«مبادرة مستقبل الاستثمار» تُطلق من الرياض اقتصاد العقود القادمة

مشاركون لـ«الشرق الأوسط»: ليس مُجرّد مُؤتمر بل مكان يُصنع فيه المستقبل

مشاركان في النسخة الثامنة الماضية من مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار (أ.ف.ب)
مشاركان في النسخة الثامنة الماضية من مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار (أ.ف.ب)
TT

«مبادرة مستقبل الاستثمار» تُطلق من الرياض اقتصاد العقود القادمة

مشاركان في النسخة الثامنة الماضية من مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار (أ.ف.ب)
مشاركان في النسخة الثامنة الماضية من مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار (أ.ف.ب)

مع توقع إبرام صفقات بالمليارات خلال النسخة التاسعة من مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض التي تنطلق صباح اليوم الاثنين تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، شدد مختصون على أن المؤتمر جعل من الرياض ملتقى عالمياً عالي المستوى يجمع مختلف الخبرات في مختلف المجالات، ومن شأنه تحديد ملامح الاقتصاد العالمي لعقود قادمة، والدفع بتوصيات تعزز شراكات تحرك الأسواق، ويوفر فرصاً عبر المناطق.

ومن المتوقع أن تشهد النسخة التاسعة من المبادرة حضوراً غير مسبوق لأكثر من 20 رئيس دولة ونائب رئيس، في دلالة على تزايد الأهمية العالمية للرياض، باعتبار أنها مركز للحوار الاقتصادي، مع توقعات أن يتجاوز حجم الصفقات الاستثمارية رقم 60 مليار دولار، والذي تم التوصل إليه في النسخة الثامنة.

وينظر إلى المؤتمر باعتباره أكبر تجمع اقتصادي دولي في المنطقة، إذ يجمع نخبة من قادة الحكومات وصُنّاع السياسات والرؤساء التنفيذيين والمستثمرين العالميين، إلى جانب المبتكرين ورواد الأعمال، في منصة تحولت منذ انطلاقها عام 2017 إلى بوصلة ترسم أجندة الاستثمار العالمي.

رئيس مجلس إدارة مؤسسة مبادرة مستقبل الاستثمار ياسر الرميان يتحدث في النسخة الثامنة من المؤتمر (واس)

وقال إدوارد ميرميلشتاين، مبعوث عمدة نيويورك للشؤون الدولية السابق، لـ«الشرق الأوسط» إن مبادرة مستقبل الاستثمار أكبر بكثير من مجرد مؤتمر تقليدي. إنها ملتقى رأس المال العالمي والابتكار والسياسات.

وتابع: «مبادرة مستقبل الاستثمار ليست فقط مجموعة من الخطب البليغة، لكنها تجمع صناديق سيادية، ورؤساء تنفيذيين عالميين، وصانعي سياسات يركزون على التنفيذ، وبناء شراكات تُحرك الأسواق وتُوفر فرصاً عبر المناطق».

وأوضح أن «ما يميز هذه المبادرة حقاً، هو دور السعودية كجهة حاضنة. ففي ظل (رؤية 2030)، رسَّخت المملكة مكانة الرياض كمركزٍ لتواصل الاقتصادات المتقدمة والناشئة».

وتعكس «مبادرة مستقبل الاستثمار»، وفق ميرميلشتاين، هذا الطموح، إذ برأيه تُعزز النقاشات حول التنمية المستدامة، وتكامل الذكاء الاصطناعي، والاستثمار في الأسواق الناشئة التي ستُحدد ملامح الاقتصاد العالمي لعقود قادمة.

وقال: «تابعت التطور الملحوظ للمبادرة، ويشرفني المساهمة في الدورات القادمة. ويظل عملي منسجماً بشكل وثيق مع رسالتها المتمثلة في حشد الاستثمارات العالمية نحو الأسواق الناشئة وجهود إعادة الإعمار».

أضاف: «بصفتي مفوضاً للشؤون الدولية في مدينة نيويورك بين عامي 2022 و2025، كان لي شرف تعزيز علاقات المدينة العالمية ودفع عجلة الاستثمار الأجنبي والتكنولوجيا ومبادرات الاستدامة».

بهذه الصفة، زار ميرميلشتاين المملكة عدة مرات، حيث أكد: «شهدت بنفسي تحولها الملحوظ وانفتاحها على الشراكة. واليوم، ومن خلال شركة (أتلانتيك بريدج كابيتال)، أركز على حشد الاستثمارات المؤسسية في الأسواق الناشئة والواعدة، مع التركيز بشكل خاص على إعادة الإعمار، والمرونة، والنمو القائم على التكنولوجيا».

وزير المالية السعودي محمد الجدعان متحدثاً في خلال نسخة العام الماضي من المؤتمر (رويترز)

وحول تجاربه في المجال، قال ميرميلشتاين: «ركزتُ مؤخراً في منتدى كييف الاقتصادي الدولي، على كيفية مساهمة الشراكات الدولية ورأس المال الخاص في إعادة بناء اقتصادات ما بعد الصراع. وأعتقد أن أطر عمل مماثلة يمكن أن تمتد إلى مناطق في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، حيث تلعب القيادة ورأس المال السعودي دوراً حاسماً في تشكيل النمو المستدام».

وحول بيئة الاستثمار السعودية ومزاياها، قال ميرميلشتاين: «رسَّخت المملكة مكانتها كقائدة رائدة في مجال تحوّل الأسواق الناشئة، حيث أثمرت (رؤية 2030) عن بيئة مستقرة وجاذبة للمستثمرين، مدعومة بحوكمة قوية، ولوائح تنظيمية حديثة، واستراتيجية واضحة طويلة الأجل. إن قدرة المملكة على حشد رأس المال من خلال صندوق الاستثمارات العامة وقطاعها الخاص المتنامي تجعلها نقطة جذب عالمية للابتكار والاستثمار».

وتابع: «من خلال تواصلي الشخصي مع القادة والمؤسسات السعودية، لمست بنفسي عمق الطموح والاحترافية اللذين يقودان هذا التحوّل. فإلى جانب تنويع اقتصادها، تصدر المملكة نموذجاً للنجاح يجمع بين التخطيط الاستراتيجي والتقدم التكنولوجي والتنمية الشاملة، حيث تجسد المملكة اليوم مثالاً ساطعاً على كيف يُمكن للقيادة الثاقبة والتنفيذ المنضبط أن يُعيدا تعريف ما هو ممكن للأسواق الناشئة حول العالم».

رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «بلاكستون ستيفن» شوارزمان يتحدث في خلال نسخة العام الماضي من المؤتمر (رويترز)

3 مميزات لمبادرة مستقبل الاستثمار

من جهته، قال سيم م. كوكسال المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة GSL Holding GmbH العالمية الألمانية، لـ«الشرق الأوسط» إن «مبادرة مستقبل الاستثمار، جعلتنا في حالة شغف مستمر لمعرفة الجديد في السعودية وفي طيات المؤتمر نفسه».

وأضاف كوكسال: «أعتقد أن هناك ثلاثة أمور تجعل من هذه المبادرة مميزة عن غيرها، أولاً السرعة في بحث المستجدات والبحث عن الحلول، على عكس ما هو في أماكن أخرى».

الميزة الثانية للمبادرة، وفق كوكسال، أن المبادرة تصحبها شراكات حقيقية، «ومن ثمرات ذلك، الشراكات التي أطلقناها مع رجل الأعمال السعودي، عبد الله المليحي، رئيس مجلس إدارة مجموعة الرامز الدولية وشركة التميز السعودي القابضة، حيث عززت شراكتنا العمل في مجال مستقبل التكنولوجيا، ومن ثم فتح الأبواب لخلق حالة تواصل بين التكنولوجيا والشبكات الأوروبية والسوق السعودية».

أما الميزة الثالثة لمبادرة مستقبل الاستثمار، فهي القدرة على الوصول إلى صُنّاع القرار، من خلال جمع الخبراء والوزراء والجهات المعنية باتخاذ القرارات في وقت واحد في مكان واحد، في ظل وجود وتفاعل وزارة الاستثمار السعودية، التي تتولى صنع الشراكات وإطلاق المبادرات.

وأضاف كوكسال: «إن الجمع الذي تصنعه المبادرة، تشخص المشكلات والتحديات وتبحث الحلول الممكنة، ولذلك فإن مبادرة مستقبل الاستثمار ليست مُجرّد مُؤتمرٍ عاديّ، بل هي المكان الذي يُصنع فيه المُستقبل».

بعض الحضور المشارك في نسخة العام الماضي (الشرق الأوسط)

وحول مشاركته في المبادرة، قال كوكسال: «أستعرض في المناسبة، مستجدات الهندسة والاتصالات والتكنولوجيا الألمانية، وطرح حلول في مجال البنى التحتيّة الحيويّة. سواءً كان الأمر يتعلق بشركة (أساكي تاورز) في مجال تكنولوجيا الهيدروجين، حيث سبق اجتمعنا في نيوم، واجتمعنا مع وزارة الاستثمار وصندوق الاستثمارات العامة - أو شركة (ليتن) الأميركية في مجال أنظمة البطاريات المتقدمة، أو العمل مع أحد أكبر صناديق البنية التحتية الأميركية في مجال مراكز البيانات».

وأضاف كوكسال: «تغطي مشاركاتنا نطاق تركيزي كامل الطيف، من حيث مراكز البيانات، وحلول الأمن المتكاملة - ليس فقط الأمن السيبراني، بل أيضاً أجهزة الدفاع الحقيقية والأنظمة المتكاملة - وتكنولوجيا الطاقة من الجيل التالي. أعمل حصرياً مع رواد عالميين في مجالاتهم».

اتفاقيات ومشروعات

وقال كوكسال: «نعمل على توقيع اتفاقيات تشمل ثلاثة مجالات رئيسية، منها مراكز البيانات لثورة الذكاء الاصطناعي، حيث تُشيّد السعودية مشروعي نيوم وذا لاين، وهما مشروعان مذهلان يتطلبان بنية تحتية آمنة وسيادية للبيانات».

وتابع: «أعمل مع أحد أكبر صناديق البنية التحتية الأميركية في هذا المجال، وبالتعاون مع شركة (التميز السعودية)، لدينا خطط ملموسة للمملكة. لا أستطيع الخوض في التفاصيل بعد، لكن الأمر يتعلق بنقل المعرفة، والتصنيع المحلي، والسيادة التكنولوجية الحقيقية. نحن لا نبيع التكنولوجيا فحسب، بل ننقلها. هذا ما تريده المملكة وتستحقه. سيادة حقيقية، وليس مجرد شراء من الخارج».

وزاد: «سنتحدث عن البطاريات المتقدمة وتكنولوجيا الطاقة: هذا مثير للاهتمام فأنا مستشار لشركة (ليتن)، الشركة الرائدة عالمياً في تكنولوجيا بطاريات الليثيوم والكبريت من وادي السيليكون، إذ إن دان كوك، المؤسس والرئيس التنفيذي، صاحب رؤية ثاقبة... لديّ تفويض استشاري لأوروبا، لكنني أطور بالفعل مفاهيم للمملكة».

وحول أهمية تخزين الطاقة، قال كوكسال: «إن تخزين الطاقة هو النفط الجديد. يتعلق الأمر بالسيادة، وبتزويد مراكز البيانات بالطاقة، وبالبنية التحتية الحيوية، إذ تحتاج مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى طاقة هائلة ونسخ احتياطية. تحتاج البنية التحتية الحيوية إلى تخزين طاقة موثوق. هذا ليس مجرد عمل تجاري، بل هو استراتيجي».

وشدد على أن استقلال الطاقة يعد أمناً وطنياً، لطالما فهمت السعودية الطاقة بشكل أفضل من أي دولة أخرى «والآن، يتعلق الأمر بالجيل القادم من تكنولوجيا الطاقة. وتقود (ليتن) هذه الثورة عالمياً».

وقال كوكسال: «على صعيد الدفاع والبنية التحتية الحيوية: ما وراء الأمن السيبراني - نتحدث عن حلول أمنية متكاملة. أجهزة، وأنظمة دفاعية، وحماية متكاملة للبنية التحتية. نعمل مع شركاء أوروبيين ودوليين رائدين لتطوير قدرات سيادية. أمرٌ حساس، ولكنه حاسم للاستقلال»، مشيراً إلى أن السعودية هي أفضل مكان في العالم لشركات التكنولوجيا حالياً.

وزاد: «إن مبادرة الاستثمار تنطلق من الرياض، حيث الموقع مثالي. من الرياض، تصل إلى أوروبا في خمس ساعات، وآسيا في ست ساعات، وأفريقيا في أربع ساعات. المملكة تعد المركز الجديد لإطلاق مشروعات واستثمارات بمجالات بنية تحتية للمستقبل، إذ أخذنا (نيوم) قيد الإنشاء الآن. الخط أصبح حقيقة واقعة. هذه هي منصات اختبار لتكنولوجيا الغد».

امرأة تستخدم هاتفاً لتسجيل كلمة الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» إيلون ماسك خلال النسخة الثامنة من المؤتمر (رويترز)

عقود في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة

من جهته، قال رجل الأعمال السعودي والمستثمر في مجال الذكاء الاصطناعي، عبد الله بن زيد المليحي، رئيس شركة التميز السعودية القابضة لـ«الشرق الأوسط» إن انطلاق مؤتمر مبادرة الاستثمار في نسخته التاسعة وضع المملكة من الدول العالمية التي أصحبت وجهة عالمية للمستثمرين من دول العالم كافة، ويعتبر هذا المؤتمر من أساس رؤية ولي العهد 2030 التي أصبح كل أفراد الشعب السعودي يعمل على تحقيقها.

وأضاف «إن دعم المملكة لمشاريع الذكاء الاصطناعي العنوان الأبرز لثمرات المؤتمر والرؤية 2030، حيث أتوقع عقد صفقات كبيرة مع الحضور العالمي المهم من دول العالم كافة، إذا يعتبر قطاع التعليم والذكاء الاصطناعي جزءاً رئيسياً من حلقات النقاش في المؤتمر».

ووفق المليحي، فإنه يعتبر أن المبادرة منذ انطلاقها عام 2017 دفعت دخول المملكة كإحدى الدول العالمية الراعية لمؤتمرات الاستثمار العالمي، في وقت تحشد فيه العمل العالمي المشترك، لتوحيد الجهود والاستثمار في إيجاد حلول للتحديات العالمية التي تُسهم في ترك أثر إيجابي على البشرية.


مقالات ذات صلة

766 مليون دولار أرباح الشركات العقارية السعودية المدرجة في النصف الأول

خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

766 مليون دولار أرباح الشركات العقارية السعودية المدرجة في النصف الأول

شهدت شركات القطاع العقاري المُدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) أداءً مالياً قوياً خلال النصف الأول من عام 2026.

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد منصّة بحرية تابعة لـ«الحفر العربية» (الشركة)

«الحفر العربية» تتوسع خليجياً بعقد لحفر آبار بحرية في سلطنة عُمان

عززت شركة «الحفر» حضورها بسوق الحفر البحري الخليجية، بعد إبرامها عقداً مع شركتي «مصيرة للنفط المحدودة» و«نورثرن أوفشور» لتنفيذ أعمال حفر مؤكدة لبئرين في عُمان.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مقتطفات من المعرض في نسخته السابقة (المعرض)

الرياض تحتضن معرض الخدمات اللوجستية بمشاركة كبرى الشركات العالمية

تنطلق في الرياض، في 8 سبتمبر (أيلول) المقبل، الدورة الثالثة من «المعرض السعودي للمستودعات والخدمات اللوجستية»، بمشاركة شركات ومختصين في سلاسل الإمداد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أحد مشاريع الطاقة الشمسية في الجوف شمال السعودية (واس)

خاص الخليج يهيئ بنيته التحتية لاستقطاب رؤوس الأموال الطويلة الأجل

تستعرض السعودية والخليج فرصاً استثمارية واعدة في الطاقة المتجددة والبنية الرقمية، مع توجه متزايد نحو تمويل المشاريع بالشراكة مع القطاع الخاص.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد أحد المراكز التجارية التابعة لـ«سينومي سنترز» في السعودية (موقع الشركة)

«سينومي سنترز» توقع اتفاقيتين لتطوير وتشغيل مشروع «داون تاون المدينة المنورة»

«سينومي سنترز» توقع اتفاقيتين لتطوير وتشغيل «داون تاون المدينة المنورة»، بقيمة خدمات تطوير تتجاوز 5 في المائة من إيرادات 2025، وإيجار للمركز لمدة 25 عاماً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

السويد تبقي الفائدة دون تغيير... وتلمّح لإمكانية رفعها قبل نهاية العام

مبنى البنك المركزي السويدي في استوكهولم (رويترز)
مبنى البنك المركزي السويدي في استوكهولم (رويترز)
TT

السويد تبقي الفائدة دون تغيير... وتلمّح لإمكانية رفعها قبل نهاية العام

مبنى البنك المركزي السويدي في استوكهولم (رويترز)
مبنى البنك المركزي السويدي في استوكهولم (رويترز)

أبقى البنك المركزي السويدي، يوم الخميس، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند مستوى 1.75 في المائة كما كان متوقعاً، مؤكداً استعداده لتشديد السياسة النقدية إذا تسارعت معدلات التضخم.

وتُعد السويد حالة استثنائية في أوروبا بفضل انخفاض معدل التضخم الرئيسي؛ ويعود ذلك جزئياً إلى الخفض الضريبي المؤقت الذي أقرته الحكومة اليمينية المقبلة على انتخابات في 13 سبتمبر (أيلول). وضمن هذا السياق، ظلت أسعار الفائدة ثابتة لمدة عام كامل منذ آخر خفض بمقدار ربع نقطة مئوية، إلا أن البنك المركزي لا يزال متخوفاً من تزايد الضغوط السعرية.

وأفاد البنك المركزي السويدي، في بيان له، بأن «احتمال رفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام لا يزال قائماً. وإذا تبين أن التضخم المرتفع بشكل غير متوقع خلال الصيف هو بداية لارتفاع أوسع وأكثر استدامة، فإن البنك سيعمد إلى تعديل سياسته النقدية نحو التشديد».

وسجل التضخم الرئيسي نسبة 0.7 في المائة في يوليو (تموز)، رغم أن التضخم الأساسي - بعد استبعاد أسعار الطاقة المتذبذبة - سجل تسارعاً أكبر في يوليو مقارنة بشهر يونيو (حزيران). ويستهدف البنك المركزي معدل تضخم رئيسي يبلغ 2 في المائة.

ومن المتوقع أن تنعكس التوترات في الشرق الأوسط مع نمو الاقتصاد المحلي على الاقتصاد السويدي عاجلاً أم أجلاً، فضلاً عن حالة عدم اليقين المتزايدة الناجمة عن التأثيرات طويلة الأمد الموجة الحارة في أوروبا. وأضاف البنك المركزي: «لا تزال هناك مخاطر من أن يصبح التضخم الأساسي مرتفعاً للغاية في أعقاب صدمات الإمدادات في الشرق الأوسط».

كما أن خطوة رفع أسعار الفائدة المتوقعة من قبل البنك المركزي الأوروبي في سبتمبر قد تضغط على الكرونة السويدية وتؤدي إلى استيراد التضخم، مما يضاعف الضغوط باتجاه رفع الفائدة محلياً. وكان البنك قد أشار في يونيو الماضي (عندما أبقى على الفائدة أيضاً) إلى أن نسبة احتمال رفع الفائدة قبل نهاية العام تصل إلى 50 في المائة.

هذا وسينشر البنك المركزي السويدي قراره المقبل بشأن السياسة النقدية في 24 سبتمبر.


40 تريليون دولار من الديون الأميركية... لماذا يهم الرقم العالم؟

شاشة إلكترونية تعرض الدين القومي في واشنطن العاصمة بتاريخ 19 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)
شاشة إلكترونية تعرض الدين القومي في واشنطن العاصمة بتاريخ 19 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)
TT

40 تريليون دولار من الديون الأميركية... لماذا يهم الرقم العالم؟

شاشة إلكترونية تعرض الدين القومي في واشنطن العاصمة بتاريخ 19 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)
شاشة إلكترونية تعرض الدين القومي في واشنطن العاصمة بتاريخ 19 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)

تجاوز الدين الفيدرالي الأميركي حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى، في محطة تعكس - ليس فقط الحجم المتزايد لاقتراض أكبر اقتصاد في العالم - بل أيضاً سرعة تراكم الديون وتنامي تكلفة خدمتها. فقد أضيف نحو تريليون دولار إلى الدين خلال خمسة أشهر فقط، بينما يتجه عجز الموازنة إلى تسجيل نحو 1.8 تريليون دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية الحالية.

لكن ماذا يعني رقم بهذا الحجم؟ وهل يمثل الدين الأميركي خطراً فورياً، أم أن المشكلة تكمن في مساره المستقبلي؟

لماذا يرتفع الدين الأميركي؟

ببساطة، عندما تنفق الحكومة أكثر مما تحصل عليه من الإيرادات الضريبية، تموّل الفجوة بالاقتراض. وقد تراكمت الديون عبر عقود نتيجة مزيج من خفض الضرائب وزيادة الإنفاق، إضافة إلى الاقتراض الاستثنائي خلال جائحة «كوفيد - 19».

وتزداد الضغوط أيضاً مع ارتفاع الإنفاق على الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية «ميديكير»، في ظل تقدم السكان في السن وتقاعد أعداد كبيرة من جيل طفرة المواليد، وفق شبكة «سي إن إن».

وقد بلغ الدين الأميركي 20 تريليون دولار قبل أقل من عقد، مما يعني أن حجمه تضاعف تقريباً خلال فترة قصيرة نسبياً.

المشكلة ليست في الرقم وحده

لا يعني وصول الدين إلى 40 تريليون دولار أن الاقتصاد الأميركي يواجه أزمة مالية فورية. فالولايات المتحدة تصدر عملة الاحتياط العالمية، وتمتلك سوقاً ضخمة وعميقة لسندات الخزانة، مما يمنحها قدرة استثنائية على الاقتراض.

لكن سرعة نمو الدين مقارنة بالإيرادات والاقتصاد هي مصدر القلق الأكبر. فكلما ارتفع الدين، تحتاج الحكومة إلى إصدار مزيد من سندات الخزانة لتمويل العجز وإعادة تمويل الديون القائمة. وإذا طالب المستثمرون بعوائد أعلى مقابل شراء هذه السندات، ترتفع تكلفة الاقتراض على الحكومة، وتزداد معها أعباء الفائدة.

رجل يمر بجوار ساعة الدين الوطني في مدينة نيويورك في 19 أغسطس الحالي (رويترز)

الفائدة... الحلقة الأكثر إثارة للقلق

من المتوقع أن تتجاوز مدفوعات الفائدة على الدين تريليون دولار خلال السنة المالية الحالية، بعدما تضاعفت أكثر من ثلاث مرات خلال خمس سنوات.

وهنا تظهر المشكلة بصورة أوضح: الحكومة لا تدفع هذه الأموال لتمويل برنامج جديد أو بناء بنية تحتية، بل لسداد تكلفة الديون التي تراكمت في السابق.

ومع ارتفاع أسعار الفائدة، تصبح الديون الجديدة وإعادة تمويل الديون المستحقة أكثر تكلفة، مما قد يؤدي إلى حلقة متصاعدة: دين أعلى، ففوائد أكبر، فعجز أكبر، فاقتراض إضافي، فدين أعلى.

لماذا يهتم المستثمرون بسندات الخزانة؟

لأن سندات الخزانة الأميركية لا تحدد تكلفة اقتراض الحكومة فقط، بل تؤثر في جزء كبير من الاقتصاد العالمي.

ويُنظر إلى عائد سندات الخزانة، خصوصاً لأجل 10 و30 عاماً، باعتباره مرجعاً أساسياً لتسعير الاقتراض. وعندما ترتفع العوائد، ترتفع عادةً تكاليف الرهن العقاري وقروض السيارات وتمويل الشركات.

وهذا يعني أن ارتفاع الدين والعوائد لا يبقى داخل موازنة الحكومة، بل يمكن أن يصل في النهاية إلى المستهلك والشركات والأسواق المالية.

لماذا ارتفعت عوائد السندات الآن؟

تزامن بلوغ الدين 40 تريليون دولار مع موجة بيع عالمية في السندات طويلة الأجل.

المستثمرون يواجهون في الوقت نفسه عدة مخاوف: ارتفاع مستويات الدين الحكومي، وزيادة المعروض من السندات، واستمرار التضخم، وارتفاع أسعار النفط، وتزايد عدم اليقين بشأن مسار السياسة النقدية لـ«الاحتياطي الفيدرالي».

وقد تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً 5.3 في المائة هذا الأسبوع، مسجلاً أعلى مستوى له منذ 2007.

وتعني العوائد المرتفعة أن المستثمرين يطلبون تعويضاً أكبر عن إقراض الحكومة الأميركية، سواء بسبب مخاوف التضخم أو اتساع الاقتراض الحكومي أو ارتفاع علاوة المخاطر.

مبنى وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

هل تدخل الخزانة الأميركية يغير الصورة؟

أعلنت وزارة الخزانة الأميركية زيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، في محاولة لدعم السيولة وتهدئة الارتفاع الحاد في العوائد.

وقد نجحت الخطوة في دفع العوائد إلى الانخفاض مؤقتاً، لكنها لا تعالج السبب الأساسي وراء ارتفاعها: تزايد احتياجات الاقتراض والعجز المالي ومخاوف التضخم. ولهذا يرى محللون أن تأثير عمليات إعادة الشراء قد يكون قصير الأجل ما لم تتغير الاتجاهات المالية الأساسية.

هل الدين الأميركي وصل إلى نقطة الخطر؟

ليس بالضرورة. فالولايات المتحدة لا تزال قادرة على الاقتراض، وسندات الخزانة ما زالت من أكثر الأصول استخداماً في النظام المالي العالمي. لكن المخاطر تزداد إذا استمر الدين في النمو بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد والإيرادات الحكومية على مواكبته.

الخطر الحقيقي إذن، ليس «40 تريليون دولار» كرقم منفرد، وإنما ما إذا كان الاقتصاد الأميركي سيستطيع تحمل تكلفة هذا الدين مستقبلاً، خصوصاً إذا بقيت أسعار الفائدة مرتفعة.

في الخلاصة، الدين الأميركي البالغ 40 تريليون دولار ليس مجرد رقم قياسي؛ إنه اختبار لقدرة الولايات المتحدة على تمويل عجزها من دون أن تتحول تكلفة الاقتراض إلى عبء يضغط على الاقتصاد والأسواق والموازنة.

وكلما ارتفعت الفوائد، أصبح جزء أكبر من أموال الحكومة مخصصاً لخدمة الدين بدلاً من تمويل الاستثمار والدفاع والبرامج الاجتماعية. لذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بعد تجاوز حاجز 40 تريليون دولار ليس «كم بلغ الدين؟» فقط، بل «إلى أي حد يمكن أن يستمر في الارتفاع قبل أن تصبح كلفته الاقتصادية والسياسية أكثر صعوبة؟».


766 مليون دولار أرباح الشركات العقارية السعودية المدرجة في النصف الأول

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

766 مليون دولار أرباح الشركات العقارية السعودية المدرجة في النصف الأول

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

شهدت شركات القطاع العقاري المُدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) أداءً مالياً قوياً خلال النصف الأول من عام 2026، حيث تجاوزت أرباحها المجمعة حاجز 766 مليون دولار (2.87 مليار ريال). ورغم تسجيل انخفاض بنسبة 18 في المائة، مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، فإن النتائج تعكس مرونة القطاع قدرته على التكيف، مدعوماً بارتفاع مبيعات العقارات، وتسريع تنفيذ المشروعات، وتنويع الإيرادات.

وفي حين نجحت 14 شركة في تحقيق أرباح صافية مقابل خسائر لثلاث شركات فقط، يرى خبراء ومحللون أن السوق تعيش مرحلة إعادة تشكيل تنظيمي وهيكلي؛ ترتكز على الشفافية والحوكمة وتمايز نموذج الأعمال، مما يجعل النصف الثاني من العام مرشحاً لتحسن انتقائي للشركات الأكثر كفاءة تشغيلية ومالية.

وتصدَّرت شركة «سينومي سنترز» أعلى شركات القطاع ربحيةً، خلال النصف الأول، محققة 588.2 مليون ريال، متراجعةً بنسبة 14.7 في المائة عن النصف المماثل من العام السابق.

وحلّت «العقارية» ثانيةً في أعلى شركات القطاع ربحيةً بعد تحقيقها أرباحاً بنحو 579 مليون ريال خلال النصف الأول، لتسجل قفزة في نمو أرباحها عن النصف المماثل من العام السابق بنسبة 152.2 في المائة.

وحلَّت شركة «دار الأركان» في المرتبة الثالثة، محققةً نحو 498.97 مليون ريال، بنمو وصل إلى 11.4 في المائة. وعلى مستوى الربع الثاني من العام الحالي، سجلت شركات القطاع انخفاضاً طفيفاً في الأرباح بلغت نسبته 0.49 في المائة، ووصلت أرباحها المجمعة إلى 1.455 مليار ريال، مقابل 1.462 مليار ريال في الربع نفسه من 2025.

تسليم المشروعات

وفي تعليق على نتائج شركات القطاع، يرى الرئيس التنفيذي لشركة «منصات» العقارية، خالد المبيض، خلال تصريح له لـ«الشرق الأوسط» أن التفاوت في النتائج المالية لشركات القطاع العقاري بأنه طبيعي، موضحاً أن واقع شركات القطاع لا يتحدث عن نموذج أعمال واحد؛ وأن هناك شركات تعتمد على التطوير والبيع، وأخرى على التأجير والدخل المتكرر، وأخرى ترتبط نتائجها بمشاريع كبرى أو بمواسم ووجهات محددة.

واستطرد: «لذلك قد نرى شركة تحقق قفزة كبيرة في الأرباح نتيجة تسليم مشروعات أو بيع أصول أو تحسُّن هوامش الربحية، في الوقت الذي تتراجع فيه أرباح شركة أخرى رغم استمرار قوة نشاطها التشغيلي».

وأشار المبيض إلى أن تسجيل شركة «العقارية» قفزة في الأرباح ونمو أرباح «دار الأركان» تعكسان قدرة بعض المطورين على الاستفادة من المشروعات والمبيعات والطلب المتراكم، بينما لا يعني تراجع أرباح «سينومي سنترز» بالضرورة ضعف السوق العقارية ككل، وإنما يؤكد أن أداء كل شركة يجب أن يُقرأ وفق نموذج أعمالها ومصادر إيراداتها وهيكل التمويل لديها.

أحد مشروعات «سكني» في السعودية (واس)

إعادة تشكيل المنظومة

وحول تأثر النتائج المالية لشركات القطاع، بتطورات السوق والتنظيمات وفوائد التمويل، فيرى المبيض أن السوق تعيش مرحلة لإعادة تشكيل القطاع، لافتاً إلى أن التنظيمات الجديدة ترفع مستوى الاحتراف والشفافية وتدفع نحو الاستخدام والتطوير الفعلي للأصول بدلاً من الاكتناز.

وأردف قائلاً: «هذا يصب على المدى المتوسط في مصلحة الشركات الأكثر كفاءة وقدرة على التطوير والتنفيذ، وفي المقابل، تظل تكلفة التمويل عاملاً مؤثراً جداً؛ لأنها تنعكس على تكلفة المشروعات وقدرة الأفراد والمستثمرين على الشراء، وبالتالي على سرعة المبيعات وهوامش الربحية».

ويتوقع المبيض أن تشهد نتائج الربعين القادمين من 2026 تحسناً انتقائياً في ربحية شركات القطاع العقاري وليس نمواً متساوياً بين جميع الشركات، مبيناً أن اللافت في أرباح الربع الثاني، هو التراجع الطفيف في الأرباح بنسبة لم تتجاوز 0.5 في المائة، مقارنةً بانخفاض أرباحها بما يقارب 18 في المائة، خلال النصف الأول كاملاً؛ وهذا قد يكون مؤشراً أولياً على أن وتيرة التراجع بدأت تهدأ.

وأضاف أن الشركات الأكثر استفادة خلال الفترة المقبلة ستكون هي الشركات التي تمتلك مشروعات قريبة من التسليم، ومخزون أراضٍ بتكلفة جيدة، ومديونية منضبطة، وتدفقات نقدية تشغيلية قوية، لذلك قد يكون النصف الثاني أفضل لبعض الشركات، لكن من المبكر القول إن القطاع بأكمله سيدخل دورة نمو قوية ومتزامنة في الأرباح.

وبحسب المبيض، فإن السوق العقارية ما زالت تحمل فرص نمو كبيرة، لكن المرحلة القادمة ستكون تمايزاً بين الشركات؛ ولن يكون الرابح بالضرورة من يملك أكبر محفظة عقارية، بل من يستطيع تحويل أصوله إلى تدفقات نقدية وربحية مستدامة بكفاءة أعلى.

مستثمران يتابعان شاشات التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)

تغييرات تنظيمية وتشريعية

من جانبه، يرى الخبير والمقيّم العقاري المهندس أحمد الفقيه، خلال تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن النتائج الربعية والنصفية لشركات التطوير العقاري لا تحمل دلالة دقيقة لتوجه سوق التطوير العقاري، بقدر ما توضح الحالة التي تمر بها الشركات المدرجة في السوق المالية، من خلال تسليم مشاريعها والإدارة القائمة عليها.

وأكمل أن ما تمر به السوق من تغييرات تنظيمية وتشريعية جذرية شملت حتى جانب المطورين العقاريين، وتحديداً جانب الحوكمة لها تأثير في السوق العقارية، لكن هذا التأثير لن يظهر الآن على أرقام وأرباح شركات التطوير الكبيرة، وستظهر بعد مضي نحو 12 شهراً من الآن.

وزاد الفقيه بأنه رغم أن بعضاً من قوانين الحوكمة الجديدة للشركات العقارية رفعت فعلياً من تكلفة التطوير فإن قرارات التوازن العقاري، أسهمت وبشكل واضح في خفض أحد أهم التحديات للتكلفة لدى شركات التطوير وهو الأرض، وهذا البند الأساسي في منتجات شركات التطوير أصبح متاحاً من خلال شراكات مع مُلَّاك الأراضي، وبالتالي فإن التكلفة الفعلية انخفضت وبشكل كبير.

وذكر أن تراجع أو زيادة أرباح شركات التطوير يرتبط فعلياً بعاملين أساسيين، هما: ما لدى هذه الشركات من مشروعات تم تسليمها وبيعها في السوق وعدم تعثرها، والعامل الثاني هو الإدارة القائمة على هذه الشركات ونجاحها الإداري في عدم ارتكاب أخطاء جوهرية، وتابع أن السوق العقارية وتحديداً التطوير، أمر ضخم يحكمه ما يقوم به المشرع من خلق سوق جاذبة من خلال مشروعات تطويرية عملاقة تخلق تنافساً كبيراً بين شركات القطاع مستقبلاً.