أسلحة ومتفجرات لـ«حزب الله» وسط حي سكني في بيروت

اكتُشفت بالصدفة وتتضمن خرائط وصوراً من كاميرات مراقبة لأحياء في العاصمة

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي الحزب وإيران في ضاحية بيروت الجنوبية خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي (إ.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي الحزب وإيران في ضاحية بيروت الجنوبية خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي (إ.ب.أ)
TT

أسلحة ومتفجرات لـ«حزب الله» وسط حي سكني في بيروت

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي الحزب وإيران في ضاحية بيروت الجنوبية خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي (إ.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي الحزب وإيران في ضاحية بيروت الجنوبية خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي (إ.ب.أ)

ضبطت الأجهزة الأمنية اللبنانية أسلحة حربية وأجهزة اتصال لاسلكية وخرائط داخل شقة ومستودع تجاري في العاصمة بيروت، يعودان إلى أحد عناصر «حزب الله». وأعاد هذا التطور إلى الواجهة الدور الأمني الذي يمارسه الحزب في العاصمة اللبنانية، في وقت تسعى فيه الدولة إلى تكريس مبدأ حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وتنفيذ قرارها بجعل بيروت مدينة خالية من أي مظاهر مسلحة خارج إطار الدولة.

وتكشّفت فصول عملية دهم الشقة إثر خلاف عائلي وقع بين صاحب المنزل، ويدعى (هـ.ج)، وأهل زوجته في منطقة رأس النبع في بيروت، وإطلاقه النار على منزل حماه ما أدى إلى إصابة شقيقة زوجته، وأفاد مصدر قضائي بأنه على أثر هذه الحادثة التي وقعت عند الخامسة من فجر الأربعاء «داهمت قوة من شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي الشقة بناءً على إشارة قضائية».

وأكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «خلال عملية توقيفه وتفتيش المنزل عثر على عدد من الرشاشات الحربية والصواعق والمتفجرات وقذائف صاروخية (RPG)، كما جرت مداهمة مستودع تجاري عائد للمشتبه به، ضبط بداخله هواتف محمولة وأجهزة (dvr) تحتوي على صور لكاميرات مراقبة، وخرائط لشوارع منطقة راس النبع وأحياء أخرى في بيروت».

وعند التدقيق في وثائق ومستندات مضبوطة في الشقة، تبيّن أن الموقوف ينتمي إلى «حزب الله»، وقد اعترف في سياق التحقيق الأولي بانتمائه للحزب. وأشار المصدر القضائي إلى أن «شعبة المعلومات باشرت التحقيق مع الموقوف ومع شخص آخر يعمل لديه في المستودع المذكور»، موضحاً أن التحقيق معه «يتمحور حول أسباب حيازة هذه الأسلحة والمتفجرات والقذائف الصاروخية ووجهة استخدامها»، مذكراً بأنه «بمعزل عن المسؤولية التي تترتب على حيازة هذا الشخص أسلحة غير مرخصة، لا بد من معرفة خلفيات الاحتفاظ بهذه الأسلحة في منطقة سكنية ومكتظة بالمدنيين».

مبانٍ مدمَّرة نتيجة قصف إسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يرتفع علم لـ«حزب الله» (إ.ب.أ)

وتكتسب هذه القضية أهمية كبرى، إذ إنها تتجاوز بعدها الجنائي، لتشكّل تحدّياً للدولة وقرار الحكومة الصادر في الثاني من مارس (آذار) الماضي، الذي يحظر أي نشاط عسكري وأمني للحزب، كما أنها تأتي في مرحلة تشهد تصاعداً في الحديث الرسمي عن ضرورة إزالة كل مظاهر السلاح غير الشرعي من العاصمة.

وقال المصدر القضائي إن التحقيق «لا يزال في بدايته، ونتائجه هي التي ستُحدد طبيعة المسؤوليات القانونية، وما إذا كانت القضية تقتصر على حيازة غير مشروعة للأسلحة والمتفجرات، أو تكشف عن مخطط أمني منظم، ما يستوجب ملاحقات أوسع».

وتعطي هذه الحادثة نموذجاً عما يخبئه «حزب الله» في العاصمة بيروت، لا سيما أن منطقة عائشة بكار شهدت قبل أقل من شهرين اشتباكاً مسلحاً أوقع عدداً من الإصابات، بين مجموعة تنتمي إلى «سرايا المقاومة» التابعة للحزب، وعناصر من «الجماعة الإسلامية»، رغم أن الأخيرة تقرّبت من «حزب الله» وانخرطت معه في جبهة «إسناد غزة» في عام 2024، ورأى مصدر أمني أنه «رغم التراجع النسبي لنفوذ الحزب في عدد من المناطق، بما فيها بيروت بعد حربي 2024 و2026، فإن المعطيات والمعلومات الأمنية، تؤكد احتفاظه ببنى أمنية ولوجستية لا يستهان بها».

وقال المصدر الأمني لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضبط أسلحة ومتفجرات وقذائف صاروخية داخل شقّة سكنية وفي منطقة مكتظة بالمدنيين، يعزز المخاوف الأمنية والأعباء التي يتحملها الجيش والأجهزة الأمنية في هذه المرحلة، ويطرح أسئلة مشروعة عن دوافع وخلفيات اقتناء أسلحة ومتفجرات في هذه المنطقة».


مقالات ذات صلة

تقارير: مسؤولون سوريون أجروا محادثات سرية مع «حزب الله» في تركيا

المشرق العربي قوى الأمن السوري أمام مبنى اجتمع فيه 5 من عناصر «حزب الله» في سوريا (الداخلية السورية)

تقارير: مسؤولون سوريون أجروا محادثات سرية مع «حزب الله» في تركيا

أفادت 6 مصادر مطلعة بأن ممثلين عن الحكومة السورية وجماعة «حزب الله» اللبنانية أجروا محادثات مباشرة في تركيا، في محاولة لتهدئة التوتر بين الجانبين.

«الشرق الأوسط» (بيروت - دمشق)
المشرق العربي الوزير ماركو روبيو يلتقي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في واشنطن (رويترز)

لبنان ينقل مطلبه بحصرية السلاح وإنهاء الاحتلال إلى واشنطن

انتقل ملف حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية من تثبيت الموقف على منبر الأمم المتحدة، إلى البحث في آليات تنفيذه في واشنطن

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد إثر انفجار في بلدة المنصوري كما بدا من بلدة الحنية جنوب لبنان 29 سبتمبر 2026 (رويترز)

إسرائيل تسحب القوة المقاتلة من «غولاني» وتبقي حزاماً أمنياً بجنوب لبنان

تطرح العملية الإسرائيلية في بلدة المنصوري بقضاء صور سؤالاً حول ما إذا كانت عمليات الاقتحام والهدم تمهد لتقليص الوجود البري المباشر

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي عسكريون في الجيش اللبناني ينتشرون في زوطر الغربية، أولى البلدات النموذجية في جنوب لبنان (د.ب.أ)

الجيش اللبناني وإسرائيل... توتر تضبطه واشنطن بالتنسيق والمفاوضات

على مدى ثلاث سنوات، طالت عشرات الاستهدافات الإسرائيلية للجيش اللبناني المنتشر في الجنوب، وتخللتها احتكاكات، رغم آليات التنسيق القائمة بين الطرفين عبر واشنطن.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي رجل يلوّح بعلم «حزب الله» اللبناني في بغداد خلال الذكرى الثانية لاغتيال أمين عام الحزب حسن نصر الله... 26 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«حزب الله» ينفي علاقته بخلية أوقفتها سوريا قرب الجولان

نفى «حزب الله»، الأربعاء، أي علاقة له بمجموعة أعلنت السلطات السورية ليلاً توقيفها قرب الجولان المحتل من إسرائيل، وقالت إنها كانت تخطط «لتنفيذ عمليات».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الانسحاب الأميركي بين العراق وأفغانستان.. أوجه التشابه والاختلاف

إنزال العلم الأميركي فيما يحضر الجنود الأميركيون والأفغان حفل تسليم من الجيش الأميركي إلى الجيش الوطني الأفغاني في معسكر أنتونيك بمقاطعة هلمند جنوب أفغانستان (أ.ب)
إنزال العلم الأميركي فيما يحضر الجنود الأميركيون والأفغان حفل تسليم من الجيش الأميركي إلى الجيش الوطني الأفغاني في معسكر أنتونيك بمقاطعة هلمند جنوب أفغانستان (أ.ب)
TT

الانسحاب الأميركي بين العراق وأفغانستان.. أوجه التشابه والاختلاف

إنزال العلم الأميركي فيما يحضر الجنود الأميركيون والأفغان حفل تسليم من الجيش الأميركي إلى الجيش الوطني الأفغاني في معسكر أنتونيك بمقاطعة هلمند جنوب أفغانستان (أ.ب)
إنزال العلم الأميركي فيما يحضر الجنود الأميركيون والأفغان حفل تسليم من الجيش الأميركي إلى الجيش الوطني الأفغاني في معسكر أنتونيك بمقاطعة هلمند جنوب أفغانستان (أ.ب)

مع إعلان الجيش الأميركي إتمام انسحاب جميع قواته من العراق، عقد كثيرون مقارنة بين ما حدث هناك بعد أكثر من عقدين من الانخراط الأميركي، والتجربة الأميركية في أفغانستان التي استمرت لفترة مماثلة تقريباً، وإن بدا الانسحاب الأميركي من العراق أكثر تنظيماً.

والانسحاب الأميركي من العراق، الذي تم على مرحلتين كانت الأولى في عام 2011 والثانية التي تمت بنهاية سبتمبر (أيلول) 2026، والانسحاب من أفغانستان في عام 2021، يتشابهان في الرغبة السياسية في إنهاء الحروب الطويلة، لكنهما يختلفان بشكل كبير من حيث ظروف التنفيذ والتداعيات الميدانية.

كان من الدوافع السياسية الداخلية للانسحابين، سعي الرئيسين السابقين، باراك أوباما وجو بايدن، للوفاء بوعود انتخابية تقضي بوقف استنزاف الموارد البشرية والمالية في حروب الشرق الأوسط. كما جاء كلا القرارين تحت وطأة أزمات اقتصادية وانتقادات داخلية واسعة لجدوى استمرار الوجود العسكري المباشر، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية.

وتقاطع الانسحابان إلى حد كبير في تداعياتهما، حيث خلَّفا فراغاً أمنياً ومخاوف إقليمية ودولية من عودة وتمدد الجماعات المتطرفة، لا سيما ما حدث مع المرحلة الأولى من الانسحاب الكامل للقوات الأميركية القتالية من العراق بنهاية عام 2011، حيث استغل تنظيم «داعش» الوضع لاحقاً وسيطر على مساحات واسعة من البلاد في عام 2014، مما استدعى عودة القوات الأميركية ضمن تحالف دولي لمحاربة التنظيم، وهو ما حدث مع مغادرة القوات الدولية بقيادة الولايات المتحدة لأفغانستان عام 2021، حين استولت حركة «طالبان» على السلطة.

فوضى الانسحاب الأميركي عام 2021 من أفغانستان خلقت عدداً من المشكلات لاحقاً (غيتي)

وكان هناك تأكيد أميركي في الحالتين على القضاء على التنظيمات الإرهابية، وأنه لم يعد لها وجود. وربما تكرر هذا التأكيد على لسان الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب الذي أشاد بانتهاء «رحلة باهظة التكاليف إلى الجحيم» في العراق.

ووصف ترمب، في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الانسحاب بأنه «منظم»، وقال: «لقد استغرق الأمر وقتاً طويلاً، حيث تم اتخاذ قرارات سيئة للغاية أدت إلى تورطنا في هذا المستنقع في المقام الأول، لكن سرعان ما سيصبح ذلك جزءاً من التاريخ».

ورأى الرئيس الأميركي هذا التحول «انتصاراً» للولايات المتحدة والعراق، «ودليلاً على الانتصار على تنظيم (داعش)».

ووسط قراءات مختلفة لهذا التطور، رأى المجلس الأطلسي أن انسحاب القوات الأميركية من العراق فرصة لفتح صفحة جديدة في تاريخ الولايات المتحدة المعقد هناك، «لكن لا ينبغي أن يؤدي ذلك إلى إنهاء الانخراط الأميركي في العراق».

وقالت ألينا رومانوسكي، السفيرة الأميركية السابقة في بغداد (2022 - 2024)، وفيكتوريا تايلور نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي السابقة لشؤون الشرق الأدنى، في مقال بالمؤسسة البحثية التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، إن الإدارة الأميركية انتهجت هذا المسار في محاولة لتجنب تكرار ما حدث عام 2011 من انسحاب من العراق وما تلاه من سيطرة تنظيم «داعش» على ما يقرب من ثلث الأراضي العراقية.

مشاهد صادمة من الانسحاب الأميركي من أفغانستان (أرشيفية)

وأشارتا إلى أنهما كانتا جزءًا من فريق التفاوض الأميركي الصغير الذي عمل لمدة قاربت العام للتوصل إلى اتفاق مع بغداد يسمح بتقليص العملية على مراحل والانتقال إلى التعاون الأمني الثنائي.

وسردت الدبلوماسيتان السابقتان وجهتي نظر مختلفتين، فقالتا إنه بالنسبة لكثير من الأميركيين، يعد العراق من الحروب الأبدية الأصلية، ويأتي انسحاب الولايات المتحدة من العراق متوافقاً مع رؤية ترمب الرامية إلى تقليص الوجود العسكري الأميركي الإجمالي في الشرق الأوسط، ولكن على الجانب الآخر سيحتفل بهذا الحدث التاريخي عديد من العراقيين والإيرانيين، الذين سعوا منذ فترة طويلة إلى رحيل القوات الأميركية من العراق والمنطقة.

وأوضحتا أن الغزو الأميركي الذي أطاح بـ«الديكتاتور» صدام حسين، أدى إلى إزالة أكبر «عدو إقليمي» لطهران، ومهَّد الطريق لإيران لزيادة نفوذها في العراق اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.

وبالنظر إلى الميليشيات العراقية المدعومة من إيران وتناميها قوةً وعدداً في السنوات التي تلت ذلك، رأت كاتبتا المقال أن أمام رئيس الوزراء العراقي الحالي علي الزيدي، مهمة صعبة، وهو الذي تعهَّد بنزع سلاح هذه الميليشيات.

وقالت رومانوسكي وتايلور إنه رغم صعوبة هذه المهمة فهي «ليست مستحيلة، إذا كانت الولايات المتحدة والقوى الإقليمية الرئيسية مستعدة للعب دور على المدى الطويل في العراق».

وترك المقال الباب مفتوحاً أمام احتمال عودة أميركية من جديد، مشيراً إلى أن الدافع وراء الاستمرار في الانخراط في العراق يتجاوز مجرد «الأرواح والأموال» التي أنفقتها الولايات المتحدة بالفعل هناك، ويتعلق بالمصالح الاستراتيجية الأميركية على المدى الطويل، فعلى مدى أكثر من عقد من الزمن، حاول كل رئيس أميركي التوجه نحو آسيا وتقليص تركيز الولايات المتحدة على الشرق الأوسط، لكن كل إدارة وجدت نفسها «مجبرة على العودة» إلى المنطقة نتيجة للأزمات الإقليمية.

واستشهدتا بعودة القوات الأميركية «لهزيمة تنظيم (داعش)، أو التصعيد الإقليمي الذي أعقب هجمات (حماس) في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أو الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، فللولايات المتحدة مصالح دائمة في الشرق الأوسط أبقتها وستظل تبقيها منخرطة في المنطقة».

ورأتا أن حدوث هذا الانسحاب في خضمّ صراع أميركي طويل الأمد مع إيران «يسلط الضوء على الأسباب ذاتها التي تدعو الولايات المتحدة إلى عدم الانسحاب من العراق». وعدّتا الهجمات التي تشنها الميليشيات العراقية المدعومة من إيران طوال فترة هذه الحرب «تذكيراً مهماً بأن ما يحدث في العراق لا يقتصر على العراق وحده، سواء كانت حرب الخليج الأولى، أو حرب العراق، أو الحرب ضد تنظيم (داعش)، فقد كان لاستقرار العراق دائماً تأثير إقليمي أوسع نطاقاً. وبسكانه البالغ عددهم 45 مليون نسمة وموارده الهائلة من النفط والغاز، سيكون العراق لاعباً رئيسياً في اقتصاد المنطقة ويمكن أن يكون قوة للاستقرار... أو لعدم الاستقرار».

وقد يدفع البعض في واشنطن باتجاه أنه يجب التسليم بخسارة العراق بالفعل لصالح إيران، ويقولون إن استمرار الانخراط الأميركي لن يسفر إلا عن مكاسب محدودة، وتقول رومانوسكي وتايلور: «لكننا لا نرى الأمر على هذا النحو، فحتى مع تلاشي العراق من الوعي الأميركي، تظل الولايات المتحدة في صدارة اهتمامات الطبقة السياسية العراقية، التي تنظر إليها بوصفها ثقلاً موازناً محورياً للتوسع الإيراني وشريان حياة اقتصادياً بالغ الأهمية. ولا تحتاج الولايات المتحدة إلى آلاف الجنود لتغيير ميزان القوى»، وفقاً للمقال.

من جانبها، عدَّت بغداد انتهاء المهمة الأميركية مؤشراً على تنامي قوة العراق وسيادته. كما رحبت الجماعات المدعومة من إيران بالانسحاب، لكنه أثار مخاوف لدى عراقيين آخرين، خصوصاً في إقليم كردستان، حيث يخشى كثيرون عودة ظهور تنظيم «داعش»، فضلاً عن شن مزيد من الهجمات من جانب الجماعات المرتبطة بإيران، التي قد تزداد جرأة بعد رحيل القوات الأميركية.

من ناحية أخرى، تثار تساؤلات حول مستقبل الميليشيات العراقية التي سعت حكومة بغداد إلى نزع سلاحها، دون تحقيق نجاح يُذكر حتى الآن، في ظل حديث أبو حسين الحميداوي، الأمين العام لـ«كتائب حزب الله» العراقي، وهي من أقوى الفصائل المسلحة وأكثرها تسليحاً ونفوذاً ضمن خريطة الميليشيات الموالية لإيران في العراق، عن انتصار «المقاومة الإسلامية الظافرة في هذه الجولة مع الاحتلال الأميركي، والمنتصر فيها هو من يفرض شروطه على العدو».

وربما حملت كلماته دليلاً على عدم النية في تسليم السلاح، حيث قال: «كثير من دول العالم تمتلك أكثر من جيش وأكثر من منظومة عسكرية ويجب أن يكون القرار الأساسي في السلم والحرب واحداً، أو على الأقل متفقاً عليه، وهو أمر مقبول لدينا».

ويرى مراقبون أن المحك الرئيسي أمام حكومة الزيدي سيبقى هو مدى قدرتها على بناء مؤسسات أمنية وطنية متماسكة، تعتمد على التوافق السياسي داخلياً، بعيداً عن المظلة الدولية، وسط مخاوف من تحول المشهد الإقليمي إلى ساحة مفتوحة لنفوذ السلاح المنفلت، مما يجعل سيناريوهات الفوضى السابقة قابلة للتكرار في أي وقت.


«حزب الله» العراقي يفاوض الحكومة على أساس «تعدد الجيوش»

عناصر من الأمن العراقي في ساحة التحرير ببغداد خلال احتفالات «يوم السيادة» عقب اكتمال انسحاب القوات الأميركية (د.ب.أ)
عناصر من الأمن العراقي في ساحة التحرير ببغداد خلال احتفالات «يوم السيادة» عقب اكتمال انسحاب القوات الأميركية (د.ب.أ)
TT

«حزب الله» العراقي يفاوض الحكومة على أساس «تعدد الجيوش»

عناصر من الأمن العراقي في ساحة التحرير ببغداد خلال احتفالات «يوم السيادة» عقب اكتمال انسحاب القوات الأميركية (د.ب.أ)
عناصر من الأمن العراقي في ساحة التحرير ببغداد خلال احتفالات «يوم السيادة» عقب اكتمال انسحاب القوات الأميركية (د.ب.أ)

كشف فصيل مسلّح، موالٍ لإيران، أن مفاوضات مع الحكومة العراقية بشأن سلاحه «لم تُفضِ إلى نتائج حاسمة»، وفيما أعلن وقف العمليات العسكرية باستثناء ما سمّاه «الطيران المعادي»، تعهّد رئيس الحكومة علي الزيدي بنزع سلاح المجموعات غير العراقية، وإعادة تنظيم سلاح الفصائل ضمن جداول زمنية تنتهي في يونيو (حزيران) 2027.

وقال مسؤول «كتائب حزب الله»، المعروف باسم أبو حسين الحميداوي، في بيان صحافي، إن «المقاومة انتصرت في هذه الجولة مع الاحتلال الأميركي، والمنتصر فيها هو مَن يفرض شروطه»، في إشارة إلى الانسحاب الأميركي من العراق.

وأنهى «التحالف الدولي» مهمة «العزم الصلب» في العراق، بعد سنوات من طلب الحكومة في بغداد المساعدة لمكافحة تنظيم «داعش».

وكان لافتاً أن تحتفي إيران وحلفاؤها بانسحاب آخر القوات -والذي كان بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان- بوصفه «انتصاراً»، رغم قلق طيف من العراقيين إزاء تحديات جيوسياسية.

رئيس الحكومة علي الزيدي متحدثاً للتلفزيون الرسمي بمناسبة انسحاب «التحالف الدولي» من العراق (رويترز)

«لم نصل إلى نتيجة»

وتعليقاً على الانسحاب الأميركي، قال الحميداوي، إن «المعركة بين الحق والباطل»، عادّاً فصيله المسلح «ضمن معسكر الحق».

وتابع: «لا داعي إلى التكهنات والتحليلات (...) لم نصل إلى نتيجة مع رئيس الحكومة (علي الزيدي)، فقد انتظرنا جوابه إلى آخر ساعة، والأفضل أن نبدأ من جديد لننتج اتفاقاً متيناً يحفظ للجميع حقوقهم».

وكانت مصادر قد أكدت لـ«الشرق الأوسط» الشهر الماضي عن مفاوضات ثنائية أجراها الزيدي مع فصائل مسلحة ممانعة لخطة حصر السلاح، التي تأجلت مهلتها الزمنية من 30 سبتمبر (أيلول) 2026 إلى يونيو 2027.

إلا أن الموقف الأخير لـ«كتائب حزب الله» يعكس مقاربة مختلفة عن توجه الحكومة العراقية، ويتناقض بوضوح مع الضغط الأميركي الدافع نحو احتكار الدولة للسلاح والقوة في البلاد. وقال الحميداوي إنه لا داعي للتحسس من وجود «ثنائية المقاومة الإسلامية والأجهزة الحكومية الرسمية»، واصفاً ذلك بأنه «أمر حسن».

وقال الحميداوي: «كثير من دول العالم تمتلك أكثر من جيش وأكثر من منظومة عسكرية. نعم، يجب أن يكون القرار الأساسي في السلم والحرب واحداً، أو يكون، على الأقل، متفقاً عليه، وهو أمر مقبول لدينا».

وشدد الحميداوي «على جميع (عناصر الفصيل) في العراق إيقاف جميع العمليات العسكرية والأنشطة اللوجستية المتحركة، ما عدا العمل على استهداف الطيران المعادي المنتهك لأجواء البلاد، إلى أن تكتمل الدفاعات الجوية الحكومية».

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)

«انتصار تاريخي»

وجاء موقف «كتائب حزب الله»، التي يشاع على نطاق واسع أنها تعمل بالتنسيق الميداني مع طهران، بالتزامن مع حملة إعلامية واسعة للفصائل ومن خلفها «الحرس الثوري الإيراني» لتحويل انتهاء مهمة «التحالف الدولي» لمحاربة «داعش» إلى «انتصار لمحور المقاومة».

وقال «الحرس الثوري»، في بيان صحافي وزعته وسائل إعلام إيرانية، إنه «يشيد بانسحاب القوات الأميركية من العراق»، ووصفه بانتصار تاريخي وبداية «طرد» واشنطن من المنطقة والعالم الإسلامى بأكمله. وكان البنتاغون قد قال، الأربعاء، إن آخر جندي أميركي غادر العراق، لينتهى بذلك الوجود العسكري الأميركي هناك الذي استمر لأكثر من عقدين.

وانخرطت فصائل، تعمل جنباً إلى جنب مع «الحرس الثوري»، في معارك ضد تنظيم «داعش» خلال السنوات التي تلت 2014، لكن تحت غطاء واسع من الطيران الأميركي، الذي شنّ نحو 134 ألف طلعة جوية إجمالاً، بين ضربات قتالية ودعم واستطلاع وتزويد بالوقود، في كل من العراق وسوريا حتى الأعوام الأخيرة من الحملة.

خطة زمنية

من جانبه، جدّد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي التذكير بالمهلة الجديدة لإنهاء ملف حصر سلاح المجموعات المقرّبة من إيران بيد الدولة، في إعلان جاء غداة انتهاء مهمة «التحالف الدولي».

وكانت حكومته قد حدّدت في الأساس 30 سبتمبر موعداً نهائياً لتسليم الفصائل سلاحها، بالتزامن مع انتهاء مهمة «التحالف الدولي»، الذي تذرّعت المجموعات بوجوده للتمسّك بسلاحها. غير أن الحكومة تراجعت لاحقاً عن الموعد، في ظل استمرار مفاوضاتها مع تلك المجموعات بشأن «تنظيم» السلاح.

وقال الزيدي، الخميس، في بيان إن «يوم 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 بداية جادة لمعالجة موضوع السلاح خارج سيطرة الدولة، والالتزام بالاستحقاقات الدستورية، وفقاً لخريطة طريق واضحة، وجداول زمنية متفق عليها لا تتجاوز يوم 30 يونيو 2027»، وهو الموعد نفسه الذي أعلنه رئيس الحكومة الشهر الماضي، بالتزامن مع مشاركته اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك.

ويأتي ذلك «عملاً بالمبدأ الدستوري القاضي بترك قرار الحرب والسلم للسلطات الدستورية، ومنع أي عمل عسكري خلاف ذلك».

وكان الزيدي قد أكد أن حكومته ستعمل «على نزع السلاح لكل المجاميع المسلحة غير العراقية الموجودة على الأراضي العراقية بشكل كامل».

ويُعد تسليم السلاح مسألة معقّدة للغاية في العراق، الذي يُشكّل منذ الغزو الأميركي في عام 2003، ساحة تنافس بين الولايات المتحدة وإيران، اللتين تتمتعان بنفوذ سياسي وأمني فيه.

أنصار فصيل مسلح يحتفلون بانسحاب «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة من العراق في 30 سبتمبر 2026 (رويترز)

فصائل «غير ملزمة»

ويوم الأربعاء، أشارت الفصائل المتمسكة بسلاحها إلى أنها «غير ملزمة بأي توقيت أو اتفاق قد تحدث عنه أو يتحدث عنه أي طرف حكومي أو سياسي» لتسليم السلاح، وفق بيان للناطق باسم المجموعة التي تُسمي نفسها «المقاومة الإسلامية»، جعفر الحسيني.

وتشترط هذه الفصائل انسحابَ القوات الأجنبية، كما إنهاء النفوذ الأميركي في السياسة والاقتصاد العراقيَّين.

إلا أن وسائل إعلام محلية نقلت عن مصادر أن «أحد الفصائل المسلحة التي يجري التفاوض معها من قبل اللجنة الرباعية الخاصة بحصر السلاح بيد الدولة، طالبت باستحداث وزارة جديدة تكون ساندة للوزارات الأمنية».

وكانت «الشرق الأوسط» قد كشفت الشهر الماضي، طبقاً لمصادر عليمة، أن أعضاء لجنة التفاوض على حصر السلاح، وهم نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، ومحمد شياع السوداني، رئيس الوزراء السابق، وهادي العامري، مسؤول «منظمة بدر»، قد توصلوا إلى تسوية مع ممثلي فصائل مسلحة أساسها «عدم استخدام السلاح» لكن بشرط «عدم التفريط فيه».

تركيا تبدأ تسليم «زليكان»

في ظل هذه التطورات، أعلنت وزارة الدفاع التركية، الخميس، قرارها بتسليم قاعدة «بعشيقة - زليكان» شمال شرقي الموصل تدريجياً إلى السلطات العراقية، وفق الآلية المتفق عليها بين البلدين، مشيرة إلى أن هذه الخطوة تأتي في ضوء التقدم الملموس الذي أحرزته الحكومة العراقية في تطبيق الإجراءات الأمنية بمنطقة سنجار.

والأسبوع الماضي، اتفقت أنقرة وبغداد على قيام القوات التركية بتسليم معسكر «زليكان» إلى الحكومة العراقية بشكل تدريجي، وإنهاء وجود «العناصر المسلحة المحظورة» في شمال العراق.

وأعاد الاتفاق، الذي أعلن عنه الجانبان عقب محادثات في نيويورك، التذكير بطبيعة الصراع الأمني والسياسي الناجم عن وجود عناصر حزب «العمال الكرستاني» في مدينة سنجار.

وتقع قاعدة «زليكان» شرق الموصل في منطقة بعشيقة، في حين تقع سنجار غرب الموصل قرب الحدود السورية، ورغم أنهما منفصلتان جغرافياً لكنهما جزء من مسرح أمني واحد في نينوى.


تشييع رفات 105 جثامين في جنازة واحدة بقطاع غزة

مشيّعون يحضرون جنازة جماعية لفلسطينيين انتُشلت جثامينهم من تحت أنقاض مبنى سكني تعرّض لضربة إسرائيلية في أكتوبر 2023 وفقاً للدفاع المدني بمدينة غزة (رويترز)
مشيّعون يحضرون جنازة جماعية لفلسطينيين انتُشلت جثامينهم من تحت أنقاض مبنى سكني تعرّض لضربة إسرائيلية في أكتوبر 2023 وفقاً للدفاع المدني بمدينة غزة (رويترز)
TT

تشييع رفات 105 جثامين في جنازة واحدة بقطاع غزة

مشيّعون يحضرون جنازة جماعية لفلسطينيين انتُشلت جثامينهم من تحت أنقاض مبنى سكني تعرّض لضربة إسرائيلية في أكتوبر 2023 وفقاً للدفاع المدني بمدينة غزة (رويترز)
مشيّعون يحضرون جنازة جماعية لفلسطينيين انتُشلت جثامينهم من تحت أنقاض مبنى سكني تعرّض لضربة إسرائيلية في أكتوبر 2023 وفقاً للدفاع المدني بمدينة غزة (رويترز)

شيّعت جماهير فلسطينية غفيرة في قطاع غزة، اليوم الخميس، رفات 105 جثامين في جنازة واحدة إلى مثواهم الأخير، بعد نحو ثلاثة أعوام قضوها تحت أنقاض منازلهم التي دمّرها القصف الإسرائيلي.

مراسم التشييع انطلقت صباح اليوم من مربع التاج باتجاه مقبرة الشيخ رضوان بحضور ذوي الشهداء (أ.ف.ب)

تعود الواقعة إلى 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حين قصفت طائرات إسرائيلية برج التاج ومحيطه في منطقة اليرموك بمدينة غزة، في واحدة من أعنف الغارات التي طالت مربعاً سكنياً مكتظاً بالسكان، وفق وكالة «شهاب» للأنباء الفلسطينية.

مشيّعون يحضرون جنازة جماعية لفلسطينيين انتُشلت جثامينهم من تحت أنقاض مبنى سكني تعرّض لضربة إسرائيلية في أكتوبر 2023 وفقاً للدفاع المدني بمدينة غزة (رويترز)

وأشارت الوكالة إلى أن «مراسم التشييع انطلقت، صباح اليوم، من مربع التاج باتجاه مقبرة الشيخ رضوان، بحضور ذوي الشهداء وممثلين عن الجهات المنظمة، في حين تخلّل مراسم التشييع مؤتمر صحافي تناول عمليات البحث والانتشال التي أفضت إلى إخراج رفات الشهداء من تحت الركام»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الألمانية».

القوة التدميرية للقصف أدت إلى مسح المربع السكني بالكامل وتسويته بالأرض وكان أكثر من 500 مدني داخل المربع لحظة استهدافه بغزة (رويترز)

ولفتت إلى أن مربع التاج كان يضم عشرات الوحدات السكنية قبل أن تختفي معالمه بفعل القصف، موضحة أن «نحو 15 عائلة مُسحت بالكامل في المجزرة، فلم يبقَ منها أب أو أم أو أبناء، بينما طالت الخسائر معظم العائلات الأخرى، ولم تنجُ سوى عائلة أو اثنتين تقريباً من الفقد الكامل».

رفات مجهولة الهوية لأكثر من 100 شخص من تحت أنقاض مبانٍ مدمرة بمنطقة شارع اليرموك التي تعرضت للقصف في 25 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

بدورها، قالت قناة «الأقصى» الفلسطينية إن المربع السكني استُهدف بـ20 قنبلة ثقيلة أميركية الصنع من طراز (GBU-31). ويزن رأس القنبلة الواحدة قرابة طن، وفق المعلومات الواردة.

مشيّعون يحضرون جنازة جماعية لفلسطينيين انتُشلت جثامينهم من تحت أنقاض مبنى سكني تعرّض لضربة إسرائيلية في أكتوبر 2023 وفقاً للدفاع المدني بمدينة غزة (رويترز)

وأشارت إلى أن القوة التدميرية للقصف أدت إلى مسح المربع السكني بالكامل وتسويته بالأرض. وكان أكثر من 500 مدني داخل المربع لحظة استهدافه.