من متلازمة «داون» إلى متلازمة الحب... الشغف والمثابرة يصنعان المعجزات

في مؤسسة لبنانية... المصابون بالتثلّث الصبغي يبتسمون للحياة ويبنون غدَهم بأيديهم

TT

من متلازمة «داون» إلى متلازمة الحب... الشغف والمثابرة يصنعان المعجزات

يتميّز المصابون بمتلازمة «داون» بإيجابيّتهم وقدرتهم على بثّ الفرح (سيزوبيل)
يتميّز المصابون بمتلازمة «داون» بإيجابيّتهم وقدرتهم على بثّ الفرح (سيزوبيل)

هم ليسوا أطفالاً عاديين. تفضحهم عيونهم وملامحُهم المختلفة عن السائد. يقول العلم إنهم مصابون بمتلازمة التثلّث الصبغي «داون»، في حين يؤكد المشرفون عليهم أنهم مصابون بمتلازمة الحب.

في مؤسسة «سيزوبيل (SESOBEL)» اللبنانية، لا يقتصر إحياء اليوم العالمي لمتلازمة «داون» على تاريخ 21 مارس (آذار)، فالتعامل مع الأطفال والشبّان الذين يحملونها هو بمثابة احتفاليّةٍ يوميّة. احتفاليةٌ قوامُها طاقتُهم الإيجابية وطموحهم للعلمِ والإبداع والعمل.

يتميّز المصابون بمتلازمة «داون» بإيجابيّتهم وقدرتهم على بثّ الفرح (سيزوبيل)

من ربط الحذاء إلى حب الذات

تحتضن المؤسسة عشرات المصابين بمتلازمة التثلّث الصبغي، إلى جانب عدد آخر من ذوي الاحتياجات الخاصة المختلفة كالتوحّد، والضمور العضلي والعصبي، والشلل الدماغي.

في صفّ الحضانة، وكما سائر الأطفال، يكتشفون قدراتهم الحسّيّة ويتعلّمون أيام الأسبوع والفصول الأربعة ويُلقّنون عبارات الترحيب بالآخر. ثم ينتقلون إلى صفوفٍ أعلى حيث يتعلّمون القراءة والكتابة، ولاحقاً اللغة والعلوم والحساب.

كما سائر الأطفال يتعلّم المصابون بمتلازمة «داون» القراءة والكتابة (الشرق الأوسط)

توضح مديرة القسم التربوي د. أنيتا يوسف الحاج لـ«الشرق الأوسط» أنّ «البرنامج الأكاديمي المعتمد يؤهّل الأطفال للدراسة وفق قدراتهم، لا سيّما أنّهم يعانون عجزاً فكرياً وصعوبةً في الأداء التكيّفي». لِذا فإنّ التعليم يمتدّ كذلك إلى مساعدتهم في اكتساب الاستقلاليّة الذاتيّة، كتناول الطعام أو تنظيف الأسنان أو ربط شريط الحذاء بمفردهم.

يتميّز المصابون بمتلازمة «داون» عن سواهم من البشر، وفق الحاج، بأن «لا حدود لحبّهم كما أنهم لا يحقدون، وهذا ناتج عن عدم قدرتهم على تقييم المواقف والحُكم المسبق على الناس». وهنا، يعود البرنامج التربوي ليلعب دوره بأن يؤهّلهم لحماية أنفسهم، وحب ذاتهم من أجل بناء علاقة جيّدة مع الآخر.

يتابع الأطفال برنامجاً أكاديمياً متكاملاً ينمّي القدرات الذهنية والمجتمعية (سيزوبيل)

أولويّة الدمج

جولةٌ سريعة بينهم تُثبت أنهم يمتلكون موهبة طبيعية في بثّ الفرح والحب. لديهم لهفة للزوّار ولكل مَن يمنحهم انتباهه واهتمامه. بنظر الحاج، فإنّ هذه الميزة هي سببٌ كافٍ من أجل «النظر إليهم كبشرٍ أبعد من الإعاقة، ما قد يسهّل اندماجهم مجتمعياً، وأكاديمياً، وفنياً، ورياضياً، وحتى مهنياً».

وضعت «سيزوبيل» موضوع الدمج الأكاديمي نصب عينَيها، وقد حقّقت الهدف باختراق المدرسة الرسمية اللبنانية. شرّعت الأخيرة أبواب صفوفها أمام عددٍ من ذوي الاحتياجات الخاصة، ليندمجوا مع الطلّاب الأصحاء. هذا ما تؤكّده مديرة المؤسسة فاديا عقل صافي.

دمج ذوي الاحتياجات الخاصة مع أترابهم الأصحاء في المدارس اللبنانية هو أولوية (سيزوبيل)

تقول صافي، في حديثها مع «الشرق الأوسط»: «منذ انطلاقتها عام 1976، آمنت (سيزوبيل) بضرورة انخراط الطفل المصاب واندماجه في المجتمع والمدرسة وسوق العمل». ولعلّ أول ما تراهن عليه المؤسسة، هو اندماج الطفل ضمن عائلته، لذلك فهي تعتمد مقاربة شاملة تضمّ الأبَوين والأشقّاء: «نواكب عائلات الأطفال من خلال متابعة اجتماعية وصحية ونفسية، في مسعى للتخفيف من أعبائهم، وتقريبهم قدر المستطاع من حالة أولادهم، وإيصالهم إلى التكيّف التام معها».

لوحات زاهية وأذن موسيقية

كلّما تقدّم السنّ بهم، اتضحت أكثر ملامح الإصابة بمتلازمة «داون» على مظهر الأطفال وتصرّفاتهم. وكأنّهم في سباقٍ مع الوقت لاكتساب كل ما استطاعوا من مهارات وتحصين أنفسهم بها. يبدون على قدر هذا التحدّي، إذ يُظهرون منذ الصغر قدرةً على التركيز والابتكار. تشهد على ذلك حصص الرسم والتلوين حيث يتّسمون بهدوءٍ استثنائي، غالباً ما تنتج عنه لوحاتٌ زاهية بألوانها ومفاجئة بتفاصيلها.

يتفاعل الأطفال المصابون بمتلازمة «داون» مع حصص الفنون بشكل كبير (الشرق الأوسط)

أما في حصص الموسيقى التي ينتظرونها بفارغ الصبر، فتلاحظ مدرّستُهم فاليري البويري كم أنّ آذانهم الموسيقية يقِظة، وكم أنّهم قادرون على حفظ الإيقاع بسرعة. تؤكّد البويري أنّ «ما يساعدهم في التفاعل مع الموسيقى هي أحاسيسهم العالية وشغفهم الكبير».

يمتلك ذوو الاحتياجات الخاصة أذناً موسيقية حسّاسة (الشرق الأوسط)

من الدراسة إلى العمل

لا يدرك المصابون بمتلازمة التثلّث الصبغي أنّ قدراتهم مختلفة عن سواهم، وبالتالي فإنّ لا شيء يُحبط عزيمتهم. مثلُهم مثلُ الأصحّاء، وربّما أكثر، يريدون التعلّم واللعب واستكشاف مواهبهم. وبعد، هم يرغبون في العمل ويحلمون بالاستقلال الماديّ.

تُعدُّهم «سيزوبيل» لسلوك هذا الدرب من خلال مركز المساعدة في العمل المنبثق عنها. أثمر هذا المركز محترفاً للأشغال اليدوية ومصنعاً للحلويات، إضافةً إلى سلسلة من المتاجر التي تبيع منتجات المؤسسة فيعود الريعُ لدعم الطلّاب. وهذا الدعم الماديّ بات ضرورياً، وسط ظروفٍ صعبة ترخي بثقلها على المؤسسة وتتهدّد بقاءها.

أرخت الأزمة الاقتصادية في لبنان بثقلها على سير العمل في المؤسسة (سيزوبيل)

توضح المسؤولة عن مركز المساعدة في العمل ليلى زغيب أنّ التدريب على المهارات اليدويّة والمهنية يبدأ من داخل الصفوف الدراسية. ليس كل الطلّاب مؤهّلين لدخول المشاغل لاحقاً، وتلعب قدراتهم الجسديّة والذهنية دوراً في هذا الإطار. أما مَن يستطيعون فيتوجّهون إمّا إلى المشاغل الإنتاجيّة حيث ينصبّ التركيز على تصنيع الشوكولاته والحلويات والأشغال اليدويّة، أو إلى المشاغل العمَليّة حيث يتعلّمون كيفية المساعدة في الحصص الدراسية وفي الأعمال المنزليّة والمطبخيّة.

تلفت زغيب إلى أنّ «أهل المصابين بمتلازمة داون غالباً ما يتهيّبون من فكرة انتقالهم إلى سوق العمل الفعلي خارج (سيزوبيل)، إلّا أنّ هذا الإنجاز تحقّق من خلال 4 طلّاب حصلوا على وظائف في قطاع المطاعم».

تغليف حبات الشوكولاته في المشغل التابع للمؤسسة (الشرق الأوسط)

انضباط ودقّة وصبر

داخل مشاغل الشوكولاته والحلويات، تنشغل الحواس بالرائحة الزكيّة المنبعثة من الأفران، وبموسيقى خافتة يبثّها جهاز الراديو لتسلية الطلّاب في حين يعملون بصمتٍ وتركيزٍ من الصعب اختراقُهما. منهم مَن يغلّف الحلويات بالورق، ومنهم مَن يلفّ الشريط اللاصق حول حبّات الشوكولاته. لدى سؤال ماريا، وهي مصابة بمتلازمة «داون»، عمّا تفعل تجيب: «أنا أحقق حلم حياتي بأن أعمل هنا».

وفق رضا إبراهيم السخن، مسؤولة وحدة النظافة وضمان الجودة في المشاغل، يتميّز الطلّاب العاملون بانضباطهم ودقّتهم وصبرهم: «لا يتحرّكون من أماكنهم قبل أن ينهوا المهمة الموكلة إليهم. قد يمضون ساعاتٍ في تقطيع البسكويت أو لصق الشريط على الشوكولاته، لكننا لا نسمعهم يتذمّرون».

أعمال قد تبدو بسيطة لكنها تتطلّب دقّة وصبراً كبيرَين (الشرق الأوسط)

رغم قدراتهم الحسّيّة غير المكتملة، فإنّ هؤلاء الطلّاب باتوا يشكّلون جزءاً أساسياً من العملية الإنتاجية، ومن بين أيديهم تخرج منتجات ذات جودة عالية. والأهمّ، أنّ هذا العمل، على البساطة التي يبدو عليها بالنسبة إلى الأصحّاء، فإنه «يمنحهم ثقةً بالنفس وهدفاً في الحياة كما يضاعف قوّة شخصيتهم»، وفق السخن.

الامتنان سمةٌ خاصة لدى المصابين بمتلازمة داون. يفرحون بالتفاصيل الصغيرة التي تبدو كبيرة بنظرهم؛ يهلّلون لبسمة، يصفّقون لزائر، ويدمعون تأثّراً إن نالوا مكافأة مالية صغيرة مقابل ساعات العمل. يبصرون البشر بقلوبهم وليس بعيونهم، لأنّ طاقاتهم مهما كانت محدودة توسّعها طاقة الحب.



«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
TT

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)

تغوص مسرحية «دنيا» على خشبة «دوار الشمس» ببيروت، لكاتبها ومخرجها زياد نجَّار، داخل أعماق الأمومة والتضحيات التي ترافقها، فتُشرِّح مشاعر مكبوتة لدى نساء نسين أنفسهن من أجل سعادة أبنائهن. وتؤدي ندى أبو فرحات دور «المايسترو» الذي يجمع حكايات نساء كثيرات في مقطوعة إنسانية واحدة، تلامس كل مُشاهد وفق تجربته الخاصة.

عالم «دنيا»؛ المرأة التي ضاعت بين تناقضات تجربتها والخيبات التي واجهتها، يطرحه نجّار في قالب حديث، متنقلاً بين الافتراضي والواقعي، ومستعيناً بالموسيقى بوصفها عنصراً درامياً، وصولاً إلى رقصة المذبوح من الألم، التي توقظها كلمة «موم (أمي)» بالإنجليزية، وفق قاموس الجيل الجديد. وانطلاقاً من هذا التعبير البسيط، الذي حلّ مكان كلمة «ماما» التقليدية، يدرك المشاهد أن الحكاية تطوله هو أيضاً.

ويُبقي العمل على قيم الحب والتضحية التي لم تتغيّر لدى الأمهات، من جيل الجدات حتى اليوم، ويبرزها في قالب مسرحي تتحكّم أبو فرحات في مساره، فيما ترافقها نغمات البيانو التي يعزفها نجّار مباشرة على الخشبة. وتواكب الموسيقى تقلّبات الشخصية وثورتها على ذاتها؛ فيرتفع صوت الأم ليتحوّل ضجيجاً مضنياً في مَشاهد القلق، وينساب بهدوء في لحظات أخرى.

تحكي «دنيا» قصص نساء كرّسن حياتهن لتربية أبنائهن، وحلمن بمستقبلهم على حساب أحلامهن الخاصة. نساء تأثرن بتربية أمهاتهن وانتقدنها، معتقِدات أنهن يؤدّين أدوارهن على طريقتهن المنفتحة، فركّزن على تزويد أبنائهن بالقوة والاستقلالية لمواجهة مشكلات الحياة ومصاعبها.

في «دنيا» قدمت ندى أبو فرحات أحد أهم أدوارها المسرحية (مسرح دوار الشمس)

وفجأة؛ يجدن أن ذلك المسار الطويل انتهى إلى مغادرة الأبناء البيت. هنا تبدأ رحلتهن مع الذات، فيستعدن شريط حياة لم يعشنها، بل قدّمنها هدية لأبنائهن. فالبيت الذي كان يشهد نقاشات وجدالاً بين الأم وابنتها أصابه الصمت، وتحول سماعُ كلمة «موم» شوقاً ضاغطاً وحاجة ملحّة، بعدما كانت تشكّل مصدر انزعاج لكثرة تردادها على ألسنة أولاد متطلِّبين.

«أولادكم ليسوا لكم»... مقولة جبران خليل جبران؛ تصبح قاسية عندما تتحوّل حقيقةً تعيشها الأمهات. ويعكس عنوانُ العمل دنيا الأمِّ وعالَمَها، بما ينطوي عليه من تقلّبات وتناقضات يصعب اختصارها في عرض مدته 60 دقيقة. ولذلك جاء النص مركّزاً وتفاعلياً؛ إذ حاول نجّار، بالتعاون مع أبو فرحات، الإحاطة بالقصة من خلال تفاصيل تجعلها أقرب إلى الواقع.

وتتناول المسرحية تجربة الأمومة شكلاً ومضموناً، كما تتطرّق إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومتابعة جيل المؤثرين الجديد. فالأبناء يصدّقون المؤثرة «فلالوبا» على «تيك توك» أكثر مما يصدّقون أمّاً رافقتهم في أحلامهم وتحدياتهم. كذلك يظهر قلق الأمهات من «سباع» جائعة قد يصادفها أبناؤهن في علاقاتهم العاطفية، وكيف يعيد التاريخ نفسه من خلال حجج يتسلّح بها الأبناء للقاء الآخر، سبق أن استخدمتها الأم في زمن الصبا.

ويتأثر الأهل أيضاً بأبنائهم، ولكن على طريقتهم الخاصة. وعندما يفقدون وسيلة التواصل معهم بسبب انشغال الأبناء بالمحادثات الإلكترونية، يصبح «تشيت شات» مع الذات، كما يسمّيه العمل، خياراً بديلاً لهم.

وتنجح ندى أبو فرحات، خلال أكثر من مشهد، في الانتقال من حالة إنسانية إلى أخرى. فتتحوّل من أم تتذمّر من علاقتها بابنتها، إلى أخرى حنون وعاطفية، تسأل عن أحوالها بلهفة وهي تناديها: «يا حياة قلبي وينك تقبريني». وتكشف هذه الانتقالات عن تنوّع أدائها وقدرتها على تجسيد حالات أمومة مختلفة.

دنيا تحتفي بالحياة على طريقتها (مسرح دوار الشمس)

وتقدّم المسرحية صوراً بلاغية عدّة في إطار عمل إنساني يحمل رسالة مباشرة ويتناول الموضوع بجرأة. وتتجدّد شخصية «دنيا» وهي ترتدي عباءة الحرية حيناً، وعباءة البحث عن الذات والتفاني حيناً آخر.

وتبرز قدرات أبو فرحات الأدائية عندما ترقص الفلامنغو والفالس، فتترك لنفسها العنان، كأنها تستعيد أياماً أضاعتها في رعاية الآخرين. لكنها تعود إلى الواقع حين تصغي إلى ابنتها المنكسرة، التي لجأت إليها لمواجهة مشكلة عاطفية كبيرة.

ويعزّز أسلوبُ زياد نجّار الإخراجي الأثرَ البصري والسمعي للعمل، عبر لغة مسرحية تجمع بين الأداء والحركة والموسيقى والصورة، فيما صمّمت تمارا حاوي اللوحات الكوريغرافية.

وفي نهاية العمل، الذي تستمر عروضه حتى 27 سبتمبر (أيلول) الحالي، تحتفي «دنيا» بنفسها وبكل امرأة سارت في طريقها... فقد واجهت التحديات انطلاقاً من حدسها وخبرتها وحبها أبناءها، وإن كان ذلك على حساب نفسها وأحلامها، لتصبح نموذجاً لأمهات كثيرات في بلادنا.


جدل «الأعلى أجراً» والأكثر مشاهدةً بالدراما الرمضانية للواجهة مبكراً

الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
TT

جدل «الأعلى أجراً» والأكثر مشاهدةً بالدراما الرمضانية للواجهة مبكراً

الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)

أعادت تصريحات للفنانين أحمد العوضي، ومحمد رمضان، جدل «الأعلى أجراً»، والأكثر مشاهدة، للواجهة، وذلك بالتزامن مع إعلان وجودهما ومنافستهما لأول مرة في الماراثون الرمضاني القادم معاً، وكل منهما في صدارة البطولة لمسلسلات تصنف ضمن «الدرامية الشعبية».

وكتب محمد رمضان عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي أنه «نمبر وان» في الأجر، و«أنه ليس طماعاً... بل عشماوي»، بينما كرر العوضي تصريحاته بأنه الأعلى أجراً، والأكثر مشاهدة، في عدد من الفعاليات، أبرزها ظهوره في بودكاست «قصتي»، وخلال ندوته في «ملتقى الإعلام العربي» بدبي.

ويشكل «عشماوي» عودة لمحمد رمضان للدراما التلفزيونية بعد غياب لسنوات، انشغل خلالها بالإصدارات الغنائية والأفلام السينمائية، وتحديداً منذ تقديمه مسلسل «جعفر العمدة»، بينما اعتاد أحمد العوضي تصدر البطولة الدرامية الرمضانية بانتظام منذ سنوات، أحدثها سيكون مسلسل «سلطان الديب»، الذي ينافس به في الموسم المقبل.

ويشهد مسلسل «عشماوي»، الذي يجمع بين محمد رمضان، والمخرج بيتر ميمي، لأول مرة، مفاجآت لافتة، أبرزها مشاركة مي عمر، وأيضاً زوجها المخرج محمد سامي، بالتمثيل، بينما يتعاون العوضي مع صناع مسلسلات سابقة له، مثل «على كلاي»، وهما المخرج محمد عبد السلام، والسيناريست محمود حمدان.

بدوره أكد الكاتب والناقد الفني المصري أحمد النجار، أن «المتاجرة من قبل البعض بكونهم الأعلى أجراً أمر غير صحي بالوسط الفني»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «صدارة أي عمل ونجاحه ليس بالضرورة أن ينسب للبطل الأوحد، فهناك أدوار مساعدة وثانية وثانوية، وفريق كامل بالصفوف الخلفية هم العمود الفقري للأحداث وبإمكانهم جذب المشاهد ببساطة بعيداً عن النجم».

وأشار النجار إلى أن هذه التصريحات تزداد انتشاراً في الآونة الأخيرة ويجب الحد منها، مضيفاً: «البطل لا بد وأن يتحدث بفنه وإبداعه وتجسيده ببراعة وإتقان، وعليه أن يترك أمر التصدر للمنصات المتخصصة، وإلا فليظهر الدليل والعقد الذي يثبت أنه الأعلى أجراً، طالما أنه يتحدث بثقة مطلقة».

الفنان المصري أحمد العوضي (حسابه على «فيسبوك»)

وفي سياق معركة الصدارة، التي ظهرت مؤشراتها أخيراً، خاض العوضي بطل فيلم «شمشون ودليلة»، التجربة نفسها مع محمد إمام بطل «صقر وكناريا»، خلال موسم الصيف السينمائي، فبينما أكد إمام تصدره «شباك التذاكر» وتحقيقه لإيرادات مليونية، أعلن العوضي عن إيرادات ضخمة حصدها فيلمه خلال أسبوع واحد فقط.

واشتعلت المعركة بين العوضي وإمام عبر منشورات «سوشيالية»، شهدت على تدخل نقيب الممثلين أشرف زكي حينها لفض الاشتباك، وطالبهما بحذف كل المنشورات، وقبل ذلك شهد موسم دراما رمضان الماضي منشورات متبادلة بين الفنانتين مي عمر بطلة «الست موناليزا»، وياسمين عبد العزيز بطلة «وننسى اللي كان»، عن التصدر والأكثر مشاهدة، ودخل على خط الأزمة حينها الفنان عمرو سعد الذي نافس بمسلسل «إفراج».

ووصف الكاتب والناقد الفني المصري سمير الجمل «الصراع الدائر على الإيرادات والترند والأعلى أجراً بأنه نوع من (الإفلاس الفني) والاستفزاز للمشاهد»، مؤكداً أن «غالبية المسلسلات أصبحت عجينة واحدة، لذلك فالمخرج الوحيد لإثبات الوجود هو الحديث عن ذاتهم وتصدرهم، وبات ملاذهم هو مقولة الأكثر نجاحاً وأجراً بدون دليل مادي يثبت الأمر».

وعن رأيه في ثيمة «البطل الشعبي» في الدراما المصرية حالياً، أكد سمير لـ«الشرق الأوسط»، أن «ما يعرض لا يعبر عن الحارة الشعبية التي تمثل السواد الأعظم من الناس، فالحارة الأصيلة لا تؤوي البلطجي والنصاب والسارق، وما يقدم ويصدر للناس هو صورة وهمية لا تمثل الفن المصري، بل عشوائيات درامية لن تعيش في الذاكرة».

وختاماً طالب الناقد الفني بالتوازن والتنوع في الدراما لعدم إفساد القيم الشعبية من خلال مفاهيم مغلوطة تعرض من أجل «الترند»، لافتاً إلى أن «الفن يقود المجتمع وليس العكس، لأنه الأقوى بإبداعه وفكره»، على حد تعبيره.

Your Premium trial has ended


قرارات صارمة لمنع تصوير المُعلمين و«ضبط» ملابس طلاب الجامعات

وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
TT

قرارات صارمة لمنع تصوير المُعلمين و«ضبط» ملابس طلاب الجامعات

وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)

مع انطلاق العام الدراسي الجديد في المدارس والجامعات المصرية، برزت توجهات رسمية مُشددّة لفرض الانضباط داخل المؤسسات التعليمية، سواء من خلال قرارات تستهدف حماية المعلمين والحفاظ على هيبة المنظومة التعليمية داخل المدارس، أو عبر تطبيق ضوابط خاصة بالمظهر العام للطلاب داخل الجامعات.

وبدأ نحو 4 ملايين طالب وطالبة العام الجامعي الجديد 2026 - 2027، بداية هذا الأسبوع، بالجامعات والمعاهد المصرية، فيما استقبل أكثر من 60 ألف مدرسة بدايةً من الأسبوع الماضي نحو 25 مليون طالب وطالبة بمختلف المراحل.

وفي سياق فرض الانضباط، أصدر وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، محمد عبد اللطيف، الاثنين، توجيهات مشددة لجميع المدارس على مستوى الجمهورية بتطبيق عقوبة الفصل لمدة عام دراسي كامل لأي طالب يستخدم أي أداة من أدوات التصوير لتصوير المُعلّم داخل المدرسة، بهدف الإساءة أو التنمر أو النشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكدت الوزارة، في بيان، أن «الحفاظ على هيبة وكرامة المعلم واحترامه، وتوفير بيئة تعليمية منضبطة داخل المؤسسة التعليمية، يمثلان ثوابت أساسية للعملية التعليمية».

كانت واقعة قد انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي لتلميذ في إحدى المدارس تتم معاقبته في الطابور ويقدم اعتذاراً لمدرّسته بعد أن صوّرها وهي تشرح في الفصل ونشر المقطع عبر وسائل التواصل مع تعليقات ساخرة.

قيادات جامعة القاهرة في جولات ميدانية بالكليات مع انطلاق العام الجامعي الجديد (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

وامتدت محاولات ضبط الإيقاع التعليمي إلى الجامعات، التي شددت على تطبيق ضوابط المظهر العام داخل الحرم الجامعي، حيث أعلنت عن «مدونة سلوك» أو أصدرت تعليمات تحظر ارتداء الملابس الممزقة أو الشفافة أو القصيرة، إلى جانب الشورتات والأحذية المفتوحة وبعض أشكال الإكسسوارات التي لا تتناسب مع البيئة الأكاديمية.

وشهد أول أيام العام الجامعي الجديد عدة وقائع أثارت تفاعلاً، منها منع طالب وطالبة من دخول جامعة بنها بسبب ارتدائهما «بناطيل ممزقة»، كما شهدت الجامعة منع أحد الطلاب من الدخول بسبب انتعاله حذاءً مفتوحاً (شبشب)، ورغم أن الطالب أوضح لأفراد الأمن أنه خضع مؤخراً لعملية جراحية بالقدم، وأن انتعاله هذا الحذاء جاء بناءً على توصية طبية، إلا أن الأمن اشترط تقديم تقرير طبي رسمي يُثبت حالته الصحية، حسبما أفادت به تقارير صحافية محلية.

وجددت هذه الوقائع نقاشاً قديماً ومكرراً بشأن ضوابط «الزي اللائق» وآليات تطبيقها، وسط انقسام بين تأييد موقف الجامعات في وضع قواعد للانضباط والمظهر العام داخلها، وبين معارضين رأوا أن ملابس الطالب لا ينبغي أن تكون سبباً لمنعه من حق تلقي التعليم، كما أثار البعض تساؤلات حول وجود أكواد موحدة (dress code) داخل الجامعات تلزم الطلاب بملابس ذات مواصفات محددة.

كانت مصادر بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي المصرية قد أكدت في تصريحات صحافية سابقة عدم وجود قانون محدد ينظم ملابس الطلاب داخل الجامعة، من خلال وضع مواصفات محددة للملابس داخل الحرم الجامعى سواء للطلاب أو الطالبات، موضحةً أن الجامعات تتمتع بشخصية مستقلة، وبالتالي يكون لرئيس كل جامعة الحق في تنظيم شؤون الجامعة والحرم الجامعي في جميع الأمور بما فيها الملابس.

ويوضح الخبير التربوي، عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة، أن الجامعات المصرية لا تستند إلى قانون موحد يحدد بصورة تفصيلية شكل الزي المسموح به داخلها، وإنما تعتمد في الغالب على اللوائح الداخلية أو قرارات تنظيمية، مؤكداً أن «غياب كود موحد ومحدد للزي داخل الجامعات، يجعل بعض القرارات خاضعة للتقديرات والاجتهادات الشخصية عند التطبيق».

طلاب بجامعة بنها داخل إحدى القاعات الدراسية في أول أيام العام الدراسي (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجدل المتكرر حول هذه الوقائع يعكس الحاجة إلى وجود إطار أكثر وضوحاً تصدره الجهات المسؤولة عن التعليم العالي»، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن أي «دريس كود» لن يكون قادراً على تغطية جميع التفاصيل المرتبطة بالأزياء، فالموضة تتطور بصورة متسارعة، الأمر الذي يجعل من الصعب صياغة قواعد تستوعب كل جديد.

ويفسر حجازي تكرار هذه الأزمات مع بداية كل عام دراسي لكونها «تقع في منطقة حساسة بين رؤيتين متباينتين داخل المجتمع، فهناك تيار مُحافظ يرى أن للجامعة الحق في فرض معايير للمظهر، يقابله تيار آخر ينظر إلى مسألة اللباس بوصفها حرية شخصية، وبالتالي يتحول الأمر إلى صراع قيمي يأخذ أبعاداً فلسفية وجدلية كبيرة».

بدورها، تؤكد الخبيرة التربوية داليا الحزاوي، المنسق العام للبرنامج الوطني لتعزيز الحق في التعليم بمجلس الشباب المصري، أن بناء شخصية الطالب لا يقتصر على التحصيل الدراسي، وإنما يشمل أيضاً غرس قيم والسلوكيات الإيجابية، موضحةً أن «للأسرة دوراً أساسياً في ذلك، سواء بتعليم الأبناء الاستخدام المسؤول لمواقع التواصل الاجتماعي واحترام خصوصية الآخرين، وكذلك التدخل والتوجيه فيما يرتدونه داخل الجامعة».

وأكدت لـ«الشرق الأوسط» أن «توجيهات معاقبة تصوير المعلم داخل المدرسة تأتي في توقيت مهم، في ظل انتشار بعض الممارسات التي تستهدف السخرية من المعلمين وتصويرهم ونشر المقاطع عبر مواقع التواصل الاجتماعي»، مشددةً على أن «احترام المعلم والحفاظ على كرامته من أساسيات الانضباط داخل المدرسة».

كما تبيّن أن «الحفاظ على هيبة المؤسسة التعليمية لا يتعارض مع احترام حق الطالب في اختيار ملابسه»، لافتةً في الوقت نفسه إلى أن مخالفة ضوابط المظهر يجب أن يكون لها عقوبات متدرجة وفق لائحة واضحة ومعلنة.