مواني السعودية... طوق نجاة للتجارة الدولية في زمن الاضطرابات

خبير لوجيستي لـ«الشرق الأوسط»: المليارات التي ضخّتها المملكة جعلتها منصة ربط عالمية

ناقلة راسية في ميناء ينبع التجاري (موانئ)
ناقلة راسية في ميناء ينبع التجاري (موانئ)
TT

مواني السعودية... طوق نجاة للتجارة الدولية في زمن الاضطرابات

ناقلة راسية في ميناء ينبع التجاري (موانئ)
ناقلة راسية في ميناء ينبع التجاري (موانئ)

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي، وما تبعها من تعطّل خطوط الملاحة الحيوية عبر مضيق هرمز، برزت المواني السعودية كشريان بديل، ليس لدول المنطقة فحسب، بل للعالم، بهدف تأمين تدفقات الطاقة وحركة التجارة الدولية؛ فهذه المواني، التي تمتاز بقدرات تشغيلية فائقة وبنية تحتية متطورة، لم تعد مجرد مرافق لوجيستية محلية، بل تحولت إلى محور دولي يضمن استدامة سلاسل الإمداد في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تحديات أمنية غير مسبوقة.

تأكيداً على ثقلها اللوجيستي، أعلنت «الهيئة العامة للموانئ (موانئ)»، إضافة خدمتَي شحن ملاحيتين جديدتين إلى «ميناء جدة الإسلامي» بالتعاون مع عملاقي النقل البحري «ميرسك» و«هاباغ لويد».

وتُعدّ هذه الخطوة نقلة نوعية في تعزيز الربط الملاحي بين المملكة والأسواق الدولية؛ إذ تشمل الخدمات الملاحية خدمة «AE19» التابعة لشركة «ميرسك»، وخدمة «SE4» التابعة لشركة «هاباغ لويد»، حيث تبلغ الطاقة الاستيعابية لكل خدمة نحو 17000 حاوية قياسية، مما يرفع الكفاءة التشغيلية والقدرة التنافسية للميناء بشكل ملموس.

كما تعمل هذه الخدمات على ربط «ميناء جدة الإسلامي» بـ9 موانٍ إقليمية وعالمية رئيسية، تشمل مواني الصين (تيانجين شينغانغ، تشينغداو، نينغبو، وشنغهاي)، وميناء بوسان في كوريا الجنوبية، وتانجونغ بيلباس بماليزيا، وسنغافورة.

كما تمتد شبكة الربط لتشمل مراكز استراتيجية في غرب وشرق البحر الأبيض المتوسط، وطرقاً حيوية تصل إلى جنوب أفريقيا (رأس الرجاء الصالح)، مما يعزز من مرونة حركة البضائع العابرة للقارات.

وكانت شركة «أرامكو» كشفت لـ«الشرق الأوسط»، قبل أيام، عن تحول نوعي في استراتيجيتها التصديرية، حيث بدأت فعلياً بتحويل مسار جزء من صادراتها من النفط الخام نحو ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر.

ووفقاً لـ«رويترز»، فقد أبلغت «أرامكو» مشتري خامها العربي الخفيف بضرورة تحميل الشحنات عبر ينبع، وهو قرار يعكس الثقة المطلقة في قدرة مواني البحر الأحمر على استيعاب التدفقات النفطية الضخمة بكفاءة وأمان، بعيداً عن تقلبات منطقة الخليج العربي.

خريطة المواني

تستند المملكة في هذا التحوُّل الاستراتيجي إلى شبكة موانٍ متكاملة تديرها «الهيئة العامة للموانئ (موانئ)» عبر منظومة ضخمة تضم 290 رصيفاً مجهَّزاً بأحدث التقنيات. لا تقتصر وظيفة هذه المواني على كونها منافذ لوجيستية فحسب، بل تمثل شرياناً حيوياً لتأمين تدفقات النفط والبضائع الأساسية، مستغلةً موقع المملكة الاستراتيجي الذي يربط بين ثلاث قارات، مما يمنح الاقتصاد السعودي مرونة عالية في مواجهة الأزمات العالمية والإقليمية.

ولا تتجلى أهمية هذه المنظومة في بُعدها التشغيلي فقط، بل تمتد لتكون ركيزة أساسية لجذب الاستثمارات الأجنبية، حيث رسخت المواني مكانتها بوصفها مركزاً موثوقاً ومستداماً للتجارة العالمية، بما يضمن إدارة حركة التجارة البحرية بأمان وانسيابية عالية، ويعزّز من كفاءة سلاسل الإمداد في ظل المتغيرات الجيوسياسية الراهنة.

ميناء جدة الإسلامي (موانئ)

في الآتي أبرز مواني المملكة:

- ميناء جدة الإسلامي: الشريان التجاري الأبرز وأكبر ميناء محوري على ساحل البحر الأحمر، ويتميز بموقعه على أحد أهم الممرات البحرية العالمية في البحر الأحمر، مما يجعله نقطة ربط محورية لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

ويمتد الميناء على مساحة نحو 12.5 كيلومتر مربع، ويضم 62 رصيفاً بحرياً، إلى جانب محطتَي حاويات متخصصة، ما يتيح له استقبال السفن الكبيرة بسعة تصل إلى 19800 حاوية مكافئة. ويتعامل مع أكثر من 130 مليون طن سنوياً من البضائع، بما يشكل نحو 75 في المائة من التجارة البحرية للمملكة.

ويضم محطات حاويات رئيسية، مثل بوابة البحر الأحمر والمحطة الجنوبية، مع توسعات مستمرة تشمل أنظمة ذكية وأتمتة متقدمة؛ ما يضمن مناولة الحاويات والبضائع بكفاءة عالية، إضافة إلى خدمات التخزين والجمارك والتزويد بالسفن. ويربط الميناء المملكة مباشرة بالمواني الأوروبية والآسيوية والأفريقية.

- ميناء الملك عبد الله: مركز عالمي لإعادة الشحن يقع في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية شمال جدة، ويغطي مساحة 20 كيلومتراً مربعاً ضمن منطقة اقتصادية أوسع تبلغ 168 كيلومتراً مربعاً. ويُعدّ الميناء مركزاً رئيسياً لإعادة الشحن على طريق التجارة بين الشرق والغرب، ويربط آسيا وأوروبا وأفريقيا بشكل مباشر، وتبلغ قدرته السنوية على مناولة الحاويات 25 مليون حاوية مكافئة، ما يجعله من بين أكبر مواني الحاويات في العالم.

ويضم محطات حاويات وبضائع سائبة مزودة بأحدث المعدات، مثل رافعات عالية السعة وأنظمة بوابات ذكية ومركبات موجهة آلياً، ما يضمن سرعة وكفاءة تفريغ وشحن السفن الكبيرة.

- ميناء الملك فهد الصناعي (ينبع): العملاق الأكبر في تحميل النفط الخام والمنتجات البتروكيميائية على مستوى مواني البحر الأحمر بطاقة مناولة تصل إلى 210 ملايين طن سنوياً.

- ميناء ينبع التجاري: من أقدم المواني البحرية على الساحل الغربي للمملكة، ويمثل البوابة الثانية لقدوم ومغادرة الحجاج بعد جدة، حيث افتتح رسمياً في عهد الملك فيصل عام 1965. يقع الميناء بين ميناء ضبا شمالاً وميناء الملك فهد الصناعي وجدة الإسلامي جنوباً.

ويضم الميناء 12 رصيفاً، وتبلغ طاقته الاستيعابية أكثر من 13.5 مليون طن سنوياً، ويحتوي على محطة للركاب تتسع لنحو 1500 راكب، إضافة إلى محطة للبضائع العامة وصومعتين لتخزين المواد السائبة بطاقة 20 ألف طن لكل صومعة، ما يجعله منفذاً بحرياً استراتيجياً لقربه من الأسواق المحلية لمنطقتي المدينة المنورة والقصيم، وبوابة مهمة لانتقال التجارة من هذه المناطق وإليها.

ويرتبط الميناء بشبكة حديثة من الطرق البرية تصل مناطق المدينة المنورة ومكة المكرمة؛ ما يعزز دوره كمنفذ بحري استراتيجي، ويكمل شبكة مواني البحر الأحمر، وفق بيانات «الهيئة العامة للموانئ».

- ميناء ضبا: البوابة الشمالية الغربية التي تخدم حركة الركاب والبضائع بكفاءة عالية، بطاقة استيعابية تبلغ 10 ملايين طن.

- ميناء جازان: البوابة الجنوبية، ويأتي في المرتبة الثالثة من حيث الطاقة التصميمية على الساحل السعودي للبحر الأحمر، ويُعدّ أكبر ميناء لاستقبال الماشية المقبلة من دول القرن الأفريقي، ويبعد نحو 266 ميلاً عن مضيق باب المندب.

يضم 12 رصيفاً و3 قنوات اقتراب ملاحية، وتبلغ طاقته الاستيعابية نحو 5 ملايين طن سنوياً، ويتميز بموقعه الاستراتيجي على طرق التجارة البحرية بين أوروبا والشرق الأقصى والخليج العربي وشرق أفريقيا؛ ما يجعله بوابة لوجيستية مهمة للجنوب السعودي والأسواق الأفريقية.

- ميناء رأس الخير: يُعدّ من شرايين الاقتصاد السعودي التي تغذي البرامج والمشروعات الحيوية التي ينفذها القطاعان العام والخاص في مدينة رأس الخير الصناعية. دُشن في عام 2016، وهو أحدث ميناء صناعي بالمملكة، وتكمن أهميته في وقوعه بمنطقة صناعية جديدة متنوعة الإنتاج، ولها مستقبل كبير في اقتصاد الوطن، وهي مدينة رأس الخير الصناعية.

وما يميز هذا الميناء ارتباطه بمناجم التعدين عبر خط للسكة الحديدية، وتصدر من خلاله منتجات الشركات إلى الأسواق العالمية. يضم الميناء 14 رصيفاً، ويخدم أكثر من 100 مشروع صناعي في مدينة رأس الخير.

- ميناء الخفجي: يقع على الساحل الشرقي بالمنطقة الشرقية في محافظة الخفجي ويُعتبر ميناء نفطياً (لتصدير النفط الخام). صدرت أول شحنة نفط عبره عام 1960، ويتميز بقدرته الاستيعابية المتميزة في استقبال 3 ناقلات في الوقت نفسه؛ ناقلتَي تحميل وناقلة تفريغ، كما يمكنه استقبال 6 ناقلات في منطقة الانتظار واستقبال 30 قطعة صغيرة على أرصفته.

هذه التوسعات والشراكات الدولية ليست بمعزل عن المستهدفات الوطنية؛ حيث استثمرت «موانئ» أكثر من 27 مليار ريال (7.2 مليار دولار) لتطوير البنية التحتية للمواني الرئيسية، مع إنشاء 20 منطقة لوجيستية عالمية متكاملة.

ولا تقتصر هذه الجهود على مناولة البضائع، بل امتدت لتشمل تحديثاً تقنياً وبنيوياً سمح للمواني السعودية باستقبال أضخم سفن الحاويات في العالم (بقدرة تصل إلى 24 ألف حاوية قياسية)، مما يكرِّس مكانة المملكة بوصفها مركزاً لوجستياً عالمياً لربط القارات الثلاث.

سفينة راسية في ميناء جازان (موانئ)

الاستثمار في المنظومة

وفي هذا السياق، قال المهندس حسن آل هليل، الخبير اللوجيستي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه المواني تمتلك ميزة جغرافية استثنائية بقربها من ممرات الملاحة العالمية، مما يجعلها قادرة على الربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا خلال مسافات إبحار أقصر، وهو ما يمنحها فرصة حقيقية لتكون مراكز لإعادة توزيع البضائع.

وأشار إلى أن «ميناء جدة الإسلامي» يُعدّ تاريخياً بوابة التجارة الرئيسية للسعودية، ويتمتع بطاقة تشغيلية كبيرة وخبرة طويلة في إدارة حركة الحاويات والبضائع، فيما صُمم ميناء الملك عبد الله منذ البداية ميناء حديثاً يعتمد على التشغيل المتقدِّم وقابلية التوسع، ويُعدّ من أسرع المواني نمواً في المنطقة من حيث مناولة الحاويات.

ولفت إلى أن التحول إلى محور تجاري عالمي لا يعتمد على الموقع الجغرافي فقط، بل يتطلب أيضاً كفاءة الإجراءات الجمركية وسرعة التخليص، وقدرة المواني على استقبال السفن العملاقة، إضافة إلى وجود مناطق لوجيستية وصناعية مرتبطة بالميناء، وتكامل النقل البري والسككي مع المواني.

وأضاف أن السعودية تعمل في هذا السياق على تطوير منظومة لوجيستية متكاملة تهدف إلى تحويل البحر الأحمر إلى منصة تجارية تربط القارات الثلاث، مستفيدة من الاستثمارات الكبيرة في المواني والمناطق الاقتصادية.

وأوضح أن المملكة استثمرت منذ عقود في إنشاء منظومة لوجيستية تقلل الاعتماد على مضيق هرمز، وفي مقدمتها خط أنابيب شرق - غرب المعروف باسم «بترولاين»، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، بقدرة تشغيلية تصل إلى 5 ملايين برميل يومياً، ويمكن رفعها إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً في حالات الطوارئ.

وأكد أن ميناء ينبع يمثل «صمام أمان» استراتيجياً لقطاع الطاقة السعودي؛ إذ يخفف من تداعيات المخاطر الجيوسياسية على الصادرات، ويمنح الأسواق العالمية قدراً من الاستقرار.

وشرح أنه قادر عملياً على تصدير نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً عبر البحر الأحمر، و«هو ما يضمن استمرار جزء مهم من التدفقات النفطية مع تعطل المرور عبر مضيق هرمز الذي يظل أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة النفط في العالم»، لافتاً إلى أن هذه القدرة تمنح السعودية مرونة كبيرة في إدارة صادراتها النفطية.

انعكاسات التحول على التجارة غير النفطية

وفيما يتعلق بالتجارة غير النفطية، أشار آل هليل إلى أن التركيز المتزايد على مواني البحر الأحمر بوصفها بدائل لوجيستية أكثر مرونة قد ينعكس إيجاباً على حركة التجارة غير النفطية عبر المواني السعودية، وعلى رأسها ميناءا «جدة الإسلامي» و«الملك عبد الله».

وأوضح أنه في حال تحولت الأنظار العالمية أكثر نحو البحر الأحمر كممر آمن ومستقر للتجارة، فإن ذلك قد يؤدي إلى زيادة حركة الحاويات والبضائع العامة عبر هذه المواني.

وأضاف أن هذا التحول قد ينعكس بعدة طرق، أبرزها:

أولاً: زيادة عمليات إعادة التصدير: تحول المواني السعودية إلى مراكز لتوزيع بضائع آسيا نحو الشرق الأوسط وأفريقيا؛ ما يعزز نشاط إعادة التصدير، ويزيد حجم التداول التجاري.

ثانياً: نمو قطاع الخدمات اللوجيستية: سيؤدي ارتفاع حركة البضائع إلى توسع خدمات التخزين والمناولة والتوزيع، إضافة إلى زيادة الطلب على شركات النقل البري والخدمات اللوجيستية داخل المملكة.

ثالثاً: جذب الصناعات المرتبطة بالمواني: غالباً ما تجذب المواني التي تشهد نشاطاً تجارياً مرتفعاً الصناعات الخفيفة ومراكز التجميع والتوزيع؛ ما يعزز دور المناطق الاقتصادية المحيطة بالمواني.

رابعاً: تعزيز دور السعودية بوصفها مركزاً لوجيستياً إقليمياً: مع تطوير البنية التحتية للمواني والربط مع الطرق والسكك الحديدية، تتحول المملكة إلى نقطة عبور رئيسية للبضائع المتجهة إلى المنطقة، وليس سوقاً نهائية لها فقط.

وأكد أن أي تحول في حركة التجارة العالمية نحو البحر الأحمر سيفتح الباب أمام توسُّع كبير في التجارة غير النفطية، مما يرسخ طموح المملكة في أن تصبح مركزاً لوجيستياً عالمياً يربط القارات الثلاث، ويعيد تشكيل خريطة التجارة في المنطقة.

ميناء الملك فهد الصناعي (ينبع) (موانئ)

تكاليف الشحن

حول التساؤلات الاقتصادية المتعلقة بارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري عند تحويل مسارات النفط، أوضح آل هليل أن أي تغيير في مسارات الطاقة ينعكس لوجيستياً على تكلفة الشحن؛ فبعض الشحنات المتجهة إلى آسيا قد تقطع مسافات أطول من الساحل الغربي مقارنة بالخليج، مما يزيد من استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل. كما قد يؤدي ارتفاع الطلب على التحميل في مواني البحر الأحمر إلى زيادة رسوم الخدمات المينائية، أو إطالة فترات انتظار السفن، في حال ارتفاع الضغط التشغيلي.

وأضاف أن التأمين البحري يلعب دوراً أساسياً في تكلفة نقل النفط؛ إذ تقوم شركات التأمين بإعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالمناطق البحرية عند تغيّر مسارات الملاحة، وهو ما قد يؤدي إلى تعديل أقساط التأمين، أو فرض رسوم إضافية على بعض الرحلات.

ورغم ذلك، رأى آل هليل أن هذه التحديات تبقى ضمن نطاق السيطرة؛ كون المملكة تمتلك بنية تحتية استراتيجية متقدمة قادرة على إدارة هذه التحولات بكفاءة، بفضل خط الأنابيب الذي ينقل النفط بسرعة لمرافق تحميل صناعية قادرة على التعامل مع كميات ضخمة. كما أن تطوير قدرات المواني، وتحسين إدارة حركة السفن، وإبرام عقود طويلة الأجل مع شركات النقل والتأمين، تُعَد أدوات فعالة لضبط التكاليف.

ورأى أن الزيادة المحدودة في التكاليف اللوجيستية على المدى القصير هي ثمن مقابل «المرونة الاستراتيجية» التي تضمن استمرارية التدفقات النفطية إلى الأسواق العالمية. وفي عالم يعتمد على أمن الطاقة، تبقى مرونة طرق التصدير أحياناً أكثر قيمة من الفارق في تكلفة النقل.

في المحصلة، أثبتت التطورات الأخيرة أن البنية التحتية اللوجستية هي خط الدفاع الأول عن الاقتصاد. ومع التوسُّع المتسارع في المواني السعودية وربطها بالأسواق العالمية، باتت المملكة تمتلك الأدوات اللازمة لتحصين تدفقاتها من اضطرابات المنطقة. وما نشهده اليوم ليس مجرد إدارة لأزمة، بل هو تحول جذري يجعل من البحر الأحمر الممر الأكثر استقراراً وموثوقية في خريطة التجارة الدولية.

 


مقالات ذات صلة

اضطرابات الملاحة تُعيد رسم خريطة الشحن... والموانئ السعودية في الواجهة

الاقتصاد المعرض المصاحب للمؤتمر السعودي البحري واللوجستي في جدة (الشرق الأوسط)

اضطرابات الملاحة تُعيد رسم خريطة الشحن... والموانئ السعودية في الواجهة

أعادت اضطرابات الملاحة في الشرق الأوسط رسم مسارات التجارة البحرية، مع اتجاه شركات الشحن إلى منافذ بديلة لتفادي الممرات والموانئ المتأثرة بالأزمة.

أسماء الغابري (جدة)
الاقتصاد رئيس الهيئة العامة للنقل المهندس فواز السهلي خلال جولته في المعرض المصاحب للمؤتمر بجدة (الهيئة) p-circle 01:12

«النقل» السعودية: القطاع البحري أثبت صموده أمام اضطرابات التجارة العالمية

استطاع القطاع البحري السعودي إثبات قدرته على الصمود أمام الاضطرابات التي شهدتها حركة التجارة والملاحة العالمية خلال عام 2026.

أسماء الغابري (جدة)
خاص جانب من مشاركة «سال» في المعرض السعودي للمستودعات والخدمات اللوجستية (الشرق الأوسط)

خاص «سال» السعودية توسع خياراتها اللوجستية مع تغير خريطة التجارة العالمية

أعادت الاضطرابات الجيوسياسية وتغير مسارات التجارة العالمية تعريف مفهوم كفاءة سلاسل الإمداد.

ساره بن شمران (الرياض)
خاص سلسلة التبريد السعودية... «سباق الزمن» من التخزين إلى التوزيع

خاص سلسلة التبريد السعودية... «سباق الزمن» من التخزين إلى التوزيع

مع نمو الطلب على الغذاء والدواء، تنتقل سلسلة التبريد السعودية إلى مرحلة جديدة، تبرز فيها كفاءة الشبكة، وسرعة المناولة، والقدرة على التعافي.

ساره بن شمران (الرياض)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (واس)

فائض الميزان التجاري السعودي يتراجع إلى 3.84 مليار دولار خلال يوليو

سجل فائض الميزان التجاري السلعي للسعودية تراجعاً بنسبة 25.0 في المائة خلال شهر يوليو (تموز) 2026 على أساس سنوي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

اضطرابات الملاحة تُعيد رسم خريطة الشحن... والموانئ السعودية في الواجهة

المعرض المصاحب للمؤتمر السعودي البحري واللوجستي في جدة (الشرق الأوسط)
المعرض المصاحب للمؤتمر السعودي البحري واللوجستي في جدة (الشرق الأوسط)
TT

اضطرابات الملاحة تُعيد رسم خريطة الشحن... والموانئ السعودية في الواجهة

المعرض المصاحب للمؤتمر السعودي البحري واللوجستي في جدة (الشرق الأوسط)
المعرض المصاحب للمؤتمر السعودي البحري واللوجستي في جدة (الشرق الأوسط)

أعادت اضطرابات الملاحة في الشرق الأوسط رسم مسارات التجارة البحرية، مع اتجاه شركات الشحن إلى منافذ بديلة لتفادي الممرات والموانئ المتأثرة بالأزمة، ما عزّز الطلب على خدمات الموانئ السعودية، خصوصاً على الساحل الغربي. وبينما تتيح هذه التحولات فرصاً تشغيلية واستثمارية جديدة فإنها ترفع في المقابل تكلفة نقل البضائع، بفعل ارتفاع أسعار الوقود والتأمين وإطالة الرحلات وازدحام بعض الموانئ، وهي أعباء يتحمل جانباً منها المستوردون والمستهلكون.

وفي مؤشر على انعكاسات هذه التحولات، قال الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة «محطات بوابة البحر الأحمر»، بدر العتيبي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الطلب على خدمات الشركة ارتفع بنحو 20 في المائة منذ بداية عام 2026، مدفوعاً بزيادة حركة الشحن العابر وتحويل مسارات البضائع نتيجة الاضطرابات التي تشهدها بعض الممرات والموانئ الإقليمية.

وأضاف العتيبي أن الطلب يواصل تسجيل نمو متصاعد، مع توقعات باستمرار الزيادة خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن التوسعات السابقة وزيادة الطاقة الاستيعابية للموانئ السعودية على الساحل الغربي ساعدتا في استيعاب التدفقات الإضافية من السفن والحاويات، والحد من التأخيرات التشغيلية التي كان يمكن أن تصاحب التحول المفاجئ في حركة التجارة.

استثمارات جديدة لمواكبة تحولات الشحن

وكشف العتيبي عن استثمار نحو 200 مليون ريال (53.3 مليون دولار) لمواكبة المتغيرات التشغيلية والتحولات في مسارات الشحن، مؤكداً أن جاهزية الموانئ السعودية وتطوير مرافقها أسهما في التعامل مع زيادة حركة البضائع وتخفيف التحديات التي واجهت المستوردين والمصدرين، خصوصاً المرتبطة باضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز.

وأوضح أن الشركة نفّذت خلال مراحل سابقة استثمارات بلغت نحو 3.6 مليار ريال (960 مليون دولار). كما أشار إلى مشروعات بقيمة 1.6 مليار ريال (426.6 مليون دولار) في مرافق البضائع المتعددة، ومشروعات بالقيمة نفسها في محطة للحاويات بالشراكة مع جهة فرنسية، ضمن جهود تطوير البنية التحتية ورفع كفاءة المناولة والخدمات التشغيلية.

وفيما يتعلَّق بالتوسع المستقبلي، أفاد بأن الشركة تدرس فرص دخول أنشطة المستودعات والخدمات اللوجستية خارج الموانئ، وفق احتياجات السوق والجدوى الاستثمارية، فيما يتركز نشاطها الاستثماري حالياً على تطوير المحطات البحرية وتشغيلها.

الوقود والتأمين يرفعان تكلفة الشحن

في المقابل، قال الرئيس التنفيذي لشركة «فُلك البحرية» (Folk Maritime)، بول هيستبيك، لـ«الشرق الأوسط»، إن اضطرابات الملاحة رفعت تكاليف وقود السفن إلى 3 أمثال مستوياتها المعتادة في بعض الفترات، فيما تبلغ حالياً نحو ضعفين ونصف الضعف. كما ارتفعت تكاليف التأمين على السفن العاملة في المناطق عالية المخاطر إلى عدة أمثال مستوياتها المعتادة في بعض الحالات.

وأوضح هيستبيك أن تغيير مسارات الشحن فرض تعقيدات تشغيلية إضافية، بسبب ازدحام بعض الموانئ وإطالة الرحلات وإعادة توزيع السفن بين الخطوط الملاحية، وأدى ذلك إلى تراجع محدود في الطاقة التشغيلية الفعلية للشركة، فيما جاءت أحجام الشحن المنقولة منذ بداية العام أقل قليلاً من توقعاتها.

وأشار إلى أن الموانئ التي تستقبل شحنات إضافية نتيجة تغيير المسارات ليست بالضرورة مستفيدة على المدى الطويل، إذ قد تكون فقدت شحنات خلال أزمات سابقة عندما اتجهت حركة التجارة إلى منافذ أخرى، ما يجعل المكاسب الحالية مرتبطة باتجاهات الملاحة المتغيرة أكثر من ارتباطها بنمو مستدام في التجارة.

وقال هيستبيك إن أصحاب البضائع يتحملون جانباً كبيراً من التكلفة الإضافية، نتيجة إطالة زمن النقل، وتعقيد العمليات داخل الموانئ، وارتفاع نفقات الشحن والنقل البري المرتبط بالمسارات البديلة.

وأضاف أن بعض البضائع اتجهت إلى منافذ جديدة، من بينها موانئ في الإمارات وعُمان، قبل نقلها براً إلى وجهاتها النهائية. وأوضح أن حركة السفن تتبع في نهاية المطاف مسارات البضائع، الأمر الذي دفع الشركة إلى إعادة توزيع أسطولها استجابة للتغيرات في تدفقات التجارة.

وأكد أن «فُلك البحرية» تمكّنت من تمرير معظم الزيادات في تكاليف التشغيل إلى عملائها، ومن ثم إلى المستهلكين، مشيراً إلى أن ارتفاع الإيرادات ساعد في تغطية الأعباء الإضافية، والحفاظ على معدلات جيدة لاستخدام سفن الشركة.

وفي المقابل، ذكر العتيبي أن تكاليف النقل البري والخدمات اللوجستية داخل السعودية لم تشهد ارتفاعات ملحوظة، وظلّت ضمن مستويات معقولة، معتبراً أن التأثير الأكبر للأزمة تركّز في تكاليف الشحن البحري والتأمين.

وتعكس هذه التطورات تفاوت أثر اضطرابات الملاحة بين أطراف القطاع؛ إذ تستقطب بعض الموانئ تدفقات إضافية من البضائع، فيما تواجه شركات الشحن تكاليف تشغيل أعلى، ويتحمل المستوردون والمستهلكون جزءاً من الأعباء الناتجة عن تغيير المسارات وطول الرحلات. ولا تعني زيادة النشاط في بعض الموانئ بالضرورة ارتفاع إجمالي حركة التجارة الإقليمية، إذ قد تكون هذه الزيادة نتيجة إعادة توزيع الشحنات بين المنافذ.

خدمة جديدة وخطط لتوسيع الأسطول في 2027

وفي إطار التكيّف مع المتغيرات، كشف هيستبيك عن إطلاق خدمة ملاحية جديدة خلال العام الحالي تربط ميناء ينبع بموانئ في مصر والأردن. وأوضح أن الخدمة لا تزال في مرحلة التطوير، لكنها تُسجل مؤشرات مشجعة، ضمن توجه الشركة لتعزيز الربط بين موانئ البحر الأحمر وشبكتها الملاحية الدولية.

كما أعلن عن خطط لتوسيع أسطول سفن الحاويات خلال عام 2027 عبر الاستحواذ على سفن إضافية، رهناً بتوفر السفن بالمواصفات المطلوبة، بهدف دعم حركة التجارة بين شبه القارة الهندية والشرق الأوسط والخليج والبحر الأحمر.

وتوقع استمرار التحديات التي تواجه الملاحة خلال العام المقبل، في ظل عدم وضوح آفاق استقرار الأوضاع في مضيق هرمز والبحر الأحمر، مؤكداً أن ضمان وصول السلع الأساسية إلى السعودية يُمثل الأولوية القصوى للشركة.

وجاءت التصريحات على هامش المؤتمر السعودي البحري واللوجستي 2026، الذي انطلقت أعماله الأربعاء في جدة تحت رعاية وزير النقل والخدمات اللوجستية المهندس صالح الجاسر، بمشاركة قيادات شركات الشحن ومشغلي الموانئ والخدمات اللوجستية.

ويناقش المؤتمر تحولات المسارات التجارية وتنافسية الموانئ والاستثمارات في البنية التحتية البحرية، إلى جانب التحديات التي تواجه سلاسل الإمداد، في وقت تتجه فيه الشركات إلى تعزيز مرونة شبكاتها التشغيلية والاستثمار في قدرات جديدة لمواجهة التقلبات في التجارة الدولية.


الأسهم العالمية تتراجع على وقع ارتفاع النفط ومخاوف الديون الأوروبية

مشغلو السوق يعملون في غرفة العمليات بمقر بورصة يورونكست في الحي المالي بباريس (إ.ب.أ)
مشغلو السوق يعملون في غرفة العمليات بمقر بورصة يورونكست في الحي المالي بباريس (إ.ب.أ)
TT

الأسهم العالمية تتراجع على وقع ارتفاع النفط ومخاوف الديون الأوروبية

مشغلو السوق يعملون في غرفة العمليات بمقر بورصة يورونكست في الحي المالي بباريس (إ.ب.أ)
مشغلو السوق يعملون في غرفة العمليات بمقر بورصة يورونكست في الحي المالي بباريس (إ.ب.أ)

تراجعت أسواق الأسهم العالمية، الخميس، مع ارتفاع أسعار النفط، ما دفع العقود الآجلة للأسهم الأميركية إلى الهبوط، وأدخل الأسهم الصينية إلى نطاق السوق الهابطة، في وقت زادت فيه التوترات في الشرق الأوسط ومخاوف الديون في منطقة اليورو من اضطراب الأسواق المالية.

وهبطت العقود الآجلة المرتبطة بمؤشر «ناسداك 100»، الذي تهيمن عليه شركات التكنولوجيا، بنسبة 1.8 في المائة قبيل بدء التداول في «وول ستريت»، بينما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 1 في المائة.

وفي الصين، انخفض مؤشر «سي إس آي 300» القياسي بنسبة 1.8 في المائة، لتصل خسائره إلى 20 في المائة منذ يونيو (حزيران)، في إشارة إلى هشاشة ثقة المستثمرين بثاني أكبر اقتصاد في العالم.

كما تراجعت الأسهم الأوروبية عند الافتتاح، وانخفض مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1 في المائة في التعاملات المبكرة، بالتزامن مع موجة بيع جديدة طالت السندات الأكثر مخاطرة في المنطقة.

وقال محللون في «دويتشه بنك» إن «الأجواء في الأسواق خلال الليل أصبحت أكثر سلبية بوضوح»، مشيرين إلى ارتفاع أسعار النفط الخام.

النفط يتجاوز 112 دولاراً

وارتفع خام برنت بنسبة 3 في المائة إلى 112 دولاراً للبرميل، مسجلاً مستويات لم تُشهد منذ الأشهر الأولى من الحرب مع إيران. كما ارتفعت أسعار النفط الأميركي، بعد تصعيد الحوثيين المدعومين من إيران هجماتهم على السعودية.

وأدى صعود أسعار الطاقة إلى زيادة الضغوط على الأسواق، في ظل مخاوف من أن يؤدي استمرار الصراع إلى تفاقم التضخم وإضعاف النمو الاقتصادي العالمي.

تباين في أسواق السندات

وفي أسواق الدين، اتجه المستثمرون إلى الأصول التي تعد ملاذات آمنة، مثل سندات الخزانة الأميركية والسندات الألمانية، في حين تخلّصوا من السندات الصادرة عن دول أكثر عرضة للمخاطر.

وارتفعت أسعار سندات الخزانة الأميركية، ما دفع عائد السندات لأجل عشر سنوات إلى الانخفاض بمقدار 0.07 نقطة مئوية إلى 5.08 في المائة.

في المقابل، استمرت الضغوط على السندات الفرنسية والإيطالية. وارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات بمقدار 0.11 نقطة مئوية إلى 5.11 في المائة، بعدما تجاوز مستوى 5 في المائة الأربعاء للمرة الأولى منذ عام 2002.

كما اتسع الفارق بين عائد السندات الفرنسية ونظيرتها الألمانية إلى 1.7 نقطة مئوية، وهو أعلى مستوى منذ ذروة أزمة ديون منطقة اليورو في عام 2011.

وامتدت الضغوط إلى أسواق دين أوروبية أخرى تتابعها السلطات النقدية من كثب وسط مخاوف من أزمة ديون عامة. وارتفع الفارق الإيطالي إلى 1.2 نقطة مئوية، بينما اقترب الفارق البلجيكي من 1.1 نقطة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام 2013.

هبوط واسع في الأسواق الآسيوية

وفي آسيا، تراجع مؤشر «نيكي 225» الياباني بنسبة 2.7 في المائة، مع انخفاض أسهم شركات الرقائق والذكاء الاصطناعي، بما فيها «رينوسونيك» و«لازرتك» و«كيوكسيا» و«طوكيو إلكترون».

كما هبط مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بنسبة 3.5 في المائة، بينما تراجع مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة 3 في المائة خلال تعاملات بعد الظهر.

وانخفض سهم «علي بابا» بنسبة 4 في المائة، بعدما دعت هيئة تنظيم السوق الصينية إلى تشديد معايير جودة المنتجات وتعزيز حماية المستهلك على منصات التجارة الإلكترونية.

وقالت الهيئة الحكومية الصينية لتنظيم السوق إن النمو السريع لأنماط التسوق الإلكتروني الجديدة، بما يشمل التسوق عبر البث المباشر والتجارة الفورية والتجارة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، جعل مخاطر جودة المنتجات وسلامتها أكثر تعقيداً وأصعب في الرصد.

وأضافت الهيئة أن مشكلات مثل السلع المقلدة أو غير المطابقة للمواصفات، والمنتجات التي لا تتطابق مع أوصافها، والإعلانات المضللة، لا تزال شائعة، في وقت تواجه فيه الجهود الرامية إلى رفع معايير الجودة على المنصات الإلكترونية تحديات مستمرة.


الاقتصاد العراقي بين انكماش حاد في 2026... وتعافٍ مرتقب في 2027

ناقلات نفط لدى وصولها إلى موانئ تصدير النفط العراقية وتحميلها بالنفط الخام (أرشيفية - رويترز)
ناقلات نفط لدى وصولها إلى موانئ تصدير النفط العراقية وتحميلها بالنفط الخام (أرشيفية - رويترز)
TT

الاقتصاد العراقي بين انكماش حاد في 2026... وتعافٍ مرتقب في 2027

ناقلات نفط لدى وصولها إلى موانئ تصدير النفط العراقية وتحميلها بالنفط الخام (أرشيفية - رويترز)
ناقلات نفط لدى وصولها إلى موانئ تصدير النفط العراقية وتحميلها بالنفط الخام (أرشيفية - رويترز)

يواجه العراق واحدةً من أشدِّ الصدمات الاقتصادية في المنطقة، في ظلِّ تداعيات الصراع واضطراب تدفقات الطاقة عبر مضيق «هرمز»، وفق تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي: الشرق الأوسط وآسيا الوسطى» الصادر عن صندوق النقد الدولي في أكتوبر (تشرين الأول) 2026. ويضع التقرير الاقتصاد العراقي أمام انكماش حاد خلال العام الحالي، قبل تعافٍ قوي متوقع في 2027، في مسار يرتبط بدرجة كبيرة بعودة إنتاج النفط والغاز واستعادة حركة التجارة والصادرات.

ويُصنَّف العراق ضمن الاقتصادات الأكثر تأثراً باضطرابات مضيق «هرمز»، نظراً إلى اعتماده الكبير على الممر في تصدير النفط، ومحدودية البدائل المتاحة لنقل صادراته. وقد أدى تراجع إنتاج النفط والغاز منذ بدء الأزمة إلى انكماش الأنشطة المرتبطة بالقطاع الهيدروكربوني، وامتدت التداعيات إلى قطاعات أخرى، في وقت تواجه فيه البلاد ارتفاعاً في تكاليف التجارة وضغوطاً على المالية العامة.

كانت المديرة العام لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قد أعلنت الأسبوع الماضي، أن العراق طلب من صندوق النقد الدولي برنامجاً تمويلياً جديداً، مؤكدة استعداد الصندوق لدعم الطلب مالياً ومن خلال السياسات الاقتصادية.

انكماش 16 في المائة في 2026

يتوقَّع التقرير أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للعراق بنسبة 16 في المائة في عام 2026، مقارنة بانكماش طفيف بلغ 0.4 في المائة في 2025. ويعكس هذا التراجع الحاد حجم الصدمة التي تعرَّض لها الاقتصاد نتيجة انخفاض إنتاج الهيدروكربونات واضطراب الصادرات، إلى جانب انعكاسات الأزمة على النشاط الاقتصادي غير النفطي.

ويمثل التوقع خفضاً كبيراً قدره 9.2 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات أبريل (نيسان)، في مراجعة تعكس تفاقم تداعيات الصراع على الاقتصاد العراقي. ويبرز هذا التعديل مدى حساسية آفاق النمو للتطورات الأمنية واستمرار تعطّل إنتاج الطاقة وتدفقاتها التجارية.

وفي المقابل، يفترض السيناريو الأساسي تحسناً ملحوظاً في 2027، مع توقف الأعمال العدائية تدريجياً واستعادة تدفقات الطاقة عبر مضيق «هرمز» وإصلاح المرافق المتضررة. وبناءً على هذه الافتراضات، يتوقع الصندوق أن يسجل الاقتصاد العراقي نمواً بنسبة 19 في المائة في العام المقبل، قبل أن يستقرَّ معدل النمو عند نحو 3.5 في المائة بحلول 2031.

ويعني هذا المسار أن التعافي المتوقع سيكون مدفوعاً بدرجة كبيرة باستعادة النشاط النفطي، ما يجعل التوقعات عرضة للتغير إذا استمرَّت الاضطرابات أو تأخر استئناف الإنتاج والصادرات بالمستويات المفترضة.

مضيق «هرمز» يرفع تكاليف التجارة

لا تقتصر آثار الأزمة على انخفاض إنتاج النفط والغاز، بل تمتد إلى تكاليف التجارة وسلاسل الإمداد. ويشير التقرير إلى أن العراق يتحمل أعلى زيادة في تكاليف التجارة البحرية بين دول المنطقة التي تناولها التحليل، إذ تتجاوز الزيادة 13 في المائة في ظلِّ اضطرابات الملاحة عبر مضيق «هرمز».

وتعكس هذه الزيادة ارتفاع تكاليف الشحن بصورة مباشرة وغير مباشرة، فضلاً عن الأعباء الإضافية المرتبطة بتحويل جزء من حركة نقل السلع إلى المسارات البرية وموانئ الدول المجاورة. وتزيد هذه التطورات تكلفة استيراد السلع، وتفرض ضغوطاً إضافية على الشركات والأنشطة الاقتصادية التي تعتمد على الإمدادات الخارجية.

كما أن محدودية المسارات البديلة لتصدير النفط تجعل الاقتصاد العراقي أكثر عرضةً لاستمرار اضطراب الممرات البحرية، إذ يصعب تعويض تعطل الصادرات بسرعة من خلال طرق أخرى. ويؤدي ذلك إلى تضخيم أثر الصدمة على الإنتاج والإيرادات العامة والنشاط الاقتصادي.

التضخم يدفع إلى التحرك النقدي

على صعيد الأسعار، واجه العراق ضغوطاً تضخمية متزايدة خلال 2026، في ظلِّ اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن واستيراد السلع، بما فيها المواد الغذائية والطاقة. ويأتي ذلك في وقت يتعرَّض فيه النشاط الاقتصادي لضربة قوية، ما يزيد صعوبة الموازنة بين احتواء التضخم ودعم التعافي.

ويشير التقرير إلى أن العراق كان من أوائل دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان التي رفعت أسعار الفائدة في إطار استجابتها للضغوط التضخمية الناشئة عن الصراع. وجاء التَّحرُّك ضمن نهج يستهدف احتواء انتقال ارتفاع التكاليف إلى الأسعار المحلية، لا سيما في ظلِّ ارتباط السياسة النقدية بتثبيت سعر الصرف مقابل الدولار.

وتواجه السلطات النقدية تحدياً يتمثَّل في الحدِّ من الضغوط السعرية من دون زيادة الأعباء على النشاط الاقتصادي، في وقت تتراجع فيه الإيرادات النفطية وتتسع المخاطر المحيطة بالتجارة والإمدادات.

ضيق الحيز المالي يزيد صعوبة المواجهة

دخل العراق الأزمة وهو يعاني قيوداً تمويلية حادة ومساحة مالية محدودة، وفق التقرير، ما يقلص قدرة الحكومة على استخدام الإنفاق العام لتعويض الخسائر الاقتصادية أو تقديم دعم واسع للقطاعات المتضررة.

ومع تراجع الإيرادات النفطية، اتسمت السياسة المالية في 2026 بطابع انكماشي، في ظلِّ الحاجة إلى إدارة الموارد المتاحة والحد من الضغوط على الموازنة. ويضع هذا الوضع الحكومة أمام خيارات صعبة، إذ تتزامن الحاجة إلى حماية النشاط الاقتصادي والخدمات الأساسية مع محدودية مصادر التمويل وارتفاع احتياجات الاقتراض.

ويبرز التقرير أيضاً التحديات المرتبطة باحتياجات التمويل الإجمالية والاقتراض العام، وهي عوامل تزيد أهمية الحفاظ على الانضباط المالي وإدارة الالتزامات المالية بحذر، خصوصاً في ظلِّ التقلبات التي تطال الإيرادات النفطية.

وتحد القيود المالية من قدرة العراق على تنفيذ استجابة واسعة للصدمات، كما تجعل مسار الإنفاق العام أكثر ارتباطاً بتطورات إنتاج النفط وحجم الإيرادات المتاحة. ويزيد ذلك من أهمية توجيه الموارد إلى الأولويات الأكثر إلحاحاً، مع تجنب الإجراءات التي قد تضاعف الضغوط على المالية العامة.

التعافي مرهون بعودة تدفقات الطاقة

تعكس توقعات صندوق النقد الدولي تبايناً حاداً بين مسار الاقتصاد العراقي في 2026 والمسار المفترض في العام التالي. فبعد الانكماش المتوقع بنسبة 16 في المائة، يرجح أن يرتفع النمو إلى 19 في المائة في 2027، على أساس عودة إنتاج الطاقة وتدفقات التجارة تدريجياً إلى طبيعتها.

لكن هذه التوقعات تظل مشروطة بتطورات الصراع وسرعة استعادة الصادرات وإصلاح المرافق المتضررة. فاستمرار اضطرابات مضيق «هرمز» أو تأخر استئناف إنتاج النفط والغاز قد يضعفان فرص التعافي، بينما تزيد تكاليف التجارة والضغوط التضخمية وضيق الحيز المالي من تعقيد التحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي.

وفي الأجل المتوسط، يتوقع التقرير أن يستقرَّ النمو عند نحو 3.5 في المائة بحلول 2031. ويؤكد هذا المسار أهمية تقليل تعرُّض الاقتصاد للصدمات الخارجية، وتعزيز قدرة المالية العامة على امتصاص تقلبات الإيرادات النفطية، بما يدعم استقرار النشاط الاقتصادي في مواجهة الأزمات المقبلة.