إيران: الوكالة الذرية لا تملك حق تفتيش مواقع تعرضت لهجمات

غروسي طالب بالوصول إلى منشآت التخصيب

صورة نشرتها المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية من لقاء رئيسها محمد إسلامي ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في طهران منتصف الشهر الماضي
صورة نشرتها المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية من لقاء رئيسها محمد إسلامي ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في طهران منتصف الشهر الماضي
TT

إيران: الوكالة الذرية لا تملك حق تفتيش مواقع تعرضت لهجمات

صورة نشرتها المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية من لقاء رئيسها محمد إسلامي ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في طهران منتصف الشهر الماضي
صورة نشرتها المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية من لقاء رئيسها محمد إسلامي ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في طهران منتصف الشهر الماضي

قالت طهران إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية «لا يحق لها المطالبة بتفتيش المراكز النووية التي تعرضت لهجمات عسكرية»، مشددة على ضرورة وجود «بروتوكولات واضحة» تتيح مثل هذا التفتيش قبل السماح به.

وجدد رئيس الوكالة التابعة للأمم المتحدة، رافائيل غروسي، في الأيام الأخيرة ضغوطه على طهران للوصول إلى ثلاث منشآت رئيسية لتخصيب اليورانيوم، طالتها ضربات إسرائيلية وأميركية في يونيو (حزيران).

وشنَّت إسرائيل في 13 يونيو هجوماً غير مسبوق على منشآت استراتيجية في إيران، ما أسفر عن مقتل عشرات من قادة «الحرس الثوري»، الجهاز الموازي للجيش النظامي، إضافة إلى مسؤولين وعلماء في البرنامج النووي الإيراني. وأشعلت تلك الضربات حرباً استمرت 12 يوماً بين البلدين، شاركت خلالها الولايات المتحدة بقصف 3 مواقع نووية داخل إيران.

وعقب الهجمات، علقت إيران تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وقيدت وصول مفتشيها إلى المواقع التي استهدفتها الضربات، منتقدةً امتناع الوكالة عن إدانة تلك الهجمات. كما ربط قانون أقره البرلمان الإيراني في يوليو (تموز) دخول المفتشين بالحصول على موافقات من مجلس الأمن القومي، الذي تطلبت قراراته مصادقة المرشد علي خامنئي.

وأفاد غروسي في مقابلة مع وكالة «ريا نوفوستي» الروسية، ونشرت اليوم (الاثنين)، بأن «الوكالة الذرية» عادت إلى تنفيذ عمليات تفتيش في إيران، لكن دون التمكن من الوصول إلى المنشآت النووية الرئيسية.

وأوضح غروسي، تعليقاً على ما إذا كان قد تحقق أي تقدم عملي في استئناف عمليات التفتيش بعد الضربات التي استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو، ومتى سيتمكن خبراء الوكالة من استعادة الوصول إلى مواقع نطنز وأصفهان وفوردو، أن «هذا هو السؤال الأهم الذي نواجهه حالياً في إيران».

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر حُفَراً في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم عقب الضربات الأميركية (رويترز)

وأضاف أن الوكالة تمكنت من استعادة واستئناف أنشطة التفتيش، لكنها لا تزال «محدودة للغاية»، مشيراً إلى أن فرق الوكالة «مسموح لها فقط بدخول المواقع التي لم تتعرض لهجمات». وقال: «هذا أمر إيجابي من حيث إن هذه المواقع مدرجة ضمن القائمة المتفق عليها للتفتيش، وهو أمر مهم بالنسبة لنا، لكن بطبيعة الحال فإن المواقع الثلاثة الأخرى في نطنز وأصفهان وفوردو أكثر أهمية؛ إذ لا تزال تحتوي على كميات كبيرة من المواد والمعدات النووية، ونحن بحاجة إلى العودة إليها».

ولفت غروسي إلى أن الوكالة تجري حواراً منتظماً مع إيران، غير أن مستوى التعاون لا يزال محدوداً. وأضاف: «بدأنا حواراً مع إيران. أنا على اتصال منتظم جداً بوزير الخارجية ومسؤولين آخرين، لكن مستوى التعاون يبقى محدوداً. هذه هي الحالة الراهنة».

وفي تصريحات مماثلة، قال غروسي لراديو فرنسا الدولي «آر إف آي»، الأثنين، إن «الاتصال مع إيران لا يزال قائماً. لم نتمكن حتى الآن من استعادة التعاون إلى المستوى المطلوب، لكنني أعتقد أن ذلك بالغ الأهمية».

ونوه أن الحوار مستمر عبر «مفاوضات خلف الكواليس واتصالات سرية»، مشيراً إلى أنه «لا ينبغي أن ننسى أنه حتى لو تعرضت البنية التحتية المادية لإيران، ولا سيما في منشآت أصفهان ونطنز وفوردو، لأضرار جسيمة، فإن المواد النووية لا تزال موجودة». وتابع: «نحن نتحدث عن نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المائة، وهو ما يظل مصدر قلق كبير».

في طهران، وجه رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، محمد إسلامي، انتقادات لمطالب غروسي، وقال في تصريحات للصحافيين، إن إيران منحت الإذن بتفتيش المواقع التي لم تتعرض لأي اعتداء، «لكن الإشكال يتركز في المراكز التي تعرضت لهجوم عسكري؛ إذ لا بد من وجود بروتوكول محدد للتعامل مع هذه الحالات»، حسبما أوردت وكالة «إيسنا» الحكومية.

وصرح إسلامي: «الوكالة التي لم تُدِن هذه الهجمات، ولا تمتلك تعليمات أو إرشادات للتعامل مع مثل هذه الظروف، لا يحق لها الادعاء بإجراء تفتيش». وتابع أن «الضغوط التي تمارسها ثلاث دول أوروبية (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل لا تهمنا، ولن يكون لها تأثير».

وشدد إسلامي على أن غروسي «مطالب بتقديم إجابات للمجتمع الدولي؛ لأن مثل هذه الهجمات قد تطول أي دولة»، مشيراً إلى أن «المنشآت النووية الإيرانية كانت خاضعة لإشراف الوكالة، وعلى الوكالة أن توضح لماذا لم تُدِن الهجمات، وما هي البروتوكولات أو التعليمات التي تعتمدها في حال تعرض مواقع نووية لهجوم عسكري».

بدوره، قال المتحدث باسم «الذرية الإيرانية»، بهروز كمالوندي، إن عمليات التفتيش التي أجرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد الهجمات العسكرية تمت بموافقة المجلس الأعلى للأمن القومي، واقتصرت على الأجزاء من المواقع النووية التي لم تتعرض للهجوم.

ولفت كمالوندي إلى أن جميع عمليات التفتيش التي نفذتها الوكالة خلال الأشهر الأخيرة جرت بإذن من المجلس الأعلى للأمن القومي ووفقاً للقانون الذي أقره البرلمان الإيراني.

وأضاف أن هذه التفتيشات شملت فقط القطاعات من الصناعة النووية التي لم تتضرر، مشيراً إلى أن تفتيش المواقع التي تعرضت لهجمات عسكرية يتطلب مساراً منفصلاً، نظراً لعدم وجود بروتوكولات أو ترتيبات خاصة بحالات الحرب في اتفاق الضمانات. وأكد أن إيران أبلغت الوكالة بذلك مراراً، وأنه ينبغي إعداد اتفاق منفصل لتفتيش هذه المواقع.

وشدد كمالوندي على أنه في ظل تعرض البلاد ومنشآتها لهجمات، من الطبيعي أن تكون الاعتبارات الأمنية في مقدمة الأولويات، مؤكداً أن ممارسة الضغوط للإسراع في منح الوصول «لن تؤدي إلى نتيجة».

ونبه إلى أن أمن البلاد والمنشآت النووية يفرض التعامل مع هذا الملف «بحسابات دقيقة، ووفق القانون، وبعد التأكد من عدم وجود أي خطر يهدد المنشآت النووية».

في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي، اتفقت إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية بوساطة مصرية على إطار عمل جديد للتعاون، غير أن طهران أعلنت لاحقاً اعتباره مُلغى بعد أن فعلت بريطانيا وفرنسا وألمانيا مسار إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة التي رفعت بموجب الاتفاق النووي لعام 2015.

عراقجي خلال إفادة حول المفاوضات النووية يتوسط رئيس لجنة الأمن القومي النائب إبراهيم عزيزي والمتحدث باسم اللجنة النائب إبراهيم رضائي (أرشيفية - موقع البرلمان الإيراني)

وخلال الأسابيع التالية، أجرى وزير الخارجية المصري، اتصالات مع نظيره الإيراني ومدير الوكالة الذرية في محاولة لإحياء «تفاهم القاهرة» واحتواء التوتر، لكن إيران أعلنت رسمياً طي هذا المسار رداً على قرار مجلس محافظي الوكالة في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) الذي دعاها إلى التعاون مع المفتشين الدوليين.

وسبق ذلك تأكيد مسؤولين إيرانيين انتهاء الاتفاق، فيما أبدت طهران استعدادها قبل قرار المجلس لبحث وساطة صينية - روسية بهدف استئناف التعاون مع الوكالة الذرية.

وقبل الهجمات على منشآتها النووية، كانت إيران تخصّب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة، القريبة من مستوى الاستخدام العسكري، وذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن طهران كانت تمتلك نحو 441 كيلوغراماً من هذه المادة عند اندلاع الحرب، قبل أن يتعذر عليها التحقق من المخزون منذ 13 يونيو.

وتؤكد الدول الغربية عدم وجود حاجة مدنية لهذا المستوى من التخصيب، فيما تقول «الوكالة الذرية» إن إيران هي الدولة الوحيدة غير الحائزة سلاحاً نووياً التي تخصب اليورانيوم عند نسبة 60 في المائة.

وكان مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد اعتمد، في 20 نوفمبر، قراراً يطالب إيران بإبلاغ الوكالة دون تأخير بوضع مخزونات اليورانيوم المخصب والمنشآت النووية التي تعرضت للقصف. وقالت طهران إنه يمثل «إجراءً غير قانوني وغير مبرر».

وقال عراقجي، في مقابلة الشهر الماضي، إن تفتيش المواقع التي تعرضت للهجوم في يونيو يتطلب «نهجاً جديداً».

وفي أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، قال غروسي إن إيران لا تبدو منخرطة حالياً في تخصيب نشط، لكنه أشار إلى رصد تحركات متجددة في مواقع نووية، وسط تقارير غربية عن تسريع أعمال بناء في منشأة تحت الأرض قرب نطنز.


مقالات ذات صلة

الرئيس الإيراني: بلادنا ليست لديها «أي خلافات» مع جيراننا

شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)

الرئيس الإيراني: بلادنا ليست لديها «أي خلافات» مع جيراننا

قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، على وسائل التواصل الاجتماعي اليوم السبت، إن «المستفيد الوحيد من خلافاتنا هو الكيان الصهيوني» في إشارة إلى إسرائيل. وأضاف أن…

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز الذي تغلقه إيران (رويترز)

حرب «هرمز» تتصاعد... وخطط أميركية للسيطرة على «خرج»

برزت جزيرة خرج بوصفها محوراً مركزياً في التفكير العسكري الأميركي، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنه بدأ موجة من الضربات ضد البنية التحتية للنظام الإيراني في طهران.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
شؤون إقليمية مجندة إسرائيلية من الوحدة السيبرانية (الجيش الإسرائيلي)

اتهام ضابط إسرائيلي في «القبة الحديدية» بالتجسس لإيران

أعلنت الشرطة الإسرائيلية وجهاز «الشاباك»، الجمعة، توجيه اتهام إلى ضابط يخدم في منظومة «القبة الحديدية»، بالتجسس ونقل معلومات «أمنية» حساسة إلى جهات إيرانية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية ترمب ونتنياهو في صورة ترجع إلى لقاء بينهما في منتجع مارالاغو بفلوريدا ديسمبر الماضي (أ.ب)

خلافات بين ترمب ونتنياهو حول أهداف حرب إيران

أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختلافاً واضحاً عما يبتغيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أهداف للحرب ضد إيران، التي دخلت أسبوعها الرابع.

علي بردى (واشنطن)
تحليل إخباري سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز الذي تغلقه إيران (رويترز)

تحليل إخباري هل يتجه ترمب إلى خنق إيران عند «هرمز» أم إلى صفقة بالقوة؟

في اللحظة التي طلبت فيها وزارة الدفاع الأميركية تمويلاً إضافياً بنحو 200 مليار دولار، كان الرئيس دونالد ترمب يحاول في الوقت نفسه إرسال رسالتين متناقضتين.

إيلي يوسف (واشنطن)

قراءة فرنسية في نتائج وساطتها: زمن التفاوض لم يحن بعد

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
TT

قراءة فرنسية في نتائج وساطتها: زمن التفاوض لم يحن بعد

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)

تعترف المصادر الفرنسية بأن الزيارة السريعة التي أجراها وزير الخارجية، جان نويل بارو، إلى لبنان وإسرائيل، لم تسفر عن نتائج مباشرة. غير أن ذلك لا يعني أنها لم تكن «مفيدة». فالساعات القليلة التي أمضاها بارو في البلدين وفرت له الفرصة لتوجيه مجموعة من الرسائل للسلطات اللبنانية والإسرائيلية خصوصاً أنه ذهب إلى المنطقة للترويج لخطة غرضها دفع الطرفين، رغم الحرب القائمة بين «حزب الله» وإسرائيل، للجلوس إلى طاولة المفاوضات المباشرة، وهو المبدأ الذي قبله الجانب اللبناني وكان يطالب به الجانب الإسرائيلي منذ شهور.

الوزير بارو يصافح نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر قبل اجتماعهما الجمعة (رويترز)

وفي هذا الخصوص، تقول مصادر دبلوماسية فرنسية إن هناك «مساحة لإطلاق محادثات غير مسبوقة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية»، مضيفة أن بارو أوصل رسالة إلى الجانب الإسرائيلي مفادها بأن هناك «فرصة تاريخية يتعين اقتناصها والسير بها من أجل تسوية دائمة... يفترض بها أن تؤسس إطاراً جديداً للعلاقات اللبنانية - الإسرائيلية، وأن تتيح وضع حد لحالة الحرب القائمة بينهما منذ عام 1949». وهذا الهدف منصوص عليه في «الورقة» الفرنسية التي تطمح أيضاً إلى «ترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل وتعبيد الطريق من أجل سلام وأمن ينعم بهما الطرفان».

وبالطبع، وفرت الزيارة للوزير الفرنسي الفرصة ليعيد تأكيد استعداد باريس لتقديم المساعدة؛ بما فيها اللوجيستية عن طريق استضافة المفاوضات. ويبدو أن الزيارة كسرت الجليد بين باريس وتل أبيب؛ مما تؤشر إليه اللهجة الفرنسية «المعتدلة» إزاء إسرائيل.

وجود مساحة للتفاوض ولكن...

بيد أن «مساحة المفاوضات» التي تراها باريس لا يبدو أن الطريق إليها سالكة؛ أقله في الوقت الحاضر، ومن غير حدوث تطورات تتيح الوصول إليها. ففرنسا نفسها، وفق تحليل مصادرها، تعرف أن «إسرائيل لا تريد المفاوضات اليوم»، وأن ثمة «عوائق» من الجانبين اللبناني والإسرائيلي... فـ«حزب الله» يربط بين الحرب التي يخوضها مع إسرائيل، وحرب إسرائيل وإيران. وفي الجانب الآخر، ترفض إسرائيل قبول وقف أحادي لإطلاق النار وترفض أن يكون شرطاً لخوض غمار المحادثات المباشرة.

وبكلام آخر، فإن إسرائيل تريد استنساخ ما حدث في غزة لجهة «التفاوض تحت النار»، وهو ما أشار إليه ميشال عيسى، السفير الأميركي لدى لبنان الجمعة. وخلاصة باريس أن «زمن التفاوض لم يحن بعد». ورداً على سؤال: متى يمكن أن يحين؟ فإن الطرف الفرنسي يربطه بالتطورات الخاصة بتنفيذ القرارات «الشجاعة» التي أقرتها السلطات اللبنانية بالنسبة إلى «حزب الله»، في إشارة واضحة إلى نزع سلاحه وحصره في قوى الدولة الشرعية. في المقابل، وبانتظار تطورات لن تأتي قريباً، فإن باريس تريد من إسرائيل أمراً رئيسياً؛ هو الامتناع عن اجتياح أرضي واسع النطاق لجنوب لبنان.

تسوّق فرنسا، في هذا السياق، لمجموعة من الحجج؛ لعل أقواها أن اجتياحاً يعقبه احتلال لمساحات من الأراضي اللبنانية يعدّ خطأً كبيراً. وأول نتائجه أنه يوفر لـ«حزب الله» شرعية جديدة تحت عنوان «مقاومة الاحتلال وتحرير الأراضي» ستساعده على استعادة كل شعبيته داخل بيئته. فضلاً عن ذلك، فإن عملية عسكرية كبرى ستترتب عليها نتائج إنسانية كارثية؛ وهي واقعة فعلياً قبل أن تنطلق عملية كهذه؛ بالنظر إلى أعداد الضحايا والنازحين والدمار. وخلاصة باريس أن إسرائيل سوف ترتكب «خطأً استراتيجياً» في حال حدثه، وأن تجاربها الاحتلالية في لبنان منذ سبعينات القرن الماضي وحتى اليوم يجب أن تمنعها من تكرار أخطاء الماضي. وأحد العناصر التي ركز عليها بارو في لقائه جدعون ساعر، وزير الخارجية الإسرائيلي، تأكيده أن النجاحات التكتيكية العسكرية لن توفر الأمن لإسرائيل إن لم تكن منخرطة في إطار استراتيجية سياسية ودبلوماسية؛ مما يعيد الأمر إلى المربع الأول؛ أي المفاوضات والحل السياسي.

التنسيق مع الجانب الأميركي

رغم أن باريس تَعدّ أن «الشروط غير متوافرة من أجل إطلاق المفاوضات» المباشرة، فإن مصادرها ترى، في المقابل، أن ثمة إمكانية لتجاوز هذه العوائق، وهي تعمل على ذلك بالتعاون والتنسيق مع الجانب الأميركي.

بيد أن الأمور تتعقد عند الاستفهام عمّا إذا كانت الإدارة الأميركية؛ المهتمة بالمفاوضات والساعية إلى تيسيرها، راغبة في «لجم» التصعيد الإسرائيلي في لبنان، الذي يعدّ أحد عناصر المصاعب الرئيسية الحائلة دون التقدم على درب المفاوضات. ويأتي الجواب بالنفي. فباريس ترى أنه في نظر الإدارة الأميركية أن واشنطن وتل أبيب تخوضان حرباً مشتركة ضد إيران، وحرب إسرائيل ضد «حزب الله» جزء منها، كما أن «حزب الله» هو امتداد لـ«الحرس الثوري» الإيراني، وبالتالي؛ فإن واشنطن ليست في وضع يخولها ممارسة الضغوط على إسرائيل في الظروف الراهنة.

وبكلام آخر، تَعدّ باريس أن إسرائيل تمتلك ضوءاً أخضر من واشنطن لتفعل في لبنان ما تريده؛ باستثناء ضرب بعض المرافق الحيوية والاستراتيجية كالمطار والمرفأ، وكان يعتقد سابقاً أن الكهرباء من ضمن المرافق المشمولة، ولكن يبدو أن إسرائيل لا تحترم «التعهد» الأخير، والدليل على ذلك ما نفذته باستهدافها محولاً كهربائياً رئيسياً في بنت جبيل. وهذه المقاربة الأميركية لا تمنع واشنطن من الوقوف إلى جانب جلوس لبنان وإسرائيل إلى طاولة المفاوضات. واستبق الرئيس ترمب أي تقدم في هذا الاتجاه بتعيين صهره جاريد كوشنر ممثلاً له في أي مفاوضات من هذا النوع.

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)

تقول باريس إن الهدف الأول من زيارة بارو الثنائية كان توفير الدعم للسكان في البلدين. لكن بارو حمل في المقام الأول دعماً للحكومة اللبنانية «الغارقة في مستنقع حرب لم تخترها». وحرص بارو على التعبير عن دعم بلاده القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء في جلسته الشهيرة يوم 2 مارس (آذار) الحالي بالنسبة إلى منع الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله» ومصادرة السلاح وأيضاً ترحيل إيرانيين إلى بلادهم. وشدد بارو على ضرورة أن تنفَّذ القرارات الحكومية وأن تنجح السلطات في فرض سيادة الدولة على كل أراضيها إزاء «حزب» ينفذ أجندة خارجية على حساب لبنان.

خلاصة ما ستسعى إليه فرنسا في الأيام والأسابيع المقبلة عنوانه مواصلة الحراك الدبلوماسي بالتعاون والتنسيق مع الطرف الأميركي، وممارسة الضغوط للدفع باتجاه المفاوضات المباشرة. بيد أن مشكلة باريس أنها تفتقر إلى الأوراق التي تمكنها من التأثير على مسار الأحداث، وأن الرهان على المساندة الأميركية لن يكون بالضرورة رهاناً رابحاً.


بزشكيان يدعو مجموعة «بريكس» إلى لعب دور مستقل في «وقف الاعتداءات ضد إيران»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
TT

بزشكيان يدعو مجموعة «بريكس» إلى لعب دور مستقل في «وقف الاعتداءات ضد إيران»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)

ذكرت سفارة إيران لدى الهند في منشور على منصة «إكس» اليوم (السبت)، أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قال إن هناك حاجة إلى «وقف فوري» لما وصفه بأنه عدوان أميركي إسرائيلي، من أجل إنهاء الحرب والصراع الأوسع نطاقاً في الشرق الأوسط.

وتحدث بزشكيان هاتفياً مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في وقت سابق اليوم.

وأبلغ بزشكيان مودي بضرورة وجود ضمانات لمنع تكرار مثل هذا «العدوان» في المستقبل. ودعا أيضاً الدول الأعضاء في مجموعة «بريكس» إلى الاضطلاع بدور مستقل في وقف العدوان على إيران.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (أ.ب)

وذكرت السفارة الإيرانية لدى الهند أن بزشكيان قدم اقتراحاً لإطار عمل أمني إقليمي يضم دول غرب آسيا، من أجل ضمان السلام دون تدخل أجنبي. وذكر مودي في منشور منفصل على «إكس» في وقت سابق اليوم، أنه ندد بالهجمات على البنية التحتية الحيوية في منطقة الشرق الأوسط، خلال نقاشه مع بزشكيان.

وأكد مودي أهمية ضمان حماية حرية الملاحة، وبقاء الممرات الملاحية مفتوحة وآمنة.


إسرائيل تحذر من «انتصار إيراني» إذا أوقف ترمب الحرب

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

إسرائيل تحذر من «انتصار إيراني» إذا أوقف ترمب الحرب

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)

تدفع إسرائيل نحو مواصلة حربها مع إيران رغم تصاعد الضغوط الدولية لوقفها، في وقت تحذر فيه من أن أي إنهاء مبكر للعمليات قد يمنح طهران «انتصاراً فعلياً»، وفق مصدر إسرائيلي كبير، في صورة تعكس تناقضاً بين تسريع الهجمات والاستعداد لاحتمال قرار مفاجئ من الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف القتال.

ونقلت القناة «12» الإسرائيلية عن المصدر أن إسرائيل ترصد ضغوطاً شديدة لإنهاء الحرب، ولا تستبعد أن يفعلها الرئيس ترمب في أي لحظة، «لكن إذا حدث ذلك فعلاً فسيخرج الإيرانيون منتصرين».

وجاء في تقرير للقناة الإسرائيلية أن تل أبيب تراقب ضغوط أطراف إقليمية لإنهاء الحرب في أعقاب الهجمات الإيرانية المتزايدة ضد بنى تحتية في المنطقة، بالتزامن مع توسع دائرة الاتصالات المباشرة مع البيت الأبيض لوقف إطلاق النار، فيما تدرس واشنطن الأمر.

وقال المصدر الإسرائيلي للقناة «12» إن «هذا السيناريو يمثل نقطة حرجة (...) إذا نجحت الضغوط في إنهاء الحرب، فسيخرج الإيرانيون منتصرين»، على حد تعبيره.

وتدرك إسرائيل أن الرئيس الأميركي قد يتخذ قراراً منفرداً بوقف العملية العسكرية، ما يدفعها للتأهب على المستوى العسكري إلى جانب تسريع وتيرة الهجمات لتعظيم الإنجازات.

وتعززت الشكوك في قيام ترمب «بأي شيء في هذه الحرب»، بعدما تنصل علناً من الهجوم الإسرائيلي على منشآت الغاز في إيران، رغم التنسيق معه مسبقاً وبشكل مباشر، كما تقول القناة «12».

طائرة حربية إسرائيلية في طريقها للمشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران (الجيش الإسرائيلي)

«لا يفهمون ترمب تماماً»

مع ذلك، تأمل إسرائيل في أن الرئيس الأميركي لن يوقف العملية في الوقت الحالي، وأن يواصل جهوده لإجبار النظام الإيراني على الاستسلام، خصوصاً بعد تصريحاته التي قال فيها إنه «قادر على إنهاء الحرب، لكنه لا يريد». وأضاف: «لا أريد وقف إطلاق نار مع إيران».

وعلق مصدر إسرائيلي بالقول إنها «علامة على تصميم ترمب على مواصلة الحرب وتحقيق الحسم».

ويوضح تقرير القناة «12» أنهم في إسرائيل «لا يفهمون ترمب تماماً، لذلك يحاولون تصعيد الهجوم»، مشيرة إلى «وضع هدف جديد للحرب يتمثل في الإطاحة بقدرات (الحرس الثوري) للسيطرة على إيران».

وقال مسؤول أمني كبير: «الجهد الرئيسي الآن هو إفشال سيطرة (الحرس الثوري)؛ لأن الانطباع بأن النظام الإيراني حصين هو صورة خاطئة، وقد تسفر الضربات القوية المستمرة عن تفتته».

وتعهد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بزيادة وتيرة الغارات على إيران بشكل كبير هذا الأسبوع.

وقال كاتس بعد اجتماع لتقييم الوضع الأمني مع كبار قادة الجيش وأجهزة الأمن في مقر وزارة الدفاع إن «وتيرة الضربات التي ستنفذها القوات الإسرائيلية والجيش الأميركي ضد نظام الإرهاب الإيراني والبنى التحتية التي يعتمد عليها ستزداد بشكل كبير هذا الأسبوع».

وأضاف كاتس في محاولة لتبديد الشكوك حول نية ترمب: «الحملة التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ستتواصل ولن نتوقف ما لم تتحقق كل أهداف الحرب».

وجاءت تصريحات كاتس قبل أن يزور روضة أطفال تعرضت لأضرار في ريشون لتسيون جنوب تل أبيب، وهناك عاد وقال إن القتال سيستمر.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن تصريحات كاتس تؤشر إلى أن القتال سيتواصل أيضاً أثناء عطلة عيد الفصح بداية الشهر القادم.

مع ذلك، ليس من الواضح بعد كيف تريد إسرائيل إحباط ما تصفه بـ«سيطرة الحرس الثوري» على إيران.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين قتلوا في الضربات الإسرائيلية يوم 28 يونيو 2025 (أرشيفية - أ.ف.ب)

اغتيال المزيد...

وقالت مصادر أمنية إسرائيلية لموقع «واللا» إن الجيش حاول اغتيال المزيد من قادة النظام في إيران، من دون أن يتضح إلى أي حد نجح في ذلك، مشيرة إلى «هجمات واسعة النطاق نُفذت في إيران ليلة (السبت)، استهدفت شخصيات بارزة، بانتظار أن يجمع الجيش المعلومات الاستخباراتية».

وأضافت المصادر: «في حال نجاح هذه الهجمات، فستكون ضربة أخرى للنظام الإيراني وقدرته على تبني سياسات متطرفة ضد إسرائيل والولايات المتحدة والمواطنين الإيرانيين».

في هذا السياق، لا تزال إسرائيل تتعقب المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، رغم التقارير المتواترة التي تلقي الكثير من الغموض حول مصيره، لكن ثمة تقييماً جديداً يفيد بأنه «على قيد الحياة وإصابته ليست خطيرة».

وقالت صحيفة «يديعوت» إن الإيرانيين لا يظهرون خامنئي علناً ولا ينشرون فيديوهات له، متبعين سياسة تضليل لتعزيز الغموض.

وقالت «يديعوت» إن افتراضاً سائداً في إسرائيل يزعم أن خامنئي لا يمارس مهامه ولا يصدر تعليمات لمرؤوسيه، وأن أعضاء في «الحرس الثوري» هم من يملأون هذا الفراغ، بعدما كانوا «يعاملون مجتبى خامنئي سابقاً كدمية في أيديهم»، حسب تعبير الصحيفة.