«شهرزاد» تشرق مجدداً بموسيقى كورساكوف وتابلوهات «الرقص الحديث»

في عرض بالأوبرا المصرية تضمَّن حكايات من «ألف ليلة وليلة»

«شهرزاد» و«شهريار» خلال العرض (الشرق الأوسط)
«شهرزاد» و«شهريار» خلال العرض (الشرق الأوسط)
TT

«شهرزاد» تشرق مجدداً بموسيقى كورساكوف وتابلوهات «الرقص الحديث»

«شهرزاد» و«شهريار» خلال العرض (الشرق الأوسط)
«شهرزاد» و«شهريار» خلال العرض (الشرق الأوسط)

عاد صدى الموسيقى الملحمية الأشهر للمؤلف الروسي ريمسكي كورساكوف يتردد في المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، من خلال عرض الرقص المسرحي الحديث «شهرزاد»، لتشرق الراوية الخيالية، وتعيد إلى الأذهان عوالم السحر والخيال والجمال الكامن في حكايات «ألف ليلة وليلة»، ولكن هذه المرة تتحدث بلغة الجسد، وتحكي على إيقاع الموسيقى الكورساكوفية.

عرضا الرقص المسرحي الحديث: «شهرزاد كورساكوف» و«بوليرو رافيل» شهدا حضوراً حاشداً في دار الأوبرا المصرية، على مدى يومَي الخميس والجمعة، وقد أقيما بالتعاون بين فرقة الرقص المسرحي الحديث من تصميم وإخراج وليد عوني، وأوركسترا أوبرا القاهرة، بقيادة المايسترو محمد سعد باشا.

«مسرورة» شخصية مبتكرة ضمن العرض (الشرق الأوسط)

منذ بداية العرض، يتجلى سحر الرقص الشرقي الذي استقبل الجمهور في أزياء تراثية، تحيل إلى الليالي العربية التي سحرت كورساكوف، فقدَّم من وحيها سيمفونيته الشهيرة «شهرزاد» عام 1888. وبموازاة الرقص الشرقي تتبدى خطوط أخرى للرقص التعبيري الحركي الخارج من رحم الحكاية، ليمد خيط السرد على آخره، وينتقل من حكاية لأخرى في الدوائر السحرية لليالي العربية.

البطلان الأساسيان للعرض الأول «شهرزاد» هما: حبيبة سيد في دور «شهرزاد»، ونادر جمال في دور «شهريار»، بينما تتوزع الأدوار الأخرى على بقية الراقصين، فهناك «مسرور» الذي يقوم بدوره مينا ثابت، و«مسرورة» وتقوم بدورها رشا الوكيل، و«شهر زاد القصة 3» وتقوم بدورها فاطمة محسن، و«علاء الدين» الذي يقوم بدوره محمد سمير، و«علي بابا» الذي يقوم بدوره كريم أسامة، وشخصية «جلال الدين الرومي» التي يؤديها باسم مجدي.

مشهد من رقصة «شهرزاد وشهريار» (الشرق الأوسط)

وقد ألَّف كورساكوف رائعته «شهرزاد» بوحي من قراءته لكتاب «ألف ليلة وليلة»، فجاءت جُمَله الموسيقية معبرة عن ولعه بالشرق بأسلوب جذاب ورقيق. ووفق المخرج وليد عوني، فإن «كل ما تسمعه الأذن هو تصوير لما نقرأه أو نراه في مخيلتنا، أو نستنشقه عطراً، أو ننفعل به إيقاعاً عندما نقرأ (ألف ليلة وليلة)، فلم يسبق لأحد أن وصل لمثل هذا التعبير الحسي عن أسطورة (شهرزاد) مثلما قدمها كورساكوف في مؤلَّفه الموسيقي البديع».

عرض «شهرزاد» اعتمد على الرقص الجماعي (الشرق الأوسط)

وبدا التناغم واضحاً بين الرقصات والإضاءة والأزياء المبهرة ذات الطابع التراثي أحياناً والأسطوري في أحيان أخرى، والحديث والمعاصر في أحيان ثالثة، ليقدم لنا مزيجاً إنسانياً حيوياً يتجاوز فكرة الزمان والمكان؛ بل يقفز فوق حدود الواقع والخيال.

ومن بين «التابلوهات» أو الرقصات المميزة واللافتة في العرض، رقصة «المولوية»، وحضور جلال الدين الرومي كشخصية حقيقية يصاحبها موسيقى وغناء خفيف، له طابع مختلف عن مقطوعة «شهرزاد»؛ لكنه يكرس أجواءً روحية ونفسية موغلة في عمق النفس البشرية، تعبِّر عن خباياها وهواجسها وحضورها الحيوي، في إطارها الواسع الممتد عبر الزمن.

جانب من العرض بملابس تراثية تشبه «ألف ليلة وليلة» (الشرق الأوسط)

ويقول الموسيقار محمد سعد باشا، قائد أوركسترا أوبرا القاهرة، إن «التعاون بين أوركسترا أوبرا القاهرة وفرقة الرقص المسرحي الحديث، لم تكن مَرَّته الأولى في عرضَي (شهر زاد) و(بوليرو)»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «التناغم والتنسيق والترتيب لتقديم العرضين جعلتهما يخرجان بصورة رائعة؛ خصوصاً مع عزف موسيقى كورساكوف وتناغم الرقصات مع إيقاعها، والدمج الذي قام به المخرج وليد عوني بين موسيقى (شهرزاد) وبين مقطوعات موسيقية أخرى قريبة من الحس الصوفي والمولوي».

ولفت باشا إلى أن «مقطوعة (بوليرو) للموسيقار موريس رافيل تعد من أصعب المقطوعات الموسيقية، لكونها مبنية على فكرة النمو التدريجي للموسيقى من الخفوت للوضوح للصوت العالي، وكان تصميم رقصات حديثة عليها أمراً صعباً أيضاً، ولكن في النهاية قُدِّمت بطريقة مبهرة».

لقطة ختامية من عرض «شهرزاد» لكورساكوف وفرقة الرقص المسرحي الحديث بمصر (الشرق الأوسط)

وتعكس مقطوعة «بوليرو» لموريس رافيل فلسفة توظيف الصوت في البناء التدريجي للنغمات التي تقوم على تكرار نمط موسيقي يتطور عبر الزمن، داخل نسيج أوركسترالي متعدد الطبقات، حتى يبلغ حالة من الاكتمال، وفق محمد سعد باشا. و«قد يعكس هذا التكوين التدريجي محاكاة لشعور ما بداخل نفس الإنسان، أو لفكرة بسيطة تتسع لعمل عظيم، أو لتطور الحياة الإنسانية من البساطة إلى التعقيد»، على حد تعبيره.

عرض «بوليرو» لرافيل اعتمد على إيقاع تصاعدي (الشرق الأوسط)

وبدا عرض «بوليرو» كتحية لمصمم الرقصات العالمي موريس بيجار. واعتمد العرض على بطلين، هما ياسمين بدوي وعمرو البطريق، مع 10 راقصين قدَّموا تابلوهات متنوعة تتناغم مع الموسيقى ذات الإيقاع المتشابه المتصاعد، للتعبير حركياً عن قوة اللحن وعلاقته بالمشاعر الإنسانية.

وسبق تقديم «شهرزاد» ضمن عروض فن الرقص الحديث أكثر من مرة، من بينها عام 2000 من بطولة كريمة ثابت ومحمد توفيق، وعام 2002 من بطولة وليد عوني ونانسي تونسي، وعام 2003 من بطولة هاني البورسعيدي وكريمة بدير، كما تم تقديم العرض نفسه من قبل في قلعة حلب بسوريا عام 2005.


مقالات ذات صلة

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

يوميات الشرق في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

بأسلوب مباشر، يأخذنا معتوق إلى موضوع أساسي هو الصحة النفسية، ويطرح تساؤلات عن قدرتنا على مواجهة ما يؤلمنا...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق من أبطال المسرحية ميشيل وهبة ولودي الخوري وفادي أبو شعيا (الشرق الأوسط)

«آخرتا شو؟» تجمع الكوميديا والتكنولوجيا لمواكبة جيل الشباب

المسرحية موجّهة إلى جيل الشباب، وتخاطب خصوصاً أبناء جيل «زد» المهتمّين بمتابعة أخبار مواقع التواصل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق التناغم في الأداء كان حاضراً بين دكاش وشبلي (الشرق الأوسط)

«زينا لبست خلخالها»... حين تتحوّل الذكريات إلى علاج يشفي

اختارت للانطلاق في هذا الطريق حكاية ترتكز على ذكريات شخصية ممزوجة بالخيال...

فيفيان حداد (بيروت)
منحنيات أصولية كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق سمر صالح في دور الديفا المجروحة من الماضي (مسرح مونو)

سمر صالح... من ابتسامة «مونو» إلى خشبته في «درجة تانية»

من خلال مسرحية «درجة تانية»، تروي سمر صالح قصتها الحقيقية ضمن رسالة إنسانية مؤثِّرة، وتضفي على أدائها شيئاً من روحها وشخصيتها الطريفة.

فيفيان حداد (بيروت)

«البحر الأحمر السينمائي» تسجل حضوراً قياسياً في سباق الأوسكار

12 فيلماً مدعوماً من مؤسسة البحر الأحمر السينمائي دخل سباق جوائز الأوسكار لأفضل فيلم دولي (واس)
12 فيلماً مدعوماً من مؤسسة البحر الأحمر السينمائي دخل سباق جوائز الأوسكار لأفضل فيلم دولي (واس)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» تسجل حضوراً قياسياً في سباق الأوسكار

12 فيلماً مدعوماً من مؤسسة البحر الأحمر السينمائي دخل سباق جوائز الأوسكار لأفضل فيلم دولي (واس)
12 فيلماً مدعوماً من مؤسسة البحر الأحمر السينمائي دخل سباق جوائز الأوسكار لأفضل فيلم دولي (واس)

سجّلت «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي» حضوراً قياسياً في سباق جوائز الأوسكار بمشاركة 12 فيلماً مدعوماً في التنافس على أفضل فيلم دولي خلال الدورة الـ99، تمثل 12 بلداً تمتد من السعودية والعالم العربي إلى أفريقيا وآسيا.

واختير 11 فيلماً - تمثل 11 دولة - مدعوماً من المؤسسة للتمثيل في المنافسة، وهي: «مسألة حياة أو موت، رقية، سمسم ليلة النجوم، الحكايات، غوريا، أربعة فصول في جاوة، غرق، توت الأرض، بنيمانا، نحن جميعاً غرباء، الجانب الآخر من الشمس».

ويكتمل هذا الحضور مع فيلم «أنغ»، الذي أصبح مؤهلاً للتقدم مباشرةً للمنافسة بعد تتويجه بجائزة «بلاتفورم» ضمن مهرجان تورنتو السينمائي الدولي 2026، في ضوء القواعد الجديدة التي اعتمدتها أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة للدورة الـ99، والتي تتيح لأفلام فائزة بجوائز مختارة في عدد من المهرجانات الدولية التأهل للتقدم إلى هذه الفئة.

من جانبه، قال فيصل بالطيور، الرئيس التنفيذي للمؤسسة، إن «صندوق البحر الأحمر يدعم عدداً كبيراً من الأفلام سنوياً، وأن يصل 12 منها إلى سباق جوائز الأوسكار يعد لحظة فخر استثنائية لنا».

وأوضح بالطيرر أن «اختيار 11 من هذه الأفلام لتمثيل بلدانها رسمياً يُعد بحد ذاته تقديراً مهماً لصنّاع هذه الأعمال ولما قدموه، وشهادة على المواهب والقصص التي تخرج من السعودية والعالم العربي وأفريقيا وآسيا».

وأكد أن هذا الاختيار «يعكس الأثر المتنامي لالتزامنا بتمكين صنّاع الأفلام ودعم رؤاهم الإبداعية، من مراحل التطوير الأولى وحتى الوصول إلى المنصات الدولية»، مضيفاً: «كان لنا شرف المشاركة في رحلة هذه الأفلام، ونتمنى لها كل التوفيق وهي تواصل مسيرتها في سباق جوائز الأكاديمية».

يأتي هذا الإنجاز تتويجاً لعام حافل للأفلام المدعومة من «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي» في أبرز المهرجانات العالمية، من كان والبندقية إلى تورنتو.

وشهد «مهرجان تورنتو» أكبر مشاركة للأعمال المدعومة من المؤسسة بـ8 أفلام، توّجت بفوز «أنغ» بجائزة «بلاتفورم»، و«بنيمانا» - الذي يمثل رواندا رسمياً في السباق - بـ«الكاميرا الذهبية» في «مهرجان كان» خلال وقت سابق من العام.

وتُعلن القائمة القصيرة لفئة أفضل فيلم دولي بتاريخ 15 ديسمبر (كانون الأول) 2026، فيما يُكشف عن الترشيحات النهائية في 21 يناير (كانون الثاني) 2027، قبل إقامة حفل توزيع جوائز الأوسكار في دورته الـ99 يوم 14 مارس (آذار) 2027 بمدينة لوس أنجليس الأميركية.


الأمير هاري: أرغب في التصالح مع عائلتي

الأمير هاري يظهر إلى جانب زوجته ميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا (د.ب.أ)
الأمير هاري يظهر إلى جانب زوجته ميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا (د.ب.أ)
TT

الأمير هاري: أرغب في التصالح مع عائلتي

الأمير هاري يظهر إلى جانب زوجته ميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا (د.ب.أ)
الأمير هاري يظهر إلى جانب زوجته ميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا (د.ب.أ)

كشف الأمير هاري أنه يأمل في التصالح مع والده الملك تشارلز ملك بريطانيا وبقية أفراد عائلته الذين ​انفصل عنهم عندما انتقل إلى الولايات المتحدة قبل 6 سنوات، وفقاً لوكالة «رويترز».

وتسبب هاري، البالغ من العمر 42 عاماً وابن الملك الأصغر، في حدوث انقسام كبير داخل العائلة عندما تخلى هو وزوجته ميغان عن مهامهما الملكية، وانتقلا في 2020 إلى ولاية كاليفورنيا الأميركية التي ‌وجّها منها ‌انتقادات شديدة للمؤسسة الملكية.

ولم ​يتحدث ‌هاري ⁠مع ​شقيقه الأكبر، ⁠ولي العهد الأمير ويليام، إلا نادراً على مدى سنوات، ولم تلتقِ عائلته مع والده مجدداً إلا في الآونة الأخيرة. وقال هاري في مقابلة مع مجلة «جي كيو» إنه يرغب في إصلاح الأمور. وعاد هاري أخيراً ⁠إلى بريطانيا برفقة ميغان وابنيهما.

«التصالح هو ‌ما يهم»

قال هاري ‌للمجلة: «مع كل ما يجري في ​العالم، فإن التصالح ‌هو أهم شيء بالنسبة إليَّ».

وذكر أنه يتفهم ‌الاهتمام الكبير الذي تحظى به أوضاع عائلته.

وأضاف: «هناك خلافات بين الأشقاء، وهناك علاقات متصدعة بين الأبناء ووالديهم، أو بين الأبناء وأحد الوالدين». وأوضح: «وقد تلهم جهود ‌التصالح بعض الناس لتحسين علاقاتهم الخاصة».

وتابع: «وهناك من لا يريدون أن ينجح هذا ⁠التصالح. ⁠أما أنا فأريده أن ينجح».

وقال المتحدث باسم هاري إن أحدث تعليقاته لم تكن تهدف إلى توجيه انتقاد إلى ويليام أو أي فرد آخر من أفراد العائلة.

وأكمل هاري دوق ساسكس حديثه لمجلة «جي كيو» قائلاً إنه على الرغم من أن «الندوب تبقى إلى الأبد»، فإنه يريد تشجيع الجميع على نسيان الماضي.

وأردف: «بالنسبة إليَّ، هناك ما يكفي من المآسي ​في العالم وفي ​حياة الناس، ولا داعي لمواصلة الخلافات العائلية. الأمر لا يستحق العناء».


هلكوت مصطفى: «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» يبرز شجاعة الكُرديات

الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
TT

هلكوت مصطفى: «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» يبرز شجاعة الكُرديات

الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)

قال المخرج العراقي النرويجي هلكوت مصطفى إن تصوير فيلمه «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» في المُوصل ارتبط بعلاقته الشخصية مع المدينة، وتكوّنت خلال عمله مصوراً للحروب وزياراته إليها أثناء المعارك ضد تنظيم «داعش»، موضحاً أن ما شاهده هناك ترك فيه أثراً دفعه إلى العودة بالكاميرا إليها، رغبة في تصوير الحكاية داخل المكان الذي تنتمي إليه، رغم الصعوبات الكبيرة التي فرضها هذا الاختيار على تنفيذ الفيلم وسلامة العاملين فيه.

وأضاف مصطفى، في حواره مع «الشرق الأوسط» على هامش عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان الجونة السينمائي»، أنه أراد منح المرأة موقعاً أساسياً في الحكاية، وإظهار قدرتها على الفعل واتخاذ القرار، مشيراً إلى أن «خبرته في تغطية الحرب عرّفته عن قرب إلى شجاعة المقاتلات الكُرديات، وما تحملنه من مسؤوليات، بينما لا تزال النساء في مجتمعات المنطقة يواجهن صعوبات عميقة في الوصول إلى مواقع صنع القرار».

ويتناول فيلم «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» الذي رشحه العراق إلى الأوسكار حكاية قناصة كردية تُدعى «فيان»، تخوض مهمة لإنقاذ شقيقتها الصغرى من قبضة تنظيم «داعش»، خلال عمليات تحرير المُوصل. وتؤدي شخصيتها الممثلة آفان جمال، التي خضعت لتحضيرات مطوّلة استهدفت بناء قدراتها الجسدية والعسكرية، إلى جانب استيعاب الحالة النفسية لامرأة تضطر إلى ضبط مشاعرها ومواجهة الخطر، فيما يرتبط استمرارها في القتال بأمل استعادة شقيقتها.

وأوضح مصطفى أن التصوير في الموصل كان من أكثر قراراته صعوبة، لأن المسؤولية امتدت إلى حماية فريق العمل والأشخاص الذين تعاونوا معه على الأرض مستعيداً رغبته في تجاوز الاعتماد المعتاد على مواقع بديلة.

وأوضح أن كثيراً من الأفلام الدولية التي تتناول العراق تُصوَّر في المغرب أو الأردن، بينما كان يريد البقاء داخل البيئة الحقيقية للحكاية. وأقر بأن التجربة كانت شديدة القسوة، إلى حد أنه لا يرغب في تكرارها.

انفعالات الشخصية

وعن بناء شخصية البطلة، قال إن اهتمامه انصبّ على الوصول إلى أداء مقنع، يستطيع حمل انفعالات الشخصية من دون الاعتماد على كثرة الكلام. ولهذا ارتبط الإعداد للدور بتدريبات القنص، والعمل على السلوك والحالة العاطفية، حتى تصبح حركة الممثلة وطريقة تعاملها مع المواقف جزءاً من التعبير عن تجربتها، مشدداً على أن تقديم المرأة بوصفها ضحية لم يكن ما يسعى إليه، إذ أراد أن يمنح قدراتها وقوتها حضوراً واضحاً على الشاشة.

وعن عنوان الفيلم، أوضح أن ما جذبه إليه هو قدرته على التعبير عن قوة النساء في مواجهة تنظيم بالغ الوحشية، كان يخشى أن يُقتل عناصره بأيديهن، مؤكداً أن هذه المفارقة أثّرت فيه، لكنه ربط اختياره أيضاً برغبة أوسع في منح النساء أدوار البطولة، في ظل غلبة الشخصيات الرجالية على أفلام المنطقة لكونه يريد إظهار ما تستطيع المرأة القيام به حين تُمنح مساحة تتسع لتجربتها وقدراتها.

وأشار مصطفى إلى أن الدافع العاطفي للحكاية ظل أساسياً بالنسبة إليه طوال العمل، فالفيلم يتصل بالحب والأمل والعلاقة بالأشخاص الأقرب إلينا، وبالمدى الذي يمكن أن يبلغه الإنسان لإنقاذ عائلته. ومن هذا المنطلق، رأى أن رحلة البطلة تستمد قوتها من ارتباطها بشقيقتها، وما يدفعها إلى مواصلة المحاولة، وسط ظروف تختبر قدرتها على الاحتمال، وتجعل إنقاذ فرد من الأسرة غاية تتحمل من أجلها مخاطر استثنائية.

المخرج العراقي هلكوت مصطفى (الشرق الأوسط)

وأوضح أن إنجاز الفيلم استغرق تسع سنوات، كان جانب أساسي منها مخصصاً للبحث عن اللغة السينمائية المناسبة للحكاية. ووصف الموازنة بين الحرب والدراما بأنها الجزء الأصعب في المشروع، إذ احتاج إلى وقت طويل ليحدد ما يمكن أن يقدمه بصورة مختلفة، مؤكداً أنه يرى العمل واقعاً في مساحة تتداخل فيها الأنواع، بحيث تحضر الحرب بما تفرضه من مخاطر، وتظل التجربة العاطفية للشخصيات عنصراً أساسياً في بنائه.

وتوقف مصطفى عند حضور الصمت في الفيلم، رابطاً إياه بذكريات عاشها خلال عمله مصوراً للحروب، حين كان يوجد داخل مبانٍ يسودها الهدوء، بينما يتواصل الخوف من غارة جوية أو هجوم لعناصر «داعش» أو انفجار قنبلة.

لغة الصمت

وأوضح أن هذه الخبرة جعلت الصمت جزءاً أساسياً من تصوره للفيلم؛ فالهدوء الذي عرفه في تلك الظروف كان مُحملاً بترقب الخطر، وبالعجز عن معرفة مصدره أو اللحظة التي قد يقع فيها.

وعن التقاء خلفيته العراقية الكردية بتجربته في النرويج، قال إن هذا التداخل جزء من تكوينه الشخصي، ووصف نفسه بأنه يحمل قلباً كردياً عراقياً وعقلاً نرويجياً، مشيراً إلى أنه أراد أن يظهر هذا التكوين في الفيلم لأنه يعبر عنه وعن الطريقة التي يرى بها الحكاية. وجاء حديثه عن هويته امتداداً لارتباطه بموضوع العمل، وبالخبرات التي اكتسبها خلال سنوات عاشها بين بيئتين مختلفتين.

وفيما يتعلق بالتمويل، أقر مصطفى بأن إنجاز مشروع بهذه الحالة يواجه صعوبات كبيرة في المنطقة، خصوصاً حين يحاول صاحبه تقديم منظور مختلف عما يتوقعه الممولون في الغرب، موضحاً أن بعض صناع الأفلام يجدون أنفسهم أمام ضغوط تدفعهم إلى تقديم الحكايات التي يرغب العالم الغربي في مشاهدتها، بينما يصبح تأمين التمويل أكثر تعقيداً عند محاولة الاقتراب من الموضوع من زاوية أخرى.

وعبّر مصطفى عن اعتزازه بالاعتراف الدولي الذي يحظى به عمله، وبفرصة تمثيل العراق سينمائياً، مؤكداً أن البلاد تضم ثقافات متعددة وخلفيات وتجارب مختلفة، يستطيع الفن أن يجمع بينها، معتبراً أن هذا الإيمان بقدرة الفن على التقريب بين الناس أحد أسباب استمراره في العمل، وما يمنح وصول الفيلم إلى مشاهدين من بيئات متنوعة معنى شخصياً ومهنياً بالنسبة إليه.