مواني السعودية... طوق نجاة للتجارة الدولية في زمن الاضطرابات

خبير لوجيستي لـ«الشرق الأوسط»: المليارات التي ضخّتها المملكة جعلتها منصة ربط عالمية

ناقلة راسية في ميناء ينبع التجاري (موانئ)
ناقلة راسية في ميناء ينبع التجاري (موانئ)
TT

مواني السعودية... طوق نجاة للتجارة الدولية في زمن الاضطرابات

ناقلة راسية في ميناء ينبع التجاري (موانئ)
ناقلة راسية في ميناء ينبع التجاري (موانئ)

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي، وما تبعها من تعطّل خطوط الملاحة الحيوية عبر مضيق هرمز، برزت المواني السعودية كشريان بديل، ليس لدول المنطقة فحسب، بل للعالم، بهدف تأمين تدفقات الطاقة وحركة التجارة الدولية؛ فهذه المواني، التي تمتاز بقدرات تشغيلية فائقة وبنية تحتية متطورة، لم تعد مجرد مرافق لوجيستية محلية، بل تحولت إلى محور دولي يضمن استدامة سلاسل الإمداد في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تحديات أمنية غير مسبوقة.

تأكيداً على ثقلها اللوجيستي، أعلنت «الهيئة العامة للموانئ (موانئ)»، إضافة خدمتَي شحن ملاحيتين جديدتين إلى «ميناء جدة الإسلامي» بالتعاون مع عملاقي النقل البحري «ميرسك» و«هاباغ لويد».

وتُعدّ هذه الخطوة نقلة نوعية في تعزيز الربط الملاحي بين المملكة والأسواق الدولية؛ إذ تشمل الخدمات الملاحية خدمة «AE19» التابعة لشركة «ميرسك»، وخدمة «SE4» التابعة لشركة «هاباغ لويد»، حيث تبلغ الطاقة الاستيعابية لكل خدمة نحو 17000 حاوية قياسية، مما يرفع الكفاءة التشغيلية والقدرة التنافسية للميناء بشكل ملموس.

كما تعمل هذه الخدمات على ربط «ميناء جدة الإسلامي» بـ9 موانٍ إقليمية وعالمية رئيسية، تشمل مواني الصين (تيانجين شينغانغ، تشينغداو، نينغبو، وشنغهاي)، وميناء بوسان في كوريا الجنوبية، وتانجونغ بيلباس بماليزيا، وسنغافورة.

كما تمتد شبكة الربط لتشمل مراكز استراتيجية في غرب وشرق البحر الأبيض المتوسط، وطرقاً حيوية تصل إلى جنوب أفريقيا (رأس الرجاء الصالح)، مما يعزز من مرونة حركة البضائع العابرة للقارات.

وكانت شركة «أرامكو» كشفت لـ«الشرق الأوسط»، قبل أيام، عن تحول نوعي في استراتيجيتها التصديرية، حيث بدأت فعلياً بتحويل مسار جزء من صادراتها من النفط الخام نحو ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر.

ووفقاً لـ«رويترز»، فقد أبلغت «أرامكو» مشتري خامها العربي الخفيف بضرورة تحميل الشحنات عبر ينبع، وهو قرار يعكس الثقة المطلقة في قدرة مواني البحر الأحمر على استيعاب التدفقات النفطية الضخمة بكفاءة وأمان، بعيداً عن تقلبات منطقة الخليج العربي.

خريطة المواني

تستند المملكة في هذا التحوُّل الاستراتيجي إلى شبكة موانٍ متكاملة تديرها «الهيئة العامة للموانئ (موانئ)» عبر منظومة ضخمة تضم 290 رصيفاً مجهَّزاً بأحدث التقنيات. لا تقتصر وظيفة هذه المواني على كونها منافذ لوجيستية فحسب، بل تمثل شرياناً حيوياً لتأمين تدفقات النفط والبضائع الأساسية، مستغلةً موقع المملكة الاستراتيجي الذي يربط بين ثلاث قارات، مما يمنح الاقتصاد السعودي مرونة عالية في مواجهة الأزمات العالمية والإقليمية.

ولا تتجلى أهمية هذه المنظومة في بُعدها التشغيلي فقط، بل تمتد لتكون ركيزة أساسية لجذب الاستثمارات الأجنبية، حيث رسخت المواني مكانتها بوصفها مركزاً موثوقاً ومستداماً للتجارة العالمية، بما يضمن إدارة حركة التجارة البحرية بأمان وانسيابية عالية، ويعزّز من كفاءة سلاسل الإمداد في ظل المتغيرات الجيوسياسية الراهنة.

ميناء جدة الإسلامي (موانئ)

في الآتي أبرز مواني المملكة:

- ميناء جدة الإسلامي: الشريان التجاري الأبرز وأكبر ميناء محوري على ساحل البحر الأحمر، ويتميز بموقعه على أحد أهم الممرات البحرية العالمية في البحر الأحمر، مما يجعله نقطة ربط محورية لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

ويمتد الميناء على مساحة نحو 12.5 كيلومتر مربع، ويضم 62 رصيفاً بحرياً، إلى جانب محطتَي حاويات متخصصة، ما يتيح له استقبال السفن الكبيرة بسعة تصل إلى 19800 حاوية مكافئة. ويتعامل مع أكثر من 130 مليون طن سنوياً من البضائع، بما يشكل نحو 75 في المائة من التجارة البحرية للمملكة.

ويضم محطات حاويات رئيسية، مثل بوابة البحر الأحمر والمحطة الجنوبية، مع توسعات مستمرة تشمل أنظمة ذكية وأتمتة متقدمة؛ ما يضمن مناولة الحاويات والبضائع بكفاءة عالية، إضافة إلى خدمات التخزين والجمارك والتزويد بالسفن. ويربط الميناء المملكة مباشرة بالمواني الأوروبية والآسيوية والأفريقية.

- ميناء الملك عبد الله: مركز عالمي لإعادة الشحن يقع في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية شمال جدة، ويغطي مساحة 20 كيلومتراً مربعاً ضمن منطقة اقتصادية أوسع تبلغ 168 كيلومتراً مربعاً. ويُعدّ الميناء مركزاً رئيسياً لإعادة الشحن على طريق التجارة بين الشرق والغرب، ويربط آسيا وأوروبا وأفريقيا بشكل مباشر، وتبلغ قدرته السنوية على مناولة الحاويات 25 مليون حاوية مكافئة، ما يجعله من بين أكبر مواني الحاويات في العالم.

ويضم محطات حاويات وبضائع سائبة مزودة بأحدث المعدات، مثل رافعات عالية السعة وأنظمة بوابات ذكية ومركبات موجهة آلياً، ما يضمن سرعة وكفاءة تفريغ وشحن السفن الكبيرة.

- ميناء الملك فهد الصناعي (ينبع): العملاق الأكبر في تحميل النفط الخام والمنتجات البتروكيميائية على مستوى مواني البحر الأحمر بطاقة مناولة تصل إلى 210 ملايين طن سنوياً.

- ميناء ينبع التجاري: من أقدم المواني البحرية على الساحل الغربي للمملكة، ويمثل البوابة الثانية لقدوم ومغادرة الحجاج بعد جدة، حيث افتتح رسمياً في عهد الملك فيصل عام 1965. يقع الميناء بين ميناء ضبا شمالاً وميناء الملك فهد الصناعي وجدة الإسلامي جنوباً.

ويضم الميناء 12 رصيفاً، وتبلغ طاقته الاستيعابية أكثر من 13.5 مليون طن سنوياً، ويحتوي على محطة للركاب تتسع لنحو 1500 راكب، إضافة إلى محطة للبضائع العامة وصومعتين لتخزين المواد السائبة بطاقة 20 ألف طن لكل صومعة، ما يجعله منفذاً بحرياً استراتيجياً لقربه من الأسواق المحلية لمنطقتي المدينة المنورة والقصيم، وبوابة مهمة لانتقال التجارة من هذه المناطق وإليها.

ويرتبط الميناء بشبكة حديثة من الطرق البرية تصل مناطق المدينة المنورة ومكة المكرمة؛ ما يعزز دوره كمنفذ بحري استراتيجي، ويكمل شبكة مواني البحر الأحمر، وفق بيانات «الهيئة العامة للموانئ».

- ميناء ضبا: البوابة الشمالية الغربية التي تخدم حركة الركاب والبضائع بكفاءة عالية، بطاقة استيعابية تبلغ 10 ملايين طن.

- ميناء جازان: البوابة الجنوبية، ويأتي في المرتبة الثالثة من حيث الطاقة التصميمية على الساحل السعودي للبحر الأحمر، ويُعدّ أكبر ميناء لاستقبال الماشية المقبلة من دول القرن الأفريقي، ويبعد نحو 266 ميلاً عن مضيق باب المندب.

يضم 12 رصيفاً و3 قنوات اقتراب ملاحية، وتبلغ طاقته الاستيعابية نحو 5 ملايين طن سنوياً، ويتميز بموقعه الاستراتيجي على طرق التجارة البحرية بين أوروبا والشرق الأقصى والخليج العربي وشرق أفريقيا؛ ما يجعله بوابة لوجيستية مهمة للجنوب السعودي والأسواق الأفريقية.

- ميناء رأس الخير: يُعدّ من شرايين الاقتصاد السعودي التي تغذي البرامج والمشروعات الحيوية التي ينفذها القطاعان العام والخاص في مدينة رأس الخير الصناعية. دُشن في عام 2016، وهو أحدث ميناء صناعي بالمملكة، وتكمن أهميته في وقوعه بمنطقة صناعية جديدة متنوعة الإنتاج، ولها مستقبل كبير في اقتصاد الوطن، وهي مدينة رأس الخير الصناعية.

وما يميز هذا الميناء ارتباطه بمناجم التعدين عبر خط للسكة الحديدية، وتصدر من خلاله منتجات الشركات إلى الأسواق العالمية. يضم الميناء 14 رصيفاً، ويخدم أكثر من 100 مشروع صناعي في مدينة رأس الخير.

- ميناء الخفجي: يقع على الساحل الشرقي بالمنطقة الشرقية في محافظة الخفجي ويُعتبر ميناء نفطياً (لتصدير النفط الخام). صدرت أول شحنة نفط عبره عام 1960، ويتميز بقدرته الاستيعابية المتميزة في استقبال 3 ناقلات في الوقت نفسه؛ ناقلتَي تحميل وناقلة تفريغ، كما يمكنه استقبال 6 ناقلات في منطقة الانتظار واستقبال 30 قطعة صغيرة على أرصفته.

هذه التوسعات والشراكات الدولية ليست بمعزل عن المستهدفات الوطنية؛ حيث استثمرت «موانئ» أكثر من 27 مليار ريال (7.2 مليار دولار) لتطوير البنية التحتية للمواني الرئيسية، مع إنشاء 20 منطقة لوجيستية عالمية متكاملة.

ولا تقتصر هذه الجهود على مناولة البضائع، بل امتدت لتشمل تحديثاً تقنياً وبنيوياً سمح للمواني السعودية باستقبال أضخم سفن الحاويات في العالم (بقدرة تصل إلى 24 ألف حاوية قياسية)، مما يكرِّس مكانة المملكة بوصفها مركزاً لوجستياً عالمياً لربط القارات الثلاث.

سفينة راسية في ميناء جازان (موانئ)

الاستثمار في المنظومة

وفي هذا السياق، قال المهندس حسن آل هليل، الخبير اللوجيستي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه المواني تمتلك ميزة جغرافية استثنائية بقربها من ممرات الملاحة العالمية، مما يجعلها قادرة على الربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا خلال مسافات إبحار أقصر، وهو ما يمنحها فرصة حقيقية لتكون مراكز لإعادة توزيع البضائع.

وأشار إلى أن «ميناء جدة الإسلامي» يُعدّ تاريخياً بوابة التجارة الرئيسية للسعودية، ويتمتع بطاقة تشغيلية كبيرة وخبرة طويلة في إدارة حركة الحاويات والبضائع، فيما صُمم ميناء الملك عبد الله منذ البداية ميناء حديثاً يعتمد على التشغيل المتقدِّم وقابلية التوسع، ويُعدّ من أسرع المواني نمواً في المنطقة من حيث مناولة الحاويات.

ولفت إلى أن التحول إلى محور تجاري عالمي لا يعتمد على الموقع الجغرافي فقط، بل يتطلب أيضاً كفاءة الإجراءات الجمركية وسرعة التخليص، وقدرة المواني على استقبال السفن العملاقة، إضافة إلى وجود مناطق لوجيستية وصناعية مرتبطة بالميناء، وتكامل النقل البري والسككي مع المواني.

وأضاف أن السعودية تعمل في هذا السياق على تطوير منظومة لوجيستية متكاملة تهدف إلى تحويل البحر الأحمر إلى منصة تجارية تربط القارات الثلاث، مستفيدة من الاستثمارات الكبيرة في المواني والمناطق الاقتصادية.

وأوضح أن المملكة استثمرت منذ عقود في إنشاء منظومة لوجيستية تقلل الاعتماد على مضيق هرمز، وفي مقدمتها خط أنابيب شرق - غرب المعروف باسم «بترولاين»، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، بقدرة تشغيلية تصل إلى 5 ملايين برميل يومياً، ويمكن رفعها إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً في حالات الطوارئ.

وأكد أن ميناء ينبع يمثل «صمام أمان» استراتيجياً لقطاع الطاقة السعودي؛ إذ يخفف من تداعيات المخاطر الجيوسياسية على الصادرات، ويمنح الأسواق العالمية قدراً من الاستقرار.

وشرح أنه قادر عملياً على تصدير نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً عبر البحر الأحمر، و«هو ما يضمن استمرار جزء مهم من التدفقات النفطية مع تعطل المرور عبر مضيق هرمز الذي يظل أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة النفط في العالم»، لافتاً إلى أن هذه القدرة تمنح السعودية مرونة كبيرة في إدارة صادراتها النفطية.

انعكاسات التحول على التجارة غير النفطية

وفيما يتعلق بالتجارة غير النفطية، أشار آل هليل إلى أن التركيز المتزايد على مواني البحر الأحمر بوصفها بدائل لوجيستية أكثر مرونة قد ينعكس إيجاباً على حركة التجارة غير النفطية عبر المواني السعودية، وعلى رأسها ميناءا «جدة الإسلامي» و«الملك عبد الله».

وأوضح أنه في حال تحولت الأنظار العالمية أكثر نحو البحر الأحمر كممر آمن ومستقر للتجارة، فإن ذلك قد يؤدي إلى زيادة حركة الحاويات والبضائع العامة عبر هذه المواني.

وأضاف أن هذا التحول قد ينعكس بعدة طرق، أبرزها:

أولاً: زيادة عمليات إعادة التصدير: تحول المواني السعودية إلى مراكز لتوزيع بضائع آسيا نحو الشرق الأوسط وأفريقيا؛ ما يعزز نشاط إعادة التصدير، ويزيد حجم التداول التجاري.

ثانياً: نمو قطاع الخدمات اللوجيستية: سيؤدي ارتفاع حركة البضائع إلى توسع خدمات التخزين والمناولة والتوزيع، إضافة إلى زيادة الطلب على شركات النقل البري والخدمات اللوجيستية داخل المملكة.

ثالثاً: جذب الصناعات المرتبطة بالمواني: غالباً ما تجذب المواني التي تشهد نشاطاً تجارياً مرتفعاً الصناعات الخفيفة ومراكز التجميع والتوزيع؛ ما يعزز دور المناطق الاقتصادية المحيطة بالمواني.

رابعاً: تعزيز دور السعودية بوصفها مركزاً لوجيستياً إقليمياً: مع تطوير البنية التحتية للمواني والربط مع الطرق والسكك الحديدية، تتحول المملكة إلى نقطة عبور رئيسية للبضائع المتجهة إلى المنطقة، وليس سوقاً نهائية لها فقط.

وأكد أن أي تحول في حركة التجارة العالمية نحو البحر الأحمر سيفتح الباب أمام توسُّع كبير في التجارة غير النفطية، مما يرسخ طموح المملكة في أن تصبح مركزاً لوجيستياً عالمياً يربط القارات الثلاث، ويعيد تشكيل خريطة التجارة في المنطقة.

ميناء الملك فهد الصناعي (ينبع) (موانئ)

تكاليف الشحن

حول التساؤلات الاقتصادية المتعلقة بارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري عند تحويل مسارات النفط، أوضح آل هليل أن أي تغيير في مسارات الطاقة ينعكس لوجيستياً على تكلفة الشحن؛ فبعض الشحنات المتجهة إلى آسيا قد تقطع مسافات أطول من الساحل الغربي مقارنة بالخليج، مما يزيد من استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل. كما قد يؤدي ارتفاع الطلب على التحميل في مواني البحر الأحمر إلى زيادة رسوم الخدمات المينائية، أو إطالة فترات انتظار السفن، في حال ارتفاع الضغط التشغيلي.

وأضاف أن التأمين البحري يلعب دوراً أساسياً في تكلفة نقل النفط؛ إذ تقوم شركات التأمين بإعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالمناطق البحرية عند تغيّر مسارات الملاحة، وهو ما قد يؤدي إلى تعديل أقساط التأمين، أو فرض رسوم إضافية على بعض الرحلات.

ورغم ذلك، رأى آل هليل أن هذه التحديات تبقى ضمن نطاق السيطرة؛ كون المملكة تمتلك بنية تحتية استراتيجية متقدمة قادرة على إدارة هذه التحولات بكفاءة، بفضل خط الأنابيب الذي ينقل النفط بسرعة لمرافق تحميل صناعية قادرة على التعامل مع كميات ضخمة. كما أن تطوير قدرات المواني، وتحسين إدارة حركة السفن، وإبرام عقود طويلة الأجل مع شركات النقل والتأمين، تُعَد أدوات فعالة لضبط التكاليف.

ورأى أن الزيادة المحدودة في التكاليف اللوجيستية على المدى القصير هي ثمن مقابل «المرونة الاستراتيجية» التي تضمن استمرارية التدفقات النفطية إلى الأسواق العالمية. وفي عالم يعتمد على أمن الطاقة، تبقى مرونة طرق التصدير أحياناً أكثر قيمة من الفارق في تكلفة النقل.

في المحصلة، أثبتت التطورات الأخيرة أن البنية التحتية اللوجستية هي خط الدفاع الأول عن الاقتصاد. ومع التوسُّع المتسارع في المواني السعودية وربطها بالأسواق العالمية، باتت المملكة تمتلك الأدوات اللازمة لتحصين تدفقاتها من اضطرابات المنطقة. وما نشهده اليوم ليس مجرد إدارة لأزمة، بل هو تحول جذري يجعل من البحر الأحمر الممر الأكثر استقراراً وموثوقية في خريطة التجارة الدولية.

 


مقالات ذات صلة

«مصدر» السعودية تسرّع التوطين في مواجهة اضطرابات الملاحة

خاص جانب من مشاركة «مصدر» في معرض «Big 5 Construct Saudi» (الشرق الأوسط)

«مصدر» السعودية تسرّع التوطين في مواجهة اضطرابات الملاحة

تدفع اضطرابات الملاحة وارتفاع تكاليف الشحن شركات مواد البناء في السعودية إلى إعادة النظر في سلاسل التوريد، في وقت يوفر فيه نمو الطلب المحلي فرصة للتوطين.

دانه الدريس (الرياض)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

استثمار سعودي-فرنسي بـ434 مليون دولار لتطوير محطة حاويات جديدة في ميناء جدة

استقطبت شركة محطة بوابة البحر الأحمر ومجموعة الشحن الفرنسية «سي إم إيه سي جي إم» استثمارات بـ434 مليون دولار لتطوير محطة حاويات جديدة بجدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد سفن شحن تُرَى في خليج عُمان بالقرب من مضيق هرمز (أ.ب)

استمرار تباطؤ الملاحة عبر «هرمز» مع غموض مصير الممر الحيوي

استمر تباطؤ حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الأربعاء، مع تجنب معظم مالكي السفن الممر المائي الحيوي.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

السعودية تضيف خدمة «آي آر إف» لميناء جدة لربطه بموانئ السخنة وسفاجا المصرية

أعلنت الهيئة العامة للموانئ السعودية (موانئ)، إضافة خدمة الشحن «آي آر إف» التابعة لشركة «بي آي إل» العالمية إلى ميناء جدة الإسلامي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي ميناء دمياط البحري شمال مصر (هيئة الميناء)

استهداف ميناء دمياط في مصر... تكهنات متضاربة ومسؤولية غامضة

فَتَح أول استهداف يطول ميناءً مصرياً، منذ اندلاع الحرب الإيرانية-الأميركية نهاية فبراير (شباط) الماضي، باب التأويلات على مصراعيه، مع عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دولارات النفط الإيرانية تجف... والحصار الأميركي يدفع الاقتصاد إلى أزمة أعمق

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

دولارات النفط الإيرانية تجف... والحصار الأميركي يدفع الاقتصاد إلى أزمة أعمق

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)

تتقلّص عائدات النفط الإيرانية بسرعة، مع استمرار الحصار البحري الأميركي الذي يُعرقل شحنات الخام من الخليج، في وقت تتراجع فيه كميات النفط الإيراني الموجودة بالفعل على متن الناقلات خارج نطاق الحصار، مما يحرم طهران تدريجياً من أهم مصادر العملة الصعبة التي تحتاج إليها لدعم اقتصادها وتمويل وارداتها.

وحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، لم تعبر أي شحنات من الخام الإيراني خط الحصار منذ إعادة فرضه من جانب البحرية الأميركية في منتصف يوليو (تموز)، وفق بيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن.

ولا تزال إيران تحمل كميات محدودة من النفط على الناقلات داخل الخليج، لكن هذه الشحنات تظل عالقة ولا تستطيع الوصول إلى المشترين خارج المنطقة.

وفي الوقت نفسه، انخفض حجم الخام الإيراني الموجود بالفعل على متن السفن خارج الحصار، الذي كان يمثّل شرياناً مالياً مهماً لطهران، إلى نحو 29 مليون برميل، مقارنة بنحو 90 مليون برميل في منتصف يوليو، وفق «كبلر».

وترى الصحيفة أن هذه الكميات قد تنفد بحلول الشهر المقبل، ما يعني أن قدرة إيران على الاعتماد على مخزون النفط الموجود في البحر لتوليد الإيرادات تقترب من نهايتها.

النفط... شريان العملة الصعبة

بعد ستة أشهر من الحرب، تتزايد الضغوط على الاقتصاد الإيراني مع تراجع المصدر الأساسي للعملة الأجنبية، بالتزامن مع انهيار قيمة الريال وارتفاع التضخم ودخول الاقتصاد مرحلة أكثر عمقاً من الأزمة.

ويشكّل النفط عادة نحو ثلث إيرادات الموازنة الإيرانية، كما تُسهم مبيعات الخام بصورة مباشرة في تمويل النظام وأجهزته العسكرية.

وتقول وزارة الخزانة الأميركية إن القوات المسلحة الإيرانية، بما فيها «الحرس الثوري»، تستخدم شركات مخصصة وشبكات من «أسطول الظل» لبيع النفط وتوفير موارد إضافية لموازناتها.

وفي أغسطس (آب)، لم تتجاوز كميات النفط الإيراني التي حُمّلت على ناقلات داخل الخليج 255 ألف برميل يومياً، بانخفاض قدره 85 في المائة عن متوسط الفترة بين فبراير (شباط) وأبريل (نيسان)، وفق بيانات «كبلر».

لكن هذه الكميات الجديدة لا تزال عالقة خلف خط الحصار، ولم تصل إلى المشترين.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

شريان سابق يوشك على النفاد

وكانت فترة التهدئة التي أعقبت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في منتصف يونيو (حزيران)، والتي تضمّنت توقفاً للحصار استمر عدة أسابيع، قد أتاحت لطهران نقل كميات كبيرة من النفط إلى الخارج لتسليمها في وقت لاحق.

وتعتمد إيران حالياً على العائدات المتأتية من بيع تلك الشحنات.

وقال وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد، الجمعة، إن عملية بيع النفط وتسليمه إلى العملاء «تمت على بُعد آلاف الكيلومترات من الخليج وبحر عُمان».

لكن هذا الشريان المالي بدأ الاختفاء.

وتُقدّر «كبلر» أن عمليات التسليم الحالية، البالغة نحو مليون برميل يومياً، التي تذهب غالبيتها إلى الصين، قد تستنزف مخزون النفط الإيراني الموجود على متن السفن بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول).

كما قد تتوقف المدفوعات الخاصة بشحنات سبق تسليمها بحلول منتصف ديسمبر (كانون الأول).

ولا يقتصر الخطر على انخفاض الإيرادات الجديدة، إذ إن تحصيل المدفوعات نفسها قد يصبح أكثر صعوبة مع استهداف العقوبات الأميركية الجديدة البنوك والقنوات المالية التي تسهل المعاملات الإيرانية.

الصين تبحث عن بدائل

بدأ بعض المشترين الصينيين التوجه إلى خامات من السعودية والعراق والإمارات لتعويض النفط الإيراني، وفق مسؤولين في قطاع الطاقة الخليجي للصحيفة الأميركية.

ومع تراجع المعروض الإيراني، أصبحت بعض شحناته أغلى بالنسبة إلى المصافي من الخامات المنافسة، على الرغم من المخاطر المرتبطة بالتعامل معها.

وفي المقابل، عرض العراق خصومات تقترب من 30 دولاراً للبرميل على بعض درجات الخام، فيما كان خام برنت يُتداول حول 97 دولاراً للبرميل الاثنين.

ويشير تحول المشترين لخامات خليجية أخرى إلى أن الحصار لا يؤثر فقط في قدرة إيران على التصدير، وإنما يغير أيضاً خريطة تدفقات النفط إلى السوق الآسيوية التي تمثّل الصين أهم وجهاتها.

الحصار يضغط على الإنتاج

ولا يقتصر تأثير القيود على صادرات النفط، إذ بدأت تداعيات الحصار تضغط على مستويات الإنتاج الإيرانية نفسها.

وتشير بيانات المخزونات إلى أن مخزونات النفط داخل إيران لم ترتفع بصورة كبيرة، ما يرجح أن طهران خفّضت إنتاجها ليقترب من مستويات الاستهلاك المحلي، وفق هومایون فلاكشاهي، رئيس تحليل النفط الخام في «كبلر».

ويعني ذلك أن السيناريو الذي توقعه محللون خلال الحصار الأول في الربيع بدأ يتحقق: اضطرار إيران إلى خفض الإنتاج لتجنّب امتلاء منشآت التخزين بالنفط الذي لا تستطيع تصديره.

أما البدائل البرية فلا توفر سوى متنفس محدود.

وحسب فلاكشاهي، لا تستطيع إيران نقل أكثر من نحو 40 ألف برميل يومياً بواسطة الشاحنات، وهي كمية ضئيلة جداً مقارنة بصادراتها قبل الحرب التي كانت تقترب من مليوني برميل يومياً.

كما تفتقر إيران إلى عدد كافٍ من عربات السكك الحديدية المصممة لنقل النفط الخام والمنتجات المكررة.

تاجر عملات يحمل أوراقاً نقدية من فئة 100 دولار في طهران (رويترز)

أزمة تمتد إلى البتروكيميائيات

وامتد أثر الحصار إلى قطاع البتروكيميائيات، الذي يمثل ثاني أكبر مصدر لإيران للعملة الأجنبية بعد النفط.

ويعتمد القطاع بدرجة كبيرة على الصادرات البحرية، وقد انخفضت عمليات تحميل شحناته بنحو الثلثَين بحلول أغسطس مقارنة ببداية عام 2026، وفق تقديرات «كبلر».

وفي المقابل، تمكّن منتجو النفط الخليجيون الآخرون من مواصلة تدفق كميات كبيرة من الخام رغم الحرب.

وهكذا، لا تواجه إيران المشكلة نفسها التي تواجهها الدول المنتجة الأخرى في الخليج؛ ففي حين تستمر هذه الدول في تصدير النفط عبر مسارات بديلة، تتقلص الخيارات المتاحة أمام طهران بصورة حادة.

الريال الإيراني يدفع ثمن تراجع النفط

وتزداد حدة الأزمة الاقتصادية الإيرانية مع تراجع صادرات النفط، إذ تحرم الإيرادات المنخفضة طهران من العملة الصعبة اللازمة لدعم الريال وتمويل الواردات، بما فيها المواد الخام التي تحتاج إليها المصانع.

ويؤدي ارتفاع تكلفة الواردات بدوره إلى زيادة التضخم، في حلقة تضخمية يصعب كسرها مع استمرار ضعف العملة.

وحسب الاقتصادي لدى «كابيتال إيكونوميكس»، هَمَد حسين، فقد الريال الإيراني نحو 15 في المائة من قيمته أمام الدولار منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب حملة الضغط الاقتصادي في أغسطس.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن التضخم في إيران تجاوز 80 في المائة على أساس سنوي، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 في المائة خلال العام الحالي، وهو أسوأ أداء منذ ثمانينيات القرن الماضي.

تاجر عملات يحمل أوراقاً نقدية من فئة 100 دولار في طهران (رويترز)

التجارة لم تتوقف... لكنها أصبحت أكثر تكلفة

ولم تتوقف التجارة الإيرانية بالكامل، إذ صدّرت البلاد ما يقرب من 15 مليار دولار من السلع غير النفطية بين منتصف مارس (آذار) ومنتصف أغسطس، وفق وسائل إعلام إيرانية، رغم انخفاض القيمة مقارنة بالعام السابق.

لكن أحد أهم منافذ التجارة الإيرانية بدأ يضيق. فقد توقفت التجارة الرسمية عبر الإمارات إلى حد كبير، بعدما أعلنت أبوظبي الشهر الماضي تعليق المعاملات المالية والاقتصادية مع إيران، وفق مسؤولين مطلعين على الأمر، رغم استمرار جزء من النشاط عبر شركات وشبكات غير رسمية.

وتتحول بعض التجارة إلى مسارات عبر تركيا والعراق وعُمان وباكستان، إلا أن هذه البدائل تضيف وقتاً وتكاليف إلى عمليات التجارة.

هل يدفع الضغط الاقتصادي إيران إلى التراجع؟

يبقى السؤال الأهم: هل يؤدي خنق صادرات النفط إلى دفع طهران نحو تقديم تنازلات لإنهاء الحرب؟

تبدو الإجابة غير واضحة. فالولايات المتحدة تراهن على أن زيادة الضغط الاقتصادي ستجبر إيران على تقديم تنازلات، لكن محللين يحذرون من أن تضييق الخناق الاقتصادي قد يدفع النظام الإيراني إلى مزيد من التصعيد بدلاً من التراجع.

وقال حمد حسين إن الكثير سيتوقف على مقدار الألم الاقتصادي الذي يكون النظام الإيراني مستعداً لتحمله لتحقيق أهدافه العسكرية والجيوسياسية.

كما حذّرت مسؤولة شؤون إيران في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إيلي جيرنمايه، من أن الضغوط الاقتصادية، رغم تأثيرها الكبير في الأسر الإيرانية، قد لا تكون كافية لدفع النظام إلى الاستسلام على طاولة المفاوضات. وقالت إن الأدلة المتاحة تشير إلى أن النظام الإيراني «من المرجح أن يقاوم».

النفط بوصفه سلاحاً اقتصادياً

وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه إدارة ترمب تحويل عائدات النفط الإيرانية إلى نقطة ضغط رئيسية على طهران. فمع انخفاض كميات الخام المتاحة للتصدير، وتراجع العملة، وارتفاع التضخم، وانكماش الاقتصاد، تتقلّص قدرة إيران على الحصول على العملة الصعبة التي تحتاج إليها لتأمين احتياجاتها الأساسية وتمويل مؤسسات الدولة.

لكن المفارقة أن الضغط الاقتصادي نفسه قد يزيد دوافع طهران للرد العسكري، وهو ما يجعل معركة النفط جزءاً من مواجهة أوسع بكثير من مجرد صراع على صادرات الخام.

فإذا نفدت الكميات الموجودة حالياً على متن السفن خلال أسابيع، كما تتوقع «كبلر»، فإن طهران ستواجه اختباراً جديداً: كيف تحافظ على تدفق العملة الصعبة إلى اقتصادها في ظل إغلاق شريانها الرئيسي للتصدير؟


«بنك اليابان» يراهن على رفع محدود للفائدة لتجنب صدمة أكبر لاحقاً

إشارات المرور أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)
إشارات المرور أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)
TT

«بنك اليابان» يراهن على رفع محدود للفائدة لتجنب صدمة أكبر لاحقاً

إشارات المرور أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)
إشارات المرور أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)

قد يختار «بنك اليابان» رفع سعر الفائدة بمقدار محدود هذا الشهر، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين احتواء مخاطر التضخم وتجنب إحداث صدمة في الاقتصاد والأسواق، في وقت يراقب فيه المستثمرون ما إذا كان «البنك المركزي الياباني» سيقدِم على زيادة أكبر من المعتاد.

كانت آخر مرة رفع فيها «البنك المركزي الياباني» سعر الفائدة الرئيسي بمقدار نصف نقطة مئوية في عام 1989، عندما كانت أسعار الأصول في اليابان قد بلغت مستويات قياسية خلال ذروة الفقاعة العقارية التي انفجرت بعد ذلك بفترة قصيرة، لتدخل البلاد في مرحلة طويلة من الركود عُرفت باسم «العقد الضائع».

وبعد 37 عاماً، يتساءل المستثمرون عمّا إذا كان «بنك اليابان» قد يكرر زيادة بهذا الحجم في اجتماعه المقبل، المقرر يومي 17 و18 سبتمبر (أيلول) الحالي.

إلا إن التوقعات السائدة تشير إلى أن «البنك» سيختار زيادة تقليدية قدرها 25 نقطة أساس، ترفع سعر الفائدة إلى 1.25 في المائة، في ظل اختلاف الظروف الحالية جذرياً عن حقبة الثمانينات.

وتكمن المعضلة الأساسية أمام «بنك اليابان» في الحفاظ على ثقة الأسواق بأنه لا يتأخر عن منحنى التضخم، من دون أن يذهب في الاتجاه الآخر ويُحدث تشديداً نقدياً مفاجئاً قد يضر بالنشاط الاقتصادي.

زيادة ربع نقطة هي السيناريو الأرجح

ويشير أشخاص مطلعون على تفكير «البنك المركزي» إلى أن صانعي السياسة لا يميلون إلى رفع الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس هذا الشهر، في ظل احتواء ضغوط الأسعار على المدى القريب، فضلاً عن مخاطر إحداث صدمة لدى مجتمع اعتاد عقوداً من تكاليف الاقتراض القريبة من الصفر.

ووفق المصادر، فإذا قرر «بنك اليابان» رفع الفائدة، فمن المرجح أن يكتفي بالزيادة المعتادة البالغة 25 نقطة أساس، بما يسمح له بتجنب اضطراب الأسواق وإتاحة الوقت لتقييم تأثير ارتفاع تكاليف الاقتراض على نشاط الشركات والأسر.

لكن في المقابل، أدت عوامل عدة إلى زيادة الضغوط على «البنك» لتسريع وتيرة رفع الفائدة، من بينها الحرب في الشرق الأوسط، وضيق سوق العمل اليابانية، وارتفاع تكاليف الواردات نتيجة ضعف الين، وهي عوامل تزيد الضغوط التضخمية.

وتدرس السلطات النقدية، وفق المصادر، إمكانية رفع الفائدة بوتيرة تقارب مرة كل 3 أشهر، بدلاً من وتيرة الرفع التي اتبعها «البنك» منذ بدء دورة التشديد الحالية.

ويرى محللون أن هذا يمثل سبباً إضافياً لعدم اللجوء إلى زيادة كبيرة في سبتمبر الحالي، إذ إن رفع الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس دفعة واحدة قد يأتي بنتيجة عكسية، من خلال إثارة مخاوف الأسواق من أن «البنك» يشعر بأنه تأخر بالفعل في التعامل مع التضخم.

أشخاص يمرون أمام مقر «بنك اليابان» في طوكيو يوم 1 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

وقال نوبوياسو أتاغو، المسؤول السابق في «بنك اليابان» وكبير الاقتصاديين حالياً في معهد «راكوتن» للأبحاث الاقتصادية، إن رفع الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس قد يُنظر إليه على أنه علامة على «يأس» البنك المركزي، وقد يحول تركيز السوق إلى مخاطر تأخره عن منحنى التضخم.

وأضاف أن «(بنك اليابان) من المرجح أن يرفع الفائدة إلى 1.25 في المائة هذا الشهر، ثم يُجري زيادة أخرى بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر (كانون الأول) أو يناير (كانون الثاني) المقبلين»، في إجراء احترازي لمواجهة تصاعد مخاطر التضخم.

وتابع: «مع اضطراب سوق السندات بالفعل، لا جدوى من أن يفاجئ (بنك اليابان) الأسواق ويتسبب في مزيد من الاضطرابات».

الاحتفاظ ببعض الذخيرة النقدية

بدأ «بنك اليابان» دورة التشديد الحالية في عام 2024، ورفع سعر الفائدة في زيادات قدرها 25 نقطة أساس، بوتيرة تبلغ نحو مرتين سنوياً.

وكان مسؤولو «البنك» قد شددوا في السابق على ضرورة التحرك بحذر، لتجنب إضعاف المعنويات في اقتصاد عانى من الانكماش السعري لنحو 3 عقود.

لكن خلال الأشهر الأخيرة، أدت الضغوط السعرية الأكبر حدة، الناجمة عن الانخفاض الكبير في قيمة الين، إلى زيادة الإحساس بضرورة التحرك، سواء داخل اليابان وخارجها.

كما عززت سلسلة من التصريحات المتشددة من مسؤولي «بنك اليابان»، إلى جانب الضغوط التي مارسها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، التوقعات بأن «البنك» سيرفع أسعار الفائدة هذا الشهر.

وكانت تصريحات عضو مجلس إدارة «بنك اليابان» المتشدد، هاجيمي تاكاتا، قد أثارت تكهنات بإمكانية إقدام «البنك» على زيادة أكبر من المعتاد.

لكن محافظ «بنك اليابان»، كازو أويدا، قال الأسبوع الماضي إن الظروف الاقتصادية والأسعار تتحرك إلى حد كبير بما يتماشى وتوقعات «البنك»، في إشارة إلى أن مخاطر التضخم لم ترتفع بالقدر الكافي لتبرير زيادة استثنائية في أسعار الفائدة.

وقال أويدا: «نأمل مواصلة رفع أسعار الفائدة في ظل بقاء الأوضاع المالية ميسرة»، لكنه أضاف أن البنك «رفع أسعار الفائدة 5 مرات حتى الآن، ولذلك نحتاج إلى تقييم التأثير التراكمي على الاقتصاد بعناية».

محافظ «بنك اليابان» كازو أويدا في طريقه إلى مؤتمر صحافي سابق بمقر «البنك» في العاصمة طوكيو (رويترز)

كما أدى ارتفاع الين إلى أعلى مستوى له في 7 أشهر عند نحو 153 يناً للدولار، مبتعداً بشكل كبير عن أدنى مستوى له في 40 عاماً قرب 164 يناً الذي سجله في يوليو (تموز) الماضي، إلى تخفيف بعض الضغوط عن «البنك» لاتخاذ خطوة كبيرة لدعم العملة.

وقال أحد المصادر إن «بنك اليابان» يستطيع على الأرجح إجراء زيادتين إضافيتين للفائدة هذا العام، «ولذلك لا توجد حاجة إلى زيادة قدرها 50 نقطة أساس دفعة واحدة».

وأشار مصدر آخر إلى أن البيانات الأخيرة تظهر أن التضخم لم يتسارع بالحدة التي تبرر رفع الفائدة بمقدار أكبر من المعتاد، وهو تقييم أيدته 3 مصادر أخرى مطلعة على تفكير «البنك».

الاقتصاد لا يحتاج إلى تشديد حاد

وتشير البيانات الأخيرة إلى أن الاقتصاد الياباني لا يحتاج في الوقت الراهن إلى تشديد نقدي حاد يستهدف كبح الطلب القوي بصورة مفرطة.

ورغم أن الارتفاع الأخير في أسعار المنتجين يُنظر إليه على أنه عامل قد يزيد الضغوط على أسعار المستهلك خلال الأشهر المقبلة، فإن المؤشرات لا تزال محدودة على دخول الاقتصاد دوامة مقلقة من ارتفاع الأسعار والأجور.

وشدد مسؤولو «بنك اليابان» على ضرورة مراقبة تأثير الزيادات السابقة في الفائدة على الإقراض المصرفي، خصوصاً في ظل عدم اليقين بشأن كيفية استجابة الأسر والشركات لارتفاع تكاليف الاقتراض بعد عقود من السياسة النقدية فائقة التيسير.

ولا تزال الأوضاع المالية ميسرة حتى الآن، مع ارتفاع الإقراض المصرفي بنسبة 5.4 في المائة على أساس سنوي في أغسطس (آب) الماضي.

الحمائم يدفعون نحو الحذر

وقد يرى أعضاء مجلس إدارة «بنك اليابان» الأميل إلى التيسير النقدي حاجة أكبر إلى التحرك بحذر، مع اقتراب سعر الفائدة من المستويات التي يُعتقد أنها محايدة للاقتصاد.

ويقدر موظفو «البنك» نطاق سعر الفائدة المحايد للاقتصاد الياباني بين 1.1 و2.5 في المائة.

وكان عضو مجلس الإدارة تويتشيرو أسادا، المعارض الوحيد قرار «البنك» في يونيو (حزيران) رفع الفائدة إلى واحد في المائة، قد قال لـ«رويترز» في يوليو الماضي إنه يريد رؤية تضخم مدفوع بالطلب قبل تأييد مزيد من زيادات أسعار الفائدة.

كما قالت أيانو ساتو، وهي عضو آخر تميل إلى التيسير وانضمت إلى مجلس الإدارة في 30 يونيو، إن على «البنك المركزي» ألا يركز فقط على مخاطر ارتفاع الأسعار، بل أن يأخذ أيضاً في الحسبان المخاطر السلبية التي تهدد النمو.

وقالت ماري إيواشيتا، كبيرة استراتيجيي أسعار الفائدة لدى «نومورا سيكيوريتيز»: «لن أفاجأ إذا رأى بعض أعضاء مجلس الإدارة حاجة إلى اتباع نهج أكبر حذراً في رفع أسعار الفائدة مقارنة بما تتوقعه الأسواق، التي بدأت تتقدم قليلاً على نفسها». وأضافت أن «(بنك اليابان) من المرجح أن يتمسك بزيادة قدرها 25 نقطة أساس في الوقت الراهن».


الصادرات الألمانية تتراجع لأول مرة منذ 5 أشهر

سيارات مخصصة للتصدير تنتظر التحميل في ميناء بريمرهافن (رويترز)
سيارات مخصصة للتصدير تنتظر التحميل في ميناء بريمرهافن (رويترز)
TT

الصادرات الألمانية تتراجع لأول مرة منذ 5 أشهر

سيارات مخصصة للتصدير تنتظر التحميل في ميناء بريمرهافن (رويترز)
سيارات مخصصة للتصدير تنتظر التحميل في ميناء بريمرهافن (رويترز)

أظهرت بيانات رسمية صدرت يوم الثلاثاء تراجع الصادرات الألمانية في يوليو (تموز) للمرة الأولى منذ 5 أشهر، ما زاد المخاوف بشأن قوة التعافي الاقتصادي في أكبر اقتصاد بأوروبا.

وانخفضت الصادرات بنسبة 0.8 في المائة مقارنة بالشهر السابق، لتصل إلى 138.2 مليار يورو (160.5 مليار دولار)، متأثرة بضعف الطلب من منطقة اليورو والصين، وفقاً لبيانات أولية صادرة من وكالة الإحصاء الألمانية (ديستاتيس).

وكان المحللون الذين استطلعت آراءهم شركة البيانات المالية «فاكت ست» يتوقعون انخفاضاً بنسبة 0.5 في المائة فقط.

ويأتي هذا التراجع بعدما جاءت بيانات الإنتاج الصناعي في يوليو مخيبة للآمال أيضاً، ما يزيد المخاوف من أن الاضطرابات الناجمة عن الحرب الإيرانية تعرقل التعافي الاقتصادي الوليد.

وأشارت «ديستاتيس» إلى أن الصادرات في يوليو تأثرت سلباً بانخفاض الشحنات إلى الصين بنسبة 9.5 في المائة، وإلى دول أخرى في منطقة اليورو بنسبة 2.8 في المائة.

في المقابل، قفزت الصادرات إلى الولايات المتحدة، الوجهة الرئيسية للسلع الألمانية، بأكثر من 19 في المائة مقارنة بالشهر السابق، مع استمرار تعافيها من الضعف الناجم عن حملة الرسوم الجمركية التي شنها الرئيس دونالد ترمب.

وانخفضت الواردات بنسبة 5.7 في المائة في يوليو مقارنة بالشهر السابق، لتصل إلى 116.9 مليار يورو، بينما اتسع الفائض التجاري إلى 21.3 مليار يورو.

وكان الاقتصاد الألماني قد بدا -في البداية- أكثر قدرة على الصمود أمام صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب الأميركية على إيران مما كان متوقعاً.

وبعدما جاءت المؤشرات في وقت سابق من العام أقوى من المتوقع، رفعت مراكز بحوث عدة، الأسبوع الماضي، توقعاتها للنمو الاقتصادي لهذا العام إلى ما بين 1.2 و1.4 في المائة.