجتماعية في مواجهة نقص القوى العاملة في رعاية كبار السن من خلال تقديم بدائل روبوتية للرعاية والمساعدة وإعادة التأهيل. ومن أبرز الأمثلة على ذلك روبوت «موكسي» (Moxi)، وهو مساعد لوجيستي للمستشفيات مزوّد بذراع وممسك، وقادر على التنقل الذاتي ونقل الأدوية وعينات المختبر، مما يحرر الكوادر الطبية من المهام الروتينية. وقد أتم هذا الروبوت أكثر من 1.25 مليون عملية توصيل في 2025 بعدة مستشفيات أميركية.

أما الروبوت «غريس» (Grace) فهو بشري المظهر، ومزوّد بذكاء اصطناعي للتفاعل الصوتي والاجتماعي، ويقدم الدعم النفسي والعاطفي، ويذكّر كبار السن بتناول أدويتهم، بالإضافة إلى تنفيذ إجراءات بسيطة للرعاية والصحة.
بينما يستخدم روبوت «بيبر» (Pepper) في المستشفيات لاستقبال المرضى والزوار، وتوجيههم، وتقديم المعلومات الأساسية، مما يقلل العبء الإداري على الكوادر البشرية.
كما يستطيع الروبوت «HoLLiE» المتنقل وثنائي الذراعين، تنفيذ مهام متنوعة في الرعاية، منها تقديم مساعدات وظيفية، وأنشطة روتينية داخل المستشفيات، ومرافق الرعاية، مع تصميم مرن يمكن تخصيصه لسيناريوهات مختلفة. وتعكس هذه النماذج التحوّل من مرحلة البحث إلى الخدمة الفعلية، وتوضح كيف يمكن للروبوتات تقديم رعاية متكاملة تجمع بين الدعم المادي والنفسي والإداري، مما يزيد من جدوى الاستثمار في قطاع الرعاية والروبوتات.


