«حبّ في شبه مدينة»... مسرحية عن الإنسان العالق في المكان المُنهَك

ترصد العزلة والعبث اليومي وتشظّي العلاقات تحت ضغط الحرب

في هذا المشهد لا خلاص واضحاً... فقط هدنة قصيرة مع الواقع (الشرق الأوسط)
في هذا المشهد لا خلاص واضحاً... فقط هدنة قصيرة مع الواقع (الشرق الأوسط)
TT

«حبّ في شبه مدينة»... مسرحية عن الإنسان العالق في المكان المُنهَك

في هذا المشهد لا خلاص واضحاً... فقط هدنة قصيرة مع الواقع (الشرق الأوسط)
في هذا المشهد لا خلاص واضحاً... فقط هدنة قصيرة مع الواقع (الشرق الأوسط)

تُقدّم مسرحية «حبّ في شبه مدينة» قراءة لعلاقة الإنسان بمدينة بات الخراب أحد إيقاعاتها اليومية. وهذه المدينة ليست مكاناً مُحدّداً بترسيم جغرافي، وإنما حالة ذهنية ونفسية مُعلّقة بين ما كان وما لم يكتمل، وبين ذاكرة لم تُشفَ وحاضر عاجز عن إنتاج معنى مستقرّ للحياة.

العمل الذي عُرض على «مسرح المدينة» في منطقة الحمراء البيروتية، من تأليف حسن مخزوم وكتابته، وسينوغرافيا لينا عسيران وتصوُّرها وإخراجها، يضع شخصيتَين في مواجهة مدينة ذات طابع ديستوبي؛ كثيفة الجدران ومسكونة بالوحدة. «هي» و«هو» يلتقيان بوصفهما كائنَيْن يحمل كلٌّ منهما عزلة تُشبه عزلة الآخر. اللقاء اصطدام غُربتَيْن، ومن هذا الاصطدام تُبنى علاقة تتحوّل تدريجياً إلى محاولة متبادلة لتفادي السقوط الكامل في الفراغ.

الحبّ في العمل حالة دفاعية أكثر منه وعداً بالخلاص. هو ردّ فعل إنساني على مدينة تضيق كلما اتّسعت، وتفرض على سكانها أن يبحثوا عن دفء مؤقّت داخل علاقات عابرة، سرعان ما تختبر قدرتها على الصمود. فالعلاقة العاطفية هنا ليست مُصمَّمة لتُنقذ أياً منهما. إنها فقط تؤجّل الانهيار من دون أن تمنح الطمأنينة، لكنها تمنح معنى مؤقّتاً للبقاء.

يشتغل النصّ على مفارقة الزمن بوصفها أحد أوجه العبث اليومي. فالشخصيتان تعيشان زمنَيْن متعاكسَيْن يُمثّلان حاضراً عصيّاً على الانتماء إليه، وماضياً يُستدعى على هيئة ملاذ من ثقل الراهن. وسط هذا التمزُّق، يتقاطع مصير الفرد مع مصير المدينة. فالمدينة، كما الشخصيتان، عالقة بين خوف من مستقبل غامض وارتهان لذاكرة حروب لم تُسمَّ ولم تُحلَّ، فتصبح عبارة: «هذا الوطن مُتعِب جداً»، خلاصة شعورية لحالة عامة، حيث التعب شرط دائم للعيش.

في مدينة تتكاثر فيها الجدران يصبح الاقتراب فعلاً محفوفاً بالتردّد (الشرق الأوسط)

الحوار مُحمَّل بالدلالة ومبنيّ على شذرات اعتراف تتقاطع فيها السخرية السوداء مع الإحباط العميق. جُمل مثل «أصبحتُ حشرة من فرط ما غفوتُ على الرصيف»، أو «تبدأ الثورات في الصباح الباكر، لكنني لم أستيقظ على رنّة المنبّه»، تكشف عن تعطُّل الفعل وفقدان التوقيت. هنا، يفقد الغضب قدرته على التحوّل إلى فعل، ويتأخَّر دائماً كما لو أنّ المدينة سبقت ساكنيها بخطوة إضافية في إنتاج الخيبة.

وينقسم المكان المسرحي بين الداخل والخارج، فيتحوَّل البيت إلى مساحة عزلة، في حين تتجسَّد المدينة على هيئة ضغط دائم لا إفلات منه. النوافذ والضوء والأصوات لغة ثانية موازية للنصّ. فالضوء يُلاحق محاولة الشخصيتَيْن المُتكرّرة للهروب من مواجهة الذات، وسط فقدان القدرة على رؤية النفس بوضوح داخل فضاء خانق يفرض إيقاعه على كلّ حركة.

ويحتلّ الجسد موقعاً مركزياً في العرض، فيُشكّل الإيماء والرقص المعاصر أداة تفكير موازية للنصّ المكتوب. حركة الشخصيتَيْن مُتقطّعة، كأنّ الجسد يسبق الوعي أحياناً أو يعجز عن اللحاق به. وهذا الجسد يتوتّر ويخاف ويرغب في الالتصاق، ثم ينسحب سريعاً. وفي تردُّده، يتحوّل الرقص إلى ترجمة بصرية للعلاقة المأزومة بين الإنسان وفضائه، وصورة ملموسة للتشظّي النفسي الذي تفرضه الأمكنة المُغلقة.

مدينة تُرمَّم جدرانها في حين يظلّ الإنسان معلّقاً في المنتصف (الشرق الأوسط)

تؤدّي الموسيقى مع غناء زياد الأحمدية وحضور العود، دور الذاكرة الصوتية للعمل. فالعود يستدعي ثقل ما لم يُحسَم بعد. نبرته الشرقية الحزينة تتقاطع مع فكرة مدينة تعيش بين رائحة اللافاندر والبارود، وبين محاولة ناعمة لاستعادة الحياة وواقع عنيف يفرض نفسه باستمرار. الغناء يُضاعف أثر المشهد، فنشعر بانبعاث الصوت من عمق المدينة نفسها وليس من خارجها.

لافت أداء الممثّلَيْن روى حسامي وميران ملاعب في قدرته على الإمساك بهذا التوازن الدقيق بين العبث والألم. أداء مشغول على التفاصيل، يُراكم الإحساس بالاختناق، ويترك الشخصيتَيْن مكشوفتَيْن أمام المدينة والجمهور معاً. أمامهما، تلتقي المدينة المُنهَكة من الحروب والإنسان الذي يسكنها بفقدان القدرة على الحسم والعيش في انتظار مفتوح لا يعرف ما سيُنقذه أو متى.

ووسط التقاطع الضاغط، يُقدَّم الحبّ على هيئة أثر إنساني مُثقل بالانكسارات، يحاول أن يثبت وجوده في مدينة لم تعد تمنح سكانها الإحساس بالحياة. مدينة تُنتج علاقات تُشبهها؛ ناقصة، مُتردّدة، ومعلَّقة بين الرغبة في النجاة والاستسلام البطيء لواقع لا يكفّ عن فقدان التوازن.


مقالات ذات صلة

مصر: «القومي للمسرح» لتجاوز «أزمة التكريمات» بالتركيز على جودة العروض

يوميات الشرق الدورة الـ19 تشهد تنوعاً كبيراً في العروض (إدارة المهرجان)

مصر: «القومي للمسرح» لتجاوز «أزمة التكريمات» بالتركيز على جودة العروض

يسعى مسؤولو «المهرجان القومي للمسرح المصري»، في دورته الـ19، التي ستُقام في الفترة من 25 يوليو (تموز) الحالي، وحتى 11 أغسطس «آب» المقبل.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق أفنان الخضر حصلت على جائزة أفضل ممثلة (الشرق الأوسط)

الفنانة السعودية أفنان الخضر «أفضل ممثلة» في «القاهرة للمونودراما»

حازت الفنانة السعودية أفنان الخضر جائزة «أفضل ممثلة» بمهرجان «أيام القاهرة الدولي للمونودراما» عن مسرحية «مزاد عاطفي» للمخرج تركي باعيسى.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق هشام ماجد وهنادي مهنا في لقطة من العرض (الشركة المنتجة)

هشام ماجد يخوض أولى بطولاته المسرحية بـ«خيال مريض»

يمتدّ العرض الكوميدي أكثر من 3 ساعات، ويتضمَّن جزءاً تفاعلياً يجمع بطل العمل بالجمهور.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق العرض المسرحي السعودي «مزاد عاطفي» (الشرق الأوسط)

«مزاد عاطفي»... مسرحية سعودية ترصد أزمة امرأة تواجه الغدر والخذلان

يلامس العرض المسرحي السعودي «مزاد عاطفي» أوجاع امرأة تعرضت للغدر والخذلان في حياتها مما ترك ندوباً وجراحاً تفضفض بها أمام الجمهور وتجعله شاهداً.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق تقدم «قطر الندى» في عرض واحد على مسرح المدينة (رائدة طه)

رائدة طه تستعيد الذاكرة الفلسطينية في «قطر الندى» من بيروت

قد يمتلك الغرب إمكانات وصناعات تتفوق على ما لدينا، لكنه لا يملك قصصنا ولا التجارب التي مررنا بها

فيفيان حداد (بيروت)