خط أنابيب «شرق - غرب»... صمام أمان الطاقة في قلب الاستراتيجية السعودية

«أرامكو» لـ«الشرق الأوسط»: تعديل مسارات الشحن إلى ميناء ينبع ضماناً لسلامة الإمدادات واستمرارية الخدمة

ميناء الملك فهد الصناعي بينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي بينبع (واس)
TT

خط أنابيب «شرق - غرب»... صمام أمان الطاقة في قلب الاستراتيجية السعودية

ميناء الملك فهد الصناعي بينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي بينبع (واس)

في ظل تصاعد المواجهات العسكرية الإقليمية، وتكرار استهداف الملاحة في مضيق هرمز، استعاد خط أنابيب «شرق - غرب» السعودي مكانته بوصفه من أهم صمامات الأمان في معادلة الطاقة العالمية. وبينما تترقب الأسواق بحذر التهديدات المحدقة بهذا الممر الحيوي، تبرز البنية التحتية السيادية للمملكة بوصفها درعاً استراتيجية تضمن استمرارية تدفق الإمدادات؛ في تأكيد أن مرونة السعودية اللوجيستية وقدرتها على التسليم لا تقل أهمية عن طاقاتها الإنتاجية، وهو ما يرسخ مكانتها بوصفها المورد الأكثر موثوقية في أكثر الأوقات اضطراباً.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قالت «أرامكو السعودية» إن الشركة «قامت بتعديل عمليات شحن النفط الخام لإعطاء الأولوية للسلامة واستمرارية الخدمة والمساعدة في ضمان الموثوقية، وذلك من خلال إعادة توجيه الأحجام المخصصة مؤقتاً إلى ميناء ينبع بوصفه خياراً للعملاء الذين لا يستطيعون الدخول إلى الخليج العربي». وأضافت: «نحن نواصل التزامنا الكامل بدعم وخدمة العملاء، ونعمل بشكل مستمر على تقييم الأوضاع بهدف استئناف الإجراءات المعتادة».

وكانت وكالة «رويترز» قد نقلت عن مصادر أن شركة «أرامكو» تسعى إلى تحويل مسار بعض صادراتها من النفط الخام إلى البحر الأحمر لتجنب مضيق هرمز، بعد أن أدى خطر الهجمات إلى توقف شبه كامل لحركة الشحن، وأنها أبلغت بعض مشتري خامها العربي الخفيف بضرورة تحميل الشحنات في ينبع.

بنية تحتية سيادية

الخط، المعروف أيضاً باسم «بترولاين»، لا يُمثل مجرد مشروع نقل نفطي، بل بنية تحتية سيادية أنشئت لحماية تدفقات الخام في المملكة من أي اضطرابات بحرية محتملة.

ويُعد خط أنابيب «شرق - غرب» مشروعاً استراتيجياً ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية في السعودية إلى ساحل البحر الأحمر غرباً؛ حيث يصدر عبر ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع. ويمتد الخط لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، عابراً أراضي المملكة من الشرق إلى الغرب، عبر محطات ضخ متعددة تمكنه من نقل ملايين البراميل يومياً بكفاءة عالية.

وقد بدأ تشغيل الخط مطلع الثمانينات، في سياق إقليمي اتسم بحساسية أمنية عالية حينها، بعدما برزت مخاوف من تهديد الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط البحرية عالمياً. ومن هنا، جاء المشروع ليحقق 3 أهداف رئيسية، وهي توفير منفذ تصدير بديل عن الخليج العربي، وتعزيز أمن الطاقة السعودي، وطمأنة الأسواق العالمية بشأن استمرارية الإمدادات.

وتبلغ الطاقة الاستيعابية للخط نحو 5 ملايين برميل يومياً، مقارنة بطاقة أولية أقل عند تدشينه. وهذه القدرة تمنح السعودية مرونة لوجيستية كبيرة في إعادة توجيه صادراتها سريعاً وفق الظروف الجيوسياسية أو التشغيلية.

ويشغّل الخط عملاق الطاقة الوطني «أرامكو السعودية»؛ حيث تخضع عملياته لأنظمة مراقبة متقدمة، تتيح إدارة تدفقات النفط بكفاءة عالية، إلى جانب إجراءات حماية أمنية وتقنية مشددة.

لماذا يعد ورقة استراتيجية اليوم؟

قال المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس لـ«الشرق الأوسط»، إن خط الأنابيب الرابط بين المنطقة الشرقية وميناء ينبع يعد من أهم مشروعات البنية التحتية الاستراتيجية في قطاع الطاقة السعودي. وأوضح أن طاقته الاستيعابية التي تصل إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً تمنح المملكة مرونة لوجيستية عالية في حال حدوث اضطرابات في الخليج العربي أو مضيق هرمز.

وأضاف العطاس أنه في ظل التوترات الجيوسياسية، فإن وجود منفذ تصديري بديل بعيد عن نقاط الاختناق البحرية يخفض المخاطر التشغيلية، ويُعزز القدرة على الوفاء بالعقود طويلة الأجل. وأشار إلى أنه لا يمكن الحديث عن صفر اضطرابات بشكل مطلق، لكن الخط يقلص المخاطر بدرجة كبيرة، ويجعل احتمالية التعطل الواسع في الصادرات السعودية منخفضة جداً مقارنة بكثير من المنتجين الآخرين.

وحسب العطاس، فإن «بترولاين» تحول من مشروع لوجيستي إلى أداة أمن قومي اقتصادي. فما كان في السابق مشروع نقل نفطي لرفع كفاءة التصدير، أصبح اليوم جزءاً من منظومة الأمن القومي الاقتصادي للمملكة. وأكد أن «أرامكو» لا تعتمد عليه فقط مساراً بديلاً، بل كذلك خيار استراتيجي يُعزز تنويع المنافذ التصديرية، ويقلل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، ويحمي التدفقات النقدية المرتبطة بالصادرات النفطية، ويعزز الموثوقية أمام العملاء في آسيا وأوروبا.

وأوضح أن القدرة على التسليم لا تقل أهمية عن القدرة على الإنتاج، مشيراً إلى أن القيمة الاستراتيجية للخط تكمن تحديداً في ضمان استمرار التسليم حتى في أصعب الظروف.

وفيما يتعلق بتأثير ذلك على الأسواق، قال العطاس إن الأسواق في أوقات الحروب أو التوترات الإقليمية تسعر المخاطر بسرعة. ولفت إلى أن وجود مسار بديل فعال يمنح السعودية ميزة تنافسية مهمة تتمثل في تهدئة علاوة المخاطر على النفط السعودي مقارنة بمنتجين يعتمدون على مسار وحيد، إضافة إلى تعزيز ثقة المستثمرين في استقرار التدفقات النقدية لـ«أرامكو»، ودعم صورة المملكة بوصفها مورداً موثوقاً طويل الأجل، وهو عنصر حاسم في أسواق العقود الآجلة.

وأكد أنه كلما زادت قدرة المملكة على إثبات استمرارية الإمدادات في أصعب الظروف، زادت ثقة الأسواق العالمية بأن السعودية ليست مجرد أكبر مصدر نفط، بل أيضاً أكثرهم موثوقية واستقراراً.

وختم العطاس بالتشديد على أن خط أنابيب «شرق - غرب» لم يعد مجرد بنية تحتية لنقل الخام، بل أصبح ركيزة استراتيجية تحمي الإيرادات، وتدعم الاستقرار المالي، وتمنح المملكة ثقلاً جيوسياسياً أكبر في معادلة أمن الطاقة العالمي.


مقالات ذات صلة

باكستان تخطط لتعزيز احتياطيات النفط وزيادة قدرات التخزين

الاقتصاد طوابير من السيارات التي تنتظر دورها أمام إحدى محطات التزود بالوقود في إسلام آباد (رويترز)

باكستان تخطط لتعزيز احتياطيات النفط وزيادة قدرات التخزين

تخطط باكستان لتعزيز قدراتها المحلية على تخزين النفط الخام والمنتجات المكررة بهدف تعزيز أمنها في مجال الطاقة.

«الشرق الأوسط» (كراتشي)
شؤون إقليمية لقطة بطائرة مسيّرة تظهر سفناً تبحر عبر مضيق هرمز قبالة سلطنة عمان (رويترز)

كوريا الجنوبية ستستدعي السفير الإيراني على خلفية مهاجمة سفينة بمضيق هرمز

قالت وزارة الخارجية الكورية الجنوبية، الأربعاء، إن من المرجح أن الهجوم الذي استهدف سفينة شحن تابعة لشركة «إتش إم إم» في «هرمز» مطلع هذا الشهر نُفذ بصاروخ إيراني

«الشرق الأوسط» (سيول)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب ينقل اجتماعاً بشأن إيران من «كامب ديفيد» إلى البيت الأبيض بسبب الطقس

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه نقل اجتماعاً حكومياً كان مقرراً عقده الأربعاء في منتجع كامب ديفيد الرئاسي إلى البيت الأبيض، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد امرأة تحاول التخفيف من حرارة الجو خارج قصر وستمنستر في لندن (أ.ب)

بريطانيا: قفزة جديدة في فواتير الطاقة تفاقم ضغوط تكلفة المعيشة

ستواجه الأسر البريطانية، التي تعاني من ضغوط قاسية جراء أزمة تكلفة المعيشة، قفزة جديدة في فواتير الطاقة السنوية لتصل في المتوسط إلى 1862 جنيهاً إسترلينياً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سبائك الذهب البريطانية في متجر «بيرد وشركاه» في هاتون غاردن بلندن (رويترز)

الأسواق تترقب محادثات واشنطن وطهران وبيانات التضخم لتقييم حركة الذهب

استقرت أسعار الذهب خلال تعاملات يوم الأربعاء، بالتزامن مع ترقب المستثمرين لعلامات ملموسة تعكس تقدماً في مفاوضات السلام.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

«سينوك» الصينية تبدأ إنتاج النفط من حقل «كينلي» البحري

بدأت «سينوك» الصينية الإنتاج من حقل «كينلي» البحري بنحو 204.40 ألف برميل من النفط يومياً (رويترز)
بدأت «سينوك» الصينية الإنتاج من حقل «كينلي» البحري بنحو 204.40 ألف برميل من النفط يومياً (رويترز)
TT

«سينوك» الصينية تبدأ إنتاج النفط من حقل «كينلي» البحري

بدأت «سينوك» الصينية الإنتاج من حقل «كينلي» البحري بنحو 204.40 ألف برميل من النفط يومياً (رويترز)
بدأت «سينوك» الصينية الإنتاج من حقل «كينلي» البحري بنحو 204.40 ألف برميل من النفط يومياً (رويترز)

أعلنت «شركة النفط الوطنية الصينية (سينوك)»، الأربعاء، أنها بدأت الإنتاج الكامل في المرحلة الأولى من حقل «كينلي» النفطي في جنوب بحر بوهاي، قبالة سواحل شمال الصين.

وأفادت الشركة، في بيان، بأن الإنتاج تجاوز 204.40 ألف برميل من النفط يومياً، وفقاً لما ذكرته وسائل الإعلام الرسمية.

وكانت كبرى الشركات المنتجة للنفط البحري في الصين قد بدأت إنتاج النفط الخام الثقيل في حقل «كينلي» في يوليو (تموز) 2025، في حين أسهم الإنجاز السريع وتشغيل مشروعات رئيسية أخرى، مثل مشروع «بوزونغ»، في تجاوز إجمالي إنتاج حقل «بوهاي» من النفط والغاز المكافئ البالغ 40 مليون طن متري.

يبلغ متوسط ​​عمق المياه في حقل «كينلي» النفطي 20 متراً (65.62 قدماً)، ويحتوي احتياطات جيولوجية مؤكدة تتجاوز 100 مليون طن متري من النفط الخام.

يشمل المشروع منصة مركزية ومنصتين آليتين لرؤوس الآبار، مع خطط لحفر 79 بئراً.

وتمتلك شركة «سينوك» حصة 100 في المائة بالمشروع وتتولى إدارته.


ترمب يعتزم إبقاء الرسوم المفروضة على المكسيك وكندا

ميناء مانزانيلو في المكسيك (رويترز)
ميناء مانزانيلو في المكسيك (رويترز)
TT

ترمب يعتزم إبقاء الرسوم المفروضة على المكسيك وكندا

ميناء مانزانيلو في المكسيك (رويترز)
ميناء مانزانيلو في المكسيك (رويترز)

قال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير، مساء الثلاثاء، إن إدارة الرئيس دونالد ترمب تعتزم الإبقاء على الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات من المكسيك وكندا، وذلك في الوقت الذي تبدأ فيه الولايات المتحدة مفاوضات لتعديل اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية.

وأضاف غرير، خلال فعالية نظمها مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن، أن بلاده لديها قضايا تجارية «مهمة» مع كندا.

جاء ذلك قبل مفاوضات ثنائية ستعقدها الولايات المتحدة مع المكسيك دون مشاركة كندا.

وتابع قائلاً: «ستفرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية... حتى على دولة مثل المكسيك، أو أي دولة أخرى في نصف الكرة الأرضية الذي ننتمي إليه. سنفرض رسوماً جمركية ما دام لدينا عجز تجاري ضخم».

وتشير هذه التصريحات إلى أن الاتفاق القائم منذ ست سنوات بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا لن يستمر، مثل اتفاقية تجارة حرة معفاة من الرسوم الجمركية، وهو ما يشبه تعليقات أدلى بها غرير الشهر الماضي لمسؤولين تنفيذييين في المكسيك، مفادها أن الرسوم الجمركية على السيارات والصلب ستظل قائمة بموجب الاتفاقية المعدلة.

ومن المقرر أن يلتقي مفاوضون أميركيون ومكسيكيون هذا الأسبوع في مكسيكو سيتي في مستهل جولات المفاوضات الرسمية، التي ستتناول التعديلات على قواعد المنشأ والأمن الاقتصادي.


باكستان تخطط لتعزيز احتياطيات النفط وزيادة قدرات التخزين

طوابير من السيارات التي تنتظر دورها أمام إحدى محطات التزود بالوقود في إسلام آباد (رويترز)
طوابير من السيارات التي تنتظر دورها أمام إحدى محطات التزود بالوقود في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان تخطط لتعزيز احتياطيات النفط وزيادة قدرات التخزين

طوابير من السيارات التي تنتظر دورها أمام إحدى محطات التزود بالوقود في إسلام آباد (رويترز)
طوابير من السيارات التي تنتظر دورها أمام إحدى محطات التزود بالوقود في إسلام آباد (رويترز)

تخطط باكستان لتعزيز قدراتها المحلية على تخزين النفط الخام والمنتجات المكررة بهدف تعزيز أمنها في مجال الطاقة، وذلك وفقاً لوثيقة حكومية تمت مشاركتها مع منتجي النفط وبعض كبرى شركات التداول في العالم.

ورغم اعتماد باكستان على مضيق هرمز في مرور ما يصل إلى 90 في المائة من وارداتها من النفط والغاز الطبيعي المسال، فإنها لا تمتلك احتياطيات نفطية استراتيجية، وفقاً لما ذكرته صحيفة «دون» الباكستانية.

وجعل ذلك إسلام آباد عرضة للتأثر بصدمات الإمداد الناجمة عن حرب إيران، حتى مع تقييد برنامج الإقراض الخاص بها مع صندوق النقد الدولي لمساحة المخزونات الطارئة باهظة التكلفة المملوكة للدولة.

وقالت وزارة الطاقة الباكستانية في الوثيقة إن «أمن باكستان في مجال النفط يتطلب وجود احتياطيات للطوارئ وقدرة إمداد محلية أقوى على حد سواء».

وكان وزير النفط علي برويز مالك قد قال الأسبوع الماضي إن تكوين الاحتياطيات «يسهل قوله ويصعب تنفيذه»، لا سيما بالنسبة لبلد يخضع لبرنامج مع صندوق النقد الدولي ويواجه صعوبات مالية شديدة، لكنه أضاف أن الحكومة تحاول الانتقال سريعاً من التخطيط إلى التنفيذ.