المفاوضات النووية: «برودة» في واشنطن و«استعداد مشروط» في طهران

خبراء لـ«لشرق الأوسط»: النظام في إيران مأزوم في انتظار «ما بعد خامنئي»

أعلام إيرانية وسط العاصمة طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
أعلام إيرانية وسط العاصمة طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

المفاوضات النووية: «برودة» في واشنطن و«استعداد مشروط» في طهران

أعلام إيرانية وسط العاصمة طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
أعلام إيرانية وسط العاصمة طهران الأربعاء (إ.ب.أ)

لم يكن الصمت الأميركي إزاء الدعوات الإيرانية المتكررة للعودة إلى المفاوضات النووية مجرد غياب اهتمام دبلوماسي؛ بل بدا، بالنسبة لكثيرين، أشبه بـ«رقصة أعصاب» على حافة مرحلة شديدة الحساسية في طهران. فبينما تنهمك واشنطن في ملفات خارجية متشابكة، تتآكل الدولة الإيرانية من الداخل، حسب ما يقول منتقدون لسياسات حكومتها، تحت وطأة تراجع اقتصادي غير مسبوق، وعدم وضوح الرؤية حول مستقبل السلطة بعد المرشد علي خامنئي. وفي حين تواصل طهران إرسال إشارات «استعداد مشروط» للحوار، تلمح واشنطن إلى أنها تفضّل الانتظار، ربما لمزيد من الانهيار، وربما لمشهد سياسي مختلف تُعاد فيه صياغة التوازنات الإيرانية بالكامل.

في الأسابيع الأخيرة، تكثّف في الخطاب الرسمي الإيراني حديثٌ متكرر عن استعداد طهران لـ«مفاوضات جدية» مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي، في مقابل صمت أميركي لافت تجاه هذه الدعوات. وبينما تُصرّ طهران على إظهار رغبتها في الحوار بشروط «عادلة ومتوازنة»، تبدو واشنطن غير مستعجلة، في موقف يراه بعض الخبراء مزيجاً من التكتيك وترتيب الأولويات، في وقت تشهد إيران توترات اقتصادية وسياسية وعدم وضوح حول مستقبل القيادة في مرحلة ما بعد المرشد الحالي.

ملف إيران وأولويات واشنطن

يرى باتريك كلاوسون، مدير الأبحاث في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، أن البرودة الأميركية في الرد ليست تعبيراً عن رفض نهائي، بل نتيجة طبيعية لبيئة سياسية أميركية مزدحمة بملفات ملحّة «من فنزويلا إلى أوكرانيا، فضلاً عن الضغوط الداخلية». ويضيف كلاوسون في حديث مع «الشرق الأوسط» أن فريق الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرى أن البرنامج النووي الإيراني «تعرض لانتكاسات كبيرة في السنوات الماضية، ولا يمثل تهديداً فورياً»؛ الأمر الذي يجعل من الملف «غير عاجل». كما يشير إلى أن كبير المفاوضين الأميركيين، ستيف ويتكوف، يتولى ملفات يراها البيت الأبيض أكثر إلحاحاً في المرحلة الراهنة.

أحد الباعة في بازار تجريش بطهران 8 ديسمبر الحالي (إ.ب.أ)

هذا التوجه يمنح واشنطن هامشاً زمنياً مريحاً. فالإدارة الأميركية لا تريد الدخول في جولة جديدة من مفاوضات معقدة ومكلفة سياسياً قبل التأكد من أن الظروف الناضجة متوافرة، خصوصاً في ظل غياب مؤشرات واضحة إلى استعداد إيراني لتقديم تنازلات فعلية تتعدى الخطاب.

رسائل «انفتاح مشروط»

في المقابل، تكثّف طهران رسائلها العلنية. ففي مقابلة مع وكالة «كيودو» اليابانية، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لا تزال «منفتحة على الدبلوماسية»، لكنها «غير مقتنعة» بأن واشنطن مستعدة لمفاوضات «حقيقية وجادة». ويرى عراقجي أن واشنطن ما زالت تتعامل بمنطق «الإملاء»، وأن أي عودة إلى طاولة التفاوض يجب أن تقوم على «نتائج عادلة ومتوازنة».

ولم تكتفِ طهران بالحديث السياسي، بل فتحت باباً تقنياً مع اليابان، طالبةً الاستفادة من خبرتها في معالجة تداعيات الأزمات النووية لتأمين المنشآت الإيرانية التي تعرضت لهجمات إسرائيلية وأميركية في الأشهر الماضية. ويعكس هذا الطلب اعترافاً ضمنياً بحجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النووية، وإن ظل عراقجي يصف الهجمات بأنها «أكبر انتهاك للقانون الدولي».

غير أن هذا الانفتاح التقني لا يعني تغييراً في جوهر الموقف. فطهران تتمسك بـ«الحق في التخصيب» تحت مظلة معاهدة عدم الانتشار، وتربط القبول بقيود جديدة بوقف العقوبات والاعتراف الدولي بـ«البرنامج النووي السلمي».

انقسام داخلي عميق

المرشد الإيراني علي خامنئي (د.ب.أ)

في الداخل، يزداد المشهد تعقيداً. وبينما يتحدث كلاوسون عن «تلاسن» غير مسبوق بين المسؤولين الإيرانيين، وتوقعات علنية في خصوص سيناريوهات ما بعد المرشد علي خامنئي؛ ما يعكس تباينات حادة داخل النخبة، يرى الباحث الإيراني فارزين نديمي أن «المواجهة الحقيقية» تدور بين معسكرين رئيسيين: خامنئي ومعه مؤسساته، مقابل حسن روحاني وفريقه الطامح إلى لعب دور محوري في المرحلة المقبلة. طبعاً، توجد مجموعات مختلفة أخرى بينهما، لكن هذين الفصيلين هما الرئيسيان، حسب نديمي.

يضيف نديمي في حديث مع «الشرق الأوسط» أن «الحرس الثوري» يقف حالياً في موقع مراقب، رغم التزامه بخامنئي مباشرة. لكنه قد يتحرك بقوة إذا غاب الأخير عن المشهد، لتبدأ عندها مرحلة صراع محتمل بين «الحرس» وروحاني «إذا لم يتعرض الأخير لحادث إقصاء»، على حد تعبيره.

وتعيش إيران في الواقع أزمة اقتصادية شديدة. فالعملة الوطنية فقدت أكثر من 10 في المائة من قيمتها خلال 10 أيام فقط، وسط نقص مستمر في المياه وانقطاعات متكررة للكهرباء، إضافة إلى سياسات اقتصادية توصف بأنها «عاجزة». ويضرب كلاوسون مثالاً بنظام تسعير البنزين الجديد، الذي يفرض سعراً «مرتفعاً» على الاستهلاك الزائد، لكنه لا يزال أقل من تكلفة استيراد البنزين الذي تنفق عليه الحكومة 4 مليارات دولار سنوياً. ويصف خبراء هذا النهج بأنه «دليل واضح على سوء الحوكمة».

تصعيد صاروخي واستعداد لمواجهة إسرائيل

إقليمياً، يبقى العامل الإسرائيلي حاضراً في حسابات طهران. فالباحث في مؤسسة «نيو أميركا» في واشنطن، باراك بارفي، يرى في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن إيران «لا تقدم أي إشارة» إلى استعدادها لخفض مستوى برنامجها النووي أو الصاروخي، بل تعمل على «تكديس» صواريخها استعداداً لجولة جديدة من المواجهة مع إسرائيل. ويعتقد بارفي أن طهران تسعى إلى امتلاك قدرة على إرهاق الدفاعات الإسرائيلية عبر كثافة الإطلاقات الصاروخية.

زحمة سير في طهران 7 ديسمبر الحالي (أ.ب)

إلا أن بارفي يستبعد في المقابل إقدام إسرائيل على ضربة عسكرية قريبة، لأسباب ترتبط بالحاجة إلى المحافظة على «حرية العمل» في الأجواء الإيرانية، والمخاوف من إعادة بناء طهران منظومات دفاعها الجوي. كما يضع صانع القرار الإسرائيلي في الحسبان «إنهاك الجبهة الداخلية» واحتمالات الفشل في ضربة غير حاسمة، لا سيما مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية في 2026.

في المحصلة، تبدو واشنطن في موقع من يستطيع الانتظار، في حين تبدو طهران في موقع من يحاول كسب الوقت. ومع تفاقم الضغوط الداخلية والصراعات بين التيارات الإيرانية المختلفة، قد تكون قيادة البلاد في حاجة إلى تهدئة خارجية أكثر من حاجتها إلى اتفاق شامل. في مقابل ذلك، تدرك الإدارة الأميركية أن أي مفاوضات جديدة تتطلب بيئة مختلفة وأدوات ضغط إضافية، سواء عبر العقوبات أو عبر قدرة إسرائيل على استمرار «المعركة بين الحروب». لذلك؛ قد تستمر «البرودة» الأميركية، ليس بوصفها رفضاً نهائياً، بل جزءاً من استراتيجية الانتظار والمراقبة بينما يتفاعل الداخل الإيراني.

ويبدو السيناريو الوحيد القادر على فتح نافذة تفاوض حقيقية، هو دخول إيران في مرحلة ما بعد خامنئي، حين يعيد النظام ترتيب هرميته، وعندما يصبح الاقتصاد المنهك والقنبلة الاجتماعية الموقوتة عاملاً دافعاً نحو تنازلات أبعد مما تسمح به الظروف الحالية.


مقالات ذات صلة

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

المشرق العربي تدريب مقاتلين سوريين (الجيش العربي السوري)

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

قالت دمشق إنها تدرس «خياراتها» بالرد المناسب على هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية، فجر الاثنين، في تصعيد لافت.

سعاد جروس (دمشق)
شؤون إقليمية موقع سقوط صاروخ إيراني قرب بيت شيميش وسط إسرائيل - 28 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إسرائيل ستسهم «استخبارياً» في حل أزمة مضيق هرمز

قالت مصادر إن إسرائيل لن تشارك بأي جنود على الأرض إذا نفذت الولايات المتحدة عملية برية في إيران، لكنها ستساند هذه العملية بطرق أخرى مختلفة.

كفاح زبون (رام الله)
خاص صورة نشرها التلفزيون الإيراني تُظهر اللحظات الأولى لإصابة صاروخ في مدينة ملارد جنوب محافظة فارس في أول يوم للحرب

خاص تحذيرات أميركية من افتقار ترمب إلى خطة النصر رغم «هزيمة» إيران

حذر خبراء أميركيون في مجالات الدفاع والاستخبارات من افتقار إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى خطة واضحة المعالم لتحقيق النصر، رغم «الهزيمة النكراء» للقوات الإيرانية.

علي بردى (واشنطن)
أوروبا عناصر شرطة خارج مبنى مصرف «بنك أوف أميركا» في الدائرة الثامنة بباريس في 28 مارس 2026 في أعقاب محاولة هجوم بقنبلة على المبنى (أ.ف.ب)

فرنسا تحقق باحتمال ضلوع إيران بهجوم قنبلة أُحبط خارج مصرف أميركي

أعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز أن السلطات الفرنسية تحقق في صلة مشتبه بها لإيران بعد إحباط هجوم بقنبلة خارج مبنى مصرف «بنك أوف أميركا» في باريس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني يتحدث خلال حفل أقيم في طهران، 14 أبريل 2022 (رويترز)

قاآني: الجماعات المدعومة من طهران أسهمت في «نظام جديد» بالمنطقة

أشاد قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني، بجهود التنظيمات المسلحة المدعومة من طهران التي أنتجت ما وصفه بـ«النظام الجديد في المنطقة».

«الشرق الأوسط» (لندن)

نتنياهو: تجاوزنا منتصف الطريق في تحقيق أهداف الحرب


موقع سقوط صاروخ إيراني قرب بيت شيميش وسط إسرائيل يوم 28 مارس 2026 (أ.ف.ب)  وفي الإطار بنيامين نتنياهو (رويترز)
موقع سقوط صاروخ إيراني قرب بيت شيميش وسط إسرائيل يوم 28 مارس 2026 (أ.ف.ب) وفي الإطار بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

نتنياهو: تجاوزنا منتصف الطريق في تحقيق أهداف الحرب


موقع سقوط صاروخ إيراني قرب بيت شيميش وسط إسرائيل يوم 28 مارس 2026 (أ.ف.ب)  وفي الإطار بنيامين نتنياهو (رويترز)
موقع سقوط صاروخ إيراني قرب بيت شيميش وسط إسرائيل يوم 28 مارس 2026 (أ.ف.ب) وفي الإطار بنيامين نتنياهو (رويترز)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليوم الاثنين في مقابلة مع قناة (نيوزماكس) الأميركية إنه لا يريد «وضع جدول زمني» لإنهاء الحرب مع إيران، مضيفا «تجاوزنا منتصف الطريق في تحقيق أهداف الحرب».

دونالد ترمب يستقبل بنيامين نتنياهو في ولاية فلوريدا - 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

وأبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي ثقته في «انهيار» الجمهورية الإسلامية الإيرانية في نهاية المطاف، مكرّرا في الوقت نفسه أن ذلك ليس هدف الحرب الأميركية الإسرائيلية على البلاد. وقال «أعتقد أن هذا النظام سينهار داخليا. لكن في الوقت الحالي، ما نفعله هو إضعاف قدراتهم العسكرية، وإضعاف قدراتهم الصاروخية، وإضعاف قدراتهم النووية، وإضعافهم من الداخل أيضا».

وجاءت التصريحات بعد مرور شهر على اندلاع الحرب التي تشنها الولايات المتحدة واسرائيل على إيران.


لجنة في البرلمان الإيراني توافق على خطط لفرض رسوم على عبور هرمز

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

لجنة في البرلمان الإيراني توافق على خطط لفرض رسوم على عبور هرمز

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

وافقت لجنة برلمانية على خطط لفرض رسوم على السفن التي تعبر مضيق هرمز الاستراتيجي، وفق ما ذكر التلفزيون الرسمي الإيراني الاثنين.

ونقل التلفزيون الرسمي عن عضو في اللجنة الأمنية في البرلمان قوله إن الخطة تتضمن من بين أمور أخرى، «الترتيبات المالية وأنظمة تحصيل الرسوم بالريال» و«تنفيذ الدور السيادي لإيران»، بالإضافة إلى التعاون مع عُمان على الجانب الآخر من المضيق.

خريطة توضح مضيق هرمز وإيران تظهر خلف خط أنابيب نفط مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (رويترز)

كما تضمنت «منع الأميركيين والكيان الصهيوني من المرور عبره»، وكذلك حظر دول أخرى تفرض عقوبات على إيران من الملاحة فيه.

وأدى شبه الشلل في مضيق هرمز، وهو ممر بحري رئيسي يمر عبره عادة نحو خمس الإنتاج العالمي من النفط، إلى ارتفاع حاد في أسعار المحروقات واضطراب سلاسل الإمداد.


ضغوط في طهران للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي

صورة أقمار اصطناعية تُظهر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

ضغوط في طهران للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي

صورة أقمار اصطناعية تُظهر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

صعّد مشرعون إيرانيون الدعوات إلى مراجعة عضوية طهران في معاهدة حظر الانتشار النووي، بينما أكدت وزارة الخارجية استمرار إيران في عضويتها رغم إقرارها بأن الملف مطروح للنقاش في البرلمان والرأي العام.

وقال علاء الدين بروجردي، عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، إن «وقت خروج إيران من معاهدة حظر الانتشار النووي قد حان». وأضاف: «نحن لا نسعى إلى قنبلة نووية، لكن ليس من المفترض أن نلتزم بقواعد اللعبة فيما نتعرض للقصف».

واعتبر بروجردي أن عضوية إيران في المعاهدة «لم تعد ذات موضوعية» في ظل التطورات الأخيرة، وقال إن الرأي الغالب بين النواب يتجه إلى عدم وجود مبرر للاستمرار في قبول هذا المستوى من القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني.

وهاجم بروجردي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، قائلاً إن تصريحاته الأخيرة أظهرت تأثره بإسرائيل والولايات المتحدة. كما انتقد آلية التفتيش التابعة للوكالة، معتبراً أن بعض عمليات التفتيش قد تفتح باب نقل معلومات حساسة عن المنشآت الإيرانية.

أعضاء البرلمان الإيراني يرددون هتافات دعماً لـ«الحرس الثوري» رداً على تصنيفه على قائمة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي يوم 1 فبراير 2026 (رويترز)

وفي الاتجاه نفسه، قال النائب أحمد عجم، عضو لجنة الأمن القومي، إن البرلمان منح المجلس الأعلى للأمن القومي صلاحية اتخاذ القرار في شأن معاهدة حظر الانتشار النووي، نظراً إلى حساسية الملف واتصاله المباشر بالمصلحة الوطنية وبالقرارات السيادية العليا.

وأضاف عجم أن المجلس الأعلى للأمن القومي يستطيع، استناداً إلى هذا التفويض، اتخاذ القرار المناسب في ملف المعاهدة، على أن يحظى ذلك لاحقاً بمصادقة المرشد. وقال إن الخروج من المعاهدة يمكن أن يكون أحد خيارات الرد المتبادل على الضغوط والضربات.

في المقابل، حرص المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على إبقاء الموقف الرسمي ضمن صياغة أكثر تحفظاً. وقال إن موضوع الخروج من معاهدة حظر الانتشار النووي «مطروح في البرلمان وفي الرأي العام»، واصفاً إياه بأنه «سؤال مهم وكبير».

وأضاف بقائي أن سؤال الرأي العام يتمثل في جدوى البقاء في معاهدة «تمنع فيها الدول الكبرى إيران من الاستفادة من الحقوق المنصوص عليها فيها». وقال إن المشكلة تكمن في أن طهران لا تحصل على حقوقها، بل تتعرض «للعدوان والإجحاف».

ومع ذلك، شدد بقائي على أن إيران «ما زالت عضواً» في المعاهدة و«ملتزمة بالتكاليف الواردة فيها». وقال إن طهران «لم تكن في أي وقت من الأوقات تسعى إلى السلاح النووي ولا تسعى إليه الآن»، مؤكداً تمسكها بحظر أسلحة الدمار الشامل.

الرئيس مسعود بزشكيان يترأس اجتماعاً للحكومة الاثنين في مكان غير معروف بطهران (الرئاسة الإيرانية)

وربط بقائي تصاعد الجدل حول المعاهدة بما وصفه بـ«النهج غير المنصف» للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبـ«السلوك التخريبي» للولايات المتحدة وبعض الدول الأعضاء. وأضاف أن منشآت إيران النووية تعرضت لهجمات من دون صدور مواقف رسمية رافضة أو مدينة لذلك.

ويأتي هذا الجدل في وقت يتزايد فيه القلق المرتبط بالمنشآت النووية الإيرانية. فقد قال رئيس شركة «روس آتوم» الروسية أليكسي ليخاتشيف إن الوضع في محطة بوشهر النووية «يتدهور»، وإن الهجمات القريبة منها تشكل تهديداً مباشراً للسلامة النووية.

وأعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران أبلغتها بوقوع هجوم جديد قرب بوشهر، هو الثالث خلال عشرة أيام، من دون تسجيل أضرار في المفاعل أو أي تسرب إشعاعي. كما دعت الخارجية الروسية إلى «إدانة قاطعة وحازمة» للهجوم، مطالبة بوقف الضربات فوراً.

وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدرس شن عملية عسكرية لاستخراج ما يقرب من ألف رطل من اليورانيوم من إيران، في مهمة معقدة ومحفوفة بالمخاطر قد تتطلب بقاء قوات أميركية داخل الأراضي الإيرانية لعدة أيام أو أكثر، وفق مسؤولين أميركيين.

وقالت الصحيفة إن ترمب لم يتخذ قراراً بعد، لكنه لا يزال منفتحاً على الفكرة، إذ يعدّها وسيلة محتملة لتحقيق هدفه الأساسي بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. وأضافت أن الرئيس شجع مستشاريه على الضغط على طهران لتسليم هذه المواد كشرط لإنهاء الحرب، وبحث أيضاً خيار الاستيلاء عليها بالقوة إذا لم توافق إيران على التخلي عنها عبر التفاوض.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أن ترمب يوازن بين هذا الخيار وبين المخاطر التي قد تتعرض لها القوات الأميركية، في وقت أكد فيه للصحافيين أن إيران إما أن تفعل ما تطلبه الولايات المتحدة أو «لن يكون لها وطن»، مضيفاً في إشارة إلى اليورانيوم الإيراني: «سوف يعطوننا غباراً نووياً».

وبحسب التقرير، كان يُعتقد قبل الضربات الأميركية - الإسرائيلية العام الماضي أن إيران تمتلك أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60 في المائة، إضافة إلى نحو 200 كيلوغرام من المواد الانشطارية بنسبة 20 في المائة، وهي كميات يمكن تحويلها بسهولة نسبية إلى يورانيوم صالح للاستخدام في السلاح. ونقلت الصحيفة عن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي قوله إن هذه المواد موجودة أساساً في موقعين من أصل ثلاثة تعرضت لهجمات في يونيو (حزيران)، هما نفق تحت الأرض في مجمع أصفهان النووي ومخبأ في نطنز.

صورة أقمار اصطناعية تُظهر مفاعل بو شهر النووي (أ.ب)

وأشارت الصحيفة إلى أن مسؤولين وخبراء عسكريين سابقين حذروا من أن أي عملية لانتزاع اليورانيوم بالقوة ستكون من أكثر العمليات صعوبة، وقد تطيل الحرب إلى ما بعد الإطار الزمني الذي طرحه فريق ترمب علناً، والبالغ بين أربعة وستة أسابيع. وقالت إن القوات الأميركية ستحتاج إلى التحرك جواً تحت خطر الصواريخ أرض - جو والطائرات المسيّرة الإيرانية، ثم تأمين المواقع لإفساح المجال أمام مهندسين ومعدات حفر للتعامل مع الأنقاض والألغام والعبوات المفخخة.

وأضافت أن استخراج اليورانيوم سيتطلب على الأرجح فريقاً نخبوياً من العمليات الخاصة مدرباً على التعامل مع المواد المشعة في مناطق النزاع، وأن هذه المواد قد تكون محفوظة في 40 إلى 50 أسطوانة خاصة تحتاج إلى حاويات نقل آمنة، بما قد يملأ عدة شاحنات. كما نقلت عن مسؤولين أميركيين أن البنتاغون يمتلك بالفعل كثيراً من القدرات اللازمة في المنطقة، ويدرس نشر عشرة آلاف جندي إضافي لمنح الرئيس خيارات أوسع، إلى جانب إمكان استخدام وحدات من مشاة البحرية والمظليين للاستيلاء على مواقع استراتيجية إذا صدر الأمر.