إسرائيل تحذر من محاولة طهران إحياء برنامجها النووي

مصادر أميركية: «الموساد» جند أكثر من 100 عميل داخل إيران

القاذفة الشبح «بي 2 سبيريت» التابعة لسلاح الجو الأميركي بعد عودتها من الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية (رويترز)
القاذفة الشبح «بي 2 سبيريت» التابعة لسلاح الجو الأميركي بعد عودتها من الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية (رويترز)
TT

إسرائيل تحذر من محاولة طهران إحياء برنامجها النووي

القاذفة الشبح «بي 2 سبيريت» التابعة لسلاح الجو الأميركي بعد عودتها من الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية (رويترز)
القاذفة الشبح «بي 2 سبيريت» التابعة لسلاح الجو الأميركي بعد عودتها من الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية (رويترز)

بعد ستة أشهر من قصف منشآت طهران النووية، كشفت تقارير عن تفاصيل جديدة عن اغتيال مسؤولين وعلماء مرتبطين بالبرنامج الإيراني خلال حرب الأيام الـ12، فيما حذر رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) ديفيد برنياع من عودة طهران إلى نشاطها النووي، رافضاً في الوقت نفسه أي اتفاق جديد وصفه بـ«السيئ».

وقال برنياع ، مساء الثلاثاء، إن «فكرة مواصلة تطوير قنبلة نووية ما زالت تخفق في قلوبهم»، مضيفاً أن «المسؤولية تقع على عاتقنا لضمان ألا يفعّل مجدداً المشروع النووي الذي تضرر بشكل بالغ، وذلك بتعاون وثيق مع الأميركيين»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأشاد برنياع الذي تنتهي ولايته في 13 يونيو (حزيران) المقبل، بالضربات الافتتاحية المفاجئة التي شنّتها إسرائيل في الحرب، معتبراً أنها كشفت عن حجم المعلومات الاستخباراتية التي جمعها عملاء إسرائيليون عن إيران. وقال: «استفاق نظام الملالي، في لحظة واحدة، ليكتشف أن إيران مكشوفة بالكامل ومخترَقة».

رئيس «الموساد» ديفيد برنياع في مقر وزارة الدفاع الإسرائيلية في تل أبيب يناير 2023 (أرشيفية - رويترز)

وأعرب برنياع عن تشكيكه في أي حل دبلوماسي مع طهران، وحذر من رهانها على التوصل إلى تسوية جديدة، مضيفاً: «تعتقد إيران أنها قادرة على خداع العالم مرة أخرى وإبرام اتفاق نووي سيئ جديد. نحن لم نسمح ولن نسمح بتحقيق اتفاق سيئ».

وأضاف أن إيران «دولة التزمت بتدمير إسرائيل»، وأن مستويات تخصيب اليورانيوم التي وصلت إليها «لا يمكن تفسيرها إلا برغبتها في امتلاك قدرة نووية عسكرية».

وتتهم القوى الغربية إيران بالسعي إلى امتلاك سلاح نووي، وتعمل على منعها من ذلك، في حين تنفي طهران باستمرار هذه الاتهامات.

وخلال ولايته الأولى، انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الاتفاق التاريخي الموقّع عام 2015 والذي قيّد تخصيب إيران للمواد النووية مقابل رفع العقوبات، وهو اتفاق عارضته إسرائيل.

وبدأت إيران والولايات المتحدة مفاوضات للتوصل إلى اتفاق جديد في أبريل (نيسان)، بوساطة عُمانية، لكن تلك المحادثات توقفت فجأة بعد الهجوم الإسرائيلي المباغت على إيران في 13 يونيو، والذي أشعل نزاعاً استمر 12 يوماً. وانضمت الولايات المتحدة لاحقاً إلى المواجهة بشنّ ضربات على ثلاثة مواقع نووية إيرانية.

عملية «نارنيا»

تزامنت تحذيرات برنياع مع تحقيق مشترك نشرته صحيفة «واشنطن بوست» بالتعاون مع برنامج «فرونتلاين» على قناة «بي بي إس» الأميركية.

وبحسب التقرير، فإن إسرائيل أعدت، قبل حرب يونيو مع إيران، شبكة من العملاء داخل البلاد، وجهزت طياريها وأسلحة دقيقة، ضمن حملة متعددة المسارات استهدفت البنية النووية الإيرانية ومنصات الصواريخ والدفاعات الجوية، إلى جانب اغتيال علماء نوويين بارزين.

واعتبر مسؤولون أمنيون إسرائيليون أن إلحاق ضرر محدود بالبرنامج النووي الإيراني لا يكفي، وأن الهدف شمل أيضاً ضرب ما وصفوه بـ«العقل المدبر» من مهندسين وفيزيائيين يعتقد أنهم يعملون على جوانب حساسة مرتبطة بتحويل مواد انشطارية إلى قنبلة.

وذكر التقرير أن الأسلحة الإسرائيلية بدأت عند نحو الساعة 3:21 صباحاً يوم 13 يونيو في ضرب مبانٍ سكنية وشقق في طهران. وقال إن العملية التي حملت اسم «نارنيا» ركزت على كبار العلماء النوويين بعدما جمعت معلومات عن 100 عالم.

وأضاف أن محمد مهدي طهرانجي قتل في شقته في مبنى يعرف باسم «مجمع الأساتذة» بطهران، فيما قتل فريدون عباسي الذي ترأس اللجنة النووية في البرلمان السابق، وترأس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية خلال عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، بعد ذلك بساعتين في ضربة أخرى. ونقل التقرير عن إسرائيل قولها إنها اغتالت 11 عالماً نووياً إيرانياً بارزاً في 13 يونيو والأيام التالية.

طهرانجي يتحدث إلى المرشد الإيراني علي خامنئي خلال لقاء الأخير مع مسؤولين للبرنامج النووي (أرشيفية - موقع خامنئي)

وقالت «واشنطن بوست» إن تقريرها يستند إلى مقابلات مع مسؤولين حاليين وسابقين في إسرائيل وإيران ودول عربية والولايات المتحدة، تحدث بعضهم شريطة عدم الكشف عن هويته لوصف عمليات سرية وتقييمات.

ونقل التقرير عن مسؤولين من إسرائيل والولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية قولهم إن البرنامج النووي الإيراني ربما تأخر لسنوات، لكنه لا يرقى إلى ما وصفه ترمب بأنه «تدمير كامل وتام» للبرنامج.

وأضاف التقرير أن إيران لا تزال تتخذ موقفاً متحدياً عبر التمسك بأنشطة التخصيب. ونقل عن أمير طهرانجي قوله لـ«فرونتلاين» إن عمل شقيقه سيستمر، مضيفاً أن «المعرفة لم تفقد لبلدنا».

وقال التقرير إن إسرائيل نفذت في السابق عمليات اغتيال لعلماء إيرانيين مع هامش إنكار، من بينها قنابل مغناطيسية لُصقت بسيارات في شوارع طهران، ومحاولة عام 2010 نجا منها عباسي، واغتيال محسن فخري زاده في 2020 عبر سلاح يُدار عن بعد.

وذكر التقرير أن «واشنطن بوست» وموقع «بيلينغكات» تمكنا من التحقق بشكل مستقل من مقتل 71 مدنياً في خمس ضربات استهدفت علماء نوويين، بالاستناد إلى صور أقمار اصطناعية وتحديد مواقع فيديوهات وإشعارات وفاة وسجلات مقابر وتغطية جنازات.

وأضاف أن التحقق شمل مقتل 10 مدنيين، بينهم رضيع عمره شهران، في ضربة «مجمع الأساتذة» في حي سعادت آباد بطهران، مع مؤشرات إلى أن قوة الانفجار قاربت قنبلة تزن نحو 500 رطل.

وأشار التقرير إلى استهداف محمد رضا صديقي صابر في منزله بطهران خلال الموجة الأولى، لكنه لم يكن موجوداً وقتها وقُتل ابنه البالغ 17 عاماً. وفي 24 يونيو، قال التقرير إنه قُتل في منزل قريب له بمحافظة جيلان خلال مراسم عزاء، مع التحقق من مقتل 15 مدنياً، بينهم أربعة قُصر، وتدمير منزلين.

ونقل التقرير عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إنهم سعوا لتقليل الضحايا المدنيين. وفي المقابل، قال مسؤول عسكري إسرائيلي إن الضربات الإيرانية الانتقامية أصابت مدارس ومستشفيات ومواقع مدنية وقتلت 31 إسرائيلياً. وقال متحدث باسم الحكومة الإيرانية في يوليو (تموز) إن 1062 شخصاً قُتلوا في الضربات الإسرائيلية، بينهم 276 مدنياً.

الضربات الأميركية

وحملت الحملة الأوسع ضد إيران اسم «الأسد الصاعد»، وشملت ضربات جوية ومسيرات وعملاء على الأرض، ودمّرت أكثر من نصف منصات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية، وحيّدت دفاعات جوية، واستهدفت محطات كهرباء وأنظمة تهوية قالت إنها ضرورية لتشغيل أجهزة الطرد المركزي في نطنز وفوردو. وأضاف أن ضربات أميركية لاحقة شملت قاذفات الشبح «بي 2 سبيريت» وصواريخ توماهوك.

وقال التقرير إن «الموساد» حشد أكثر من 100 عميل إيراني، وزود بعضهم بسلاح «خاص» من ثلاثة أجزاء لتنفيذ ضربات دقيقة ضد أصول عسكرية،، وإن السلطات الإيرانية عثرت على بعض المنصات لكن ليس الصواريخ أو «المكون الثالث» السري.

سياسياً، كشف التقرير عن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عرض على ترمب في بداية ولايته الثانية أربعة سيناريوهات لعمل عسكري ضد إيران، وأن الإدارة الأميركية أبقت باب الدبلوماسية مفتوحاً علناً بالتزامن مع التنسيق الاستخباراتي والعملياتي. وأضاف أن محادثات نووية كان مقرراً عقدها في 15 يونيو استُخدمت كجزء من مناورة لخداع إيران، وإبقاء الانطباع بوجود تباعد بين واشنطن وتل أبيب.

وذكر التقرير أن الولايات المتحدة نقلت في 15 يونيو، عبر وسطاء قطريين، مقترحاً إلى إيران تضمن وقف دعم جماعات مثل «حزب الله» و«حماس»، وأن تستبدل بمنشأة فوردو وأي منشأة تخصيب عاملة، مرافق لا تسمح بالتخصيب، مقابل رفع «جميع العقوبات» عن إيران. وأضاف أن طهران رفضت المقترح، ثم أذن ترمب بتوجيه ضربات أميركية.

ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي بينما وضع أمامه مجسماً من قاذفات «بي 2» التي قصفت منشآت إيران النووية 6 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

وبشأن تأثير العلميات العسكرية على البرنامج الإيراني، نقل التقرير عن «معهد العلوم والأمن الدولي» قوله في تقييم صدر في نوفمبر (تشرين الثاني) إن الأضرار الناجمة عن الضربات على مواقع نووية كانت واسعة وفي بعض الحالات «كارثية». وقال مسؤولون إسرائيليون إن منشأة نطنز دمرت، وأجزاء من مجمع أصفهان طمست، وتعرضت منشأة فوردو لأضرار جسيمة.

وقال مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي لـ«فرونتلاين» إن الأضرار «كبيرة جداً»، وإن إيران لا تزال تمتلك نحو 900 رطل من يورانيوم مخصب حتى 60 في المائة في أصفهان وفوردو ونطنز، لكن الوصول إليها غير واضح، مع منع المفتشين من دخول مواقع رئيسية.

وأضاف التقرير أن إيران كثفت البناء في موقع تحت الأرض قرب نطنز يُعرف باسم «جبل كالانغ»، وأنها تحاول إعادة بناء مخزون الصواريخ الباليستية بمساعدة من الصين، وفقاً لمسؤولين إسرائيليين ومحللين أميركيين. كما نقل عن ترمب تهديده بضربات جديدة إذا عادت إيران إلى تخصيب اليورانيوم بمستويات مرتفعة.

وبشأن التقديرات الأميركية، قالت مصادر مطلعة إن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جمعت منذ 2023 معلومات تفيد بأن باحثين يعملون ضمن وحدة بوزارة الدفاع الإيرانية تُعرف باسم «سبند» كانوا يستكشفون سبل تسريع بناء سلاح نووي إذا تغير قرار القيادة الإيرانية.

وقدرت الوكالة، وفق هذه المصادر، أن الإيرانيين بحثوا تصنيع «جهاز نووي بدائي» يمكن إنتاجه خلال نحو ستة أشهر باستخدام مخزونات اليورانيوم المخصب لديهم، مع الإشارة إلى أن هذا الجهاز سيكون محدوداً من حيث الاختبار المسبق أو وسائل الإيصال بعيدة المدى.

وأضافت المصادر أن تقديرات استخباراتية أميركية وإسرائيلية لم تخلص إلى أن إيران بدأت فعلياً تصنيع قنبلة، لكنها أشارت إلى تزايد القلق بحلول ربيع 2025 من احتمال صعوبة رصد أي انتقال سريع إلى مرحلة التجميع في الوقت المناسب. كما قالت إن الإيرانيين بدوا وكأنهم يدرسون أيضاً مفاهيم مرتبطة بأسلحة اندماجية، لكن محللين أميركيين وإسرائيليين اعتبروها «خارج المتناول» في المدى المنظور.

ونقل التقرير عن علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، قوله لـ«فرونتلاين»: «لا يمكن تدمير البرنامج النووي الإيراني أبداً... لأنهم لا يستطيعون سلبك الاكتشاف بعد أن تكتشف التقنية».


مقالات ذات صلة

طهران تنفي الرد العسكري على قيود الطيران

شؤون إقليمية موظف يعمل بمكتب شركة «ماهان للطيران» الإيرانية في أربيل بالعراق (رويترز)

طهران تنفي الرد العسكري على قيود الطيران

نفت إيران أن تكون بصدد اتخاذ إجراء عسكري رداً على القيود التي فرضتها دول عدة على الرحلات الجوية الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن- طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يرفض خطة الـ7 أيام الإيرانية

أفادت تقارير بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفض المقترح الذي عرضته إيران مؤخراً على الولايات المتحدة والذي يتضمن خطة من سبعة أيام لوقف الحرب وفتح «هرمز».

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يشاهدان العرض العسكري في حديقة الورود بالبيت الأبيض يوم الخميس 24 سبتمبر (د.ب.أ)

الولايات المتحدة تحذر الصين من دعم إيران

كشف السفير الأميركي لدى الصين ديفيد بيرديو جانباً من المحادثات التي دارت بين الرئيس دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، مؤكداً أن الملف الإيراني كان حاضراً.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن )
شؤون إقليمية سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو (أ.ف.ب)

واشنطن وطهران تبحثان مخرجاً تدريجياً للحرب

تبحث الولايات المتحدة وإيران عن مسار تدريجي لإنهاء الحرب المستمرة بينهما منذ نحو سبعة أشهر، في وقت أصبح فيه مضيق هرمز محوراً رئيسياً للمساومة بين الطرفين.

«الشرق الأوسط» (عواصم )
المشرق العربي مشاة يسيرون أمام مكتب شركة الطيران الإيرانية «ماهان إير» في بغداد (أ.ب)

مطارات حيوية في العراق تحظر الطيران الإيراني

بعد يومين من دخول حيز التنفيذ، قرَّرت مطارات حيوية في العراق الامتثال، اليوم (الجمعة)، لحظر الطيران المدني الإيراني.

حمزة مصطفى (بغداد)

إيران: ننتظر رداً عبر الوسطاء بعد رفض ترمب لمقترحنا

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ف.ب)
TT

إيران: ننتظر رداً عبر الوسطاء بعد رفض ترمب لمقترحنا

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ف.ب)

قال ​وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إن طهران ‌تلقت ‌رد ​فعل ‌أوليا ⁠من ​الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب على مقترحها، لكنها ⁠لم ‌تتلق بعد ‌ردا ​عبر ‌الوسطاء.

وأضاف ‌أن إيران تنتظر أن ‌ينقل الوسطاء الموقف الأميركي النهائي، ⁠وستتخذ ⁠قرارا بناء عليه.

وكان ترمب قد رفض خطة عرضتها إيران لإعادة فتح مضيق هرمز، مرجحاً استئناف الضربات الجوية ضد إيران بعد انتهاء انتخابات التجديد النصفي.


طهران تنفي الرد العسكري على قيود الطيران

موظف يعمل بمكتب شركة «ماهان للطيران» الإيرانية في أربيل بالعراق (رويترز)
موظف يعمل بمكتب شركة «ماهان للطيران» الإيرانية في أربيل بالعراق (رويترز)
TT

طهران تنفي الرد العسكري على قيود الطيران

موظف يعمل بمكتب شركة «ماهان للطيران» الإيرانية في أربيل بالعراق (رويترز)
موظف يعمل بمكتب شركة «ماهان للطيران» الإيرانية في أربيل بالعراق (رويترز)

نفت إيران أن تكون بصدد اتخاذ إجراء عسكري رداً على القيود التي فرضتها دول عدة على الرحلات الجوية الإيرانية، في وقت تتسع فيه دائرة الدول التي علّقت أو أوقفت استقبال الناقلات الإيرانية، على خلفية العقوبات الأميركية الجديدة المفروضة على قطاع الطيران.

وقالت أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، يوم السبت، إن الحديث عن توجّه طهران للرد عسكرياً على القيود الجوية الأخيرة «مرفوض»، مؤكدة استمرار المفاوضات مع الدول المعنية بهدف رفع ما وصفته بالقيود «غير القانونية».

ونقلت وكالة «إرنا» الرسمية عن «الأمانة» أن الاتصالات والمفاوضات بشأن القيود المفروضة على الرحلات الإيرانية «تجري وتتم متابعتها بجدية»، مشيرة في الوقت نفسه إلى وجود خيارات أخرى يمكن اللجوء إليها إذا لم تُحل الأزمة عبر التفاوض.

خيارات مدنية وليست عسكرية

اضطرت شركات طيران إيرانية منذ 23 سبتمبر 2026 إلى إلغاء رحلاتها بعد أن تبنت دول مجاورة تدابير تقييدية (أ.ف.ب)

وحاولت «الأمانة» التمييز بين التهديد بالرد العسكري وبين ما وصفته بـ«الحلول المدنية»، مؤكدة أن طهران لا تتجه إلى عمل عسكري رداً على القيود المفروضة على شركات الطيران التابعة لها.

وأضافت أن طهران تأمل ألا تصل المسألة إلى مرحلة تطبيق ما سمّته «الحلول المدنية للعمل الانتقامي» ضد بعض المطارات، في إشارة إلى احتمال اتخاذ إجراءات مقابلة إذا استمرت القيود.

كما نفت «الأمانة» ما اعتبرته تفسيرات أو اقتباسات غير دقيقة من تصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي بشأن ملف النقل الجوي، والتي أثارت تساؤلات حول طبيعة الخطوات التي قد تتخذها طهران رداً على الإجراءات الجديدة.

تحذير من التداعيات

وجاء النفي الإيراني بعد تصريحات لمحمد مخبر، مستشار المرشد الإيراني، حملت تحذيراً من انعكاسات القيود المفروضة على الرحلات الإيرانية على حركة الطيران في المنطقة. وقال مخبر، في منشور على منصة «إكس» يوم الجمعة، إن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على أن تكون حركة السفر الجوي في المنطقة متاحة لجميع الدول، أو ألا تكون متاحة لأي دولة.

وأضاف أن منع إيران من تسيير رحلاتها أو الاستفادة من خدمات المطارات لن يقتصر تأثيره، بحسب قوله، على الناقلات الإيرانية، محذراً من أن دولاً أخرى في المنطقة قد تواجه تداعيات مماثلة.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تواجه فيه شركات الطيران الإيرانية قيوداً متزايدة على تشغيل رحلاتها الدولية، بعد دخول إجراءات مرتبطة بالعقوبات الأميركية الجديدة حيز التنفيذ.

اتساع نطاق القيود

حظر أميركي على شركات الطيران الإيراني في استخدام المطارات بمختلف دول العالم (مهر)

وفرضت عدة دول في المنطقة قيوداً على استقبال الطائرات الإيرانية، في أعقاب توسيع الولايات المتحدة عقوباتها على قطاع الطيران الإيراني والشركات والجهات التي تتعامل مع الناقلات الإيرانية.

وأعلنت الإمارات تعليق جميع الرحلات التي تشغلها شركات الطيران الإيرانية من وإلى مطاراتها حتى إشعار آخر، في واحد من أبرز التداعيات المباشرة للإجراءات الجديدة.

وفي العراق، توقفت الرحلات الإيرانية في المطارات الأربعة التي كانت تستقبلها، وهي بغداد والنجف وأربيل والسليمانية، بعدما بدأت القيود في مطار بغداد قبل أن تمتد إلى المطارات الأخرى. كما انضمت عُمان وأذربيجان وجورجيا وتركمانستان إلى قائمة الدول التي فرضت قيوداً أو علّقت بعض الرحلات القادمة من إيران أو المتجهة إليها.

الضغط الأميركي

وتستهدف العقوبات الأميركية الجديدة شبكات وشركات مرتبطة بقطاع الطيران الإيراني، في حين تفرض آلية العقوبات ضغوطاً على شركات ومطارات أجنبية قد تواجه إجراءات أميركية في حال استمرارها في تقديم خدمات للناقلات الإيرانية.

وانعكست الإجراءات بالفعل على حركة السفر الإقليمية، مع إلغاء رحلات وإعادة توجيه مسارات، في حين اضطر مسافرون إلى البحث عن بدائل للوصول إلى إيران، أو مواصلة رحلاتهم إلى دول أخرى في المنطقة.

وبينما تراهن طهران على استمرار المفاوضات مع الدول المعنية لاحتواء القيود، فإن تصريحات مسؤوليها تعكس في الوقت نفسه رغبة في إبقاء خيارات الرد مفتوحة، لكن من دون الانتقال إلى مواجهة عسكرية، وفق ما أعلنته أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي.


ترمب يرفض خطة الـ7 أيام الإيرانية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يرفض خطة الـ7 أيام الإيرانية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفضه المقترح الذي تقدمت به إيران لوقف الأعمال القتالية وإعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي، وشكّل محاولة جديدة لكسر الجمود في الجهود الهادفة الى وقف الحرب المستمرة منذ نحو سبعة أشهر.

وقال ترمب في البيت الأبيض، يوم السبت، رداً على سؤال بشأن هذا الطرح «أرفض المقترح»، مضيفاً «يريد الإيرانيون إبرام اتفاق يفتحون بموجبه المضيق لأنهم يخسرون بشكل بالغ. كميات هائلة من النفط تخرج من مضيق هرمز، ليلة أمس (الجمعة) غادرته 29 سفينة. الإيرانيون يريدون إبرام اتفاق ولا بأس في ذلك، فأنا أيضاً أحب عقد الصفقات».

وكانت تقارير صحافية قد أفادت بأن ترمب رفض المقترح الذي عرضته إيران مؤخراً على الولايات المتحدة والذي يتضمن خطة من سبعة أيام وضعت بالتنسيق مع المرشد مجتبى خامنئي، لوقف الأعمال القتالية وإعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي بنهاية الأيام السبع، وذلك في محاولة جديدة لكسر الجمود في الحرب المستمرة منذ أكثر من ستة أشهر.

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مسؤولين أميركيين قولهم إن الرئيس الأميركي يرجّح استئناف الضربات الجوية ضد إيران بعد انتهاء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وإنه أبدى شكوكه، خلال محادثات مغلقة، في استعداد إيران لتنفيذ المطالب الأميركية. كما نشر ترمب، صباح السبت، على منصته «تروث سوشيال» صورة لمضيق هرمز، تحمل اسم «مضيق ترمب»، وذلك بعد وقت قصير من تلقيه اقتراح الـ7 أيام الإيراني.

طهران تفقد هرمز كورقة ضغط

ونقل أيضاً موقع «أكسيوس» الإخباري عن مسؤولين أميركيين أن واشنطن أبلغت طهران بأنها لم تعد تسيطر على مضيق هرمز مثلما كانت من قبل، وبالتالي فهي لا تستطيع فرض شروطها بشأن إعادة فتح المضيق.

وأضاف الموقع أن الإدارة الأميركية «غير مستعجلة» في التوصل إلى اتفاق مع طهران، لأن القوات الأميركية هي التي أصبحت تسيطر الآن على حركة الملاحة في هرمز أكثر من سيطرة إيران، وذلك عبر حراستها للسفن والناقلات أثناء عبورها المضيق، الأمر الذي يسحب البساط من تحت أقدام طهران في استخدام هرمز كورقة ضغط.

وكان مسؤولون أميركيون وآخرون في القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» قد أكدوا في وقت سابق أن العمليات العسكرية الأميركية في المنطقة حدّت من قدرة إيران على استهداف السفن والناقلات، مما سمح بزيادة تدفق النفط عبر المضيق.

فريق من 6 أعضاء يتخذ القرارات

بزشكيان يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)

من جانبه، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الخطة الجديدة التي اقترحتها بلاده وُضعت «بالتنسيق» مع المرشد مجتبى خامنئي وسيتم تنفيذها «دون أي مشاكل» إذا وافقت الولايات المتحدة. وقال بزشكيان، في مقابلة مع شبكة «سي بي إس» نشرتها وكالة «إرنا» يوم السبت، لقد «تم التنسيق مع قائد الثورة»، مضيفاً أنه إذا وافقت الولايات المتحدة على الخطة الإيرانية «وأوفت بالتزاماتها، فسوف نفعل الشيء نفسه، ولن تكون هناك مشكلة في هذا الصدد».

كما أعلن الرئيس الإيراني عن تشكيل فريق من 6 أعضاء «يضم ممثلين عن منظمات وهيئات مختلفة من بينها الجيش والبرلمان والحكومة». وأوضح بزشكيان، الذي اختتم يوم الجمعة أسبوعاً من المحادثات الدبلوماسية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أن هذا الفريق «يجتمع لمناقشة القضايا المطروحة ويملك صلاحية اتخاذ القرارات».

وفي نيويورك، التقى بزشكيان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، حسب الرئاسة الإيرانية، وقال إن «إيران لم تنسحب من طاولة المفاوضات، لكنها في ضوء التجارب السابقة لم تعد تثق بالولايات المتحدة». وأشاد برغبة الصين في إحياء مذكّرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران، كاتباً في منشور على منصة «إكس» أن «إيران تشاركها هذه المقاربة، وتشدّد على ضرورة العودة إلى ذاك التفاهم».

مساعي الوساطة

عراقجي مجتمعاً بقائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران يوم 23 مايو (إ.ب.أ)

في غضون ذلك، جرت جهود جديدة للوسطاء على هامش انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعثت ببعض التفاؤل بشأن إحراز تقدم نحو التوصل إلى اتفاق. ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول أميركي قوله، ‌رداً ​على ‌استفسار ⁠بشأن ​مقترح إيراني ⁠حول خطة ⁠الـ7 أيام، ‌إن ​الولايات ‌المتحدة ‌تجري محادثات ‌إيجابية وبناءة مع إيران عبر ⁠وسطاء، ⁠وتواصل مناقشة المسائل النووية. وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أجرى في وقت سابق محادثات، عبر وسطاء، مع مبعوث ترمب ستيف ويتكوف، بعدما عرض شروط طهران لإنهاء الحرب وإعادة فتح الممر الملاحي الحيوي.

وقال عراقجي من مقر الأمم المتحدة في نيويورك يوم الجمعة: «نقلت إيران إلى الولايات المتحدة عبر قطر خطّة ملموسة مدتها سبعة أيّام. وفي حال استيفاء الشروط اللازمة، قد يعاد فتح المضيق وتعود حركة العبور إلى طبيعتها في خلال سبعة أيّام، بل يمكن تنفيذها في 4 أيام إذا أرادت الولايات المتحدة ذلك». وأشار إلى أن «الخيار يعود الآن إلى الولايات المتحدة، لكن إيران لا تقبل بالقمع أو التهديد أو التخويف وهي لن تتخلّى عن حقوقها السيادية تحت الضغط». ونقلت وكالة «تسنيم» عن المتحدث باسم «الحرس الثوري» حسين محبي قوله «لن نتوقف عن معاقبة الولايات المتحدة حتى تتحقق شروط إيران السبعة». وقال إن الشروط هي نفسها التي وردت في مذكرة التفاهم التي وقعتها إيران والولايات المتحدة في وقت سابق هذا العام.

الأصول المجمدة

إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتنص الخطة الإيرانية أيضاً على المطالبة بالإفراج عن أصول إيرانية مجمّدة بقيمة نحو 12 مليار دولار، فضلاً عن رفع العقوبات عن النفط الإيراني وإنهاء الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية. وفي اليوم السابع من الهدنة، تعيد إيران فتح مضيق هرمز. وأكد بزشكيان خلال مقابلة مع شبكة «سي بي إس» أن عملية وقف إطلاق النار ستبدأ «من اليوم الذي يقبل فيه الأميركيون مقترح الخطة الإيرانية». أضاف بزشكيان: «توصلنا سابقاً إلى اتفاق استناداً إلى مذكرة التفاهم التي وُقعت في باكستان... وإذا وافقت الولايات المتحدة على المضي قدماً بهذا الطريق، فسيعود كل شيء إلى ما كان عليه سابقاً».

وكانت واشنطن وطهران قد أبرمتا مذكرة تفاهم في يونيو (حزيران) تمهيداً لإنهاء النزاع وإعادة فتح المضيق وإطلاق محادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني. غير أن الاتفاق انهار بعد فترة وجيزة، حين أطلقت إيران النار على سفن تجارية في مضيق هرمز لخروجها عن المسار الذي حددته لعبور الممر المائي. وتشترط إيران على السفن الحصول على تصريح قبل عبور المضيق لأسباب تتعلق بالأمن والسيادة. وغالباً ما تتعرض السفن التي ترفض الامتثال للاستهداف، في حين تقوم الولايات المتحدة بقصف مناطق ساحلية إيرانية بشكل متقطع رداً على ذلك.

أزمة الطاقة

ترى المفوضية الأوروبية أن أوروبا بحاجة إلى 5 سنوات من أجل الاستقلال التام عن مصادر الطاقة الروسية (رويترز)

ويُعد الممر المائي الحيوي لإمدادات النفط العالمية محورياً في النزاع بين الولايات المتحدة وإيران الذي وصل إلى طريق مسدود بعد مرور نحو سبعة أشهر على اندلاعه.

وقال دان يورجنسن مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، في رسالة اطلعت عليها «رويترز»، إن التكتل يواجه أزمة في أسعار الطاقة نتيجة لتداعيات حرب إيران على أسواق النفط ‌والغاز، وحث ‌الدول على ​النظر ‌في ⁠اتخاذ تدابير ​للحد من ⁠الطلب على الطاقة.

وأضاف في رسالة موجهة إلى وزراء الطاقة في التكتل: «نحن نواجه أزمة أسعار مرتبطة بأزمة إمدادات». وأوضح ⁠أنه على الرغم ‌من ‌أن الاتحاد الأوروبي ​أصبح ‌أكثر استعداداً الآن مما كان ‌عليه في شتاء عام 2021، عندما قلصت روسيا إمدادات الغاز إلى أوروبا عن ‌طريق خفض الكميات الموردة، فإن الحكومات يتعين عليها ⁠تكثيف ⁠الاستعدادات لهذا الشتاء. وقال يورجنسن: «أدعوكم إلى النظر في اتخاذ أو مواصلة اتخاذ تدابير من شأنها الحفاظ على ضخ الغاز في المخزونات أو خفض الطلب على الغاز والكهرباء ما دعت ​الحاجة إلى ​ذلك».