المفاوضات النووية: «برودة» في واشنطن و«استعداد مشروط» في طهران

خبراء لـ«لشرق الأوسط»: النظام في إيران مأزوم في انتظار «ما بعد خامنئي»

أعلام إيرانية وسط العاصمة طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
أعلام إيرانية وسط العاصمة طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

المفاوضات النووية: «برودة» في واشنطن و«استعداد مشروط» في طهران

أعلام إيرانية وسط العاصمة طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
أعلام إيرانية وسط العاصمة طهران الأربعاء (إ.ب.أ)

لم يكن الصمت الأميركي إزاء الدعوات الإيرانية المتكررة للعودة إلى المفاوضات النووية مجرد غياب اهتمام دبلوماسي؛ بل بدا، بالنسبة لكثيرين، أشبه بـ«رقصة أعصاب» على حافة مرحلة شديدة الحساسية في طهران. فبينما تنهمك واشنطن في ملفات خارجية متشابكة، تتآكل الدولة الإيرانية من الداخل، حسب ما يقول منتقدون لسياسات حكومتها، تحت وطأة تراجع اقتصادي غير مسبوق، وعدم وضوح الرؤية حول مستقبل السلطة بعد المرشد علي خامنئي. وفي حين تواصل طهران إرسال إشارات «استعداد مشروط» للحوار، تلمح واشنطن إلى أنها تفضّل الانتظار، ربما لمزيد من الانهيار، وربما لمشهد سياسي مختلف تُعاد فيه صياغة التوازنات الإيرانية بالكامل.

في الأسابيع الأخيرة، تكثّف في الخطاب الرسمي الإيراني حديثٌ متكرر عن استعداد طهران لـ«مفاوضات جدية» مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي، في مقابل صمت أميركي لافت تجاه هذه الدعوات. وبينما تُصرّ طهران على إظهار رغبتها في الحوار بشروط «عادلة ومتوازنة»، تبدو واشنطن غير مستعجلة، في موقف يراه بعض الخبراء مزيجاً من التكتيك وترتيب الأولويات، في وقت تشهد إيران توترات اقتصادية وسياسية وعدم وضوح حول مستقبل القيادة في مرحلة ما بعد المرشد الحالي.

ملف إيران وأولويات واشنطن

يرى باتريك كلاوسون، مدير الأبحاث في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، أن البرودة الأميركية في الرد ليست تعبيراً عن رفض نهائي، بل نتيجة طبيعية لبيئة سياسية أميركية مزدحمة بملفات ملحّة «من فنزويلا إلى أوكرانيا، فضلاً عن الضغوط الداخلية». ويضيف كلاوسون في حديث مع «الشرق الأوسط» أن فريق الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرى أن البرنامج النووي الإيراني «تعرض لانتكاسات كبيرة في السنوات الماضية، ولا يمثل تهديداً فورياً»؛ الأمر الذي يجعل من الملف «غير عاجل». كما يشير إلى أن كبير المفاوضين الأميركيين، ستيف ويتكوف، يتولى ملفات يراها البيت الأبيض أكثر إلحاحاً في المرحلة الراهنة.

أحد الباعة في بازار تجريش بطهران 8 ديسمبر الحالي (إ.ب.أ)

هذا التوجه يمنح واشنطن هامشاً زمنياً مريحاً. فالإدارة الأميركية لا تريد الدخول في جولة جديدة من مفاوضات معقدة ومكلفة سياسياً قبل التأكد من أن الظروف الناضجة متوافرة، خصوصاً في ظل غياب مؤشرات واضحة إلى استعداد إيراني لتقديم تنازلات فعلية تتعدى الخطاب.

رسائل «انفتاح مشروط»

في المقابل، تكثّف طهران رسائلها العلنية. ففي مقابلة مع وكالة «كيودو» اليابانية، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لا تزال «منفتحة على الدبلوماسية»، لكنها «غير مقتنعة» بأن واشنطن مستعدة لمفاوضات «حقيقية وجادة». ويرى عراقجي أن واشنطن ما زالت تتعامل بمنطق «الإملاء»، وأن أي عودة إلى طاولة التفاوض يجب أن تقوم على «نتائج عادلة ومتوازنة».

ولم تكتفِ طهران بالحديث السياسي، بل فتحت باباً تقنياً مع اليابان، طالبةً الاستفادة من خبرتها في معالجة تداعيات الأزمات النووية لتأمين المنشآت الإيرانية التي تعرضت لهجمات إسرائيلية وأميركية في الأشهر الماضية. ويعكس هذا الطلب اعترافاً ضمنياً بحجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النووية، وإن ظل عراقجي يصف الهجمات بأنها «أكبر انتهاك للقانون الدولي».

غير أن هذا الانفتاح التقني لا يعني تغييراً في جوهر الموقف. فطهران تتمسك بـ«الحق في التخصيب» تحت مظلة معاهدة عدم الانتشار، وتربط القبول بقيود جديدة بوقف العقوبات والاعتراف الدولي بـ«البرنامج النووي السلمي».

انقسام داخلي عميق

المرشد الإيراني علي خامنئي (د.ب.أ)

في الداخل، يزداد المشهد تعقيداً. وبينما يتحدث كلاوسون عن «تلاسن» غير مسبوق بين المسؤولين الإيرانيين، وتوقعات علنية في خصوص سيناريوهات ما بعد المرشد علي خامنئي؛ ما يعكس تباينات حادة داخل النخبة، يرى الباحث الإيراني فارزين نديمي أن «المواجهة الحقيقية» تدور بين معسكرين رئيسيين: خامنئي ومعه مؤسساته، مقابل حسن روحاني وفريقه الطامح إلى لعب دور محوري في المرحلة المقبلة. طبعاً، توجد مجموعات مختلفة أخرى بينهما، لكن هذين الفصيلين هما الرئيسيان، حسب نديمي.

يضيف نديمي في حديث مع «الشرق الأوسط» أن «الحرس الثوري» يقف حالياً في موقع مراقب، رغم التزامه بخامنئي مباشرة. لكنه قد يتحرك بقوة إذا غاب الأخير عن المشهد، لتبدأ عندها مرحلة صراع محتمل بين «الحرس» وروحاني «إذا لم يتعرض الأخير لحادث إقصاء»، على حد تعبيره.

وتعيش إيران في الواقع أزمة اقتصادية شديدة. فالعملة الوطنية فقدت أكثر من 10 في المائة من قيمتها خلال 10 أيام فقط، وسط نقص مستمر في المياه وانقطاعات متكررة للكهرباء، إضافة إلى سياسات اقتصادية توصف بأنها «عاجزة». ويضرب كلاوسون مثالاً بنظام تسعير البنزين الجديد، الذي يفرض سعراً «مرتفعاً» على الاستهلاك الزائد، لكنه لا يزال أقل من تكلفة استيراد البنزين الذي تنفق عليه الحكومة 4 مليارات دولار سنوياً. ويصف خبراء هذا النهج بأنه «دليل واضح على سوء الحوكمة».

تصعيد صاروخي واستعداد لمواجهة إسرائيل

إقليمياً، يبقى العامل الإسرائيلي حاضراً في حسابات طهران. فالباحث في مؤسسة «نيو أميركا» في واشنطن، باراك بارفي، يرى في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن إيران «لا تقدم أي إشارة» إلى استعدادها لخفض مستوى برنامجها النووي أو الصاروخي، بل تعمل على «تكديس» صواريخها استعداداً لجولة جديدة من المواجهة مع إسرائيل. ويعتقد بارفي أن طهران تسعى إلى امتلاك قدرة على إرهاق الدفاعات الإسرائيلية عبر كثافة الإطلاقات الصاروخية.

زحمة سير في طهران 7 ديسمبر الحالي (أ.ب)

إلا أن بارفي يستبعد في المقابل إقدام إسرائيل على ضربة عسكرية قريبة، لأسباب ترتبط بالحاجة إلى المحافظة على «حرية العمل» في الأجواء الإيرانية، والمخاوف من إعادة بناء طهران منظومات دفاعها الجوي. كما يضع صانع القرار الإسرائيلي في الحسبان «إنهاك الجبهة الداخلية» واحتمالات الفشل في ضربة غير حاسمة، لا سيما مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية في 2026.

في المحصلة، تبدو واشنطن في موقع من يستطيع الانتظار، في حين تبدو طهران في موقع من يحاول كسب الوقت. ومع تفاقم الضغوط الداخلية والصراعات بين التيارات الإيرانية المختلفة، قد تكون قيادة البلاد في حاجة إلى تهدئة خارجية أكثر من حاجتها إلى اتفاق شامل. في مقابل ذلك، تدرك الإدارة الأميركية أن أي مفاوضات جديدة تتطلب بيئة مختلفة وأدوات ضغط إضافية، سواء عبر العقوبات أو عبر قدرة إسرائيل على استمرار «المعركة بين الحروب». لذلك؛ قد تستمر «البرودة» الأميركية، ليس بوصفها رفضاً نهائياً، بل جزءاً من استراتيجية الانتظار والمراقبة بينما يتفاعل الداخل الإيراني.

ويبدو السيناريو الوحيد القادر على فتح نافذة تفاوض حقيقية، هو دخول إيران في مرحلة ما بعد خامنئي، حين يعيد النظام ترتيب هرميته، وعندما يصبح الاقتصاد المنهك والقنبلة الاجتماعية الموقوتة عاملاً دافعاً نحو تنازلات أبعد مما تسمح به الظروف الحالية.


مقالات ذات صلة

موجة هجمات متصاعدة تستهدف السفن في «هرمز»

شؤون إقليمية ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز) p-circle

موجة هجمات متصاعدة تستهدف السفن في «هرمز»

تتصاعد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة البحرية في الخليج، مع تسجيل ارتفاع غير مسبوق في الهجمات على السفن وناقلات النفط منذ اندلاع الحرب في فبراير (شباط) الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)
شؤون إقليمية تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تمكنت إيران من تصدير شحنات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات منذ يوليو، رغم الحصار البحري الأميركي المفروض على صادراتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)

إيران تنفي مجدداً السعي لامتلاك سلاح نووي وتبدي استعدادها للحوار

نفى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال محادثات مع رئيس وزراء جورجيا، سعي طهران لامتلاك أسلحة نووية، وأعرب عن استعداده للحوار، مديناً العقوبات الأميركية.

«الشرق الأوسط» (تبليسي)
شؤون إقليمية صورة وُزعت دون تحديد تاريخها لـ«أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية بولاية فلوريدا الأميركية (رويترز)

واشنطن تصعّد تهديداتها ضد المنشآت النووية الإيرانية

تتواصل الأزمة بين واشنطن وطهران، في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، مع تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)
أوروبا النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)

السجن 20 عاماً لنرويجي خطّط لجريمة قتل مرتبطة بإيران في بريطانيا

قضت محكمة بريطانية بالسجن لمدة 20 عاماً على شاب نرويجي كان يخطط لارتكاب جريمة قتل في بريطانيا بعد تجنيده من قبل جماعة جريمة سويدية مرتبطة بإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)

البرلمان الإيراني يقرّ تعيين مهرداد أخلاقي كتابجي وزيراً للدفاع

مهرداد أخلاقي كتابجي (مهر)
مهرداد أخلاقي كتابجي (مهر)
TT

البرلمان الإيراني يقرّ تعيين مهرداد أخلاقي كتابجي وزيراً للدفاع

مهرداد أخلاقي كتابجي (مهر)
مهرداد أخلاقي كتابجي (مهر)

أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية، الأحد، بأن البرلمان وافق على تعيين مهرداد أخلاقي كتابجي وزيراً للدفاع، وذلك بعد ثمانية أشهر من مقتل سلفه عزيز نصير زاده في بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وكان مجيد ابن الرضا يتولى إدارة وزارة الدفاع، منذ 2 مارس (آذار) الماضي، عندما عيّنه بزشكيان قائماً بالأعمال عقب مقتل نصير زاده.

وفقاً للموقع الإلكتروني للحكومة، صادق 237 عضواً في البرلمان على تعيين أخلاقي من أصل 277 شاركوا في التصويت.

وهو يخلف بذلك المسؤول المخضرم في قطاع الدفاع نصير زاده الذي قُتل في الضربة الأولى خلال الحرب إلى جانب المرشد علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين، التي استهدفت مقر إقامة المرشد في مجمع وسط طهران.

وقال أخلاقي قبل التصويت، بحسب «إيسنا»، إنه «إذا منحني البرلمان الثقة، فستقع على عاتقي مسؤولية وزارة الدفاع في مرحلة حساسة». وأضاف: «في مثل هذه الظروف، يتطلب الدفاع عن البلاد فهماً دقيقاً للبيئة المحيطة، وإدراكاً لمنطق التطورات الجارية، وتحديد الاتجاهات المؤثرة، والاستعداد لمواجهة مختلف السيناريوهات المستقبلية المحتملة».

يُعد أخلاقي كتابجي مسؤولاً مخضرماً في وزارة الدفاع، وله ارتباطات وثيقة بصناعات الصواريخ والفضاء الإيرانية. وقد حدده «مجلس الأمن» الدولي عام 2007 بوصفه رئيس «مجموعة باقري الصناعية»، وهي جهة تابعة لوزارة الدفاع الإيرانية ومرتبطة ببرنامج الصواريخ الباليستية.

وكان وزير الدفاع الأسبق، حسين دهقان، قد عيّن أخلاقي كتابجي رئيساً لـ«منظمة الصناعات الجوية والفضائية»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014. كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه في عام 2020، وحددته بوصفه مديراً لـ«منظمة الصناعات الدفاعية»، مشيرة إلى أنشطته المرتبطة بالأسلحة التقليدية.

وأُعيد إدراج اسم أخلاقي كتابجي على قائمة العقوبات التابعة للأمم المتحدة عندما أُعيد فرض العقوبات السابقة على إيران في سبتمبر (أيلول) 2025.

كما ورد اسمه في وثائق العقوبات التابعة لـ«الاتحاد الأوروبي»، التي أشارت إليه بوصفه أحد المسؤولين في «منظمة الصناعات الدفاعية الإيرانية» و«منظمة الصناعات الجوية والفضائية».


موجة هجمات جديدة في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
TT

موجة هجمات جديدة في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)

تتصاعد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة في الخليج مع تسجيل ارتفاع غير مسبوق في الهجمات على السفن وناقلات النفط منذ اندلاع الحرب.

وأظهرت إحصائية نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية أن 24 سفينة تعرَّضت للاستهداف خلال الأسبوعين الأولين من أكتوبر (تشرين الأول)، أي نحو ضعف العدد المُسجَّل خلال أول أسبوعين من الحرب، عندما أُصيبت 13 سفينة.

في غضون ذلك، أفادت «وكالة الأمن البحري البريطاني»، أمس، بتعرض ناقلتَي نفط لهجوم قبالة سواحل مدينة الجبيل السعودية، مضيفة أن الناقلة الأولى أُصيبت بمقذوف غير محدد، فيما أبلغ قبطان ناقلة نفط أخرى بتعرُّض سفينته لهجوم بقذيفة صاروخية أُطلقت من قارب صغير، أيضاً قبالة الجبيل، ما ألحق أضراراً بالجزء الخلفي منها.

وعزا «الحرس الثوري» حوادث السفن إلى اصطدامها بألغام، لكن القيادة المركزية الأميركية أكدت أن الإصابات تعود إلى استهدافات إيرانية متعمدة.


موجة هجمات متصاعدة تستهدف السفن في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
TT

موجة هجمات متصاعدة تستهدف السفن في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)

تتصاعد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة البحرية في الخليج، مع تسجيل ارتفاع غير مسبوق في الهجمات على السفن وناقلات النفط منذ اندلاع الحرب، في تطور يفاقم المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية، ويدفع أسعار النفط إلى الارتفاع.

وبينما تتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط العسكري حول مضيق «هرمز»، تزداد تكلفة العبور ومخاطره، وسط غموض يحيط بمصير المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب.

رقم قياسي للإصابات

وأظهرت إحصائية نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية أن 24 سفينة تعرَّضت للاستهداف خلال الأسبوعين الأولين من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أي نحو ضعف العدد المُسجَّل خلال أول أسبوعين من الحرب، عندما أُصيبت 13 سفينة.

ويعكس هذا التصاعد اتساع نطاق المخاطر البحرية في المنطقة، بعدما تحوَّلت حركة العبور عبر مضيق «هرمز» إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة بين طهران وواشنطن.

وبلغت المخاطر مستوى بات معه عبور المضيق يتطلب، وفق المعطيات الواردة، دفع نحو 100 ألف دولار شهرياً لقبطان السفينة مقابل المجازفة بالمرور، في مؤشر على الارتفاع الكبير في تكلفة التشغيل والتأمين المرتبطة بالملاحة.

هجمات جديدة... وحرائق

ناقلة ترفع العلم الهندي خلال تفريغها النفط الخام في محطة تفريغ بعد عبورها مضيق «هرمز» (رويترز)

وفي أحدث التطورات الميدانية، أفادت «وكالة الأمن البحري البريطاني»، يوم السبت، بتعرض ناقلتَي نفط لهجوم قبالة السواحل السعودية في مياه الخليج مساء الجمعة. وقالت الوكالة إن الناقلة الأولى أُصيبت بمقذوف غير محدد على بُعد 68 ميلاً بحرياً شمال شرقي مدينة الجبيل، ما استدعى إجلاء طاقمها، الذي لم يُصب أفراده بأذى، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية». ولم ترد تقارير عن آثار بيئية ناجمة عن الحادثة حتى ذلك الوقت.

وفي واقعة ثانية، أبلغ قبطان ناقلة نفط بتعرُّض سفينته لهجوم بقذيفة صاروخية أُطلقت من قارب صغير، على بُعد 78 ميلاً بحرياً من الجبيل، ما ألحق أضراراً بالجزء الخلفي منها. وأكدت الوكالة تحديد موقع أفراد الطاقم وسلامتهم، بينما بقي حجم الأضرار والتأثير البيئي غير واضحَين.

وعرَّفت شركة الأمن البحري «فانغارد» إحدى السفينتين بأنها ناقلة النفط «إس تي 3»، التي ترفع علم جزر مارشال، مشيرة إلى نقل طاقمها إلى سفينة حاويات قريبة ترفع علم الإمارات.

ومن جانبها، أعلنت القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، السبت، اشتعال النيران في ناقلة نفط بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها مضيق «هرمز». وقال «الحرس الثوري»، وفق ما نقلته وسائل إعلام إيرانية، إن الناقلة كانت تحمل أكثر من مليونَي برميل من النفط الخام، وإنها حاولت عبور المضيق عبر مسار لا تسمح به إيران.

كما نقلت وكالة «رويترز» عن وسائل إعلام إيرانية تقارير تحدَّثت عن تعرُّض ناقلتين لألغام بحرية واندلاع النيران فيهما، من دون توافر تأكيد مستقل لهذه الروايات. واتهمت طهران السفينتين بتعطيل أنظمة تحديد المواقع والرادار ومحاولة استخدام مسار غير مُصرَّح به، بينما لم تتضح جميع تفاصيل الحوادث وملابساتها.

غير أنَّ القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) كذَّبت الرواية الإيرانية بأن ناقلات النفط تصطدم بألغام بحرية، مؤكدة أن المسارات التي استخدمتها السفن خالية من الألغام، وسبب الإصابات هو استهدافات بمقذوفات أو مسيّرات إيرانية.

صادرات النفط تتراجع

صورة لمضيق «هرمز» مع براميل نفط (رويترز)

ولا تقتصر تداعيات التصعيد على سلامة السفن وأطقمها، بل تمتد مباشرة إلى تدفقات النفط من الخليج نحو الأسواق العالمية.

وبحسب بيانات شركة «كبلر» المتخصصة في تحليل بيانات الشحن والطاقة، بلغ متوسط صادرات النفط نحو 15.5 مليون برميل يومياً خلال سبتمبر (أيلول)، قبل أن ينخفض إلى 2.9 مليون برميل يومياً في 11 أكتوبر، في تراجع حاد يعكس حجم الاضطراب الذي أصاب حركة الإمدادات.

وانعكس تقلص المعروض على الأسعار، إذ ارتفع خام برنت إلى نحو 110 دولارات للبرميل عند إغلاق التداولات يوم الجمعة، مُسجِّلاً أعلى مستوى له منذ مايو (أيار) الماضي.

وتثير هذه التطورات مخاوف من أن يؤدي استمرار تعطل الملاحة إلى مزيد من الضغوط على أسواق الطاقة، خصوصاً إذا طال أمد القيود المفروضة على عبور الناقلات، أو اتسع نطاق الهجمات ليشمل مزيداً من السفن والمنشآت المرتبطة بتصدير النفط.

ولا تقتصر المخاطر على ارتفاع أسعار الخام، إذ يمكن أن تنتقل آثار اضطراب الإمدادات إلى تكاليف النقل والتأمين وأسعار الوقود، بما يزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة.

«هرمز» يعود إلى قلب المواجهة

القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من ألفَي سفينة تجارية على عبور مضيق «هرمز» (سنتكوم)

ظلَّ مضيق «هرمز» في صلب المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران منذ بداية الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، نظراً إلى أهميته الاستراتيجية بوصفه ممراً رئيسياً لصادرات النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق الدولية.

ومنذ ذلك التاريخ وإثر ضربات أميركية إسرائيلية على إيران، فرضت طهران قيوداً على حركة الملاحة عبر المضيق، واستهدفت مراراً سفناً حاولت العبور من دون الحصول على إذن منها. وفي المقابل، فرضت واشنطن حصاراً على الموانئ الإيرانية، وعزَّزت حضورها البحري، مع مواكبة قطعها البحرية ناقلات نفط تعبر المضيق بأعداد متزايدة.

وكان قائد القوات البحرية في «الحرس الثوري»، علي عظمائي، قد حذَّر، الأسبوع الماضي، من أن أي سفينة تعطل أجهزة التتبع لتجنب رصدها في أثناء العبور ستُعدُّ «هدفاً معادياً»، في تهديد يعكس تشدُّد طهران في فرض رقابتها على حركة السفن.

وبين الحين والآخر تزداد وتيرة التصعيد ضد السفن، خصوصاً عندما تتعثر فرص المفاوضات وتعلو التصريحات والمؤشرات بعودة الأعمال القتالية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مثلما هي الحال في الوقت الحالي، إذ لمَّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً إلى طلبه من القوات الأميركية تزويده بخطط لعودة المواجهات المسلحة، وكان آخرها تلميحه إلى قصف المنشأة النووية الإيرانية في منطقة «جبل الفأس» مستخدماً «أم القنابل».

من جانبها، تتمسَّك إيران بحقها في الإشراف على حركة العبور وتحديد المسارات المسموح بها، في حين ترفض الولايات المتحدة وأطراف أخرى إخضاع الملاحة في هذا الممر الدولي لقيود أحادية. وبذلك، لم يعد المضيق مجرد ممر تجاري، بل تحوَّل إلى أداة ضغط متبادلة في الصراع على النفوذ وشروط إنهاء الحرب.

اتساع التداعيات الاقتصادية

ويزيد استمرار الهجمات والغموض المحيط بالعبور من صعوبة استعادة حركة الملاحة مستوياتها الطبيعية، في وقت تتعرَّض فيه السفن التجارية لمخاطر متنامية، ويواجه قطاع الشحن ضغوطاً متزايدة لضمان سلامة الأطقم والبضائع.

وكان مسؤولون في قطاع الملاحة قد أفادوا، مؤخراً بغرق سفينة حاويات وسفينة بضائع سائبة قرب المضيق، إثر إصابتهما بقذائف في حادثتين منفصلتين، في تطور يضيف إلى مؤشرات اتساع نطاق الأضرار التي تطال حركة النقل البحري.

وفي ظلِّ استمرار الحصار الأميركي والقيود الإيرانية، يبقى مسار التصعيد مرهوناً بقدرة الطرفين على التَّوصُّل إلى تفاهمات بشأن الملاحة والأمن البحري.

وحتى ذلك الحين، ستظل أسواق الطاقة عرضةً للتقلبات، مع احتمال أن تتحوَّل الهجمات المتكررة على السفن من أزمة أمنية إقليمية إلى عامل ضغط أوسع على الاقتصاد العالمي، عبر ارتفاع أسعار النفط وتكاليف النقل والتأمين وازدياد مخاطر التضخم.