فتح استهداف سفينتين في ميناء دمياط بشمال مصر، وهو الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب الإيرانية - الأميركية نهاية فبراير (شباط) الماضي، باب التأويلات والتكهنات على مصراعيه، مع عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن الواقعة، وسط تحقيقات حكومية في هذا الصدد.
التكهنات المتضاربة، عبر التقارير الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، فرَّقت المسؤولية المحتملة على إيران وميليشياتها في اليمن والعراق ولبنان تارة باعتبارها وضعت الميناء كهدف محتمل قبل أيام، وعلى إسرائيل تارة أخرى باعتبارها المستفيد الأكبر من تهديد استقرار الطاقة في مصر التي تستورد من إسرائيل كميات ضخمة من احتياجاتها من الغاز. كما لم تخلُ الاتهامات من احتمال أن يكون الحادث عملاً إرهابياً.
ذلك التضارب يعزز احتمالية بقاء غموض المسؤولية، وعدم إعلان أي جهة تحملها الأمر «باعتبار مصر دولة كبيرة، وقد تتخذ ضربة دفاعية فوراً تجاه المتسبب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة»، وفق خبير عسكري واستراتيجي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، مرجحاً أن تكون أذرع إيران وراء الحادث.

ولم يجب القائم بأعمال سفير إيران لدى مصر، مجتبي فردوسي، على محاولات «الشرق الأوسط» للتواصل معه هاتفياً، في حين نشرت لـ«نيويورك تايمز» تقريراً يشير إلى وقوف طهران وراء استهداف سفينة أميركية في ميناء دمياط.
الأول من نوعه
وأعلنت الحكومة المصرية، الخميس، أنه «بعد السيطرة على الحريق الذي تعرضت له سفينتان في ميناء دمياط، الأربعاء، وبإجراء الجهات المعنية التحقيقات الأولية حول الحادث، تبين أنه ناتج عن طائرة مسيّرة».
وأضافت في بيان: «لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الواقعة، وتواصل الجهات المعنية استكمال التحقيقات للوقوف على ملابسات الحادث، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على مصالح مصر وأمنها القومي»؛ فيما أكدت «الانتظام الكامل في حركة التشغيل بميناء دمياط واستمرار استقبال ومغادرة السفن وتداول البضائع بصورة طبيعية وبكفاءة وعلى مدار الساعة».
وكانت «رويترز» قد أفادت، مساء الأربعاء، بأن سفينتين لتخزين الغاز اشتعلت فيهما النيران في الهجوم. وقالت شركة «أمبري» للأمن البحري إن إحداهما مملوكة للولايات المتحدة.
ولم تعلن إيران رسمياً مسؤوليتها عن الأمر، لكن مسؤولَين إيرانيَّين اثنين صرحا لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية بأنه «ناجم عن طائرة مسيّرة، ويبعث برسالة أنه في حال تصاعد الصراع، فإن طهران قادرة على إحداث اضطراب أشد في الشحن العالمي وإمدادات الطاقة»، دون أن يُحددا ما إذا كانت إيران قد نفذت الهجوم مباشرة أم أنه من تنفيذ أحد وكلائها في الشرق الأوسط.
ووفق الصحيفة الأميركية، عرض التلفزيون الإيراني قبل ثلاثة أيام خريطة تحدد أهدافاً محتملة مختلفة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه. وذُكر ميناء دمياط، الواقع في شمال دلتا النيل، كهدف محتمل.

فيما نقلت صحيفة «النهار» اللبنانية، نفياً عن مصدر في وزارة الخارجية الإيرانية لاستهداف طهران وحدة تخزين وتغييز عائمة للغاز الطبيعي في ميناء دمياط المصري، مؤكداً أنها «لم تنفذ هذه العملية إطلاقاً، ولا توجد أي نية لديها للقيام بمثل هذا العمل»، وأن «العلاقات ودية وعميقة بين البلدين».
كما نقل موقع «سبأ نت» التابع للحوثيين نفياً مماثلاً، مؤكداً أنه «لا صحة للإشاعات حول استهداف اليمن سفينة في ميناء دمياط».
الفاعل «المجهول»
وأثار الهجوم، وهو الأول من نوعه منذ اندلاع حرب إيران، تساؤلات عبر منصات التواصل، وقال الكاتب الصحافي المصري محمد صلاح عبر حسابه في منصة «إكس»: «أصبح التحدي الحقيقي الآن هو كشف مصدر المُسيّرة... ومحاسبة وعقاب الدولة أو الجهة المسؤولة عن هذا الاعتداء».
وتساءل: «هل يخشى الفاعل رد فعل مصر وما قد يترتب عليه؟ أو أن المقصود من الأصل هو أن يبقى الفاعل مجهولاً حتى تُترك الساحة للإشاعات والاتهامات، وربما محاولة دفع مصر إلى الاشتباه بطرف أو أطراف قد لا تكون لها علاقة بالحادث أصلاً؟».

بينما ذهب البعض لاتهام إيران وأذرعها مباشرة. وقال علاء مبارك، نجل الرئيس المصري الأسبق الراحل حسني مبارك، عبر حسابه في منصة «إكس»: «الهجوم على سفينتين بميناء دمياط يمثل تصعيداً خطيراً؛ الهجوم على منشأة ذات أهمية استراتيجية هو أمر يمس السيادة المصرية والتحقيقات ستكشف عما إذا كانت إيران وراء هذا الهجوم السافر، وهل المُسيّرة جاءت من إحدى أذرعها في المنطقة، أي من لبنان من أماكن تقع تحت سيطرة (حزب الله)؟».
أما الخبير الاقتصادي، مدحت نافع، فكتب في تدوينة على «فيسبوك»: «كل ملامح هذا العدوان تجعله أقرب إلى العمل الإرهابي منه إلى العمل العسكري»، مرجعاً ذلك إلى عدة أسباب منها «استهداف منشأة مدنية، وعدم الإعلان عنه أو التحذير منه لصون الأرواح المدنية، وشكل وطبيعة الأضرار».
فيما اتهم رئيس «منتدى الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية» سمير غطاس، في حديث متلفز، إيران مباشرة بالوقوف وراء الحادث، وقال إن هذه «ليست المرة الأولى» التي تستهدف فيها طهران وميليشياتها مصر، في إشارة لحوادث شهدتها سيناء عام 2023 مع اندلاع الحرب في غزة.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد سمير راغب، أن التحقيقات في عهدة الدولة، سواء في تحديد الجهة أو في طبيعة الرد.
وقال لـ«الشرق الأوسط»: «نحن إزاء عدة سيناريوهات: إما مصر تحدد الجهة، أو تلك الجهة نفسها تعلن، أو طرف ثالث يسرب معلومات. وتأخُّر إعلان المسؤولية حتى الآن يعني خوف تلك الجهات من رد فعل مصر».
ورجَّح أن تكون إيران أو أذرعها في لبنان وسوريا والعراق وراء الحادث، مشدداً على أن مصر «دولة كبيرة، لا تُجرّ لأي حرب، وحساباتها استراتيجية، وهي تدرك كيف تحفظ أمنها القومي وتحقق الاستقرار بالمنطقة».
