ترمب يُلوِّح بضربة أقسى إذا لم تبرم طهران اتفاقاً

الجيش الإيراني حذر من «دبلوماسية البوارج الحربية» وأعلن جاهزيته لكل السيناريوهات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يُلوِّح بيده وهو يسير عند وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض في واشنطن أمس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يُلوِّح بيده وهو يسير عند وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض في واشنطن أمس (رويترز)
TT

ترمب يُلوِّح بضربة أقسى إذا لم تبرم طهران اتفاقاً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يُلوِّح بيده وهو يسير عند وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض في واشنطن أمس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يُلوِّح بيده وهو يسير عند وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض في واشنطن أمس (رويترز)

​حضَّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (الأربعاء) إيران على إبرام صفقة، وحذر من أن الهجوم التالي سيكون «أشد بكثير» في حال عدم التوصل إلى اتفاق، مشدداً على أن الوقت ينفد أمام طهران لتفادي تدخل عسكري أميركي، فيما أعلنت طهران رفضها إجراء مفاوضات في ظل ما وصفته بأجواء التهديد.

وقال ترمب إن «الأسطول الضخم المتجه نحو إيران مستعد وجاهز وقادر على تنفيذ مهمته بسرعة، وبقوة إن لزم الأمر». ولم يستبعد ترمب قطّ شنّ هجوم جديد على إيران على خلفية قمع الاحتجاجات الأخيرة في البلاد، وذلك بعد حرب استمرت 12 يوماً في يونيو (حزيران) الماضي بين الجمهورية الإسلامية وإسرائيل، وشاركت فيها الولايات المتحدة.

وجاء تحذير ترمب بعد شهر من اندلاع احتجاجات واسعة في إيران، وسط قلق إقليمي متزايد من احتمال لجوء واشنطن إلى ضربة عسكرية، في ظل استمرار التوترات السياسية، والأمنية.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشيال» أن «الوقت ينفد»، داعياً طهران إلى «الجلوس سريعاً إلى طاولة المفاوضات» للتوصل إلى «اتفاق عادل ومنصف من دون أسلحة نووية»، محذِّراً من عواقب التأخير.

وأشار الرئيس الأميركي إلى تحذيراته التي سبقت الضربة العسكرية على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو، مضيفاً: «الهجوم القادم سيكون أسوأ بكثير»، في إشارة مباشرة إلى احتمال تكرار العمل العسكري إذا لم تستجب إيران.

وأكد ترمب أن «ترسانة» إضافية في طريقها إلى المنطقة، في وقت تتحرك فيه قوة بحرية أميركية تقودها حاملة طائرات في مياه الشرق الأوسط، من دون الكشف عن موقعها الدقيق.

وكانت القيادة المركزية الأميركية أعلنت وصول مجموعة ضاربة بقيادة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» إلى نطاق عملياتها، في خطوة اعتبرت رسالة ردع مباشرة إلى طهران.

وجاء تحذير ترمب بعد شهر من اندلاع احتجاجات واسعة في إيران، وسط قلق إقليمي متزايد من احتمال لجوء واشنطن إلى ضربة عسكرية، في ظل استمرار التوترات السياسية، والأمنية.

في برلين، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي إلى جانب رئيس الوزراء الروماني إيلي بولوغان الأربعاء إن «نظاماً لا يستطيع البقاء في السلطة إلا من خلال العنف الصرف، والإرهاب ضد شعبه، أيامه باتت معدودة (...)، قد تكون المسألة مسألة أسابيع».

وفي المقابل، أعلنت إيران أنها ترفض التفاوض تحت التهديد، مشددة على أن الدبلوماسية لا يمكن أن تدار من خلال الضغوط العسكرية، أو الإنذارات العلنية.

وبعيد تحذير ترمب، قال علي شمخاني، مستشار المرشد الإيراني للشؤون السياسية، إن «لا وجود لما يُسمّى ضربة محدودة»، مؤكداً أن أي عمل عسكري تنفذه الولايات المتحدة «من أي منطلق وبأي مستوى» سيُعد «بداية حرب»، وسيقابَل بردّ «فوري وشامل وغير مسبوق».وأضاف شمخاني، في منشور على منصة «إكس»، أن الردّ الإيراني «سيستهدف المعتدي ويطول قلب تل أبيب وكل الجهات الداعمة له»، محذّراً من أن أي تصعيد عسكري «سيفرض معادلات جديدة» في المنطقة.

وفي سياق متصل، قال وزير الخارجية، عباس عراقجي، إن القوات المسلحة الإيرانية «في جاهزية كاملة وبأصابعها على الزناد» للرد «الفوري والقوي» على أي عدوان يستهدف إيران براً أو جواً أو بحراً، مؤكداً أن الدروس المستخلصة من «حرب الأيام الاثني عشر» عززت قدرة طهران على الرد «بشكل أقوى وأسرع وأعمق».وفي منشور على منصة «إكس»، شدد عراقجي على أن إيران، في الوقت نفسه، ما زالت ترحب باتفاق نووي «عادل ومنصف ويحقق منفعة متبادلة»، يقوم على الندية والمساواة وخالٍ من الإكراه والتهديد، بما يضمن حقوقها في التكنولوجيا النووية ويكفل عدم امتلاك أسلحة نووية. وأضاف أن «الأسلحة النووية لا مكان لها في الحسابات الأمنية لإيران»، مؤكداً أن بلاده «لم تسعَ يوماً إلى امتلاكها».

وفي تصريحات منفصلة،قال عراقجي، الأربعاء، إن طهران «لم تتقدم بطلب للتفاوض» مع واشنطن، مؤكداً أنه «لم يجرِ في الأيام الأخيرة أي تواصل» مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف.

وشدد عراقجي على أن «التفاوض له أصوله»، وأنه يجب أن يتم «من موقع الندية، وعلى أساس الاحترام المتبادل»، محذّراً من أن «التهديدات، والمطالب المبالغ بها» تعرقل أي مسار تفاوضي محتمل.

وأضاف: «إذا كانوا يريدون أن تُثمر المفاوضات، فعليهم التوقف عن التهديدات، وإثارة القضايا غير المنطقية»، في إشارة مباشرة إلى الخطاب الأميركي الأخير.

وتزامنت تصريحات عراقجي مع تحركات دبلوماسية إقليمية مكثَّفة شملت اتصالات مصرية، وقطرية، وتركية، ركزت على خفض التصعيد، وتهيئة الظروف لاستئناف الحوار بين واشنطن وطهران.

وبعيد تحذير ترمب الأخيرة، أعلنت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة الأربعاء أن «إيران مستعدة لحوار قائم على الاحترام، والمصالح المتبادلة، لكن إذا دُفعت إلى ذلك، فستدافع عن نفسها، وتردّ بشكل غير مسبوق!».

وأضافت البعثة في منشور على منصة «إكس»: «في المرة الأخيرة التي تورطت فيها الولايات المتحدة في حربي أفغانستان، والعراق، أهدرت أكثر من سبعة تريليونات دولار، وخسرت ⁠أكثر من 7000 جندي أميركي».

«الردع الفعال»

وقال الجنرال أحمد وحيدي، نائب قائد جهاز «الحرس الثوري»، إن تنامي القدرات الدفاعية الإيرانية جعل أي عمل عسكري ضد طهران «عالي الكلفة، ومحفوفاً بالمخاطر»، مضيفاً أن ميزان الردع بات يقيد خيارات الولايات المتحدة، وإسرائيل، ويعقد حسابات التصعيد.

ونقلت وسائل إعلام «الحرس الثوري» عن وحيدي قوله في هذا الصدد إن «القدرات الدفاعية لإيران تطورت خلال السنوات الأخيرة على نحوٍ جعل حساب تكلفة وفوائد أي عمل عسكري ضدها شديد التعقيد، ومرتفع المخاطر بالنسبة للعدو».

وفي إشارة إلى جاهزية سلاح الصواريخ والمسيرات للمواجهة، أوضح أن «تطوير التكنولوجيا العسكرية المحلية خفض الاعتماد الخارجي، ورفع مستوى الجاهزية، بما يحول أي هجوم محتمل إلى مغامرة غير محسوبة العواقب».

وحذر وحيدي من أن الحشود، والتهديدات المتبادلة تزيد مخاطر الانزلاق، لكنه شدد على أن الردع القائم يمنح طهران قدرة منع، وتكبيد الخصم تكلفة باهظة إذا فرضت المواجهة.

ونقلت وكالة «إيسنا» الحكومية قوله في مناسبة عسكرية إن «الردع الفعال» لا يقوم على الاستعراض، بل على القدرة العملية على الإيذاء المقابل، بما يشمل تعطيل أهداف عسكرية حساسة، وإرباك مسار العمليات.

وأشار إلى أن المقاربة الإيرانية تركز على منع الحرب عبر رفع تكلفة القرار العسكري لدى الخصم، مع الاستعداد للرد إذا فرضت المواجهة. ونقل عن توجيهات علي خامنئي التأكيد على بلوغ مستوى يجعل الخصوم «يترددون حتى في التفكير بالتهديد»، معتبراً أن هذا الهدف تحقق عبر تراكم الردع العلمي، والتقني، وليس عبر خطوات ظرفية.

ووصف الظروف السياسية، والاقتصادية، والأمنية في إيران بـ«المعقدة» قائلاً: «تواجه الجمهورية الإسلامية إيران في الوقت نفسه ضغوطاً اقتصادية، وتهديدات عسكرية، وضغوطاً سياسية، مع عملية واسعة النطاق ومستمرة للحرب الإدراكية من قبل الأعداء الغربيين».

في وقت لاحق، حذر المتحدث باسم «الحرس الثوري» محمد علي نائيني الأميركيين من مغبة التصعيد، قائلاً إن طهران «تملك خططاً للتعامل مع جميع السيناريوهات».

وخاطب القادة الأميركيين قائلاً: «لدينا خطط لجميع سيناريوهاتكم... محاولة الخيار العسكري ضد إيران ستبوء بالفشل».وقال نائيني إن «التخويف عبر تصوير أجواء الحرب وإرسال حاملات الطائرات حيلة قديمة يلجأ إليها المسؤولون الأميركيون»، معتبراً أن مسؤولي البيت الأبيض يواجهون «حالة ارتباك وعجز» أمام ما وصفه بمقاومة إيران في «المؤامرة المسلحة»، في إشارة إلى حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل.وأشار نائيني إلى أن «الواقع الميداني يختلف عن الدعاية الإعلامية للعدو»، قائلاً إن القوات الإيرانية «تسيطر على مجريات الميدان»، وأضاف أن القيادة العسكرية «تتابع سلوك وتحركات العدو بدقة، ولديها خطط عمل جاهزة للتعامل مع جميع سيناريوهاته».وقال نائيني إن العدو «لم ينسَ الضربات الاستباقية التي وُجهت إلى قاعدة العديد»، مضيفاً أن إيران راكمت خبرة في «هزيمة الخصم في الحروب الحديثة، وعلى نطاق واسع، وفي أخطر وأكثر الساحات تعقيداً».

«دبلوماسية البوارج الحربية»

بدوره، حذر رئيس نائب قائد الجيش الإيراني، الأدميرال حبيب الله سياري، من استعراض الولايات المتحدة قوتها العسكرية في المنطقة عبر نشر حاملات الطائرات، مضيفاً أن أي تحرك عسكري ضد إيران سيترتب عليه «أضرار جسيمة وثقيلة» للطرف المقابل.

وقال إن «التجربة أثبتت أنه في حال أي مغامرة، فإن العدو سيتكبد أيضاً خسائر كبيرة، وهذه الحقيقة تؤخذ في حساباته».

وأضاف سياري أن واشنطن تعتمد منذ عقود ما وصفه بـ«دبلوماسية الزوارق الحربية» بهدف التخويف وفرض الأمر الواقع، مشدداً على أن «إظهار وصول أسطول، ثم إضافة أسطول آخر لا ينبغي أن يقودنا إلى حسابات خاطئة»، مشدداً على أنه «إذا وقع أي تطور، فإن الطرف الآخر سيتلقى أيضاً أضراراً مؤكدة، وستكون ثقيلة».

مروحية من طراز «إس إتش-60 سي هوك» تحلق إلى جانب حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» خلال عمليات روتينية للأسطول السابع في المحيطين الهندي والهادئ 8 يناير (الجيش الأميركي)

وأعرب سياري عن ثقته أن بلاده «تملك القدرة على إلحاق الأذى بالعدو، وهو يدرك ذلك جيداً... أي مغامرة ستقابل بتكلفة باهظة»، مشيراً إلى أن الجيش الإيراني «في حالة جاهزية كاملة لمواجهة أي تهديد، سواء أتى من البر، أو البحر، أو الجو»، مع التعويل على «التماسك الداخلي ودعم الشعب» في أي مواجهة محتملة.

وكان قائد القوات البحرية في «الحرس الثوري»، اللواء علي رضا تنكسيري، قد عرض، الثلاثاء، صواريخ جاهزة للإطلاق في تقرير بثه التلفزيون الرسمي، مؤكداً امتلاك شبكة أنفاق صاروخية مطوّرة تحت البحر لمواجهة حاملات الطائرات الأميركية في الخليج وبحر عُمان، تضم مئات صواريخ كروز بعيدة المدى، بينها «قدير-380» بمدى يصل إلى 1000 كيلومتر، ونظام توجيه ذكي.

وفي موازاة ذلك، نقلت وكالة «فارس» عن نائب قائد القوات البحرية قوله إن إيران تفرض سيطرة كاملة على سماء وسطح وتحت مياه مضيق هرمز، وتتلقى معلومات لحظية عن جميع التحركات البحرية، مشدداً على الجاهزية الكاملة وعدم التراجع في حال اندلاع مواجهة.

والاثنين، قالت هيئة الأركان الإيرانية في بيان إن القوات المسلحة تراقب أي تهديد منذ مراحله الأولى، ولن تبدأ حرباً، لكنها ستمنع تنفيذ أي تهديد، معتبرة أن الحديث عن عمليات خاطفة «تقييم خاطئ»، وأن الوجود الأميركي البحري في المنطقة «مضخم إعلامياً»، ويزيد قابلية الاستهداف.

وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التوتر العسكري، وتمركز قوة بحرية أميركية في المنطقة، مقابل تأكيدات إيرانية بالرد على أي هجوم محتمل.

وكان ترمب قد حدّد في تصريحات سابقة خطين أحمرين للتدخل، هما قتل المتظاهرين السلميين، واحتمال تنفيذ إعدامات جماعية بحق المعتقلين على خلفية الاحتجاجات.

ارتفاع حصيلة قتلى الاحتجاجات

وأفاد نشطاء، الأربعاء، بأن حملة القمع التي شنتها السلطات الإيرانية أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 6221 شخصاً، مع خشية ارتفاع العدد في ظل صعوبة التحقق الميداني.

وقالت «وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان»، ومقرها الولايات المتحدة، إن القتلى يشملون 5858 متظاهراً، و214 من القوات المرتبطة بالحكومة، و100 طفل، و49 مدنياً لم يشاركوا في الاحتجاجات.

وأضافت الوكالة أن أكثر من 42300 شخص اعتُقلوا منذ اندلاع الاحتجاجات، مؤكدة أنها تتحقق من كل حالة عبر شبكة من النشطاء داخل إيران.

وتقول المنظمات الحقوقية إنها تواجه صعوبة في التحقق بشكل مستقل من هذه الأرقام، بسبب قطع الإنترنت، وتعطيل الاتصالات الهاتفية مع إيران منذ أسابيع.

في المقابل، أعلنت الحكومة الإيرانية حصيلة أقل بكثير بلغت 3117 قتيلاً، قالت إن 2427 منهم من المدنيين، وقوات الأمن، ووصفت البقية بأنهم «إرهابيون».

ودأبت السلطات الإيرانية خلال فترات الاضطرابات السابقة على التقليل من أعداد الضحايا، أو الامتناع عن إعلانها، وفق منظمات حقوقية.

وتتجاوز هذه الحصيلة أي موجة احتجاج شهدتها إيران منذ عقود، وتعيد إلى الأذهان الفوضى التي رافقت ثورة عام 1979.

وانطلقت الاحتجاجات في 28 ديسمبر (كانون الأول) عقب انهيار العملة الإيرانية (الريال)، وسرعان ما امتدت إلى مختلف أنحاء البلاد.

حشود من المتظاهرين ونيران تشتعل في منطقة سرسبز شمال شرقي طهران (تلغرام)

وقوبلت التحركات بحملة قمع واسعة، ترافقت مع قطع شامل للإنترنت، وفرض قيود صارمة على تدفق المعلومات، مما جعل وسائل الإعلام الحكومية المصدر شبه الوحيد للأخبار.

وبينما تصف وسائل الإعلام الرسمية المحتجين بـ«الإرهابيين»، تصاعد الغضب والقلق بين الإيرانيين مع تداول مشاهد إطلاق النار على متظاهرين، وقتلهم.

وفي تطور موازٍ، أعلنت إيران، الأربعاء، تنفيذ حكم الإعدام بحق حميد رضا ثابت، المدان بالتجسس لصالح إسرائيل، وهو الإعدام الثالث عشر من هذا النوع منذ حرب يونيو.

ويأتي ذلك في وقت تحذّر فيه منظمات حقوقية من مخاطر توسيع نطاق الإعدامات بحق معتقلين على خلفية الاحتجاجات.


مقالات ذات صلة

اغتيالات مدعومة بالذكاء الاصطناعي... كيف تمكنت إسرائيل من استهداف قادة إيران؟

شؤون إقليمية لافتة تكريمية في شارع بطهران للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ولقادة آخرين قتلوا في بداية الحرب (رويترز) p-circle

اغتيالات مدعومة بالذكاء الاصطناعي... كيف تمكنت إسرائيل من استهداف قادة إيران؟

بينما اجتمع القادة العسكريون الأميركيون والإسرائيليون لوضع خطة الحرب مع إيران، من الواضح أنهم اتفقوا على تولي إسرائيل لمهمة ملاحقة قادة إيران وقتلهم.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

ترمب يدعو الدول للسيطرة على مضيق هرمز للحصول على النفط

انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الثلاثاء الدول التي «لا تستطيع الحصول على على وقود الطائرات» بسبب مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية رجل دين يتفقد آثار الغارات الجوية الإسرائيلية - الأميركية التي استهدفت طهران - الاثنين 30 مارس 2026 (نيويورك تايمز) p-circle

تصدّع القيادة الإيرانية يعرقل تنسيق القرار

أدت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران إلى تصدع داخل الحكومة الإيرانية، مما عقد قدرتها على اتخاذ القرارات وتنسيق هجمات انتقامية أكبر.

رونين بيرغمان (واشنطن) آدم غولدمان (واشنطن) جوليان بارنز (واشنطن)
شؤون إقليمية وقفة احتجاجية أمام وزارة الخارجية الأميركية لتسليط الضوء على عمليات الإعدام التي طالت أعضاء منظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية في مدينة كرج بإيران أمس (أ.ب)

إيران تعدم شخصين أُدينا بالانتماء إلى «مجاهدي خلق»

أعدمت إيران شخصين، الثلاثاء، أُدينا بالانضمام إلى منظمة «مجاهدي خلق» المحظورة والتخطيط للإطاحة بالجمهورية الإسلامية، حسبما أعلن القضاء، بعد يوم من إعدام شخصين.

«الشرق الأوسط» (طهران)
المشرق العربي تدريب مقاتلين سوريين (الجيش العربي السوري)

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

قالت دمشق إنها تدرس «خياراتها» بالرد المناسب على هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية، فجر الاثنين، في تصعيد لافت.

سعاد جروس (دمشق)

حصار قاعدة «بلد»… تمرين «القيامة» في العراق

صورة نشرها الجيش الأميركي لقاعدة بلد الجوية في العراق تعود لعام 2011
صورة نشرها الجيش الأميركي لقاعدة بلد الجوية في العراق تعود لعام 2011
TT

حصار قاعدة «بلد»… تمرين «القيامة» في العراق

صورة نشرها الجيش الأميركي لقاعدة بلد الجوية في العراق تعود لعام 2011
صورة نشرها الجيش الأميركي لقاعدة بلد الجوية في العراق تعود لعام 2011

اضطر طاقم شركة أميركية مسؤولة عن تشغيل طائرات «F-16» إلى مغادرة قاعدة جوية عراقية في ظروف حرجة، بعد هجمات شنتها فصائل موالية لإيران، ويتعين على السلطات في بغداد الآن البحث عن مشغلين جدد قبل أن تتحول أهم طائرة في سلاح الجو العراقي «مجرد خردة».

ويتضح أن هذه الفصائل تتوّج بهذه الهجمات سنوات من «محاولات الاختراق والتجسس» على التقنيات الأميركية التي اشتراها العراق قبل نحو 10 سنوات، وصولاً إلى ما يعرف بـ«سيناريو القيامة» للاستيلاء على الأصول العسكرية العراقية، وفق تعبير مصادر.

وحاولت الحكومة العراقية إقناع طاقم شركة «V2X» الأميركية بالبقاء في قاعدة «بلد» الجوية رغم الهجمات المتواترة عليها. وقال مسؤول عراقي بارز لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم أن الضربات لم تلحق أضراراً كبيرة في القاعدة، فإن موظفي الشركة أصرّوا على المغادرة حفاظاً على سلامتهم».

حسب متعاقد أجنبي ورجال أمن وموظفين، فإن قرار الإجلاء اتُّخذ بعد موجة عنيفة من المسيَّرات، وتم تنفيذه في ظل هدنة متفق عليها لتأمين «رحلة عالية المخاطر».

ومنذ بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، تعرضت قاعدة بلد الجوية، التي تغيّر اسمها إلى «الشهيد علي فليح»، إلى هجمات من ثلاث جهات، فشل أغلبها في إلحاق الضرر بالقاعدة، وفق المصادر.

وفي الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترمب، نجحت الجماعات الموالية لإيران في إرغام شركة أميركية سابقة على مغادرة قاعدة بلد، في أعقاب الغارة الأميركية التي قتلت قائد «قوة القدس» قاسم سليماني بعد يناير (كانون الثاني) 2020.

تردد حينها أن العشرات من موظفي شركة «سالي بورت» خرجوا بعد هجمات مميتة على القاعدة، ويبدو أن السيناريو يتكرر مع شركة «V2X» في ولاية ترمب الثانية، لكن في سياق حرب إقليمية أوسع مفتوحة على احتمالات مجهولة.

جندي عراقي خلال عرض لطائرات عسكرية في قاعدة بلد الجوية أبريل 2024 (أ.ف.ب)

السيناريو الليبي في بلد

يعود أول هجوم على القاعدة الجوية إلى فجر 2 مارس (آذار) 2026، وكانت الحرب على إيران قد دخلت يومها الثالث. لاحقاً، أظهر تتبع للهجمات نمطاً في توقيتها بين منتصف الليل والساعات الأولى من الفجر، بعضها ينفذ بشكل مزدوج بطائرتين مسيَّرتين.

وأظهرت مقاطع فيديو وثَّقها سكان محليون تصاعد أعمدة الدخان من مقتربات القاعدة. وقال أحد المزارعين الذين يسكنون قرب القاعدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «غالبية المسيَّرات تسقط في محيط القاعدة، أو داخلها، قرب السياج الأمني».

وقال مصدر أمني من داخل القاعدة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه خلال الشهر الأول من الحرب سُجلت نحو 10 هجمات، لم تسفر عن أضرار بشرية أو مادية. وأضاف: «لم تتعرض الطائرات إلى أضرار، بما فيها الـ(F-16)».

والقاعدة التي تقع في بلدة زراعية بين مدن بغداد وديالى وصلاح الدين، تمتد على نحو 28 كيلومتراً مربعاً. تحيطها أبراج مراقبة موزعة على سياج أمني بطول 20 كيلومتراً. وحسب المصدر الأمني، فإن «عناصر الأبراج كانوا في بعض الحالات يرون المسيَّرات تقترب من القاعدة بالعين المجردة».

ومع أن أنظمة الدفاع الجوي في القاعدة تمكنت من إحباط هجمات مسيَّرة، فإن ثلاثة موظفين مدنيين أكدوا لـ«الشرق الأوسط» أنه من الصعب اختراق الملاجئ المحصنة للطائرات في حال تمكنت مسيَّرة من الوصول إليها. قال أحدهم: «هناك أكثر من 30 ملجأً محصناً تتوزع بينها (F-16) وطائرات أخرى».

إلا أن حصار الهجمات لم يكن يسمح لموظفي شركة «V2X» الأميركية بالقيام بأعمالهم اليومية المعتادة؛ إذ غيرت أصوات المسيَّرات جداول مهامهم.

ويقول متعاقد مدني مع الشركة لـ«الشرق الأوسط»، إن «الهجمات كانت تنهال من ثلاث جهات. نضطر إلى البقاء داخل غرف محصنة ساعات طويلة. الموظفون الأجانب كانوا يتهامسون بتكرار سيناريو السفارة الأميركية في ليبيا عام 2012 (...) تبدأ هذه الحوادث برشقة صواريخ، ومن ثم اندلاع الحرائق في كل مكان، واليوم لديهم الدافع: الثأر للمرشد الإيراني خامنئي».

يقلل موظفون عراقيون وعناصر أمن داخل القاعدة من مخاوف الأجانب. يقول أحدهم إن «الأمور هادئة داخل القاعدة والأعمال تسير كالمعتاد خلال الحرب».

لكن الجماعات المسلحة خارج القاعدة تندفع نحو كسر الخطوط الحمراء في مناطق متفرقة من البلاد. يقول ضابط عراقي متقاعد كان يعمل في القاعدة قبل سنوات، إن «هذا العنف المتواتر من الفصائل يعكس خطة لفعل شيء ما (...) شيء ما خطير».

صورة شاشة من «غوغل إيرث» توضح موقع قاعدة بلد الجوية شمال العاصمة العراقية بغداد

على أطراف القاعدة الجوية مزارع وقرى تسكنها قبائل عربية مختلطة مذهبياً، لكن في السنوات التي تلت معارك التحرير من تنظيم «داعش» تمركزت ألوية تابعة لفصائل مسلحة تحت غطاء «الحشد الشعبي».

من الصعب التحقق تماماً من مصادر النيران التي تستهدف القاعدة الجوية، لكن مصادر محلية رصدت مسارين تكثفت منهما الهجمات، حزام بغداد الشمالي وأطراف محافظة ديالى.

ومن بين هجمات عدّة، أقرت وزارة الدفاع العراقية في 11 مارس 2026 بأعمال «عدائية متكررة» على القاعدة شُنت بالطائرات المسيَّرة والصواريخ على «مدار الأيام السابقة»، لكنها لم تذكر تفاصيل بشأن عددها والجهات الضالعة فيها.

وتخوض المؤسسات الأمنية التقليدية في العراق، من بينها سلاح الجو، مواجهة صامتة مع الجماعات المسلحة الموالية لإيران، وسط شكوك بأنها تحاول جاهدة استهداف الأصول العسكرية الاستراتيجية في البلاد.

رحلة إجلاء

حاولت الحكومة العراقية إقناع الشركة الأميركية بعدم المغادرة من القاعدة. ويقول المسؤول العراقي إن طاقم «برنامج الدعم اللوجيستي» لطائرات «F-16» أساسي لتشغيل السرب العراقي المقاتل، لكن محاولات إقناعهم لم تفلح.

ويفيد متعاقد مدني يعمل مع الشركة الأميركية، رفض الكشف عن هويته لأنه غير مخول التحدث علناً، بأن «الطرف العراقي لم يكن يدرك تماماً المخاطر الأمنية المتزايدة». وأضاف: «كان من الواضح أنهم يحاولون التقليل من معايير السلامة».

كذلك، يقول المسؤول العراقي: «بالفعل، فشلت محاولات إبقاء الطاقم الأجنبي في القاعدة (...) لقد اختاروا سلامتهم أولاً».

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر متقاطعة، أن «العشرات من أعضاء الطاقم الأجنبي تم إجلاؤهم خلال الليل عبر طائرة الشحن الجوي العسكرية من طراز (C-130) إلى دولة مجاورة بالتنسيق مع الجيش الأميركي».

وتقول مصادر، إن «عمليات معقدة قادت إلى اختيار توقيت رحلة الإجلاء من قاعدة بلد بالتزامن مع هدنة قصيرة في الأسبوع الأخير من شهر مارس 2026».

وكان عدد من المستشارين الذين يعملون لصالح الشركة نفسها قد انسحبوا من مواقعهم أواخر فبراير (شباط) 2026، «بناءً على تقديرات مبكرة بازدياد المخاطر الأمنية قبل اندلاع الحرب».

ولم ترد شركة «V2X» على طلبات للتعليق حول ظروف إجلاء موظفيها من العراق، وفيما إذا كان العقد مع الحكومة العراقية لا يزال سارياً؟ كما رفض متحدث باسم وزارة الدفاع العراقية الرد على اتصالات «الشرق الأوسط».

ويظهر إفصاح في بورصة نيويورك، أن الشركة حصلت في يونيو (حزيران) 2025 على عقد جديد لتقديم خدمات الدعم لبرنامج طائرات «F-16» في العراق، بقيمة أولية تبلغ 118 مليون دولار.

الآن، لا تمتلك قاعدة بلد الجوية فريقاً متخصصاً بتشغيل طائرات الـ«F-16» العراقية، كما أن الحكومة لم تعد تملك الأموال الكافية لصيانتها، وفق المسؤول العراقي.

ويقول المسؤول، لـ«الشرق الأوسط»، إن الخيارات محدودة في ظل الحرب: «لم نكن نملك سوى الضغط على الشركة للبقاء في القاعدة، وهو ما لم يتحقق».

ومع دخول الحرب مع إيران الشهر الثاني، لم يتبقَّ سوى «عدد محدود من الأجانب داخل قاعدة بلد، لكنهم غير معنيين بالطائرات».

هجمات الفصائل العراقية على قاعدة بلد اشتدت أول مرة بعد اغتيال قاسم سليماني في بغداد (أ.ب)

تحوير الطائرة سياسياً

من المرجح أن تتحول «F-16» العراقية «مجرد خردة» في ملاجئ القاعدة بغياب المشغلين الأجانب. يقول العقيد المتقاعد سلام أسعد، وهو خبير عسكري، إنه من «الصعب تشغيلها من دون الخبراء الأميركيين، كما أن الطواقم المحلية ليس لديهم الخبرة لإدارة هذا السلاح الاستراتيجي».

على مدار سنوات كانت «الخصائص العراقية» لهذه الطائرة مثار جدل واسع، لا سيما ما يتعلق بقدراتها التسليحية. وحسب أسعد، فإن «القوات الأميركية كانت قد سحبت الكثير من المنظومات من الـ(F-16) حين سُلِّمت إلى العراقيين، كما لم تُزوَّد بصواريخ بعيدة المدى».

وغالباً ما تقوم الولايات المتحدة بإجراء تعديلات سياسية على أسلحتها وطائراتها، مثل «F-16»، لأسباب منها موازنة القوة بين الدول في الشرق الأوسط. وفي العراق، لا تتوافر في الطائرة القدرة على إطلاق صواريخ بعيدة المدى.

ويقول العقيد أسعد، إنه حتى خلال سنوات الحرب ضد تنظيم «داعش» كانت الطائرة «لا بد أن تكون مرافقة لطائرة أخرى من التحالف الدولي، الذي كان يقوم بتوجيه الطائرات العراقية لإصابة الأهداف».

وخلال العامين الماضيين، كانت القيادة الأميركية المركزية (سينتكوم) تقول إن القوات الجوية العراقية بدأت في تحقيق درجات أعلى من الاستقلالية في الصيانة، بالتزامن مع نجاح العراقيين في إدارة عمليات قتالية مستقلة في أجوائهم.

مع مرور نحو عشر سنوات على دخول «F-16» الخدمة الفعلية في العراق، تبيَّن أن الطريقة التي صممت فيها الولايات المتحدة برامج الطائرة وقدراتها، والجهود المستميتة للفصائل من نخر منشآت سلاح الجو، قد تضافرت في النهاية على تجريد العراق من ميزات هذا السلاح.

يرى ميزر كمال، وهو صحافي استقصائي يتعقب منذ شهور ما يقول إنها «محاولات الميليشيات لاختراق قاعدة بلد»، أن قاعدة بلد مثال صارخ على الاحتكاك الخطير بين المؤسسة والجماعات المنفلتة للسيطرة على أهم أصول العراق العسكرية الاستراتيجية.

ويقول كمال: «في 19 مايو (أيار) 2017، طلبت لجنة الرقابة في مجلس النواب الأميركي من شركة (سالي بورت)، التي كانت تشغّل القاعدة، وسرب طائرات (F-16) العراقية، تزويدها بكل الوثائق والمراسلات المتعلقة باختراق القاعدة من قِبل جماعة شيعية مسلحة».

ووردت تلك الطلبات في وثيقة استندت إلى مزاعم عن «عمليات سرقة معدات وتهريب وتجارة غير مشروعة إلى جانب تلاعب بسجلات الدوام أو الاحتيال في الجداول الزمنية».

وتنطلق وثيقة مجلس النواب الأميركي من تحقيق داخلي أجراه محققان يُدعيان روبرت كول وكريستي كينغ، من داخل قاعدة بلد عام 2017، كشفا فيه عن أن «الميليشيا» لم تحقق خرقاً واحداً فقط، بل تمكنت من زرع بيئة أمنية حول القاعدة».

اليوم، تبدو الهجمات المسيَّرة التي تشنها الفصائل المسلحة على قاعدة بلد الجوية شبيهة بمن يحرق مسرح جريمة كان يرتاده بشكل يومي. ويقول الصحافي ميزر كمال، إن «الصراع دائماً يدور حول مَن يسيطر فعلياً على الأصول العسكرية في العراق».

طائرة شحن عسكرية تعرَّضت للتدمير في قاعدة الشهيد محمد علاء الجوية (وزارة الدفاع)

ما الخطة؟

جاءت هجمات الفصائل على قاعدة بلد في سياق أوسع. فمنذ مطلع مارس 2026 شملت خريطة المسيَّرات المفخخة منشآت أميركية وأخرى عراقية.

ويعتقد أن الهجمات جزء من خطة إيرانية لإفراغ العراق من الوجود الأميركي. وقال مصدر مقرب من الفصائل، إنه «مع بداية الحرب كنا نعتقد أن الهدف من الهجمات الضغط على الأميركيين وإجبارهم على التفاوض مع إيران»، وتابع: «خرج الأميركيون ولم يظهروا تمسكاً بوجودهم في تلك المنشآت؛ الأمر الذي دفع إلى توسيع الأهداف».

حسب المصدر، فإن «الحرس الثوري» الإيراني كان يحرص على عزل خصومه الأميركيين وحلفائهم عن طائرات «F-16» لتبقى تحت أنظار الجماعات الموالية له، بل يريد منع أي طرف «معادٍ» من استخدامها خلال الحرب.

إلا أن مسؤولاً عراقياً سابقاً كان على صلة مباشرة بمفاوضات شراء الطائرات الأميركية يقول إن الجماعات الشيعية الموالية لإيران كانت تبدي حماسة كبيرة في معرفة كل شيء يتعلق بما كان يعد تاج الطيران العسكري في المنطقة.

ويقول المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، إن «امتلاك العراق هذه الطائرات لم يكن حدثاً عادياً لتلك الجماعات؛ ما يعني أن إيران لم تكن مرتاحة أيضاً لوجودها ضمن أسطول الجو الوطني، على الأغلب لأنها تشكل تهديداً لنفوذها».

وكان هناك صراع خفي بين الجهات السياسية المتنفذة في العراق حول معرفة تفاصيل الطائرة والجهات التي يمكنها تشغيلها، وغالباً ما كان الأميركيون يحتكرون جزءاً كبيراً من قرارات التحليق والاستهداف، كما فهمت «الشرق الأوسط» من أجواء أميركية.

مع ذلك، يقول ضباط عراقيون، إن المؤسسة العسكرية العراقية ورغم وقوعها بين خصمين يتصارعان على النفوذ، فإنها لا تزال «تكافح للمحافظة على أصولها وعلى سرية المعلومات المرتبطة الأمن القومي».

طائرات عسكرية خلال عرض جوي في قاعدة بلد أبريل 2024 (أ.ف.ب)

«سيناريو القيامة»

يقول المسؤول العراقي، إن «معركة ضروس اشتدت في السنوات الماضية حول معلومات الطائرة بين الإيرانيين والأميركيين؛ إذ مضت جماعات مسلحة في محاولات متكررة للتلصص على كل ما يتعلق بأنظمة هذه الطائرات».

وتفيد شخصيات من داخل تحالف «الإطار التنسيقي»، لديها استياء من جماعات شيعية أصولية، بأن هناك مخاوف جدية من «انقلاب على ما تبقى من الدولة».

وقال أحدهم، إن «ما إن تنتهي الحرب مع إيران، تتجهز الفصائل المسلحة لسيناريو (القيامة)، باحتكار كل الأصول العسكرية التابعة للدولة، ومن خلفهم دعم سياسي وحكومي بتمثيل نيابي واسع، وحضور قوي في المؤسسات الرسمية».

وكانت «الشرق الأوسط» قد كشفت عن خطة وضعتها قيادات في «الحرس الثوري» الإيراني لـ«معركة أخيرة»، تتضمن «إجراء تغييرات حادة على النظام السياسي والأمني في العراق، باتجاه إلغاء قواعد الاشتباك مع اللاعبين الدوليين، وتأميم ما تبقى من المواقع الأمنية التي لم يشغلها بعد أشخاص موالون لإيران».

ولاحقاً، في 30 مارس 2026، صرح قائد «فيلق القدس» الذراع الخارجية في «الحرس الثوري» إسماعيل قاآني، بأن «غرفة العمليات الحربية للمقاومة أسهمت في نظام جديد بالمنطقة».

ويتفق المسؤول العراقي السابق مع أن «محاولات سابقة من هذه الجماعات المسلحة كانت قد باءت بالفشل، لكن يمكن النظر إليها اليوم بوصفها تمريناً طويلاً، وقد حان الوقت لاستغلال دروسه في الحرب، مع انكشاف الساحة العراقية أمام الإيرانيين».


اغتيالات مدعومة بالذكاء الاصطناعي... كيف تمكنت إسرائيل من استهداف قادة إيران؟

لافتة تكريمية في شارع بطهران للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ولقادة آخرين قتلوا في بداية الحرب (رويترز)
لافتة تكريمية في شارع بطهران للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ولقادة آخرين قتلوا في بداية الحرب (رويترز)
TT

اغتيالات مدعومة بالذكاء الاصطناعي... كيف تمكنت إسرائيل من استهداف قادة إيران؟

لافتة تكريمية في شارع بطهران للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ولقادة آخرين قتلوا في بداية الحرب (رويترز)
لافتة تكريمية في شارع بطهران للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ولقادة آخرين قتلوا في بداية الحرب (رويترز)

بينما اجتمع القادة العسكريون الأميركيون والإسرائيليون لوضع خطة الحرب مع إيران، تداولوا كيفية تقسيم المسؤولية عن مجموعة من الأهداف، بما في ذلك بطاريات الصواريخ والقواعد العسكرية والمواقع النووية.

وحسب صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، فمن الواضح أن القادة اتفقوا على تولي إسرائيل مهمة ملاحقة قادة إيران وقتلهم، التي رأوا أنها «مهمة شاقة».

لكن يبدو أن إسرائيل نفّذت هذه المهمة بكفاءةٍ، حيث قتلت المرشد الإيراني علي خامنئي في الهجوم الأول للحرب، وأكثر من 250 مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى منذ ذلك الحين، وفقاً لإحصاءات الجيش الإسرائيلي.

وجاءت الضربة الأخيرة يوم الخميس عندما أعلنت إسرائيل مقتل علي رضا تنغسيري، قائد القوات البحرية لـ«الحرس الثوري» الإيراني.

لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

منظومة اغتيال مطوّرة بالذكاء الاصطناعي

تعتمد حملة الاغتيالات الإسرائيلية على منظومة اغتيالات أمضت إسرائيل عقوداً في بنائها، لكنها طورتها خلال السنوات القليلة الماضية لتصل إلى مستويات جديدة من «الكفاءة الفتاكة»، وفقاً لمسؤولين عسكريين واستخباراتيين إسرائيليين رفيعي المستوى.

وتتضمّن المنظومة مصادر وقدرات مراقبة داخل إيران، تشمل عناصر من داخل النظام تم تجنيدهم للتجسس لصالح إسرائيل، بالإضافة إلى اختراقات إلكترونية لآلاف الأهداف، بما في ذلك كاميرات الشوارع ومنصات الدفع، وأيضاً مراكز الإنترنت الحيوية التي تتحكم الحكومة من خلالها في الاتصالات، وتستطيع عن طريقها حجب الإنترنت عن مواطنيها عند الحاجة.

ويجري تحليل هذه البيانات وغيرها بواسطة ما وصفه مسؤولون إسرائيليون بمنصة ذكاء اصطناعي جديدة سرية، مُبرمجة لاستخلاص معلومات حول حياة القادة وتحركاتهم.

وأوضح مدير أبحاث إيران في معهد الدراسات الأمنية القومية، راز زمّيت، للصحيفة أن «التقدم في الذكاء الاصطناعي منح إسرائيل طريقة للاستفادة من بيانات كانت متاحة دائماً، لكنها كانت مستحيلة المعالجة سابقاً».

مخاوف من تحول الاغتيالات إلى استراتيجية مستمرة

يثير خبراء أمنيون مخاوف من أن إتقان إسرائيل المتزايد لعمليات الاغتيال المستهدف قد يخلق اعتماداً مفرطاً على هذه الطريقة، ويؤدي إلى توسيع نطاق الأشخاص الذين يمكن استهدافهم.

وقال خبير السياسة النووية والأمنية الإسرائيلية في معهد «كارنيغي» للسلام الدولي، أرييل ليفيت: «لقد تم تجاوز الحد بتحويل هذه الاغتيالات إلى استراتيجية دائمة بدل أن تكون ضرورة عملياتية عرضية».

وأشار ليفيت إلى أن توزيع المهام في الحرب الحالية يعطي الانطباع بأن «الولايات المتحدة اعتمدت على إسرائيل للقيام بالأعمال القذرة في الحرب»، مضيفاً أن الموقف الأميركي يبدو وكأنه «لا نستطيع قتلهم، لكن سنكون سعداء جداً إذا فعلتم أنتم ذلك».

وقال مسؤول أميركي مطلع على عمليات الحملة إن مسؤولية إسرائيل عن اغتيالات القادة تعكس ترتيباً عملياً بين الطرفين، مضيفاً: «نعمل معاً، لكن لكل طرف أهدافه الخاصة». وأوضح المسؤولون أن هذا التقسيم يعكس قدرات كل طرف وليس أي مانع قانوني، مشيرين إلى أن الولايات المتحدة نفذت في السابق عمليات اغتيال مستهدفة بنفسها، بما في ذلك قتل الجنرال قاسم سليماني القائد السابق لـ«فيلق القدس» عام 2020.

ومن جهته، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضربات التي استهدفت قادة إيران بأنها عمل مشترك. وقال للصحافيين الأسبوع الماضي: «قتلنا جميع قادتهم، ثم اجتمعوا لاختيار قادة جدد، فقتلناهم جميعاً». وأكد أن هدف تغيير النظام قد تحقق، لأن «القادة الحاليين مختلفون تماماً عن أولئك الذين بدأنا معهم».

خبرات إسرائيل السابقة

استفادت إسرائيل من خبرتها السابقة في غزة ولبنان وإيران، مستخدمة طائرات مسيرة وصواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت وحتى عبوات تم زرعها مسبقاً للتفجير لاحقاً.

وقال مسؤول إسرائيلي: «منذ سنوات، كل شيء يمكن اختراقه حاولنا اختراقه، من المكالمات الهاتفية إلى كاميرات المرور إلى أنظمة الأمن الداخلية».

لكن على الرغم من دقة المعلومات الإسرائيلية، فإن بعض الضربات لم تحقق أهدافها بالكامل. ففي مارس (آذار)، قُصف مقر مجلس خبراء إيران في قم في حين كان أعضاؤه يعقدون اجتماعهم عبر الإنترنت، فلم يصب أحد بأذى.

ويقول خبراء إن إيران بدأت اتخاذ إجراءات أكثر صرامة للتصدي للاختراقات التي تتعرض لها، مثل الحد من استخدام الهواتف من قِبل الحراس الأمنيين، وهو ما يمثل تحدياً مؤقتاً للاستخبارات الإسرائيلية.

Your Premium trial has ended


منظمة حقوقية: تجنيد «الحرس الثوري» أطفالاً يرقى إلى جريمة حرب

تدريبات لطلبة ينظمها جهاز «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» (أرشيفية - تسنيم)
تدريبات لطلبة ينظمها جهاز «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» (أرشيفية - تسنيم)
TT

منظمة حقوقية: تجنيد «الحرس الثوري» أطفالاً يرقى إلى جريمة حرب

تدريبات لطلبة ينظمها جهاز «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» (أرشيفية - تسنيم)
تدريبات لطلبة ينظمها جهاز «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» (أرشيفية - تسنيم)

قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إن «الحرس الثوري» الإيراني صعّد تجنيد الأطفال ضمن حملة تعبئة داخلية، محذرةً من أن إشراك من هم في سن 12 عاماً في أنشطة عسكرية أو شبه عسكرية يمثل انتهاكاً جسيماً لحقوق الطفل، ويُعد جريمة حرب عندما يكون الأطفال دون الخامسة عشرة.

وأضافت المنظمة، في تقرير جديد، أن حملة تحمل اسم «المدافعون عن الوطن من أجل إيران» خفضت الحد الأدنى لسن التجنيد إلى 12 عاماً، في وقت تتعرض فيه إيران لهجمات أميركية وإسرائيلية واسعة. وقالت إن وجود الأطفال في منشآت أو مهام ذات طابع عسكري يُعرِّضهم مباشرةً لخطر القتل والإصابة.

ونقلت المنظمة عن بيل فان إسفلد، المدير المشارك لقسم حقوق الطفل فيها، قوله إنه «لا يوجد أي مبرر لحملة تجنيد عسكرية تستهدف تسجيل الأطفال، ناهيك بالأطفال في عمر 12 عاماً». وأضاف أن السلطات الإيرانية «تبدو مستعدة للمخاطرة بحياة الأطفال من أجل الحصول على قوى عاملة إضافية».

وحسب التقرير، أعلن رحيم نادعلي، المسؤول في «فرقة محمد رسول الله 27» التابعة لـ«الحرس الثوري» في طهران، في 26 مارس (آذار)، أن الحملة مفتوحة أمام المدنيين ابتداءً من سن 12 عاماً. وقال إن المتقدمين يمكنهم التسجيل في مساجد طهران التي تضم قواعد لـ«الباسيج» الخاضعة لقيادة «الحرس الثوري».

رجل أمن يقف فوق سيارة في طهران (أ.ب)

وذكرت المنظمة أن الحملة لا تقتصر على المهام الخدمية، بل تشمل أيضاً أدواراً أمنية وميدانية. وقالت إن المتطوعين قد يشاركون في الطهي، والرعاية الطبية، وتوزيع المواد، والتعامل مع المنازل المتضررة، إضافةً إلى تشغيل نقاط التفتيش، والدوريات العملياتية، ودوريات الاستطلاع، ومرافقة قوافل المركبات.

وأورد التقرير أن نادعلي قال في مقابلة تلفزيونية إن «المراهقين والشباب» يطلبون المشاركة في «الدوريات الاستخبارية والعملياتية»، وكذلك في حواجز «الباسيج» المنتشرة في المدن. وأضاف أن كثرة الطلب من «الأطفال في سن 12 و13 عاماً» دفعت إلى تثبيت هذا العمر حداً أدنى للانضمام.

وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن الملصق الدعائي للحملة، الذي نشرته وكالة أنباء إيرانية، يُظهر طفلين، صبياً وفتاة، إلى جانب شخصين بالغين، أحدهما يرتدي زياً عسكرياً، فيما عدّته المنظمة مؤشراً إضافياً إلى أن الحملة تستهدف القُصّر بشكل صريح.

يأتي ذلك في وقت تحدثت فيه تقارير أخرى عن استعدادات داخلية إيرانية لاحتمال اتساع الحرب، من بينها إطلاق حملة لتجنيد «فدائيين» متطوعين عبر رسائل نصية وُجِّهت إلى مشتركي الهواتف المحمولة، جاء فيها أن «حملة الفدائيين الوطنية» أُطلقت «لإعلان الاستعداد للدفاع عن أراضي البلاد». كما رفعت السلطات درجات التأهب عبر توسيع التفتيش وانتشار قوات أمن ملثمة في عدة مدن.

والاثنين، أفادت المنظمتان الحقوقيتان «هنجاو» و«هرانا» بمقتل علي رضا جعفري، وهو تلميذ في الصف الخامس، في 29 مارس 2026 عند نقطة تفتيش في طهران، خلال هجوم بطائرة مسيرة إسرائيلية.

وقالت والدة الطفل، البالغ 11 عاماً، إن والده اصطحبه إلى نقطة التفتيش بسبب نقص في العناصر. وأضافت أن الأب كان موجوداً في الموقع عند وقوع الهجوم، وأنه أُصيب خلاله. وأكد «باسيج المعلمين» وفاة الطفل في أثناء وجوده في نقطة التفتيش.

وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن الأطفال في إيران تعرضوا بالفعل لهجمات غير قانونية خلال الحرب. وذكرت أنها خلصت إلى أن الهجوم الذي استهدف مدرسة ابتدائية في ميناب في 28 فبراير (شباط)، وأدى إلى مقتل عشرات التلاميذ ومدنيين آخرين، ينبغي التحقيق فيه بوصفه جريمة حرب. وأضافت أن تقريراً عسكرياً أميركياً أولياً نسب المسؤولية عن الهجوم إلى الولايات المتحدة.

عناصر جهاز «الباسيج» يقفون عند نقطة تفتيش في طهران الاثنين (أ.ب)

وأشار التقرير إلى أن تجنيد الأطفال في إيران ليس جديداً. وقالت المنظمة إن السلطات جنَّدت لسنوات أطفالاً دون 18 عاماً في جهاز «الباسيج»، كما أرسل «الحرس الثوري» أطفالاً مهاجرين أفغاناً يعيشون في إيران للقتال في سوريا دعماً لحكومة بشار الأسد. وأضافت أنها وثقت سابقاً مقتل فتيان لا تتجاوز أعمار بعضهم 14 عاماً في تلك المعارك.

كما ذكّرت المنظمة بأن مسؤولين إيرانيين أقروا بأن السلطات جندت في الثمانينات مئات آلاف الأطفال للقتال في الحرب العراقية - الإيرانية، وقُتل عشرات الآلاف منهم. وقالت إن هذه السوابق تجعل الحملة الحالية أكثر إثارةً للقلق، خصوصاً مع اتساع العمليات العسكرية داخل إيران.

وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن القوانين الإيرانية، وكذلك التزامات إيران الدولية، لا تبرر هذا المسار. وأشارت إلى أن «اتفاقية حقوق الطفل» تحظر تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة، فيما ينص البروتوكول الاختياري الملحق بها على أن 18 عاماً هو الحد الأدنى للمشاركة المباشرة في الأعمال العدائية، رغم أن إيران وقَّعت عليه ولم تصدق عليه.

وقال إسفلد إن المسؤولين الضالعين في هذه السياسة «يُعرضون الأطفال لخطر أذى جسيم لا يمكن إصلاحه، ويُعرِّضون أنفسهم لخطر المسؤولية الجنائية»، مضيفاً أن القادة الذين لا يوقفون هذه الممارسة «لا يمكنهم الادعاء أنهم يكترثون لأطفال إيران».

Your Premium trial has ended