طهران: قواتنا المسلحة في حالة جاهزية كاملة لأي طارئ

على وقع الخلاف حول التفتيش ومخزون التخصيب

بقائي يستمع إلى أسئلة الصحافيين خلال إفادة أسبوعية اليوم (مهر)
بقائي يستمع إلى أسئلة الصحافيين خلال إفادة أسبوعية اليوم (مهر)
TT

طهران: قواتنا المسلحة في حالة جاهزية كاملة لأي طارئ

بقائي يستمع إلى أسئلة الصحافيين خلال إفادة أسبوعية اليوم (مهر)
بقائي يستمع إلى أسئلة الصحافيين خلال إفادة أسبوعية اليوم (مهر)

قالت إيران إن قواتها المسلحة في حالة جاهزية كاملة للتعامل مع أي طارئ، في وقت أكدت فيه استمرار اتصالاتها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مشددة على أن الدبلوماسية ما زالت إحدى أدواتها الأساسية لصون «المصالح الوطنية»، رغم ما وصفته بتعاملها مع أطراف لا تولي أي قيمة للتفاوض.

ونفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، مرة أخرى وجود وساطة بالمعنى التقليدي بين طهران والوكالة التابعة للأمم المتحدة، وقال خلال مؤتمر صحافي أسبوعي، الأحد، إن «أساس تعامل إيران مع الوكالة الذرية يقوم على القانون الذي أقره البرلمان، والذي يحدد إطار التعاون بشكل واضح»، حسبما نقلت وكالة «إرنا» الرسمية.

وتعليقاً على أحدث تصريحات المدير العام للوكالة رافائيل غروسي، الذي جدّد مطالبة طهران بالكشف عن مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب واستئناف عمل المفتشين، قال بقائي إن تكرار هذه التصريحات «لا يغير من الواقع شيئاً»، داعياً غروسي إلى توجيه الاهتمام إلى «الأطراف المسؤولة عن الوضع الحالي».

وقال إن «تجاهل الهجمات التي طالت المنشآت النووية السلمية الإيرانية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، والاكتفاء بمخاطبة طرف واحد، نهج غير منصف ولا يمكن أن يسهم في حلّ الأزمة»، داعياً الوكالة إلى الالتزام بمقاربة فنية بحتة في التعامل مع الملف الإيراني.

وشنَّت إسرائيل في 13 يونيو (حزيران) هجوماً غير مسبوق على منشآت استراتيجية في إيران، ما أسفر عن مقتل عشرات من قادة «الحرس الثوري»، الجهاز الموازي للجيش النظامي، إضافة إلى مسؤولين وعلماء في البرنامج النووي الإيراني. وأشعلت تلك الضربات حرباً استمرّت 12 يوماً بين البلدين، شاركت خلالها الولايات المتحدة بقصف 3 مواقع نووية داخل إيران.

وعقب الهجمات، علقت إيران تعاونها مع الوكالة الذرية، وقيدت وصول مفتشيها إلى المواقع المستهدفة، منتقدةً عدم إدانة الوكالة للهجمات. كما ربط قانون أقرّه البرلمان الإيراني في يوليو (تموز) دخول المفتشين بقرار من المجلس الأعلى للأمن القومي.

وفي سبتمبر (أيلول)، اتفقت إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية بوساطة مصرية على إطار عمل جديد للتعاون، غير أن طهران أعلنت لاحقاً اعتباره لاغياً، بعد أن فعّلت بريطانيا وفرنسا وألمانيا مسار إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة التي رفعت بموجب الاتفاق النووي لعام 2015.

عراقجي ونائبه مجيد تخت روانتشي خلال محادثات مع غروسي على هامش أعمال الجمعية العامة في نيويورك... سبتمبر الماضي (الخارجية الإيرانية)

وخلال الأسابيع التالية، أجرى وزير الخارجية المصري اتصالات مع نظيره الإيراني ومدير الوكالة الذرية، في محاولة لإحياء «تفاهم القاهرة» واحتواء التوتر، لكن إيران أعلنت رسمياً طي هذا المسار رداً على قرار مجلس محافظي الوكالة في 20 نوفمبر (تشرين الثاني)، الذي دعاها إلى التعاون مع المفتشين الدوليين.

وسبق ذلك تأكيد مسؤولين إيرانيين انتهاء الاتفاق، فيما أبدت طهران استعدادها قبل قرار المجلس لبحث وساطة صينية - روسية، بهدف استئناف التعاون مع الوكالة الذرية.

وقبل الهجمات على منشآتها النووية، كانت إيران تخصّب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة، القريبة من مستوى الاستخدام العسكري، وذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن طهران كانت تمتلك نحو 441 كيلوغراماً من هذه المادة عند اندلاع الحرب، قبل أن يتعذر عليها التحقق من المخزون منذ 13 يونيو.

وتؤكد الدول الغربية عدم وجود حاجة مدنية لهذا المستوى من التخصيب، فيما تقول الوكالة الذرية إن إيران هي الدولة الوحيدة غير الحائزة على سلاح نووي التي تخصّب اليورانيوم عند نسبة 60 في المائة.

وفي أواخر أكتوبر(تشرين الأول)، قال غروسي إن إيران لا تبدو منخرطة حالياً في تخصيب نشط، لكنه أشار إلى رصد تحركات متجددة في مواقع نووية، وسط تقارير غربية عن تسريع أعمال بناء في منشأة تحت الأرض قرب نطنز.

غموض المسار التفاوضي

ويسود الغموض بشأن مستقبل المفاوضات النووية بين إيران والقوى الغربية، التي أعادت فرض العقوبات الأممية على طهران اعتباراً من نهاية القرار 2231 في 18 أكتوبر الماضي.

وكانت طهران وواشنطن قد قطعتا شوطاً في 5 جولات تفاوضية حول الملف النووي، وإمكانية التوصل لاتفاق جديد، لكن المفاوضات دخلت مرحلة جمود بعد حرب الـ12 يوماً، رغم تمسك الجانبين بخيار التسوية، كل وفق شروطه.

وتشترط واشنطن على إيران وقف تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، وتقييد برنامجها للصواريخ الباليستية، ووقف دعمها للجماعات المسلحة في المنطقة، وهي مطالب تقول طهران إنها «مرفوضة وغير قابلة للتفاوض».

ورداً على أسئلة حول الغموض الذي يلف المسار الدبلوماسي، وتصاعد التهديدات الإسرائيلية، قال بقائي إن إيران أظهرت «اقتدارها وقدراتها» في مختلف المجالات، منوهاً أن الدبلوماسية ستبقى أحد الخيارات المتاحة «متى ما توفرت الظروف المناسبة». لكنه أشار في المقابل إلى أن طهران «تواجه أطرافاً لا تعطي وزناً للتفاوض».

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس الماضي، للصحافيين، إنه يسعى بقوة إلى اتفاق مع إيران، لكنه حذر من أن طهران ستواجه هجوماً أميركياً جديداً إذا عادت إلى أنشطتها النووية. وأشار إلى أن إيران كانت على مقربة من امتلاك سلاح نووي، لكنها ابتعدت عن ذلك بعد الضربات التي شنّتها قاذفات «بي-2» الشبح.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي بينما وضع أمامه مجسماً من قاذفات «بي 2» التي قصفت منشآت إيران النووية 6 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

ونبّه بقائي أن القوات المسلحة الإيرانية «في حالة جاهزية كاملة للتعامل مع أي طارئ أو مغامرة»، مضيفاً أن خصوم إيران «يدركون هذه القدرات»، معتبراً أن ما وصفه بالدفاع خلال حرب الاثني عشر يوماً «لا يترك مجالاً للغموض».

وقال بقائي أيضاً إن استمرار أمانة الأمم المتحدة وبعض أعضاء مجلس الأمن في الاستناد إلى القرار 2231 «لا يستند إلى أي أساس قانوني»، مشيراً إلى أن القرار «انتهى مفعوله». وأضاف أن التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة «أعدّ استناداً إلى قرار لم يعد قائماً من الناحية القانونية»، لافتاً إلى أن دولتين دائمتين في مجلس الأمن تشاركان طهران هذا التقييم، في إشارة إلى الصين وروسيا.

واتهم المتحدث الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا) باللجوء إلى آلية تسوية النزاع في الاتفاق النووي «بدوافع سياسية وتحت ضغط الولايات المتحدة»، لافتاً إلى أن هذا المسار «لا تترتب عليه أي آثار قانونية». وقال إن الصين وروسيا تتبنيان موقفاً مماثلاً، محذراً من أن الإصرار على مواصلة هذا النهج «سيؤدي إلى تعميق الانقسام القانوني داخل مجلس الأمن».

وفي سبتمبر الماضي، فشل قرار دفعت به روسيا والصين، أمام مجلس الأمن لتمديد القرار 2231.

وانتقد بقائي ما وصفه بـ«غياب الاستقلالية» في سياسات بعض الدول الأوروبية خلال العامين الماضيين، معتبراً أن تعاملها مع الملف النووي الإيراني «حوّلها عملياً إلى أداة لخدمة الأهداف الأميركية»، متهماً واشنطن بالسعي وراء إثارة الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي.

إيران وفنزويلا

وفي سياق منفصل، تطرق بقائي إلى التوتر مع الولايات المتحدة بشأن فنزويلا. وقال إن واشنطن «لا تملك أي أساس قانوني» لاحتجاز ناقلة نفط فنزويلية، رافضاً مزاعم واشنطن بأن الناقلة كانت تنقل نفطاً إلى إيران عبر السوق السوداء.

كما اتهم واشنطن بمحاولة ربط إيران بالأوضاع في فنزويلا، قائلاً إن هذه الادعاءات «لا تستند إلى أي وقائع»، مضيفاً أن فنزويلا «دولة مستقلة ولها الحق في تقرير سياستها الخارجية».

وأضاف أن الولايات المتحدة «لها سجل طويل من التدخل في أميركا اللاتينية»، وأن ما يجري «ينتهك مبادئ القانون الدولي».

وفي ما يتعلق بتوقيف ناقلة فنزويلية وسفينة صينية، قال إن استخدام القوة ضد سفن تجارية «لا يملك أي مبرر قانوني»، مشيراً إلى أن إيران «ستستخدم الأدوات المتاحة لحماية مصالحها».

وحول تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» عن هجوم أميركي على سفينة إيرانية كانت متجهة من الصين إلى إيران، قال بقائي إن طهران لم تتلقَّ حتى الآن تأكيداً رسمياً من الجهات المختصة.


مقالات ذات صلة

إيران تنفي مجدداً السعي لامتلاك سلاح نووي وتبدي استعدادها للحوار

شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)

إيران تنفي مجدداً السعي لامتلاك سلاح نووي وتبدي استعدادها للحوار

نفى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال محادثات مع رئيس وزراء جورجيا، سعي طهران لامتلاك أسلحة نووية، وأعرب عن استعداده للحوار، مديناً العقوبات الأميركية.

«الشرق الأوسط» (تبليسي)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (إ.ب.أ)

ترمب: قد نحتاج لشن ضربة على موقع «جبل الفأس» في إيران

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الولايات المتحدة قد تضطر إلى استهداف بيكاكس ​ماونتن (جبل الفأس) في إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ تظهر في هذه الصورة التي وُزعت دون تحديد تاريخها «أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية (رويترز)

«أم القنابل» الأميركية التي قد تضرب إيران... ماذا نعرف عنها؟

أعادت خطط عسكرية أميركية تتضمن احتمال استخدام قنبلة «أم القنابل» ضد أهداف إيرانية تسليط الضوء على أحد أكبر الأسلحة في الترسانة الأميركية... فما هي؟

لينا صالح (بيروت)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

تقرير: أميركا تدرس استخدام «أم القنابل» ضد إيران

ذكرت شبكة «سي إن إن»، اليوم (الخميس)، ​نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن الجيش الأميركي وضع خططاً لشن ضربات قد تشمل ‌استخدام «أم ​القنابل».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية نائب الرئيس جيه دي فانس يخطب أمام المناصرين الجمهوريين (أ.ب)

فانس: على إيران خفض قدرات تخصيب اليورانيوم «جوهرياً» لإنهاء الحرب

قال جيه دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، في مقابلة حصرية مع «رويترز»، إن على إيران أن تُجري خفضاً «جوهرياً» لقدراتها في تخصيب ​اليورانيوم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

البرلمان الإيراني يقرّ تعيين مهرداد أخلاقي كتابجي وزيراً للدفاع

مهرداد أخلاقي كتابجي (مهر)
مهرداد أخلاقي كتابجي (مهر)
TT

البرلمان الإيراني يقرّ تعيين مهرداد أخلاقي كتابجي وزيراً للدفاع

مهرداد أخلاقي كتابجي (مهر)
مهرداد أخلاقي كتابجي (مهر)

أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية الأحد، بأن البرلمان وافق على تعيين مهرداد أخلاقي كتابجي وزيراً للدفاع، وذلك بعد ثمانية أشهر من مقتل سلفه عزيز نصير زاده في بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وكان مجيد ابن الرضا يتولى إدارة وزارة الدفاع منذ 2 مارس (آذار) الماضي، عندما عيّنه بزشكيان قائماً بالأعمال عقب مقتل نصير زاده.

يُعد أخلاقي كتابجي مسؤولاً مخضرماً في وزارة الدفاع، وله ارتباطات وثيقة بصناعات الصواريخ والفضاء الإيرانية. وقد حدده «مجلس الأمن» الدولي عام 2007 بوصفه رئيس «مجموعة باقري الصناعية»، وهي جهة تابعة لوزارة الدفاع الإيرانية ومرتبطة ببرنامج الصواريخ الباليستية.

وكان وزير الدفاع الأسبق، حسين دهقان، قد عيّن أخلاقي كتابجي رئيساً لـ«منظمة الصناعات الجوية والفضائية» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014. كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه في عام 2020، وحددته بوصفه مديراً لـ«منظمة الصناعات الدفاعية»، مشيرة إلى أنشطته المرتبطة بالأسلحة التقليدية.

وأُعيد إدراج اسم أخلاقي كتابجي على قائمة العقوبات التابعة للأمم المتحدة عندما أُعيد فرض العقوبات السابقة على إيران في سبتمبر (أيلول) 2025.

كما ورد اسمه في وثائق العقوبات التابعة لـ«الاتحاد الأوروبي»، التي أشارت إليه بوصفه أحد المسؤولين في «منظمة الصناعات الدفاعية الإيرانية» و«منظمة الصناعات الجوية والفضائية».


موجة هجمات جديدة في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
TT

موجة هجمات جديدة في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)

تتصاعد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة في الخليج مع تسجيل ارتفاع غير مسبوق في الهجمات على السفن وناقلات النفط منذ اندلاع الحرب.

وأظهرت إحصائية نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية أن 24 سفينة تعرَّضت للاستهداف خلال الأسبوعين الأولين من أكتوبر (تشرين الأول)، أي نحو ضعف العدد المُسجَّل خلال أول أسبوعين من الحرب، عندما أُصيبت 13 سفينة.

في غضون ذلك، أفادت «وكالة الأمن البحري البريطاني»، أمس، بتعرض ناقلتَي نفط لهجوم قبالة سواحل مدينة الجبيل السعودية، مضيفة أن الناقلة الأولى أُصيبت بمقذوف غير محدد، فيما أبلغ قبطان ناقلة نفط أخرى بتعرُّض سفينته لهجوم بقذيفة صاروخية أُطلقت من قارب صغير، أيضاً قبالة الجبيل، ما ألحق أضراراً بالجزء الخلفي منها.

وعزا «الحرس الثوري» حوادث السفن إلى اصطدامها بألغام، لكن القيادة المركزية الأميركية أكدت أن الإصابات تعود إلى استهدافات إيرانية متعمدة.


موجة هجمات متصاعدة تستهدف السفن في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
TT

موجة هجمات متصاعدة تستهدف السفن في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)

تتصاعد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة البحرية في الخليج، مع تسجيل ارتفاع غير مسبوق في الهجمات على السفن وناقلات النفط منذ اندلاع الحرب، في تطور يفاقم المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية، ويدفع أسعار النفط إلى الارتفاع.

وبينما تتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط العسكري حول مضيق «هرمز»، تزداد تكلفة العبور ومخاطره، وسط غموض يحيط بمصير المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب.

رقم قياسي للإصابات

وأظهرت إحصائية نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية أن 24 سفينة تعرَّضت للاستهداف خلال الأسبوعين الأولين من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أي نحو ضعف العدد المُسجَّل خلال أول أسبوعين من الحرب، عندما أُصيبت 13 سفينة.

ويعكس هذا التصاعد اتساع نطاق المخاطر البحرية في المنطقة، بعدما تحوَّلت حركة العبور عبر مضيق «هرمز» إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة بين طهران وواشنطن.

وبلغت المخاطر مستوى بات معه عبور المضيق يتطلب، وفق المعطيات الواردة، دفع نحو 100 ألف دولار شهرياً لقبطان السفينة مقابل المجازفة بالمرور، في مؤشر على الارتفاع الكبير في تكلفة التشغيل والتأمين المرتبطة بالملاحة.

هجمات جديدة... وحرائق

ناقلة ترفع العلم الهندي خلال تفريغها النفط الخام في محطة تفريغ بعد عبورها مضيق «هرمز» (رويترز)

وفي أحدث التطورات الميدانية، أفادت «وكالة الأمن البحري البريطاني»، يوم السبت، بتعرض ناقلتَي نفط لهجوم قبالة السواحل السعودية في مياه الخليج مساء الجمعة. وقالت الوكالة إن الناقلة الأولى أُصيبت بمقذوف غير محدد على بُعد 68 ميلاً بحرياً شمال شرقي مدينة الجبيل، ما استدعى إجلاء طاقمها، الذي لم يُصب أفراده بأذى، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية». ولم ترد تقارير عن آثار بيئية ناجمة عن الحادثة حتى ذلك الوقت.

وفي واقعة ثانية، أبلغ قبطان ناقلة نفط بتعرُّض سفينته لهجوم بقذيفة صاروخية أُطلقت من قارب صغير، على بُعد 78 ميلاً بحرياً من الجبيل، ما ألحق أضراراً بالجزء الخلفي منها. وأكدت الوكالة تحديد موقع أفراد الطاقم وسلامتهم، بينما بقي حجم الأضرار والتأثير البيئي غير واضحَين.

وعرَّفت شركة الأمن البحري «فانغارد» إحدى السفينتين بأنها ناقلة النفط «إس تي 3»، التي ترفع علم جزر مارشال، مشيرة إلى نقل طاقمها إلى سفينة حاويات قريبة ترفع علم الإمارات.

ومن جانبها، أعلنت القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، السبت، اشتعال النيران في ناقلة نفط بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها مضيق «هرمز». وقال «الحرس الثوري»، وفق ما نقلته وسائل إعلام إيرانية، إن الناقلة كانت تحمل أكثر من مليونَي برميل من النفط الخام، وإنها حاولت عبور المضيق عبر مسار لا تسمح به إيران.

كما نقلت وكالة «رويترز» عن وسائل إعلام إيرانية تقارير تحدَّثت عن تعرُّض ناقلتين لألغام بحرية واندلاع النيران فيهما، من دون توافر تأكيد مستقل لهذه الروايات. واتهمت طهران السفينتين بتعطيل أنظمة تحديد المواقع والرادار ومحاولة استخدام مسار غير مُصرَّح به، بينما لم تتضح جميع تفاصيل الحوادث وملابساتها.

غير أنَّ القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) كذَّبت الرواية الإيرانية بأن ناقلات النفط تصطدم بألغام بحرية، مؤكدة أن المسارات التي استخدمتها السفن خالية من الألغام، وسبب الإصابات هو استهدافات بمقذوفات أو مسيّرات إيرانية.

صادرات النفط تتراجع

صورة لمضيق «هرمز» مع براميل نفط (رويترز)

ولا تقتصر تداعيات التصعيد على سلامة السفن وأطقمها، بل تمتد مباشرة إلى تدفقات النفط من الخليج نحو الأسواق العالمية.

وبحسب بيانات شركة «كبلر» المتخصصة في تحليل بيانات الشحن والطاقة، بلغ متوسط صادرات النفط نحو 15.5 مليون برميل يومياً خلال سبتمبر (أيلول)، قبل أن ينخفض إلى 2.9 مليون برميل يومياً في 11 أكتوبر، في تراجع حاد يعكس حجم الاضطراب الذي أصاب حركة الإمدادات.

وانعكس تقلص المعروض على الأسعار، إذ ارتفع خام برنت إلى نحو 110 دولارات للبرميل عند إغلاق التداولات يوم الجمعة، مُسجِّلاً أعلى مستوى له منذ مايو (أيار) الماضي.

وتثير هذه التطورات مخاوف من أن يؤدي استمرار تعطل الملاحة إلى مزيد من الضغوط على أسواق الطاقة، خصوصاً إذا طال أمد القيود المفروضة على عبور الناقلات، أو اتسع نطاق الهجمات ليشمل مزيداً من السفن والمنشآت المرتبطة بتصدير النفط.

ولا تقتصر المخاطر على ارتفاع أسعار الخام، إذ يمكن أن تنتقل آثار اضطراب الإمدادات إلى تكاليف النقل والتأمين وأسعار الوقود، بما يزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة.

«هرمز» يعود إلى قلب المواجهة

القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من ألفَي سفينة تجارية على عبور مضيق «هرمز» (سنتكوم)

ظلَّ مضيق «هرمز» في صلب المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران منذ بداية الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، نظراً إلى أهميته الاستراتيجية بوصفه ممراً رئيسياً لصادرات النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق الدولية.

ومنذ ذلك التاريخ وإثر ضربات أميركية إسرائيلية على إيران، فرضت طهران قيوداً على حركة الملاحة عبر المضيق، واستهدفت مراراً سفناً حاولت العبور من دون الحصول على إذن منها. وفي المقابل، فرضت واشنطن حصاراً على الموانئ الإيرانية، وعزَّزت حضورها البحري، مع مواكبة قطعها البحرية ناقلات نفط تعبر المضيق بأعداد متزايدة.

وكان قائد القوات البحرية في «الحرس الثوري»، علي عظمائي، قد حذَّر، الأسبوع الماضي، من أن أي سفينة تعطل أجهزة التتبع لتجنب رصدها في أثناء العبور ستُعدُّ «هدفاً معادياً»، في تهديد يعكس تشدُّد طهران في فرض رقابتها على حركة السفن.

وبين الحين والآخر تزداد وتيرة التصعيد ضد السفن، خصوصاً عندما تتعثر فرص المفاوضات وتعلو التصريحات والمؤشرات بعودة الأعمال القتالية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مثلما هي الحال في الوقت الحالي، إذ لمَّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً إلى طلبه من القوات الأميركية تزويده بخطط لعودة المواجهات المسلحة، وكان آخرها تلميحه إلى قصف المنشأة النووية الإيرانية في منطقة «جبل الفأس» مستخدماً «أم القنابل».

من جانبها، تتمسَّك إيران بحقها في الإشراف على حركة العبور وتحديد المسارات المسموح بها، في حين ترفض الولايات المتحدة وأطراف أخرى إخضاع الملاحة في هذا الممر الدولي لقيود أحادية. وبذلك، لم يعد المضيق مجرد ممر تجاري، بل تحوَّل إلى أداة ضغط متبادلة في الصراع على النفوذ وشروط إنهاء الحرب.

اتساع التداعيات الاقتصادية

ويزيد استمرار الهجمات والغموض المحيط بالعبور من صعوبة استعادة حركة الملاحة مستوياتها الطبيعية، في وقت تتعرَّض فيه السفن التجارية لمخاطر متنامية، ويواجه قطاع الشحن ضغوطاً متزايدة لضمان سلامة الأطقم والبضائع.

وكان مسؤولون في قطاع الملاحة قد أفادوا، مؤخراً بغرق سفينة حاويات وسفينة بضائع سائبة قرب المضيق، إثر إصابتهما بقذائف في حادثتين منفصلتين، في تطور يضيف إلى مؤشرات اتساع نطاق الأضرار التي تطال حركة النقل البحري.

وفي ظلِّ استمرار الحصار الأميركي والقيود الإيرانية، يبقى مسار التصعيد مرهوناً بقدرة الطرفين على التَّوصُّل إلى تفاهمات بشأن الملاحة والأمن البحري.

وحتى ذلك الحين، ستظل أسواق الطاقة عرضةً للتقلبات، مع احتمال أن تتحوَّل الهجمات المتكررة على السفن من أزمة أمنية إقليمية إلى عامل ضغط أوسع على الاقتصاد العالمي، عبر ارتفاع أسعار النفط وتكاليف النقل والتأمين وازدياد مخاطر التضخم.