العراق إلى انتخابات مصيرية بـ«سقف توقعات منخفض»

نخب تتوقع التجديد لقوى تملك السلاح والمال

لافتات دعائية في بغداد من حملة الانتخابات العراقية (أ.ف.ب/غيتي)
لافتات دعائية في بغداد من حملة الانتخابات العراقية (أ.ف.ب/غيتي)
TT

العراق إلى انتخابات مصيرية بـ«سقف توقعات منخفض»

لافتات دعائية في بغداد من حملة الانتخابات العراقية (أ.ف.ب/غيتي)
لافتات دعائية في بغداد من حملة الانتخابات العراقية (أ.ف.ب/غيتي)

في مقابل صراعات حامية بين القوى السياسية، تعبر عنها حملات ممهدة للانتخابات المقررة في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تتعامل شرائح من العراقيين بـ«قلة اكتراث» وأحياناً بـ«امتعاض» من سلوكيات انتخابية، خصوصاً مع الانتشار المبالغ فيه بالنسبة لصور وشعارات في الأرصفة والطرقات والساحات العامة.

وعبر نقالاتهم الشخصية، يكتفي كثير من المواطنين بمتابعة خطب وكلمات تصدر عن هذا المرشح أو ذاك، وغالباً ما تثير غضبهم بالنظر إلى «خلوها من المعنى» أو لحمولاتها الطائفية أو المناطقية أو الدينية التي باتت مملة وغير منطقية بالنسبة لطيف واسع من المواطنين العاديين.

وواجه شعار «لا تضيعوها» الذي رفعه «تحالف قوى الدولة» الذي يقوده عمار الحكيم انتقادات واسعة، بوصفه يعيد إنتاج ذات الخطاب الطائفي الذي كرسته الأحزاب الشيعية على امتداد العقدين الأخيرين، لأنه فهم باعتبار أن الحكيم وتحالفه يريد «تأبيد السلطة وبقائها بيد المكون الشيعي».

ذات الأمر ينطبق على الحملات والشعارات التي يطلقها رئيس حزب «تقدم»، محمد الحلبوسي، الذي يرفع شعار «نحن أمة» في حملته الانتخابية، وفُهم ذلك على أنه إشارة إلى «الأمة السُّنّية» التي يمثلها، وقد ظهر الحلبوسي في مهرجان انتخابي وهو يقول: «جميل (مرشح) سنّي الهوية ويدافع عن أهله وعن محافظته».

وانتشرت مؤخراً «فيديوهات» لطلاب جامعيين قالوا إنهم غرر بهم لحضور مؤتمر انتخابي أقامه وزير التعليم العالي نعيم العبودي، القيادي في «عصائب أهل الحق»، حيث ظهر للطلاب لاحقاً أنه مؤتمر انتخابي بدلاً من اجتماع يعده الوزير مع الطلبة للحديث عن القضية التعليمية كما قيل لهم، ما اضطر الوزير لإنكار علمه بالأمر وخداع الطلبة.

الخطابات والبرامج الانتخابية التي تملأ الأجواء قبل نحو أسبوعين من موعد الانتخابات كانت محور سؤال وجهته «الشرق الأوسط»، إلى مجموعة من المواطنين والموظفين والصحافيين لاستطلاع رأيهم حول طبيعة الانتخابات المقبلة والنتائج المحتملة التي قد تنجم عنها وتقييمهم لمجمل ما يدور في الحملات الدعائية للمرشحين.

امرأة تمر أمام لوحة انتخابية تحمل صورة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي وسط بغداد يوم 19 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

مشكلة البرامج الانتخابية

يرى أحمد الهذال، الموظف في شركة نفط الجنوب، أن الحملات والشعارات والسلوكيات الانتخابية عوامل «قد تدفع الكثيرين إلى الاستياء الشديد من الطبقة السياسية، وتالياً العزوف عن المشاركة في الانتخابات، خصوصاً مع الطابع الطائفي والاستعراضي والتحريضي الذي تتميز به».

ويقول إن أكثر ما يخيفه هو هذه الحملات الدعائية، فهي «مجرد مهرجانات للخطب غير الواقعية والبرامج الانتخابية الهلامية، ناهيك عن التشوهات البصرية وصور المرشحين التي ملأت الشوارع والأرصفة والساحات من دون أن يكترث لها الناخبون».

لا تغيير جوهري

وتستبعد الإعلامية جمانة ممتاز، التي تنحدر من مدينة الموصل، أن «تفرز الانتخابات تغييراً جوهرياً، كما يصر دعاة المشاركة على أنها الطريق لتبديل الخريطة السياسية».

لكنها تتفق «جزئياً» في مسألة أن المشاركة الواسعة «قد تحدث فرقاً، لكن الواقعية السياسية تقول إن مَن يملك المال والسلاح والإعلام يملك بالضرورة الحظوظ الأقوى في فرض المعادلة».

وتعود جمانة ممتاز بالذاكرة إلى انتخابات الدورة الماضية عام 2021، حين «اعترضت قوى كانت تضمن الفوز عادة، وتظاهر أنصارها أمام المنطقة الخضراء، ثم انتهى الأمر بتشكيل حكومة بعد انسحاب التيار الصدري، هذا يعني أن أصوات الناس لم تُغيّر في جوهر المعادلة السياسية».

وينخفض سقف توقعات جمانة ممتاز بشأن «المشاركة الشعبية الواسعة»، ذلك أن «القوى التقليدية لم تُحدث فارقاً في معالجة إحباط الناس، وما زال معظم الفاعلين السياسيين يعتمدون على جماهيرهم التاريخية، ويغذون الانقسام الطائفي في مواسم الانتخابات لضمان الأصوات».

غياب التيار الصدري

وتعتقد ممتاز أن غياب التيار الصدري عن الانتخابات سيكون «الاختلاف الأبرز في هذه الانتخابات، وذلك سيؤدي إلى إعادة توزيع هذه الأصوات بين القوى الأخرى، ما قد يُعيد رسم التحالفات، لكنه لن يغير التوازن العام للنظام السياسي ما لم يظهر تيار جديد يعبر عن المزاج الشعبي الغائب».

وبشأن المشاعر التي يظهرها الناخب الموصلي خلال هذه المرحلة التي تسبق يوم الانتخاب بقليل ومدى حماسهم للمشاركة المقبلة، تؤكد جمانة ممتاز أن «المجتمع الموصلي لم يتغير كثيراً؛ هناك حماس متزن تجاه المشاركة، لكنه أقرب إلى البراغماتية منه إلى الرغبة في التغيير السياسي، الناس يصوتون بدافع تحسين الخدمات المحلية أكثر من إيمانهم بقدرة البرلمان على إصلاح النظام».

عمال يمرون بجانب لافتة لانتخابات البرلمان العراقي في بغداد (أ.ب)

انعدام الثقة

وتحدث الإعلامي الكردي المقيم في السليمانية، بزورك محمد، عن أن «الطبيعة الإيجابية» للانتخابات في البلدان المتقدمة، من حيث التطور السياسي والاجتماعي ومشاركة أفراد المجتمع وتمثيل أصواتهم في مراكز القرار، «لكن ما شهدناه خلال العقدين الأخيرين من الانتخابات، فقد أخفقت في تلبية مطالب واحتياجات المواطنين والناخبين بالأحرى».

ويشير محمد إلى حالة «الشك وانعدام الثقة» بالعملية الانتخابية بالنسبة لمعظم المواطنين، خصوصاً أنهم باتوا يدركون أن «الانتخابات مجرد عملية تجديد ومبايعة للأطراف والأحزاب المتنفذة، ولا جدوى منها، ولا مراهنة بعد الآن على صناديق الاقتراع بوصفها وسيلة وحيدة لإحداث التغيير في المجتمع المنهك بسبب الشعارات السياسية المشحونة بالطائفية والمذهبية وأحياناً بالقومية».

ويؤكد محمد أن «الكيانات والأطراف السياسية لديها مخاوف كبيرة من مقاطعة الناخبين لهذه الانتخابات، لذلك صارت تستثير مشاعر ناخبيها عبر خطب طائفية ودينية وقومية لحثهم على المشاركة».

غياب البديل

تتردد التربوية من مدينة الناصرية، مينا كاظم، في اختيار بداية مناسبة للحديث عن الانتخابات وتقول: «لا أعرف من أين أبدأ، لكن قناعتي، وربما أكون مخطئة، تتلخص في أن كل من يظن وجود تقدم نحو الأفضل في هذه الانتخابات فهو واهم».

وتضيف أن «المشكلة تكمن في عدم وجود نظام بديل للانتخابات لإحداث التغيير اللازم، والتغيير سيظل قائماً، سيغنم الفائزون ويخسر من خسر. بالنسبة لي فإن قانون الانتخابات نفسه يمثل مشكلة، لأنه سيساهم في وصول الكتل والأحزاب النافذة، وجميعها يقدم مصلحته الخاصة على مصلحة البلد».


مقالات ذات صلة

تركيا ترفض تمديد اتفاقية «أنبوب كركوك» وتلوّح للعراق بوقف الضخ

الاقتصاد عامل يحرك الصمام في خط أنابيب «كركوك - جيهان» للنفط في ميناء «جيهان» التركي (رويترز)

تركيا ترفض تمديد اتفاقية «أنبوب كركوك» وتلوّح للعراق بوقف الضخ

كشفت مصادر تركيّة رفض أنقرة تمديد اتفاقية خط أنابيب النفط بين كركوك وميناء جيهان التركي وفق الشروط الحالية، ملوّحة بإمكانية طلب وقف تدفقات النفط بالكامل.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
العالم العربي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توم برّاك (واع)

ترمب يدعو الزيدي لزيارة واشنطن الشهر المقبل

نقل المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توم برّاك لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي تطلّع الرئيس الأميركي لاستقباله في البيت الأبيض في منتصف يوليو (تموز).

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عناصر من ميليشيات «الحشد الشعبي» يشاركون في عرض عسكري خلال إحياء «يوم القدس» (أرشيفية - غيتي)

اتفاق واشنطن وطهران ينعش رهانات تسوية ملف السلاح في العراق

أنعش الاتفاق الأميركي - الإيراني الرهانات العراقية لتسوية ملف سلاح الفصائل الموالية لطهران.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي الصادرات النفطية العراقية تأثرت سلباً بإغلاق مضيق هرمز (رويترز)

العراق يتنفس الصعداء بعد أن كان في «عين العاصفة»

أعربت الحكومة العراقية ومعظم الشخصيات والأحزاب السياسية عن ترحيبها بمذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب التي كانت لها تداعياتها الخطيرة على العراق.

فاضل النشمي (بغداد)
رياضة عالمية مارتن أوديغارد قائد النرويج (نادي آرسنال)

«مونديال 2026»: أوديغارد يبدد المخاوف بشأن إصابته قبل مواجهة العراق

قال مارتن أوديغارد قائد النرويج إنه لا يشعر بأي قلق بشأن لياقته البدنية قبل مباراة فريقه الافتتاحية في المجموعة التاسعة من كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (فوكسبورو )

شنايدر لـ«الشرق الأوسط»: مأرب تقدم نموذجاً مثالياً للتعاون الدولي في اليمن

السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)
السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)
TT

شنايدر لـ«الشرق الأوسط»: مأرب تقدم نموذجاً مثالياً للتعاون الدولي في اليمن

السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)
السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)

​قبل أن يغادر مأرب بساعات، كان السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر يستعيد مشاهد أيام قليلة أمضاها في المحافظة التي يزورها للمرة الأولى، بين مخيمات النازحين، ومواقع المشاريع الإنسانية، ولقاءات المسؤولين ومشايخ القبائل، وبدا أن شيئاً واحداً ظل يرافقه في كل محطة: الابتسامة.

السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)

في محافظة استقبلت ملايين النازحين، ووقفت سنوات على خط المواجهة الأول مع الحرب، وجد الدبلوماسي الألماني صورة مختلفة عما قد توحي به عناوين الصراع والأزمات الإنسانية؛ صورة تختلط فيها التحديات القاسية بروح من التفاؤل والإصرار على الحياة.

داخل فندق «بلقيس» ذي الطراز السبئي، الذي شُيِّد في ثمانينيات القرن الماضي وسط مدينة مأرب، وقبيل مغادرته المحافظة، تحدث شنايدر لـ«الشرق الأوسط» عن زيارة حملت في ظاهرها طابعاً إنسانياً وتنموياً، ولكنها كشفت له أيضاً جانباً سياسياً واجتماعياً يراه مهماً في مستقبل اليمن.

يقول السفير الألماني إن زيارته جاءت للتعبير عن التضامن مع أبناء مأرب ومع اليمنيين عموماً، في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، موضحاً أن الوفد الألماني حرص على زيارة عدد من المشاريع الإنسانية ومخيمات النازحين واللاجئين، للاطلاع مباشرة على احتياجات السكان وتقييم أثر البرامج المدعومة من ألمانيا وشركائها الدوليين.

لكن ما لفت انتباهه أكثر من أي شيء آخر -حسب قوله- كان طبيعة العلاقة التي نشأت في مأرب بين السلطات المحلية والمنظمات الدولية والوكالات الأممية.

ويضيف: «رأينا نموذجاً إيجابياً للتعاون بين الحكومة اليمنية والدول المانحة، والأهم من ذلك التعاون الوثيق بين السلطات المحلية في المحافظة والوكالات والمنظمات التابعة للأمم المتحدة».

ومن وجهة نظره، لا تكمن أهمية هذه التجربة في حجم المشاريع المنفذة فحسب؛ بل في قدرتها على خلق شراكة حقيقية بين مختلف الأطراف العاملة على الأرض، وهو ما جعل مأرب -حسب وصفه- نموذجاً يمكن الاستفادة منه في مناطق أخرى.

ويتابع: «هذه الشراكة تمثل نقطة بالغة الأهمية، وقد لمسنا أن تجربة مأرب تشكل نموذجاً ناجحاً يمكن الاقتداء به من قبل جميع الأطراف المنخرطة في العمل الإنساني والتنموي».

شنايدر خلال زيارته لمعبد برَّان الأثري بمحافظة مأرب (السفارة الألمانية)

وعلى امتداد سنوات الحرب، تحولت مأرب إلى أكبر مركز لاستقبال النازحين في اليمن؛ حيث استوعبت موجات متتالية من الأسر الفارة من مناطق القتال. ويرى شنايدر أن الطريقة التي تعامل بها أبناء المحافظة مع هذا الواقع تمثل إحدى أبرز قصص النجاح اليمنية خلال سنوات الصراع.

ويقول: «استقبلت مأرب أعداداً كبيرة من النازحين من مختلف أنحاء اليمن، كما استقبلت لاجئين من دول أخرى، وهذا يعكس كرم أهلها وروحهم الإنسانية. شاهدنا نماذج إيجابية للغاية في كيفية التعامل مع هذه التحديات».

وخلال الزيارة، التقى الوفد الألماني عدداً من النازحين واستمع إلى رواياتهم واحتياجاتهم، كما عقد لقاءات مع ممثلي الأمم المتحدة والسلطات المحلية، وهو ما عزز قناعة السفير بأن التنسيق والتواصل المستمر بين مختلف الأطراف يظل العامل الأكثر أهمية في مواجهة التحديات الإنسانية المعقدة.

غير أن أكثر محطات الزيارة خصوصية ربما كانت اللقاء مع مشايخ القبائل في مأرب، ففي بلد غالباً ما تُقرأ القبيلة من زاوية أمنية أو تقليدية، خرج شنايدر بانطباع مختلف؛ إذ رأى في القبائل اليمنية شبكة اجتماعية واسعة تلعب دوراً يتجاوز الأعراف المحلية إلى الإسهام في الحفاظ على تماسك المجتمع والاستقرار، ومستقبل البلاد كلها.

ويقول: «كان الجلوس مع مشايخ القبائل تجربة مهمة للغاية، لمست أنهم لا يؤدون دوراً اجتماعياً فقط؛ بل يمتلكون أيضاً وعياً سياسياً واضحاً بالتحديات التي تواجه اليمن».

ويضيف أن النقاشات التي دارت خلال اللقاء كشفت عن رؤى وأفكار مهمة بشأن مستقبل البلاد، مؤكداً أن القبائل ستكون طرفاً أساسياً في أي عملية سياسية جادة تسعى إلى تحقيق السلام.

ويتابع: «أعتقد أن القبائل ستؤدي دوراً محورياً في أي مسار يقود إلى السلام في اليمن. خرجت من هذه الزيارة بقناعة راسخة بأنها تمثل ثروة وطنية حقيقية، وعنصراً مهماً يمكن البناء عليه لتعزيز الاستقرار».

وبين الرسائل السياسية والإنسانية، ظل الانطباع الشخصي الأكثر حضوراً لدى السفير الألماني مرتبطاً بأهالي مأرب أنفسهم، فعلى الرغم من سنوات الحرب والضغوط الاقتصادية وأعباء النزوح، يقول إنه وجد في كل مكان روحاً متفائلة ونظرة إيجابية إلى المستقبل.

ويضيف: «رأيت في كل مكان بمأرب ابتسامة رغم الظروف الصعبة التي يعيشها السكان. هذه الروح المتفائلة وحفاوة الاستقبال جعلتا من الزيارة تجربة مهمة جداً بالنسبة لي».

ويؤكد أنه سيحمل هذه الصورة معه إلى أولاده وعائلته، وإلى وزارته في برلين، وشركائه في الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية؛ لأن ما شاهده في مأرب -حسب تعبيره- يقدم درساً مهماً في القدرة على الصمود وتجاوز الأزمات.

في نهاية المقابلة، طلبت من السفير تلخيص مأرب في ثلاث كلمات فقط. لم يتردد كثيراً قبل أن يبتسم ويجيب: «الابتسامة... والقهوة... والترحيب».

ثلاث كلمات بدت كأنها تختصر مدينة تقف على تخوم الحرب، ولكنها لا تزال تصر على استقبال ضيوفها بابتسامة، وتقديم القهوة، والإيمان بأن مستقبل اليمن يمكن أن يكون أفضل.


بعد جولة «الأوراق البيضاء»... «حماس» تستأنف انتخاب رئيسها

قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لحماس)
قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لحماس)
TT

بعد جولة «الأوراق البيضاء»... «حماس» تستأنف انتخاب رئيسها

قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لحماس)
قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لحماس)

استأنفت حركة «حماس»، انتخابات رئيس مكتبها السياسي (أعلى مستوى قيادي) في جولة للإعادة، بعدما فشلت جولة أولى، الشهر الماضي، في تحديد هوية الرئيس الجديد للحركة، ولجوء عدد من المصوتين إلى تقديم «أوراق بيضاء» خالية من اسم مرشح للاقتراع؛ ما تسبب بتأجيل عملية الحسم.

ويتنافس على رئاسة المكتب السياسي للحركة، خالد مشعل الذي كان يقود المكتب سابقاً، وخليل الحية الذي كان رئيساً لمكتبها في غزة ويقود حالياً فريقها المفاوض في محادثات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع.

وحسب مصدرين من «حماس» في غزة تحدثا إلى «الشرق الأوسط»، فإن التصويت في جولة الإعادة بدأ على مستوى القطاع، وقال أحد المصدرين إن «الشخصيات التي يحق لها التصويت تشارك عبر طريقة أكثر سرية وتعقيداً بسبب الظروف الأمنية الصعبة، وعمليات الاغتيال المتواصلة».

وتواجه «حماس» أزمة هي الأعنف منذ تأسيسها عام 1987؛ إذ طالت الاستهدافات الإسرائيلية التي بدأت بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، مختلف أجنحتها ومستوياتها؛ ما تسبب في أزمات تنظيمية ومالية عدة.

وتحدث المصدران بشكل منفصل عن أن التصويت يجري عبر «مغلفات أو خطابات مغلقة تصل للشخصيات التي يحق لها الانتخاب» وبعد اختيارهم مرشحهم، يعاد إرسالها وفق «ضوابط أمنية تتخذها الحركة للحفاظ على أمن تلك الشخصيات أو الجهات القائمة على عملية الانتخابات».

ويجري التصويت لاختيار رئيس المكتب السياسي عبر ما يسمى «مجلس الشورى» المكون من 71 عضواً من أقاليم عمل الحركة الثلاثة (غزة، والضفة الغربية، والخارج)، حيث كان عددهم 50 عضواً قبل نحو 10 سنوات، ثم زاد عددهم لاحقاً مع تغيير أنظمة ولوائح الحركة الداخلية.

وأكد المصدران، أن الانتخابات من المفترض أن تجري في الضفة الغربية، والخارج خلال الفترة الحالية، لكنهما لم يقدما تأكيدات على بدء الإجراءات بالفعل في الموقعين.

«جولة أكثر سرية»

وفي السادس عشر من مايو (أيار) الماضي، أعلنت «حماس» عن تعذر حسم الجولة الأولى من انتخابات رئيس للمكتب السياسي، مبينةً أنه ستجري جولة ثانية في وقت لاحق وفق لوائح الحركة وأنظمتها.

وكان من المفترض وفق لوائح «حماس» أن تجري الجولة الثانية في غضون 20 يوماً، إلا أن مصادر في الحركة شرحت أن الظروف الأمنية والسياسية وما جرى من اغتيالات بغزة، واتصالات ولقاءات قيادات الحركة بالخارج مع الوسطاء وغيرهم، أجَّلت العملية التي «تجري بسرية أكثر من الأولى؛ منعاً لأي ثغرات أمنية أو تسريبات إعلامية».

طفل فلسطيني يقف خلفه مقاتلون من «كتائب القسام» التابعة لـ«حماس» أثناء بحثهم عن جثث رهائن إسرائيليين في مخيم جباليا شمال غزة ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)

وتوافقت قيادة «حماس» على إجراء انتخابات لرئيس مكتبها فقط إلى حين إجراء انتخابات شاملة للمكتب السياسي ومجلس الشورى والهيئات الإدارية المختلفة بداية العام المقبل.

واغتالت إسرائيل رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» الراحل، إسماعيل هنية في طهران في يوليو (تموز) عام 2024، وخلفه يحيى السنوار في غزة في أكتوبر من العام نفسه.

ومنذ عام ونصف العام تقريباً يُدير «مجلس قيادي» شؤون «حماس»، وفي مطلع العام الحالي بدأ حراك جديد لانتخاب رئيس جديد يقود الحركة في الفترة المتبقية من دورة المكتب السياسي الحالي (كانت تنتهي عام 2025، وتم تمديدها عاماً إضافياً)، إلى حين إجراء انتخابات عامة نهاية العام الحالي أو بداية العام المقبل.

وكانت مصادر كشفت لـ«الشرق الأوسط»، في الحادي والعشرين من مايو (أيار) الماضي، عن أن هناك أشخاصاً استخدموا الورقة البيضاء في عملية التصويت تعبيراً عن عدم الانحياز لأي من المتنافسين، وهما رئيس مكتب «حماس» في غزة خليل الحية، ونظيره بالخارج خالد مشعل، وذلك في خطوة تحصل لأول مرة بهذا الشكل على الأقل على مستوى رئاسة المكتب السياسي.

ورأت تلك المصادر حينها أن ظاهرة «الأوراق البيضاء» تشير إلى أن «هناك حالة من عدم الرضا تجاه الشخصيتين المتنافسين، وربما حالة احتجاجية على سياسات الحركة إزاء بعض الملفات ومحاولة الدفع باتجاه قيادة شبابية». بينما قالت أخرى إن «هذا ليس بالضرورة احتجاجاً على المتنافسين، بقدر ما يشير إلى أن هناك فعلياً حالة من الرفض لبعض السياسات المتبعة بشأن ملفات عدة، أو الرغبة في إرجاء فكرة انتخاب رئيس مؤقت، والانتظار حتى إجراء انتخابات شاملة، واستمرار عمل المجلس القيادي الحالي».


لبنان ينتظر الترجمة العملية للاتفاق

علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
TT

لبنان ينتظر الترجمة العملية للاتفاق

علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)

ينتظر لبنان الترجمة العملية لمذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها بين واشنطن وطهران لإنهاء الأعمال العسكرية والتصعيد في المنطقة، بما يشمل لبنان.

وبينما لم تتبلّغ الدولة اللبنانية رسمياً بالبنود المتفق عليها، وآليات التنفيذ، رحب الرئيس اللبناني جوزيف عون بالمذكرة، وأثنى على «ما ورد فيها من احترام للخصوصية اللبنانية»، وسط تركيز رسمي على أولوية تثبيت وقف إطلاق النار قبل الانتقال إلى المرحلة التالية التي تشمل الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وانتشار الجيش، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار.

ويأتي ذلك في وقت لم تتوقف فيه الغارات والمسيّرات الإسرائيلية عن التحليق في مناطق الجنوب والعاصمة بيروت وضاحيتها.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف تجمعات لجنود إسرائيليين وآلياتهم داخل لبنان، في حين نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول في الحزب قوله إن مقاتليه لم ينفذوا أي ‌عمليات ‌منذ الإعلان ​عن ‌الاتفاق الإيراني - الأميركي، وإن موقف الحزب من وقف إطلاق النار مرتبط بالتزام إسرائيل به أولاً.