إنتاجات السعودية على «ليتربوكسد»... 582 فيلماً في ذاكرة السينما العالمية

«وجدة» أعلى الأعمال المحليّة حضوراً بالمنصة بنحو 10 آلاف إعجاب

بوسترات الأفلام التي أنتجتها السعودية أو ساهمت في إنتاجها (منصة ليتربوكسد)
بوسترات الأفلام التي أنتجتها السعودية أو ساهمت في إنتاجها (منصة ليتربوكسد)
TT

إنتاجات السعودية على «ليتربوكسد»... 582 فيلماً في ذاكرة السينما العالمية

بوسترات الأفلام التي أنتجتها السعودية أو ساهمت في إنتاجها (منصة ليتربوكسد)
بوسترات الأفلام التي أنتجتها السعودية أو ساهمت في إنتاجها (منصة ليتربوكسد)

على شاشة واحدة يجتمع أكثر من 20 مليون مشاهد وناقد ومحب للسينما من مختلف لغات العالم... يكتبون، ويقيّمون، ويتجادلون، بشأن الأفلام كما لو كانت جزءاً من حياتهم اليومية، وذلك على منصة «ليتربوكسد (Letterboxd)»، التي أصبحت اليوم ذاكرة السينما الرقمية، والتي تُسجل حتى الآن 582 فيلماً من إنتاج السعودية، بشكل كامل أو جزئي، وهو رقم كبير لبلد لم يفتح أبوابه للسينما إلا قبل 7 سنوات فقط.

ومنصة «ليتربوكسد»، التي انطلقت عام 2011 من نيوزيلندا، بدأت مساحةً بسيطة لتسجيل الأفلام ومشاركة القوائم بين الأصدقاء، لكنها سرعان ما تجاوزت وظيفتها التقنية، لتتحول إلى أرشيف عالمي حيّ، يوثّق العلاقة اليومية بين الإنسان والسينما، وفيها تُسجَّل كل مشاهدة، وكل انطباع، وكل شعور بعد النهاية؛ لتكوّن خريطة تفاعلية ضخمة تترجم ذائقة العالم السينمائية لحظة بلحظة.

كما لم تعد المنصة مجرد سجلّ للمشاهدات، بل أصبحت مرجعاً يُستند إليه في تحليل اتجاهات الجمهور وتطوّر الذوق العام، فمن خلال ملايين المراجعات القصيرة و«النجوم» التي تُمنح للأفلام، يمكن تتبّع كيف تغيّر الوعي الجمالي من جيلٍ إلى آخر، وبينما كان النقد السينمائي حكراً على الصفحات الثقافية في الماضي، فقد أصبح اليوم صوت الجمهور هو الذي يصنع سمعة الفيلم ويؤثر على مصيره التجاري والفني.

جيل سينمائي رقمي

ظهر من قلب هذه المنصة ما يُعرف بـ«جيل ليتربوكسد»، وهم الملايين من المستخدمين الشباب الذين يتعاملون مع السينما بوصفها جزءاً من هويتهم اليومية... يكتبون بصدقٍ وحرارة، ويمزجون بين الحس الساخر والفهم البصري العميق، ليخلقوا شكلاً جديداً من النقد الرقمي، حيث لا ينتظرون المقالات الطويلة ولا التحليلات الأكاديمية؛ يكفيهم سطر واحد مؤثر، أو استعارة لاذعة، أو اقتباس ذكي، ليعبّروا عن رأيهم ويُشعلوا نقاشاً واسعاً.

وهذا الجيل هو الذي منح المنصة قوتها الحقيقية، وجعلها المرجع الأول للمتابعة السينمائية عالمياً، فحين يرتفع تقييم فيلم على «ليتربوكسد»، ترتفع شعبيته فوراً على وسائل التواصل، وحين تنخفض «نجومه»، تتراجع التوصيات والمشاهدات... وبهذه البساطة، صار مؤشر الجمهور الرقمي أهم من الإعلانات والعروض الخاصة.

السعودية في مشهد عالمي

داخل هذا الأرشيف الرقمي الهائل، يظهر اسم السعودية في تصنيف «Produced by Saudi Arabia» مرتبطاً بأكثر من 582 فيلماً، وهو رقم يعكس توسع الدور الإنتاجي للمملكة في المشهد السينمائي العالمي. ويشمل التصنيف الأفلام التي أنتجتها السعودية بالكامل، أو شاركت في تمويلها، أو تصويرها، أو تقديم الدعم اللوجيستي لها، سواء أكان عبر مؤسسات الدولة أم الشركات الخاصة.

وتتوزع هذه الأعمال بين محلية وعربية وعالمية؛ فإلى جانب أفلام سعودية خالصة مثل «وجدة» و«مندوب الليل» و«شمس المعارف» و«ناقة»، هناك أيضاً أفلام دولية مثل «Jeanne du Barry» الفرنسي، و«Four Daughters» التونسي، و«The Last Queen» الجزائري، وجميعها حظيت بدعم سعودي عبر «صندوق البحر الأحمر السينمائي الدولي» أو «هيئة الأفلام» أو جهات إنتاجية محلية. وهذا التنوع في الحضور يعبّر عن تحوّل جوهري في رؤية السعودية للسينما؛ من أنها منتج محلي إلى شريكٍ عالمي يسهم في سرد القصص الإنسانية من مختلف الثقافات.

وعلى مستوى الحضور المحلي، تبقى هيفاء المنصور «العلامة الأبرز» في الذاكرة السينمائية السعودية، ففيلمها «وجدة» (2012) لا يزال يحتفظ بتقييم مرتفع وتفاعل مستمر على «ليتربوكسد» بعد أكثر من عقد على إنتاجه، بوصفه أول فيلم سعودي طويل يشارك في المهرجانات الدولية ويُعرض عالمياً، حيث حاز نحو 10 آلاف إعجاب، ليكون أعلى فيلم سعودي على المنصة.

ملامح قوة جديدة

الأفلام المرتبطة بالسعودية على «ليتربوكسد» تتوزع على نطاقٍ واسع من الأنواع: دراما، ورعب، وخيال علمي، ورسوم متحركة، وأفلام وثائقية وفنية. وهذا التنوع ليس مجرد تنويع تجاري، بل نتيجة استراتيجية ثقافية تهدف إلى بناء صناعة مستدامة تتحدث بلغات متعددة وتستوعب شرائح مختلفة من الجمهور، بما يعكس انفتاح المشهد المحلي، حيث تتقاطع الطاقات الشابة مع الخبرات الدولية، ويُعاد تعريف معنى «الفيلم السعودي» ليشمل التمويل، والموقع، والرؤية الفنية، والتمثيل الثقافي معاً، وليس فقط الجنسية أو اللغة.

ووجود هذا الكم من الأفلام على منصة «ليتربوكسد» يمنح السعودية نوعاً جديداً من الحضور الثقافي. فهي لا تكتفي اليوم بعرض أفلامها في المهرجانات أو في الصالات، بل تملك موقعاً دائماً في الذاكرة الرقمية للجمهور العالمي، وكل تقييم يكتبه مستخدم في أميركا أو كوريا أو فرنسا عن فيلم سعودي يصبح وثيقة رمزية في سجل إدراك العالم صورتها. ومن خلال هذه المنصة، يمكن قياس مدى تفاعل الجمهور مع القصص السعودية، وكيف تتغيّر انطباعاتهم مع مرور الوقت، وهي بيانات لا تملكها المهرجانات ولا شركات التوزيع.

سعوديون على «ليتربوكسد»

ومن الملاحظ أن جيلاً سعودياً شاباً بدأ يشارك بفاعلية في النقاشات على المنصة؛ يكتبون مراجعاتهم بالعربية والإنجليزية، ويناقشون إخراج الأفلام المحلية، ويقارنونها بالإنتاج الأجنبي، ويتبادلون التوصيات مع مستخدمين من أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية... هذا الحضور يعكس تبدّلاً في طبيعة العلاقة بين الجمهور السعودي والسينما، فبعد عقود من الغياب عن الشاشات، أصبح الشباب السعودي جزءاً من مجتمع نقدي عالمي، يقرأ ويُقرأ، ويكتب بلغته الخاصة عن أفلامٍ تعبّر عنه وعن مجتمعه.

واللافت أيضاً أن بعض المخرجين السعوديين أنفسهم صاروا يطالعون تعليقات الجمهور على «ليتربوكسد»، ليعرفوا كيف يتلقى العالم أعمالهم بعيداً عن قوالب الإعلام الرسمي، وكليشيهات التواصل الاجتماعي، حيث تختصر المنصة المسافة بين المبدع والمشاهد، وتفتح دائرة الحوار بشأن السينما المحلية في فضاء عالمي حقيقي، فكل مراجعة، وكل نجمة تقييم، تفاعل ثقافي صغير لكنه متراكم، ويمتد أثره إلى أبعد من حدود شباك التذاكر.


مقالات ذات صلة

18 فبراير... رسوم عبور جديدة لـ«جسر الملك فهد» واستثناء 3 فئات

الاقتصاد يُعد جسر الملك فهد الرابط بين السعودية والبحرين رمزاً للترابط والتعاون المشترك بين البلدين (واس)

18 فبراير... رسوم عبور جديدة لـ«جسر الملك فهد» واستثناء 3 فئات

كشفت المؤسسة العامة لجسر الملك فهد الدولي تفاصيل الرسوم الجديدة لعبور الجسر الرابط بين السعودية والبحرين، الذي سيدخل حيز التنفيذ في 18 فبراير.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز (واس)

ولي العهد السعودي يطمئن هاتفياً على صحة ملك المغرب

أجرى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي اتصالاً هاتفياً، الأحد، بالعاهل المغربي الملك محمد السادس.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في القاهرة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

السعودية ومصر تؤكدان أهمية خفض التصعيد بالمنطقة

توافقت السعودية ومصر على أهمية خفض التصعيد في المنطقة، وشدّدتا على تكثيف الجهود الرامية إلى خفض التوتر واحتواء الأزمات عبر تغليب الحلول السياسية والتفاوضية.

أحمد جمال (القاهرة)
الخليج مكة المكرمة (الشرق الأوسط)

السعودية: «الحج والعمرة» توقف التعاقد مع 1800 وكالة سفر خارجية لقصور الأداء

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية إيقاف التعاقدات القائمة مع 1800 وكالة سفر خارجية تعمل في مجال العمرة، من أصل نحو 5800 وكالة، لقصور الأداء.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج السعودية تدعم الجهود الرامية لإيجاد حل سلمي لجميع القضايا الخلافية بين الولايات المتحدة وإيران (موقع «يوم العلم»)

مصدر سعودي لـ«الشرق الأوسط»: لا تغيير في موقف المملكة تجاه التصعيد بالمنطقة

أكد مسؤول سعودي رفيع المستوى لصحيفة «الشرق الأوسط» عدم صحة الأنباء التي تناقلتها بعض وسائل الإعلام حول وجود تغير في موقف المملكة تجاه التصعيد في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«إرث»... حين يتحوَّل النسيج إلى لغة بصرية معاصرة

جانب من المعرض (إدارة الغاليري)
جانب من المعرض (إدارة الغاليري)
TT

«إرث»... حين يتحوَّل النسيج إلى لغة بصرية معاصرة

جانب من المعرض (إدارة الغاليري)
جانب من المعرض (إدارة الغاليري)

تواصل الفنانة المصرية نعمة السنهوري مشروعها الفني الذي يركز على إعادة قراءة التراث المصري والشرقي عموماً، حيث تحوَّل النسيج على مسطح اللوحات من مجرد خامة تقليدية إلى وسيط تشكيلي معاصر يفتح أبواب التأمل والحوار مع الزمن.

في معرضها الجديد «إرث»، يستضيفه غاليري «سفر خان» بالزمالك، تعرض نعمة السنهوري 25 لوحة تمثل امتداداً لتجربتها في المزج بين التراث والحس المعاصر، حيث يصبح القماش لغة بصرية قائمة بذاتها، قادرة على سرد الحكايات وإيصال المشاعر مباشرة إلى المتلقي من دون الاعتماد على الفرشاة أو الألوان التقليدية.

يعتمد المعرض، المستمر حتى 11 فبراير (شباط) الحالي، على تقنية الأقمشة المطعمة (الأبليكيه)، حيث تُبنى التكوينات الفنية عبر تجميع المنسوجات ومعالجتها بلغة تشكيلية لتصبح أشبه بـ«الرسم بالقماش».

القماش لغة بصرية قائمة بذاتها في لوحات المعرض (إدارة الغاليري)

هنا تتجلى مفارقة جمالية تجمع بين حداثة الرؤية والحنين العميق إلى الماضي، في تجربة تجعل النسيج لا يكتفي بدوره التقليدي، بل يتحول إلى وسيط إبداعي حي يعزز أهمية استدعاء الإرث الثقافي والاجتماعي على السواء.

تقول نعمة السنهوري لـ«الشرق الأوسط»: «أتعامل مع القماش كما لو كان لوناً حياً، له وزنه وملمسه وذاكرته. لا أرسم عليه، بل أرسم به، وأترك للخامة أن تقودني إلى فضاء الصورة، فكل قطعة تنبض بالحياة من خلال لمسة الخامة نفسها، كأن القماش يحتضن الفكرة ويشكلها معي في الوقت نفسه».

وتضيف أن اللوحات بالنسبة لها أكثر من مجرد جمال بصري؛ فهي انعكاس لقيم ومعانٍ إنسانية أصيلة جاءت بها من تراثها. وتؤكد أن «التراث الشرقي أو العربي خصوصاً قادر على الاستمرار، وفتح مساحات للتأمل والحوار والمناقشة. ومن هنا، حين أقدمه في أعمالي، أراه من خلال هذه الرؤية، وليس مجرد زخرفة أو قطع فنية لتزيين المنازل».

ومن هذا المنطلق، يستشعر المتلقي كيف تتحول الأعمال الفنية إلى فعل واعٍ يثير التساؤل حول مسؤولية الأجيال الجديدة في حمل الموروث الثقافي إلى المستقبل.

وتتابع: «الفن قادر على أن يكون جسراً بين الأزمنة، وما يشغلني هو هذا التوازن بين سحر العالم القديم والحس المعاصر. وأنا أؤمن بأن ماضينا يجب أن يكرم ويصان إذا أردنا مستقبلاً مزدهراً، والفن أكثر الوسائط قدرة على تحقيق هذا الربط».

عند تأمل اللوحات تبدو العمارة كأرشيف ينبض بالحياة (إدارة الغاليري)

لا يقتصر المعرض على البعد الجمالي فقط؛ فكل لوحة تتجاوز ذلك إلى رموز ثقافية عميقة، إذ تنسج نعمة السنهوري عناصر من الحضارات المصرية المختلفة في نسيج واحد تتقاطع فيه الأزمنة، ويتجاور من خلاله الحضور القوي للذاكرة مع الحاضر.

عند تأمل اللوحات تبدو العمارة كما لو كانت أرشيفاً حياً، تتحول عبرها الأقواس والمداخل والأبواب والشبكات الزخرفية والفسيفساء إلى وثائق سردية تحكي التاريخ، بينما تتحول الحركة حول هذه العناصر إلى طقس يومي.

الفنانة المصرية نعمة السنهوري (إدارة الغاليري)

وفي حين تتنقل العين بين الطبقات المختلفة، تمتزج أنماط النسيج التقليدية مع مشاهد الحياة الحضرية الحديثة لتشكل في النهاية سرداً متداخلاً يأسر المتلقي ويغذي فكره ووجدانه.

تحمل الأعمال أيضاً دفئاً إنسانياً؛ إذ يشعر المتأمل بأن القماش نابض بالحياة، وكأنه يحتضنه، وينبع هذا الإحساس من تنوع الرموز وحميمية الحكايات والطقوس المتوارثة التي تسعى نعمة السنهوري إلى صونها وحمايتها من النسيان.

وتؤمن الفنانة بأن «الثقافة لا تصان فقط عبر الصروح الكبرى، بل من خلال الأفعال اليومية، مثل ترميم الأشياء وحفظها وإعادة استخدامها بمواد أكثر دفئاً». وتضيف: «تستطيع المنسوجات التي أقدمها أن تعكس الهوية والانتماء، وتفتح المجال لتبادل الأفكار بين الثقافات والمجتمعات».

تستخدم الفنانة تقنية الأقمشة المطعمة «الأبليكيه» (إدارة الغاليري)

اختارت نعمة السنهوري أن تنأى بفنها عن قيود التجارب السابقة في عالم النسيج، مبتعدة عن التقليد الأعمى للرموز الشعبية أو الانغماس في الطابع الأوروبي، رغم معرفتها بالثقافة والفنون الغربية جيداً: «أهم ما يُميز عملي أنني لا أكرر ما فعله الآخرون، لا في الألوان ولا في الموضوعات. ومع تقديري للفلكلور الشعبي، أرى أن النسيج يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، إنه لغة للتجديد والتأمل في التراث. ورغم دراستي في فرنسا واطلاعي على الفنون الأوروبية، لم أسمح لنفسي بأن أستنسخ الغرب، فعملي محاولة لإعادة تشكيل تراثنا بلغة معاصرة تجعل المشاهد يرى الماضي والحاضر في اللحظة نفسها، وهو شيء غير مستحيل كما يعتقد البعض».

وهكذا تعيد السنهوري، من خلال 25 لوحة يتضمنها المعرض، تعريف مفهوم «الإرث»، محوِّلة إياه إلى تجربة حية تتنفس، وتثري مكونات الذاكرة، وتجعلها أشبه بالفسيفساء الفنية.

الأكثر من ذلك أن كل قطعة داخل هذه الفسيفساء تُرمم بمحبة وعناية ودقة، لتمنح حياة جديدة داخل فضاء جديد، انطلاقاً من أن «الفن ليس مجرد صورة جميلة، بل فعل يصون الذاكرة ويحفظها».


«متران مربعان»... رحلة إنسانية بين الموت والانتماء في أوروبا

استغرق المخرج 4 سنوات من العمل على الفيلم (الشركة المنتجة)
استغرق المخرج 4 سنوات من العمل على الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«متران مربعان»... رحلة إنسانية بين الموت والانتماء في أوروبا

استغرق المخرج 4 سنوات من العمل على الفيلم (الشركة المنتجة)
استغرق المخرج 4 سنوات من العمل على الفيلم (الشركة المنتجة)

يعرض الفيلم الوثائقي «متران مربعان» للمخرج البلجيكي من أصول تركية فولكان أوجه، للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات مهرجان «روتردام السينمائي الدولي»، ويتناول مقاربة إنسانية شديدة الخصوصية لسؤال الموت والانتماء في سياق تجارب الهجرة في أوروبا. يتتبَّع الفيلم مسارات الجسد بعد الوفاة، ورحلته الأخيرة التي تكشف ما أخفته سنوات الحياة.

ينطلق الفيلم من عالم متعهدي دفن الموتى، حيث يتقاطع عمل رجل تركي في بلجيكا مع نظيره في تركيا، ليقدّم صورة مركَّبة عن طقوس الوداع واختلاف التعامل مع الموت بين المجتمعات الأوروبية والجاليات المهاجرة. ففي حين تحظى الوفاة في السياق الأوروبي بالهدوء والزمن الكافي للحزن والتأمل، تتحوَّل وفاة أحد أبناء الجاليات التركية أو المغاربية إلى سباق مع الوقت، نتيجة الرغبة في التسريع بعملية الدفن، وما يفرضه ذلك من إجراءات عاجلة لنقل الجثمان إلى بلد الأصل.

يُركز الفيلم على شخصية «طيفون»، الذي يعمل في مجال نقل الموتى، ويقضي أيامه متنقلاً بين بيوت العزاء والمطارات وأقسام الشحن، حيث تنتهي غالبية الرحلات عند الطائرة، لا عند المقبرة. ومن خلال مراقبة تفاصيل عمله اليومي، تتكشف الأسئلة الكبرى التي يطرحها الفيلم عن سبب استمرار دفن الأجيال الجديدة خارج البلدان التي وُلدت وعاشت فيها.

ويُعيد الفيلم فتح ملف تاريخ الهجرة العمَّالية إلى أوروبا. الجيل الأول من العمال القادمين من تركيا والمغرب في ستينات القرن الماضي كان يرى أن الإقامة مؤقتة، والعودة حتمية حتى بعد الوفاة. غير أن مرور أكثر من 6 عقود وولادة أجيال كاملة في أوروبا لم يغيّرا هذه المعادلة؛ إذ لا تزال النسبة الكبرى من أبناء هذه الجاليات تُدفن في بلدان الأصول، وهو ما يطرحه الفيلم بوصفه مؤشراً عميقاً على أزمة الانتماء والاندماج.

يعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

يقول المخرج فولكان أوجه لـ«الشرق الأوسط» إن الفيلم نابع من تجربة شخصية؛ كونه ابن ثقافتين، حيث نشأ في بلجيكا وسط أصدقاء بلجيكيين وأتراك، ولاحظ مبكراً التناقض الحاد في طقوس الموت بين المجتمعين. ويضيف أن هذا التناقض ظل يلاحقه لسنوات، قبل أن يتحوّل إلى سؤال وجودي خلال فترة «جائحة كورونا»، حين بدأ يتساءل عن المكان الذي يرغب في أن يُدفن فيه، وما إذا كان يشعر فعلاً بأن أوروبا وطن نهائي أم مجرد محطة حياة.

ويشير أوجه إلى أن الحديث عن الموت ظل من المحرّمات داخل عائلته، إذ رفض والداه الخوض في الموضوع، وهو ما دفعه للبحث عنه سينمائياً، معداً الصمت الجماعي حول الموت يعكس أزمة أوسع يعيشها كثيرون ممن يحملون هويتين وينتمون إلى مكانين في آن واحد.

ويؤكد المخرج أن لقاءه بشخصية «طيفون» كان اللحظة الحاسمة التي حولت الفكرة من تساؤل نظري إلى مشروع سينمائي؛ نظراً لما تمتلكه الشخصية من دفء إنساني وخفة ظل سمحت بتناول موضوع ثقيل مثل الموت بروح قريبة من المتلقي. كما حرص على تتبع التحول الداخلي الذي يمر به «طيفون»، من التركيز على العمل والنجاح المادي، إلى طرح أسئلة أعمق عن العدالة والحق في الدفن داخل البلد الذي يُعدُّ موطن الحياة.

يتتبع الفيلم لحظات وداع مؤثرة (الشركة المنتجة)

ويتوقف أوجه عند الصعوبات الكبيرة التي واجهها أثناء التصوير، خصوصاً عند التعامل مع عائلات فقدت أحباءها للتو، مشيراً إلى أن سرعة إجراءات الدفن كثيراً ما حالت دون التصوير، مما اضطره في مرات عدَّة إلى التراجع احتراماً لمشاعر الحزن، مع تفهمه أن الغضب الذي واجهه أحياناً كان تعبيراً طبيعياً عن الفقد، إذ حاول الفيلم الاقتراب من هذه اللحظات بأقصى درجات الحساسية الأخلاقية.

على المستوى الشخصي، يعترف المخرج بأن العمل على الفيلم واجهه بمخاوفه العميقة من الموت، وأن التعامل اليومي مع الجثامين وأماكن الغسل والعزاء كان تحدياً قاسياً، لكنه شكَّل في الوقت نفسه رحلة ذاتية لمواجهة هذا الخوف، حتى وإن لم يتمكن من تجاوزه بالكامل.

ويشير أوجه إلى أن العمل على الفيلم استغرق قرابة 4 سنوات، منذ اللقاء الأول مع «طيفون» وحتى العرض الأول. ويضيف أن التمويل داخل بلجيكا لم يكن عائقاً، في حين استغرق إيجاد شركاء إنتاج في دول أخرى وقتاً أطول، حتى اكتمل المشروع عملاً أوروبياً مشتركاً، وسيُعرض لاحقاً على شاشات واسعة داخل ألمانيا وفرنسا وبلجيكا بعد جولة من العرض في المهرجانات السينمائية.


جسر ميناي… أيقونة هندسية بريطانية صمدت أمام الزمن

جسر ميناي من تصميم توماس تيلفورد في ويلز بالمملكة المتحدة (شاترستوك)
جسر ميناي من تصميم توماس تيلفورد في ويلز بالمملكة المتحدة (شاترستوك)
TT

جسر ميناي… أيقونة هندسية بريطانية صمدت أمام الزمن

جسر ميناي من تصميم توماس تيلفورد في ويلز بالمملكة المتحدة (شاترستوك)
جسر ميناي من تصميم توماس تيلفورد في ويلز بالمملكة المتحدة (شاترستوك)

على الرغم من مشكلات الصيانة، يؤكد محبو الجسر الذي صممه توماس تلفورد أنه قادر على الصمود لقرنين آخرين. وعندما افتتح جدّ «إيان إيفانز» متجراً لبيع الأدوات المعدنية في جزيرة «أنغلسي» (التي تطل على البحر الآيرلندي أقصى غرب شمال ويلز البريطانية) خلال ثلاثينات القرن الماضي، كان جسر ميناي عاملاً حاسماً في ضمان نجاح ذلك المشروع التجاري.

وكان الفولاذ عالي الشد قد حل آنذاك محل سلاسل الحديد المطاوع، التي تعود إلى أوائل القرن التاسع عشر، مما جعل الجسر المعلّق أكثر قوة واتساعاً. وأتاح ذلك له تحمل مرور حمولات أثقل، الأمر الذي مكّن عائلة إيفانز من طلب الغاز المعبأ من شركة «كالور غاز» التي كانت حديثة النشأة حينها، وهو ما ساهم في توسيع نطاق الحصول على الطاقة في المناطق الريفية من أنغلسي (ينيس مون).

وقال إيفانز (61 عاماً): «ذهب جدي وشقيقه لنقل الشحنة من محطة بانغور أو تربورث، على ما أعتقد، وكانت أول عملية تسليم من نوعها. وما زلنا نبيع هذا الغاز حتى اليوم».

وأضاف قائلاً: «أرى الجسر يومياً من نافذة غرفة المعيشة، ويأتي الناس من كل مكان لمشاهدته. إنهم يوقفون سياراتهم أمام منزلي ويتجولون حوله. إنه يمثل جزء كبير من مجتمعنا ومن تاريخنا».

وشهد يوم الجمعة الماضي مرور 200 عام تماماً على الافتتاح الرسمي للجسر، الذي يُعد تحفة هندسية غيّرت المشهدين الاقتصادي والاجتماعي في شمال ويلز تغييراً ثورياً، فضلاً عن إحداث نقلة نوعية في روابط النقل والاتصال بين بريطانيا وآيرلندا.

وصمّم الجسر وبناه توماس تلفورد، أول رئيس لمعهد المهندسين المدنيين، ليصبح جسر ميناي عند افتتاحه في 30 يناير (كانون الثاني) 1826 أول جسر معلّق كبير في العالم.

وقال ويليام داي، وهو مهندس شارك في أعمال صيانة كبرى للجسر عام 1999، إن عدداً من التصاميم جرى استبعادها قبل أن يتمكن تلفورد من إيجاد حل لبناء الجسر فوق المضيق الخطير، عند نقطة ضيقة تسمح في الوقت نفسه بمرور السفن الحربية الشاهقة من أسفل.

وأضاف داي قائلاً: «إنه أيقونة من أيقونات الهندسة المدنية بفضل الدقة، وضبط الجودة، والتفكير المسبق في سهولة الصيانة والاستدامة... فضلاً عن الحاجة إلى ابتكار طريقة لتشييده فوق مياه هائجة». وتابع قائلاً: «لقد قام بتعليق سلاسل الكابلات الحديدية على ضفتي النهر وصولاً إلى أطواف، ثم استخدم الحبال والبكرات على الجهة الأخرى لرفعها. لقد أرسي الأسس لكيفية تنفيذ مثل هذه المشاريع مستقبلاً، ولا تزال بعض أفكاره مستخدمة حتى اليوم».