من متلازمة «داون» إلى متلازمة الحب... الشغف والمثابرة يصنعان المعجزات

في مؤسسة لبنانية... المصابون بالتثلّث الصبغي يبتسمون للحياة ويبنون غدَهم بأيديهم

TT

من متلازمة «داون» إلى متلازمة الحب... الشغف والمثابرة يصنعان المعجزات

يتميّز المصابون بمتلازمة «داون» بإيجابيّتهم وقدرتهم على بثّ الفرح (سيزوبيل)
يتميّز المصابون بمتلازمة «داون» بإيجابيّتهم وقدرتهم على بثّ الفرح (سيزوبيل)

هم ليسوا أطفالاً عاديين. تفضحهم عيونهم وملامحُهم المختلفة عن السائد. يقول العلم إنهم مصابون بمتلازمة التثلّث الصبغي «داون»، في حين يؤكد المشرفون عليهم أنهم مصابون بمتلازمة الحب.

في مؤسسة «سيزوبيل (SESOBEL)» اللبنانية، لا يقتصر إحياء اليوم العالمي لمتلازمة «داون» على تاريخ 21 مارس (آذار)، فالتعامل مع الأطفال والشبّان الذين يحملونها هو بمثابة احتفاليّةٍ يوميّة. احتفاليةٌ قوامُها طاقتُهم الإيجابية وطموحهم للعلمِ والإبداع والعمل.

يتميّز المصابون بمتلازمة «داون» بإيجابيّتهم وقدرتهم على بثّ الفرح (سيزوبيل)

من ربط الحذاء إلى حب الذات

تحتضن المؤسسة عشرات المصابين بمتلازمة التثلّث الصبغي، إلى جانب عدد آخر من ذوي الاحتياجات الخاصة المختلفة كالتوحّد، والضمور العضلي والعصبي، والشلل الدماغي.

في صفّ الحضانة، وكما سائر الأطفال، يكتشفون قدراتهم الحسّيّة ويتعلّمون أيام الأسبوع والفصول الأربعة ويُلقّنون عبارات الترحيب بالآخر. ثم ينتقلون إلى صفوفٍ أعلى حيث يتعلّمون القراءة والكتابة، ولاحقاً اللغة والعلوم والحساب.

كما سائر الأطفال يتعلّم المصابون بمتلازمة «داون» القراءة والكتابة (الشرق الأوسط)

توضح مديرة القسم التربوي د. أنيتا يوسف الحاج لـ«الشرق الأوسط» أنّ «البرنامج الأكاديمي المعتمد يؤهّل الأطفال للدراسة وفق قدراتهم، لا سيّما أنّهم يعانون عجزاً فكرياً وصعوبةً في الأداء التكيّفي». لِذا فإنّ التعليم يمتدّ كذلك إلى مساعدتهم في اكتساب الاستقلاليّة الذاتيّة، كتناول الطعام أو تنظيف الأسنان أو ربط شريط الحذاء بمفردهم.

يتميّز المصابون بمتلازمة «داون» عن سواهم من البشر، وفق الحاج، بأن «لا حدود لحبّهم كما أنهم لا يحقدون، وهذا ناتج عن عدم قدرتهم على تقييم المواقف والحُكم المسبق على الناس». وهنا، يعود البرنامج التربوي ليلعب دوره بأن يؤهّلهم لحماية أنفسهم، وحب ذاتهم من أجل بناء علاقة جيّدة مع الآخر.

يتابع الأطفال برنامجاً أكاديمياً متكاملاً ينمّي القدرات الذهنية والمجتمعية (سيزوبيل)

أولويّة الدمج

جولةٌ سريعة بينهم تُثبت أنهم يمتلكون موهبة طبيعية في بثّ الفرح والحب. لديهم لهفة للزوّار ولكل مَن يمنحهم انتباهه واهتمامه. بنظر الحاج، فإنّ هذه الميزة هي سببٌ كافٍ من أجل «النظر إليهم كبشرٍ أبعد من الإعاقة، ما قد يسهّل اندماجهم مجتمعياً، وأكاديمياً، وفنياً، ورياضياً، وحتى مهنياً».

وضعت «سيزوبيل» موضوع الدمج الأكاديمي نصب عينَيها، وقد حقّقت الهدف باختراق المدرسة الرسمية اللبنانية. شرّعت الأخيرة أبواب صفوفها أمام عددٍ من ذوي الاحتياجات الخاصة، ليندمجوا مع الطلّاب الأصحاء. هذا ما تؤكّده مديرة المؤسسة فاديا عقل صافي.

دمج ذوي الاحتياجات الخاصة مع أترابهم الأصحاء في المدارس اللبنانية هو أولوية (سيزوبيل)

تقول صافي، في حديثها مع «الشرق الأوسط»: «منذ انطلاقتها عام 1976، آمنت (سيزوبيل) بضرورة انخراط الطفل المصاب واندماجه في المجتمع والمدرسة وسوق العمل». ولعلّ أول ما تراهن عليه المؤسسة، هو اندماج الطفل ضمن عائلته، لذلك فهي تعتمد مقاربة شاملة تضمّ الأبَوين والأشقّاء: «نواكب عائلات الأطفال من خلال متابعة اجتماعية وصحية ونفسية، في مسعى للتخفيف من أعبائهم، وتقريبهم قدر المستطاع من حالة أولادهم، وإيصالهم إلى التكيّف التام معها».

لوحات زاهية وأذن موسيقية

كلّما تقدّم السنّ بهم، اتضحت أكثر ملامح الإصابة بمتلازمة «داون» على مظهر الأطفال وتصرّفاتهم. وكأنّهم في سباقٍ مع الوقت لاكتساب كل ما استطاعوا من مهارات وتحصين أنفسهم بها. يبدون على قدر هذا التحدّي، إذ يُظهرون منذ الصغر قدرةً على التركيز والابتكار. تشهد على ذلك حصص الرسم والتلوين حيث يتّسمون بهدوءٍ استثنائي، غالباً ما تنتج عنه لوحاتٌ زاهية بألوانها ومفاجئة بتفاصيلها.

يتفاعل الأطفال المصابون بمتلازمة «داون» مع حصص الفنون بشكل كبير (الشرق الأوسط)

أما في حصص الموسيقى التي ينتظرونها بفارغ الصبر، فتلاحظ مدرّستُهم فاليري البويري كم أنّ آذانهم الموسيقية يقِظة، وكم أنّهم قادرون على حفظ الإيقاع بسرعة. تؤكّد البويري أنّ «ما يساعدهم في التفاعل مع الموسيقى هي أحاسيسهم العالية وشغفهم الكبير».

يمتلك ذوو الاحتياجات الخاصة أذناً موسيقية حسّاسة (الشرق الأوسط)

من الدراسة إلى العمل

لا يدرك المصابون بمتلازمة التثلّث الصبغي أنّ قدراتهم مختلفة عن سواهم، وبالتالي فإنّ لا شيء يُحبط عزيمتهم. مثلُهم مثلُ الأصحّاء، وربّما أكثر، يريدون التعلّم واللعب واستكشاف مواهبهم. وبعد، هم يرغبون في العمل ويحلمون بالاستقلال الماديّ.

تُعدُّهم «سيزوبيل» لسلوك هذا الدرب من خلال مركز المساعدة في العمل المنبثق عنها. أثمر هذا المركز محترفاً للأشغال اليدوية ومصنعاً للحلويات، إضافةً إلى سلسلة من المتاجر التي تبيع منتجات المؤسسة فيعود الريعُ لدعم الطلّاب. وهذا الدعم الماديّ بات ضرورياً، وسط ظروفٍ صعبة ترخي بثقلها على المؤسسة وتتهدّد بقاءها.

أرخت الأزمة الاقتصادية في لبنان بثقلها على سير العمل في المؤسسة (سيزوبيل)

توضح المسؤولة عن مركز المساعدة في العمل ليلى زغيب أنّ التدريب على المهارات اليدويّة والمهنية يبدأ من داخل الصفوف الدراسية. ليس كل الطلّاب مؤهّلين لدخول المشاغل لاحقاً، وتلعب قدراتهم الجسديّة والذهنية دوراً في هذا الإطار. أما مَن يستطيعون فيتوجّهون إمّا إلى المشاغل الإنتاجيّة حيث ينصبّ التركيز على تصنيع الشوكولاته والحلويات والأشغال اليدويّة، أو إلى المشاغل العمَليّة حيث يتعلّمون كيفية المساعدة في الحصص الدراسية وفي الأعمال المنزليّة والمطبخيّة.

تلفت زغيب إلى أنّ «أهل المصابين بمتلازمة داون غالباً ما يتهيّبون من فكرة انتقالهم إلى سوق العمل الفعلي خارج (سيزوبيل)، إلّا أنّ هذا الإنجاز تحقّق من خلال 4 طلّاب حصلوا على وظائف في قطاع المطاعم».

تغليف حبات الشوكولاته في المشغل التابع للمؤسسة (الشرق الأوسط)

انضباط ودقّة وصبر

داخل مشاغل الشوكولاته والحلويات، تنشغل الحواس بالرائحة الزكيّة المنبعثة من الأفران، وبموسيقى خافتة يبثّها جهاز الراديو لتسلية الطلّاب في حين يعملون بصمتٍ وتركيزٍ من الصعب اختراقُهما. منهم مَن يغلّف الحلويات بالورق، ومنهم مَن يلفّ الشريط اللاصق حول حبّات الشوكولاته. لدى سؤال ماريا، وهي مصابة بمتلازمة «داون»، عمّا تفعل تجيب: «أنا أحقق حلم حياتي بأن أعمل هنا».

وفق رضا إبراهيم السخن، مسؤولة وحدة النظافة وضمان الجودة في المشاغل، يتميّز الطلّاب العاملون بانضباطهم ودقّتهم وصبرهم: «لا يتحرّكون من أماكنهم قبل أن ينهوا المهمة الموكلة إليهم. قد يمضون ساعاتٍ في تقطيع البسكويت أو لصق الشريط على الشوكولاته، لكننا لا نسمعهم يتذمّرون».

أعمال قد تبدو بسيطة لكنها تتطلّب دقّة وصبراً كبيرَين (الشرق الأوسط)

رغم قدراتهم الحسّيّة غير المكتملة، فإنّ هؤلاء الطلّاب باتوا يشكّلون جزءاً أساسياً من العملية الإنتاجية، ومن بين أيديهم تخرج منتجات ذات جودة عالية. والأهمّ، أنّ هذا العمل، على البساطة التي يبدو عليها بالنسبة إلى الأصحّاء، فإنه «يمنحهم ثقةً بالنفس وهدفاً في الحياة كما يضاعف قوّة شخصيتهم»، وفق السخن.

الامتنان سمةٌ خاصة لدى المصابين بمتلازمة داون. يفرحون بالتفاصيل الصغيرة التي تبدو كبيرة بنظرهم؛ يهلّلون لبسمة، يصفّقون لزائر، ويدمعون تأثّراً إن نالوا مكافأة مالية صغيرة مقابل ساعات العمل. يبصرون البشر بقلوبهم وليس بعيونهم، لأنّ طاقاتهم مهما كانت محدودة توسّعها طاقة الحب.



السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.