مواني السعودية... طوق نجاة للتجارة الدولية في زمن الاضطرابات

خبير لوجيستي لـ«الشرق الأوسط»: المليارات التي ضخّتها المملكة جعلتها منصة ربط عالمية

ناقلة راسية في ميناء ينبع التجاري (موانئ)
ناقلة راسية في ميناء ينبع التجاري (موانئ)
TT

مواني السعودية... طوق نجاة للتجارة الدولية في زمن الاضطرابات

ناقلة راسية في ميناء ينبع التجاري (موانئ)
ناقلة راسية في ميناء ينبع التجاري (موانئ)

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي، وما تبعها من تعطّل خطوط الملاحة الحيوية عبر مضيق هرمز، برزت المواني السعودية كشريان بديل، ليس لدول المنطقة فحسب، بل للعالم، بهدف تأمين تدفقات الطاقة وحركة التجارة الدولية؛ فهذه المواني، التي تمتاز بقدرات تشغيلية فائقة وبنية تحتية متطورة، لم تعد مجرد مرافق لوجيستية محلية، بل تحولت إلى محور دولي يضمن استدامة سلاسل الإمداد في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تحديات أمنية غير مسبوقة.

تأكيداً على ثقلها اللوجيستي، أعلنت «الهيئة العامة للموانئ (موانئ)»، إضافة خدمتَي شحن ملاحيتين جديدتين إلى «ميناء جدة الإسلامي» بالتعاون مع عملاقي النقل البحري «ميرسك» و«هاباغ لويد».

وتُعدّ هذه الخطوة نقلة نوعية في تعزيز الربط الملاحي بين المملكة والأسواق الدولية؛ إذ تشمل الخدمات الملاحية خدمة «AE19» التابعة لشركة «ميرسك»، وخدمة «SE4» التابعة لشركة «هاباغ لويد»، حيث تبلغ الطاقة الاستيعابية لكل خدمة نحو 17000 حاوية قياسية، مما يرفع الكفاءة التشغيلية والقدرة التنافسية للميناء بشكل ملموس.

كما تعمل هذه الخدمات على ربط «ميناء جدة الإسلامي» بـ9 موانٍ إقليمية وعالمية رئيسية، تشمل مواني الصين (تيانجين شينغانغ، تشينغداو، نينغبو، وشنغهاي)، وميناء بوسان في كوريا الجنوبية، وتانجونغ بيلباس بماليزيا، وسنغافورة.

كما تمتد شبكة الربط لتشمل مراكز استراتيجية في غرب وشرق البحر الأبيض المتوسط، وطرقاً حيوية تصل إلى جنوب أفريقيا (رأس الرجاء الصالح)، مما يعزز من مرونة حركة البضائع العابرة للقارات.

وكانت شركة «أرامكو» كشفت لـ«الشرق الأوسط»، قبل أيام، عن تحول نوعي في استراتيجيتها التصديرية، حيث بدأت فعلياً بتحويل مسار جزء من صادراتها من النفط الخام نحو ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر.

ووفقاً لـ«رويترز»، فقد أبلغت «أرامكو» مشتري خامها العربي الخفيف بضرورة تحميل الشحنات عبر ينبع، وهو قرار يعكس الثقة المطلقة في قدرة مواني البحر الأحمر على استيعاب التدفقات النفطية الضخمة بكفاءة وأمان، بعيداً عن تقلبات منطقة الخليج العربي.

خريطة المواني

تستند المملكة في هذا التحوُّل الاستراتيجي إلى شبكة موانٍ متكاملة تديرها «الهيئة العامة للموانئ (موانئ)» عبر منظومة ضخمة تضم 290 رصيفاً مجهَّزاً بأحدث التقنيات. لا تقتصر وظيفة هذه المواني على كونها منافذ لوجيستية فحسب، بل تمثل شرياناً حيوياً لتأمين تدفقات النفط والبضائع الأساسية، مستغلةً موقع المملكة الاستراتيجي الذي يربط بين ثلاث قارات، مما يمنح الاقتصاد السعودي مرونة عالية في مواجهة الأزمات العالمية والإقليمية.

ولا تتجلى أهمية هذه المنظومة في بُعدها التشغيلي فقط، بل تمتد لتكون ركيزة أساسية لجذب الاستثمارات الأجنبية، حيث رسخت المواني مكانتها بوصفها مركزاً موثوقاً ومستداماً للتجارة العالمية، بما يضمن إدارة حركة التجارة البحرية بأمان وانسيابية عالية، ويعزّز من كفاءة سلاسل الإمداد في ظل المتغيرات الجيوسياسية الراهنة.

ميناء جدة الإسلامي (موانئ)

في الآتي أبرز مواني المملكة:

- ميناء جدة الإسلامي: الشريان التجاري الأبرز وأكبر ميناء محوري على ساحل البحر الأحمر، ويتميز بموقعه على أحد أهم الممرات البحرية العالمية في البحر الأحمر، مما يجعله نقطة ربط محورية لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

ويمتد الميناء على مساحة نحو 12.5 كيلومتر مربع، ويضم 62 رصيفاً بحرياً، إلى جانب محطتَي حاويات متخصصة، ما يتيح له استقبال السفن الكبيرة بسعة تصل إلى 19800 حاوية مكافئة. ويتعامل مع أكثر من 130 مليون طن سنوياً من البضائع، بما يشكل نحو 75 في المائة من التجارة البحرية للمملكة.

ويضم محطات حاويات رئيسية، مثل بوابة البحر الأحمر والمحطة الجنوبية، مع توسعات مستمرة تشمل أنظمة ذكية وأتمتة متقدمة؛ ما يضمن مناولة الحاويات والبضائع بكفاءة عالية، إضافة إلى خدمات التخزين والجمارك والتزويد بالسفن. ويربط الميناء المملكة مباشرة بالمواني الأوروبية والآسيوية والأفريقية.

- ميناء الملك عبد الله: مركز عالمي لإعادة الشحن يقع في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية شمال جدة، ويغطي مساحة 20 كيلومتراً مربعاً ضمن منطقة اقتصادية أوسع تبلغ 168 كيلومتراً مربعاً. ويُعدّ الميناء مركزاً رئيسياً لإعادة الشحن على طريق التجارة بين الشرق والغرب، ويربط آسيا وأوروبا وأفريقيا بشكل مباشر، وتبلغ قدرته السنوية على مناولة الحاويات 25 مليون حاوية مكافئة، ما يجعله من بين أكبر مواني الحاويات في العالم.

ويضم محطات حاويات وبضائع سائبة مزودة بأحدث المعدات، مثل رافعات عالية السعة وأنظمة بوابات ذكية ومركبات موجهة آلياً، ما يضمن سرعة وكفاءة تفريغ وشحن السفن الكبيرة.

- ميناء الملك فهد الصناعي (ينبع): العملاق الأكبر في تحميل النفط الخام والمنتجات البتروكيميائية على مستوى مواني البحر الأحمر بطاقة مناولة تصل إلى 210 ملايين طن سنوياً.

- ميناء ينبع التجاري: من أقدم المواني البحرية على الساحل الغربي للمملكة، ويمثل البوابة الثانية لقدوم ومغادرة الحجاج بعد جدة، حيث افتتح رسمياً في عهد الملك فيصل عام 1965. يقع الميناء بين ميناء ضبا شمالاً وميناء الملك فهد الصناعي وجدة الإسلامي جنوباً.

ويضم الميناء 12 رصيفاً، وتبلغ طاقته الاستيعابية أكثر من 13.5 مليون طن سنوياً، ويحتوي على محطة للركاب تتسع لنحو 1500 راكب، إضافة إلى محطة للبضائع العامة وصومعتين لتخزين المواد السائبة بطاقة 20 ألف طن لكل صومعة، ما يجعله منفذاً بحرياً استراتيجياً لقربه من الأسواق المحلية لمنطقتي المدينة المنورة والقصيم، وبوابة مهمة لانتقال التجارة من هذه المناطق وإليها.

ويرتبط الميناء بشبكة حديثة من الطرق البرية تصل مناطق المدينة المنورة ومكة المكرمة؛ ما يعزز دوره كمنفذ بحري استراتيجي، ويكمل شبكة مواني البحر الأحمر، وفق بيانات «الهيئة العامة للموانئ».

- ميناء ضبا: البوابة الشمالية الغربية التي تخدم حركة الركاب والبضائع بكفاءة عالية، بطاقة استيعابية تبلغ 10 ملايين طن.

- ميناء جازان: البوابة الجنوبية، ويأتي في المرتبة الثالثة من حيث الطاقة التصميمية على الساحل السعودي للبحر الأحمر، ويُعدّ أكبر ميناء لاستقبال الماشية المقبلة من دول القرن الأفريقي، ويبعد نحو 266 ميلاً عن مضيق باب المندب.

يضم 12 رصيفاً و3 قنوات اقتراب ملاحية، وتبلغ طاقته الاستيعابية نحو 5 ملايين طن سنوياً، ويتميز بموقعه الاستراتيجي على طرق التجارة البحرية بين أوروبا والشرق الأقصى والخليج العربي وشرق أفريقيا؛ ما يجعله بوابة لوجيستية مهمة للجنوب السعودي والأسواق الأفريقية.

- ميناء رأس الخير: يُعدّ من شرايين الاقتصاد السعودي التي تغذي البرامج والمشروعات الحيوية التي ينفذها القطاعان العام والخاص في مدينة رأس الخير الصناعية. دُشن في عام 2016، وهو أحدث ميناء صناعي بالمملكة، وتكمن أهميته في وقوعه بمنطقة صناعية جديدة متنوعة الإنتاج، ولها مستقبل كبير في اقتصاد الوطن، وهي مدينة رأس الخير الصناعية.

وما يميز هذا الميناء ارتباطه بمناجم التعدين عبر خط للسكة الحديدية، وتصدر من خلاله منتجات الشركات إلى الأسواق العالمية. يضم الميناء 14 رصيفاً، ويخدم أكثر من 100 مشروع صناعي في مدينة رأس الخير.

- ميناء الخفجي: يقع على الساحل الشرقي بالمنطقة الشرقية في محافظة الخفجي ويُعتبر ميناء نفطياً (لتصدير النفط الخام). صدرت أول شحنة نفط عبره عام 1960، ويتميز بقدرته الاستيعابية المتميزة في استقبال 3 ناقلات في الوقت نفسه؛ ناقلتَي تحميل وناقلة تفريغ، كما يمكنه استقبال 6 ناقلات في منطقة الانتظار واستقبال 30 قطعة صغيرة على أرصفته.

هذه التوسعات والشراكات الدولية ليست بمعزل عن المستهدفات الوطنية؛ حيث استثمرت «موانئ» أكثر من 27 مليار ريال (7.2 مليار دولار) لتطوير البنية التحتية للمواني الرئيسية، مع إنشاء 20 منطقة لوجيستية عالمية متكاملة.

ولا تقتصر هذه الجهود على مناولة البضائع، بل امتدت لتشمل تحديثاً تقنياً وبنيوياً سمح للمواني السعودية باستقبال أضخم سفن الحاويات في العالم (بقدرة تصل إلى 24 ألف حاوية قياسية)، مما يكرِّس مكانة المملكة بوصفها مركزاً لوجستياً عالمياً لربط القارات الثلاث.

سفينة راسية في ميناء جازان (موانئ)

الاستثمار في المنظومة

وفي هذا السياق، قال المهندس حسن آل هليل، الخبير اللوجيستي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه المواني تمتلك ميزة جغرافية استثنائية بقربها من ممرات الملاحة العالمية، مما يجعلها قادرة على الربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا خلال مسافات إبحار أقصر، وهو ما يمنحها فرصة حقيقية لتكون مراكز لإعادة توزيع البضائع.

وأشار إلى أن «ميناء جدة الإسلامي» يُعدّ تاريخياً بوابة التجارة الرئيسية للسعودية، ويتمتع بطاقة تشغيلية كبيرة وخبرة طويلة في إدارة حركة الحاويات والبضائع، فيما صُمم ميناء الملك عبد الله منذ البداية ميناء حديثاً يعتمد على التشغيل المتقدِّم وقابلية التوسع، ويُعدّ من أسرع المواني نمواً في المنطقة من حيث مناولة الحاويات.

ولفت إلى أن التحول إلى محور تجاري عالمي لا يعتمد على الموقع الجغرافي فقط، بل يتطلب أيضاً كفاءة الإجراءات الجمركية وسرعة التخليص، وقدرة المواني على استقبال السفن العملاقة، إضافة إلى وجود مناطق لوجيستية وصناعية مرتبطة بالميناء، وتكامل النقل البري والسككي مع المواني.

وأضاف أن السعودية تعمل في هذا السياق على تطوير منظومة لوجيستية متكاملة تهدف إلى تحويل البحر الأحمر إلى منصة تجارية تربط القارات الثلاث، مستفيدة من الاستثمارات الكبيرة في المواني والمناطق الاقتصادية.

وأوضح أن المملكة استثمرت منذ عقود في إنشاء منظومة لوجيستية تقلل الاعتماد على مضيق هرمز، وفي مقدمتها خط أنابيب شرق - غرب المعروف باسم «بترولاين»، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، بقدرة تشغيلية تصل إلى 5 ملايين برميل يومياً، ويمكن رفعها إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً في حالات الطوارئ.

وأكد أن ميناء ينبع يمثل «صمام أمان» استراتيجياً لقطاع الطاقة السعودي؛ إذ يخفف من تداعيات المخاطر الجيوسياسية على الصادرات، ويمنح الأسواق العالمية قدراً من الاستقرار.

وشرح أنه قادر عملياً على تصدير نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً عبر البحر الأحمر، و«هو ما يضمن استمرار جزء مهم من التدفقات النفطية مع تعطل المرور عبر مضيق هرمز الذي يظل أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة النفط في العالم»، لافتاً إلى أن هذه القدرة تمنح السعودية مرونة كبيرة في إدارة صادراتها النفطية.

انعكاسات التحول على التجارة غير النفطية

وفيما يتعلق بالتجارة غير النفطية، أشار آل هليل إلى أن التركيز المتزايد على مواني البحر الأحمر بوصفها بدائل لوجيستية أكثر مرونة قد ينعكس إيجاباً على حركة التجارة غير النفطية عبر المواني السعودية، وعلى رأسها ميناءا «جدة الإسلامي» و«الملك عبد الله».

وأوضح أنه في حال تحولت الأنظار العالمية أكثر نحو البحر الأحمر كممر آمن ومستقر للتجارة، فإن ذلك قد يؤدي إلى زيادة حركة الحاويات والبضائع العامة عبر هذه المواني.

وأضاف أن هذا التحول قد ينعكس بعدة طرق، أبرزها:

أولاً: زيادة عمليات إعادة التصدير: تحول المواني السعودية إلى مراكز لتوزيع بضائع آسيا نحو الشرق الأوسط وأفريقيا؛ ما يعزز نشاط إعادة التصدير، ويزيد حجم التداول التجاري.

ثانياً: نمو قطاع الخدمات اللوجيستية: سيؤدي ارتفاع حركة البضائع إلى توسع خدمات التخزين والمناولة والتوزيع، إضافة إلى زيادة الطلب على شركات النقل البري والخدمات اللوجيستية داخل المملكة.

ثالثاً: جذب الصناعات المرتبطة بالمواني: غالباً ما تجذب المواني التي تشهد نشاطاً تجارياً مرتفعاً الصناعات الخفيفة ومراكز التجميع والتوزيع؛ ما يعزز دور المناطق الاقتصادية المحيطة بالمواني.

رابعاً: تعزيز دور السعودية بوصفها مركزاً لوجيستياً إقليمياً: مع تطوير البنية التحتية للمواني والربط مع الطرق والسكك الحديدية، تتحول المملكة إلى نقطة عبور رئيسية للبضائع المتجهة إلى المنطقة، وليس سوقاً نهائية لها فقط.

وأكد أن أي تحول في حركة التجارة العالمية نحو البحر الأحمر سيفتح الباب أمام توسُّع كبير في التجارة غير النفطية، مما يرسخ طموح المملكة في أن تصبح مركزاً لوجيستياً عالمياً يربط القارات الثلاث، ويعيد تشكيل خريطة التجارة في المنطقة.

ميناء الملك فهد الصناعي (ينبع) (موانئ)

تكاليف الشحن

حول التساؤلات الاقتصادية المتعلقة بارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري عند تحويل مسارات النفط، أوضح آل هليل أن أي تغيير في مسارات الطاقة ينعكس لوجيستياً على تكلفة الشحن؛ فبعض الشحنات المتجهة إلى آسيا قد تقطع مسافات أطول من الساحل الغربي مقارنة بالخليج، مما يزيد من استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل. كما قد يؤدي ارتفاع الطلب على التحميل في مواني البحر الأحمر إلى زيادة رسوم الخدمات المينائية، أو إطالة فترات انتظار السفن، في حال ارتفاع الضغط التشغيلي.

وأضاف أن التأمين البحري يلعب دوراً أساسياً في تكلفة نقل النفط؛ إذ تقوم شركات التأمين بإعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالمناطق البحرية عند تغيّر مسارات الملاحة، وهو ما قد يؤدي إلى تعديل أقساط التأمين، أو فرض رسوم إضافية على بعض الرحلات.

ورغم ذلك، رأى آل هليل أن هذه التحديات تبقى ضمن نطاق السيطرة؛ كون المملكة تمتلك بنية تحتية استراتيجية متقدمة قادرة على إدارة هذه التحولات بكفاءة، بفضل خط الأنابيب الذي ينقل النفط بسرعة لمرافق تحميل صناعية قادرة على التعامل مع كميات ضخمة. كما أن تطوير قدرات المواني، وتحسين إدارة حركة السفن، وإبرام عقود طويلة الأجل مع شركات النقل والتأمين، تُعَد أدوات فعالة لضبط التكاليف.

ورأى أن الزيادة المحدودة في التكاليف اللوجيستية على المدى القصير هي ثمن مقابل «المرونة الاستراتيجية» التي تضمن استمرارية التدفقات النفطية إلى الأسواق العالمية. وفي عالم يعتمد على أمن الطاقة، تبقى مرونة طرق التصدير أحياناً أكثر قيمة من الفارق في تكلفة النقل.

في المحصلة، أثبتت التطورات الأخيرة أن البنية التحتية اللوجستية هي خط الدفاع الأول عن الاقتصاد. ومع التوسُّع المتسارع في المواني السعودية وربطها بالأسواق العالمية، باتت المملكة تمتلك الأدوات اللازمة لتحصين تدفقاتها من اضطرابات المنطقة. وما نشهده اليوم ليس مجرد إدارة لأزمة، بل هو تحول جذري يجعل من البحر الأحمر الممر الأكثر استقراراً وموثوقية في خريطة التجارة الدولية.

 


مقالات ذات صلة

«موانئ» السعودية تضيف خدمة شحن جديدة عبر ميناء جدة الإسلامي

الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (موانئ)

«موانئ» السعودية تضيف خدمة شحن جديدة عبر ميناء جدة الإسلامي

أعلنت الهيئة العامة للموانئ (موانئ) إضافة خدمة الشحن الجديدة «آر إس 1» بالتعاون مع شركة «غريتا شيبينغ» في ميناء جدة الإسلامي.

«الشرق الأوسط» (جدة)
المشرق العربي معبر «نصيب» على الحدود السورية - الأردنية (أ.ف.ب)

مرسوم للشرع يتشدد مع تهريب المخدرات والأسلحة و«البضائع الإسرائيلية»

أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوماً يتضمن قانوناً جديداً للجمارك في سوريا ينظم عمل الأمانات الجمركية وحركة البضائع والرسوم عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية.

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الاقتصاد سفن تحمل حاويات في أحد الموانئ السعودية (واس)

«الموانئ السعودية»: مناولة أكثر من 14.5 مليون طن من البضائع في أبريل

كشفت الهيئة العامة للموانئ (موانئ) عن تجاوز إجمالي الطنيات المناولة خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي 14.5 مليون طن.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (موانئ)

السعودية تضيف خدمة شحن تربط ميناء جدة الإسلامي بالصين ومصر وماليزيا

عززت «الهيئة العامة للموانئ» شبكة الربط البحري للسعودية، بإضافة شركة «تشاينا يونايتد لاينز» خدمة الشحن الجديدة «إس جي إكس» إلى ميناء جدة الإسلامي.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

في مشهد عالمي تتقاذفه اضطرابات سلاسل الإمداد، وتقلبات الجغرافيا السياسية، برزت السعودية بوصفها ركيزة استقرار لا غنى عنها في خريطة اللوجستيات الدولية.

ساره بن شمران (الرياض)

تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط تذبذب سعر الدولار الأميركي، تواصل السلطات المصرية ملاحقة من يتاجرون في النقد الأجنبي خارج السوق الرسمية. فعلى مدار 3 أيام، تمكنت وزارة الداخلية من ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة، بقيمة مالية تجاوزت 20 مليون جنيه (377.3 ألف دولار).

وقد أثارت الملاحقات الأمنية التي تعلن عنها «الداخلية» يومياً، تساؤلات حول «انتعاش السوق السوداء مجدداً في البلاد». وبينما رهن بعض الخبراء عودة «السوق السوداء» بعدم «توفُّر العملة في البنوك»، رأى مراقبون أنَّ «استمرار الملاحقات يشي بوجود (السوق السوداء) للعملة، وأن هناك من يتاجرون خارج السوق الرسمية».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توفر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثَّرت الأزمة حينها على توفر السلع والخدمات، ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 53 جنيهاً.

وأكدت «الداخلية» في إفادة، مساء السبت، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع في النقد الأجنبي والمضاربة في أسعار العملات خارج السوق المصرفية، لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

يأتي هذا في وقت انخفضت فيه العملة الأميركية، يوم الأحد، بعد موجة ارتفاعات سجلتها على مدار الأيام الماضية؛ حيث سجلت في معظم البنوك أدنى مستوى وهو 53 جنيهاً.

واستمر تذبذب سعر الدولار في البلاد، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 55 جنيهاً، شهد تراجعاً، ثم عاد إلى الارتفاع الطفيف، ثم انخفض مجدداً في تداول الأحد.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على فيسبوك)

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، الحكومة، الشهر الماضي، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة».

وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي، مصطفى بدرة، أن «ما يحدث الآن هو أن البعض يكتنز الدولار، ولكن أن تكون هناك متاجرة خارج نطاق السوق المصرفية، فهي ليست العامل الكبير لتغيير سعر الصرف». ودلَّل على أن «السلطات تضبط المتلاعب بالعملة ثم تحوِّله بعد إجراءات قانونية للنيابة، ثم إلى المحكمة التي تتخذ قراراً بإدانته أو الإفراج عنه؛ وهذا لا يحرك السوق اليوم».

ويضيف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحرك السوق اليوم هو زيادة المعروض في العملة الأجنبية، ما يؤثر في سعر الصرف الأجنبي».

آلية أخرى تحدَّث عنها بدرة، وهي «عندما يكون هناك تحسُّن في آليات جذب العملة الأجنبية إلى البلاد وتحسُّن في قيمة الجنيه، تبدأ العملات الأجنبية -بما فيها الدولار- في الانخفاض». ويشير إلى أنه «في حال عدم توفر العملة في البنوك تظهر السوق السوداء، ولكن ما دامت العملة متوفرة لأي مستثمر بالسعر الرسمي المعلن، فلماذا يلجأ للسوق السوداء؟».

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات، ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مصري يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

كما يرى بدرة أن «آلية تذبذب الدولار هي الباعث الأساسي أو الرافد الأساسي للسوق السوداء». ويشير إلى «عدم ظهور أزمة لتدبير العملة بالنسبة للحجاج المصريين هذا الموسم، على عكس شكاوى البعض خلال سنوات ماضية من عدم توفر العملة، وهذا يدل أن الدولة دبَّرت احتياجات المسافرين من العملات الأجنبية لموسم الحج، رغم ما يحدث منذ الحرب الإيرانية من خروج للأموال الساخنة».

وتؤكد الحكومة بشكل متكرر «حرصها على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية والسلع الاستراتيجية للمواطنين».

من جهته، قال الخبير الاقتصادي رشاد عبده، إن «المحدد الرئيسي لتحديد سعر الصرف، هو قوى العرض والطلب». ويرى أن «قوى العرض والطلب ليست ثابتة بسبب المتغيرات الإقليمية التي تسببت في رفع سعر الدولار، منذ بدء الحرب الإيرانية. ولكن مع الإعلان عن اتفاق، مساء السبت، تذبذب سعر الدولار نحو الانخفاض». ويشير إلى أن «هناك عوامل كثيرة تتحكم في سعر الدولار».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «البعض يرى في شراء الدولار الآن فائدة؛ خصوصاً مع تصاعد حديث عن ارتفاع سعره خلال الأشهر المقبلة في البلاد، ومن هنا تنشط وزارة الداخلية في ضبط كثير من القضايا».

مقر البنك المركزي المصري (صفحة البنك على فيسبوك)

لكن عبده يرهن «عودة السوق السوداء بعدم توفر الدولار في البنوك بالنسبة للمستثمرين، ولكن ما دام متوفراً -كما هو حالياً- فلا توجد سوق سوداء». ويقول إن «الفاصل في انتعاش السوق السوداء من جديد هو مدى قدرة البنوك على تلبية احتياجات المستوردين والمستثمرين، والإفراج عن البضائع في الجمارك».

وأكد وزير المالية أحمد كجوك، في أبريل (نيسان) الماضي، أن «الموازنة العامة للدولة للعام المالي المقبل اعتمدت 47 جنيهاً كمتوسط لسعر الصرف، بناء على سعر الصرف السائد في تاريخ إعداد الموازنة».

وحسب المراقبين: «يعدُّ سعر الدولار بالموازنة سعراً استرشادياً لتحديد حجم الموازنة، وبالتالي يمكن أن ينخفض أو يزيد عليه وفق مرونة سعر الصرف وتدفقات موارد العملة».


تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تواجه البنية التحتية للنظام المالي العالمي المبني على هيمنة الورقة الخضراء اختباراً غير مسبوق؛ حيث تكشف البيانات المالية الصادرة عن الأسواق عن موجة «تسييل جماعي» متزامنة لسندات الخزانة الأميركية تقودها كبرى الاقتصادات العالمية والناشئة، مما يثير مخاوف جدية حول بدء تفكك القواعد التقليدية التي استندت إليها المديونية السيادية الأميركية لعقود.

وفي تطور دراماتيكي لافت، أقدمت تركيا على بيع نحو 89 في المائة من إجمالي حيازاتها من السندات الأميركية في غضون شهر واحد فقط؛ حيث هوت أرقام حيازتها من 15.7 مليار دولار في فبراير (شباط) الماضي إلى 1.8 مليار دولار فقط في مارس (آذار)، في خطوة تؤكد تخلي أنقرة شبه الكامل عن الديون الأميركية كأداة احتياطية.

هروب لكبار الدائنين

لم تكن الخطوة التركية معزولة عن مشهد أوسع يقوده كبار حاملي الديون الأميركية تاريخياً، وتحديداً اليابان والصين؛ تحت وطأة ضغوط العرض والوقود والتبعات الاقتصادية للحرب المستمرة في الشرق الأوسط ومضيق هرمز. وتظهر البيانات الصادمة الأبعاد التالية:

  • الصين: خفّضت بكين حيازاتها بمقدار 42 مليار دولار في شهر مارس وحده، لتهبط بمحفظتها إلى 652.3 مليار دولار، وهو المستوى الأدنى لها منذ عام 2008، مواصلةً خطتها الاستراتيجية لتقليل الاعتماد العضوي على الدولار وتدويل اليوان.
  • اليابان: الدائن الأكبر لواشنطن، لم تكن بمعزل عن هذه «الحمى»؛ إذ تخلصت طوكيو من نحو 47 مليار دولار من السندات خلال ذات الفترة، في خطوة وُصفت بأنها أضخم عملية تسييل يابانية تشهدها الأسواق منذ نحو ثلاثة عقود، وذلك بهدف توفير السيولة النقدية والدفاع عن عملتها المحلية (الين) أمام تداعيات أسعار الطاقة الوافدة.

كماشة النفط والدفاع عن العملات

ويرى محللو أسواق المال أن هذا الانسحاب الجماعي - الذي تسبب في تراجع إجمالي الديون الأميركية المملوكة لأطراف أجنبية بنحو 240 مليار دولار في شهر واحد - ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو نتاج ضغوط اقتصادية حادة؛ إذ إن القفزة القياسية لأسعار النفط العالمية التي بلغت نحو 80 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، أجبرت البنوك المركزية حول العالم على تسييل أصولها المقومة بالدولار (وفي مقدمتها السندات) لتمويل فاتورة استيراد الطاقة الباهظة ودعم استقرار عملاتها الوطنية.

ويتفق المراقبون في نيويورك على أن هذا التراجع الحاد في قاعدة المشترين الدوليين يمثل المعضلة الأكبر لإدارة ترمب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي على حد سواء؛ حيث يتزامن هذا «الهجران الجماعي» للسندات مع تنامي الاحتياجات التمويلية الضخمة لواشنطن لتغطية عجز الموازنة، مما يضع نظام الدولار أمام حقيقة رقمية قاسية، مفادها أنه «عندما تشتد الضغوط الهيكلية، لم يعد الاحتفاظ بالديون الأميركية خياراً آمناً»، وهو ما سيدفع تكاليف الاقتراض الأميركية نحو مستويات حرجة قد تعيد صياغة النظام النقدي العالمي بالكامل.


رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

تواجه الإدارة الأميركية، برئاسة الرئيس دونالد ترمب، اختباراً معقداً وغير متوقع في إدارة دفة السياسة الاقتصادية؛ حيث لم تعد الضغوط نابعة من كواليس غرف القرار السياسي فحسب، بل من قوة سوقية هائلة ومستقلة إلى حد كبير؛ تتمثل في «سوق السندات الأميركية» التي بدأت تفرض شروطها، وتختبر مدى تحمل واشنطن لارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي.

وبينما يتحدث البيت الأبيض عن إحراز تقدم ملموس نحو صياغة اتفاق سلام لإنهاء الحرب المستمرة منذ 3 أشهر مع إيران، ركّز مستثمرو سندات الخزانة على التداعيات التضخمية طويلة الأجل والشكوك المحيطة بفرص التهدئة المستدامة؛ وهو ما دفع عوائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى تجاوز عتبة 4.5 في المائة بشكل حاد، لتلامس مستوى 4.69 في المائة مؤخراً، وهو الأعلى لها منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

كماشة الفائدة وتكلفة المعيشة

وينعكس هذا الصعود المتسارع في عوائد السندات مباشرة على تكاليف الاقتراض في مختلف مفاصل الاقتصاد الأميركي، بدءاً من القروض العقارية، مروراً ببطاقات الائتمان، وصولاً إلى قروض الشركات؛ ما يُهدد الاستقرار المالي الإجمالي.

وفي هذا السياق، يرى غريغ فارانيلو، رئيس استراتيجية الأسعار الأميركية في مؤسسة «أميري فيت سيكيوريتيز»، أن السوق بدأت تفرض نوعاً من «الألم الاقتصادي»، مشيراً إلى أن المستويات الراهنة ستلقي بظلالها حتماً على قطاع الإسكان والتمويل العقاري، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ويتزامن هذا التوتر المالي مع مخاوف عميقة تعصف بموظفي البيت الأبيض تتعلق بالقفزة المستمرة في أسعار وقود السيارات (البنزين)، والتي باتت تُشكل المصدر الأكبر للقلق الإداري حالياً. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي مناقشة خيارات رفع أسعار الفائدة بوصفها أداة وحيدة لكبح جماح التضخم، بدلاً من خفضها كما يُطالب ترمب بانتظام؛ ما يضع السياسة النقدية والمالية في مسار متقاطع ومربك للأسواق.

رهانات الخريف وخيارات المناورة المحدودة

وتكتسب هذه الضغوط الاقتصادية بُعداً سياسياً بالغ الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والتي ستُحدد مصير السيطرة الجمهورية الهشة على مجلسي النواب والشيوخ؛ إذ يُثير إنفاق إدارة ترمب الطموح مخاوف بعض المشرعين من تفاقم العجز المالي.

وفي هذا الصدد، يؤكد خبراء أن معيار «القدرة على تحمل التكاليف» بات الكلمة الأكثر تردداً في أروقة واشنطن؛ نظراً لأن مستويات الفائدة الحالية قد تؤدي إلى تبريد الطلب على الإسكان، والضغط على إنفاق المستهلكين، وفي أسوأ السيناريوهات، دفع الاقتصاد نحو الركود.

وفي المقابل، تسعى الإدارة الأميركية إلى تهدئة روع المستثمرين عبر رسائل تطمينية؛ إذ صرح وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأن الارتفاع الحالي في العوائد، خصوصاً في الآجال الطويلة للمنحنى، مدفوع أساساً بصدمة الطاقة الناتجة عن حرب إيران، مؤكداً أنها «ضغوط مؤقتة» ستزول بزوال مسبباتها الجيوسياسية.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي، أن التركيز يظل منصباً على الأجندة طويلة الأجل لترمب، والتي تستهدف تسريع النمو، وخفض البيروقراطية، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي لاستعادة الحيوية المالية.

قوة السوق ومقصلة الـ5 %

تاريخياً، لطالما شكّلت سوق السندات قوة سياسية قادرة على صياغة السياسات في واشنطن التي تحتاج دوماً للحفاظ على ثقة المستثمرين لتمويل ديونها المتنامية؛ وهي المفارقة التي لخّصها المستشار السياسي الأسبق جيمس كارفيل في تسعينات القرن الماضي، بقوله إنه يرغب في أن يعود للحياة على هيئة «سوق السندات» لقدرتها العالية على إخافة الجميع وترهيبهم.

ويرى الخبراء والمحللون أن خيارات واشنطن للتدخل وكبح جماح العوائد تظل محدودة للغاية، حتى لو قفزت الأسعار إلى «مستوى الألم الحرج» المقدر بنحو 5 في المائة؛ فالارتفاع الحالي مدفوع بقوة النمو الاقتصادي وعناد التضخم المرتبط بالوقود، وليس بمخاوف ائتمانية تتعلق بالقدرة على السداد. وبالتالي، فإن أي تدخل حكومي عنيف أو مصطنع قد يقوّض مصداقية الدولة في معركتها ضد التضخم، ويأتي بنتائج عكسية تؤدي إلى تفاقم الضغوط الصعودية للعوائد، ما يبقي الاقتصاد الأميركي معلقاً بين مرونة قطاع الشركات وقواعد اللعبة الصارمة لأسواق المال.