موجة اعتقالات حوثية تطال موظفين أمميين... والأمين العام يندد

عدد المحتجزين ارتفع إلى 53 شخصاً

رغم التحذيرات الدولية واصل الحوثيون حملات الاعتقال ضد موظفي الأمم المتحدة (إعلام محلي)
رغم التحذيرات الدولية واصل الحوثيون حملات الاعتقال ضد موظفي الأمم المتحدة (إعلام محلي)
TT

موجة اعتقالات حوثية تطال موظفين أمميين... والأمين العام يندد

رغم التحذيرات الدولية واصل الحوثيون حملات الاعتقال ضد موظفي الأمم المتحدة (إعلام محلي)
رغم التحذيرات الدولية واصل الحوثيون حملات الاعتقال ضد موظفي الأمم المتحدة (إعلام محلي)

ندَّد الأمين العام للأمم المتحدة بمواصلة الجماعة الحوثية حملة الاعتقالات التي تطال موظفي المنظمة الدولية والعاملين في المجال الإنساني، وهو تصعيد وصفته مصادر حقوقية بأنه «الأخطر» منذ انقلاب الجماعة؛ وذلك لما يمثله من تهديد مباشر لعمل الوكالات الإنسانية في المناطق اليمنية المختطفة.

وقال المتحدث باسم الأمين العام، ستيفان دوجاريك، في بيان صدر في نيويورك، إن سلطات الحوثيين «احتجزت تسعة موظفين إضافيين من الأمم المتحدة، ليرتفع بذلك عدد المحتجزين تعسفياً إلى 53 موظفاً منذ عام 2021».

وأوضح المتحدث الأممي أن «هذه الإجراءات تُعيق قدرة الأمم المتحدة على العمل وتقديم المساعدات الأساسية، وتثير قلقاً بالغاً على سلامة موظفيها».

وأكد البيان أن الأمين العام «يدين بشدة استمرار الاعتقالات التعسفية والاستيلاء غير القانوني على مباني وأصول الأمم المتحدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين».

ودعا إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع موظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني، مشدداً على أن مباني المنظمة وأصولها «مصونة ويجب احترامها وحمايتها في جميع الأوقات».

وأكد الأمين العام أن الأمم المتحدة ستواصل «بلا كلل» جهودها لضمان الإفراج الآمن والفوري عن جميع موظفيها المحتجزين، مجدداً التزام المنظمة بدعم الشعب اليمني وتطلعاته إلى سلام عادل ودائم رغم ما تواجهه من تحديات غير مسبوقة في الميدان.

دهم وتفتيش

وحسب مصادر حقوقية في صنعاء تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، نفذت مخابرات الحوثيين حملة اعتقالات طالت نحو تسعة على الأقل من موظفي الأمم المتحدة ومنظمات إغاثية دولية.

وشملت الحملة موظفاً في برنامج الأغذية العالمي، وآخر في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وثالثاً في مكتب المنظمة بمحافظة صعدة، إلى جانب آخرين لم يُكشف عن هوياتهم بعد.

وأوضحت المصادر أن مسلحين من جهاز الأمن التابع للجماعة داهموا منازل الموظفين واقتادوهم إلى جهة مجهولة بعد تفتيش دقيق لمساكنهم بمشاركة الجناح النسائي المعروف باسم «الزينبيات». وأضافت أن فرق المداهمة صادرت الوثائق والأجهزة الإلكترونية، بما في ذلك الهواتف المحمولة الخاصة بأسر المعتقلين.

وتأتي هذه الحملة في حين لا تزال الجماعة تستولي على مقري برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في صنعاء، منذ مداهمتهما عقب الغارة الجوية التي استهدفت في نهاية أغسطس (آب) الماضي اجتماعاً سرياً لحكومة الحوثيين، نتج منها مقتل رئيسها وتسعة من وزرائها في هجوم أعلنت إسرائيل مسؤوليتها عنه.

تدهور غير مسبوق

ويرى مراقبون يمنيون أن حملة الاعتقالات الأخيرة تمثل تحدياً صريحاً للتحذيرات الأممية، وتكشف عن تصعيد حوثي غير مسبوق ضد الوكالات الدولية التي كانت حتى وقت قريب تشكل خط الإمداد الرئيسي للمساعدات الإنسانية في مناطق سيطرة الجماعة.

وكانت الأمم المتحدة وجَّهت سلسلة دعوات إلى الجماعة الحوثية طالبت فيها بوقف الاعتقالات وإطلاق سراح عشرات الموظفين المحتجزين منذ أكثر من عام، لكن الجماعة تجاهلت جميع المناشدات واستمرت في تنفيذ حملات جديدة تحت ذرائع أمنية.

حملات الاعتقال الحوثية تصاعدت عقب الضربات الإسرائيلية (إعلام محلي)

وفي وقت سابق، أعلنت المنظمة نقل مكتبها الرئيس من صنعاء إلى عدن، وعلّقت معظم أنشطتها الميدانية في مناطق سيطرة الحوثيين، بعد أن خفّضت برامج المساعدات إلى أدنى مستوياتها، مقتصرةً على التدخلات المنقذة للحياة.

ووفقاً لتقارير صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية وبرنامج الأغذية العالمي، فقد أدت القيود المفروضة من قِبل الحوثيين إلى عرقلة ما يزيد على 70 في المائة من عمليات الإغاثة خلال العام الماضي، ومنع فرق التقييم من الوصول إلى المناطق المتضررة من الفيضانات والجوع في محافظات الحديدة وحجة وإب.

إدانة دولية

في السياق ذاته، أدانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» حملة الاعتقالات الواسعة التي شملت عشرات المدنيين بسبب احتفالهم بذكرى «ثورة 26 سبتمبر»/أيلول أو نشرهم آراء على وسائل التواصل الاجتماعي، ووصفتها بأنها «هجوم ممنهج على حرية التعبير».

وقالت الباحثة في المنظمة نيكول جعفراني إن الحوثيين «ينفقون موارد ضخمة لملاحقة المواطنين بسبب منشورات غير ضارة، في حين يتجاهلون الكارثة الإنسانية المتفاقمة». وأضافت: «بدلاً من إسكات الناس، ينبغي على الجماعة أن تركز على ضمان حصول السكان على الغذاء والماء».

الحوثيون اعتقلوا المئات على خلفية احتفالهم بذكرى ثورة «26 سبتمبر» (إعلام محلي)

وطالبت المنظمة بالإفراج عن جميع المعتقلين، بمن فيهم موظفو الأمم المتحدة، مؤكدة أن الاعتقال دون مذكرة توقيف أو تهم محددة «ينتهك المادة 132 من قانون الإجراءات الجزائية اليمني»، ويخالف القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وأعادت المنظمة الدولية التذكير بتقرير فريق الخبراء الأمميين المعني باليمن لعام 2023، حيث أفاد بأن الحوثيين تورطوا في عشرات حالات الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب، كما أكدت أن عام 2024 شهد تزايداً في هذه الانتهاكات، خصوصاً ضد العاملين في المنظمات الدولية.

وفي حال استمرار هذا السلوك القمعي من قِبل الحوثيين لا يستبعد العاملون في مجال الإغاثة أن تنهار الثقة بين الأمم المتحدة والحوثيين بالكامل؛ وهو ما سيجعل من المستحيل استئناف أي برامج إنسانية جديدة داخل مناطق سيطرتهم.


مقالات ذات صلة

العليمي يحذر من عرقلة تنفيذ القرارات السيادية أو الالتفاف عليها

العالم العربي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي يحذر من عرقلة تنفيذ القرارات السيادية أو الالتفاف عليها

العليمي شدد على تنفيذ القرارات السيادية الأخيرة التي اتخذها محذراً من محاولة الالتفاف عليها أو عرقلتها مع تأكيده أنها جاءت على أنها خيار اضطراري لحماية المدنيين

«الشرق الأوسط» (لندن)
الخليج قوات «درع الوطن» التابعة للرئاسة اليمنية خلال تأمين إحدى النقاط العسكرية بحضرموت (حساب درع الوطن)

«الانتقالي» يعلن بدء تسليم المواقع لـ«درع الوطن» في حضرموت والمهرة

مع ساعات فجر العام الجديد، شرعت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في تسليم عدد من المواقع العسكرية لقوات «درع الوطن» الحكومية، فيما يبدو أنها خطوة تعكس التوصل إلى…

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج علم باكستان يرفرف في إسلام آباد (أ.ب)

باكستان ترفض الخطوات الأحادية في اليمن وتؤكد تضامنها الكامل مع السعودية

أعلنت باكستان تضامنها الكامل مع السعودية، مؤكدة من جديد التزامها بأمن المملكة، وشددت فيه على رفضها أي خطوات أحادية الجانب في اليمن من شأنها تصعيد الأوضاع.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم العربي الغارات استهدفت مواقع اختباء ومراكز سرية للقيادة الحوثية (إعلام محلي)

الحوثيون يقرّون بمقتل ممثلهم في غرفة عمليات «المحور» الإيراني

إقرار حوثي بمقتل عبد الملك المرتضى ممثلهم في غرفة عمليات «المحور» بعد غارات أميركية في 2025 وسط خسائر نوعية واعترافات متتالية بمقتل قيادات عسكرية بارزة...

محمد ناصر (تعز)
العالم العربي المجلس الانتقالي الجنوبي يسعى للانفصال عن اليمن وإخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح (أ.ب)

العليمي يطلب موقفاً دولياً جماعياً لردع تمرد «الانتقالي»

حذّر رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي من استغلال الحوثيين للإجراءات الأحادية، مطالباً بموقف دولي جماعي لردع تمرد «الانتقالي» وحماية وحدة اليمن وأمنه.

«الشرق الأوسط» (لندن)

العليمي يحذر من عرقلة تنفيذ القرارات السيادية أو الالتفاف عليها

العليمي مجتمعاً في الرياض مع هيئة المستشارين (سبأ)
العليمي مجتمعاً في الرياض مع هيئة المستشارين (سبأ)
TT

العليمي يحذر من عرقلة تنفيذ القرارات السيادية أو الالتفاف عليها

العليمي مجتمعاً في الرياض مع هيئة المستشارين (سبأ)
العليمي مجتمعاً في الرياض مع هيئة المستشارين (سبأ)

شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي على تنفيذ القرارات السيادية الأخيرة التي اتخذها، محذراً من محاولة الالتفاف عليها، أو عرقلتها، مع تأكيده أنها جاءت على أنها خيار اضطراري، ومسؤول، هدفه حماية المدنيين، وصون المركز القانوني للدولة، ومنع فرض أمر واقع بقوة السلاح.

وكان العليمي أعلن، الثلاثاء، حالة الطوارئ لمدة 90 يوماً، ودعا القوات الإماراتية لمغادرة البلاد خلال 24 ساعة، على خلفية التصعيد العسكري الذي قام به المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت، والمهرة بدعم إماراتي، ووجه بأن تقوم قوات «درع الوطن» بتسلم كافة المعسكرات، والمواقع التي سيطر عليها «الانتقالي»، وعودة قوات الأخير من حيث أتت.

وقال العليمي خلال اجتماع بهيئة المستشارين، الخميس، ضمن مشاوراته المستمرة مع سلطات الدولة، ودوائر صنع ودعم القرار، إن هذه القرارات لا تعبّر عن رغبة في التصعيد، أو الانتقام، بل تمثل استجابة قانونية وأخلاقية لواجب الدولة في حماية مواطنيها، والحفاظ على سيادتها، بعد استنفاد كافة فرص التهدئة، والتوافق، وفي مقدمتها إعلان نقل السلطة، واتفاق الرياض.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وتمنى رئيس مجلس القيادة الرئاسي أن تكون السنة الميلادية الجديدة سنة النصر، والسلام، والأمن، والاستقرار، ونهاية لمعاناة المواطنين، وتحقيق تطلعاتهم في دولة عادلة تكفل الكرامة، وتصون الحقوق، وتفتح آفاقاً حقيقية للتعافي، والتنمية.

ووضع العليمي هيئة المستشارين أمام تفاصيل التطورات الأخيرة، موضحاً أن المهل المتكررة التي منحت لإعادة تطبيع الأوضاع في المحافظات الشرقية لم تُستثمر بصورة رشيدة من قبل المجلس الانتقالي.

وأوضح أن ذلك ترافق مع دفع المجلس بالمزيد من القوات إلى محافظتي حضرموت، والمهرة، إلى جانب وصول شحنات عسكرية من مصادر خارجية، ما شكّل تهديداً مباشراً للاستقرار، وفرض على الدولة اتخاذ إجراءات حازمة بالتنسيق مع قيادة تحالف دعم الشرعية، لمنع تحول الأزمة إلى واقع يصعب احتواؤه.

إشادة وتحذير

أشاد العليمي بجهود السلطات المحلية في المحافظات الشرقية، واستجابتها السريعة للقرارات الرئاسية، من خلال تأمين المنشآت السيادية، والبنى الحيوية، وضمان استمرار الخدمات الأساسية للمواطنين، محذراً في الوقت ذاته من أي محاولات للالتفاف على هذه القرارات، أو عرقلة تنفيذها على الأرض.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به هيئة المستشارين في هذه المرحلة المفصلية، باعتبارها غرفة تفكير متقدمة لدعم القرار الوطني، وترشيده، وحشد الطاقات السياسية، والمؤسسية في معركة استعادة مؤسسات الدولة، وتجفيف مصادر الدعم لأي تشكيلات خارجة عن الإطار القانوني.

وجدد العليمي تأكيده على عدالة القضية الجنوبية، والالتزام الجماعي بمعالجتها وفق أعلى المعايير الحقوقية، بعيداً عن منطق القوة، والإكراه، أو توظيفها في صراعات مسلحة تسيء إلى عدالتها، وتضر بمستقبلها.

الشراكة مع السعودية

عبّر رئيس مجلس القيادة اليمني عن تقديره العميق لدور السعودية بوصف أنها شريك استراتيجي لليمن، مؤكداً أن حماية هذه الشراكة تمثل مسؤولية وطنية، نظراً لما تحمله من مكاسب تاريخية، ومستقبلية، وما ينطوي عليه التفريط بها من مخاطر جسيمة.

وأوضح العليمي أن قرار إنهاء الوجود العسكري الإماراتي في بلاده جاء في إطار تصحيح مسار التحالف، وبالتنسيق مع قيادته المشتركة، بما يضمن وقف أي دعم للمكونات الخارجة عن الدولة، دون أن يعني ذلك القطيعة، أو التنكر للعلاقات الثنائية، أو إرث التعاون القائم على المصالح المشتركة.

جنود في عدن موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بالانفصال عن اليمن (أ.ب)

وشدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن الهدف الجامع لكل إجراء أو قرار سيادي في هذه المرحلة هو خدمة معركة استعادة مؤسسات الدولة، سلماً أو حرباً، وتحقيق تطلعات اليمنيين في الأمن، والاستقرار، والتنمية.

ودعا العليمي كافة المكونات السياسية، والمنابر الإعلامية إلى تجنب خطاب الإساءة، والتحريض، وتغليب لغة الدولة، والمسؤولية، بما يحفظ وحدة الصف الوطني، ويصون فرص السلام، دون الإخلال بمبدأ المساءلة، وسيادة القانون.


«التعاون الإسلامي» تؤكد حق الصومال في الحفاظ على سيادته وسلامة أراضيه

لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
TT

«التعاون الإسلامي» تؤكد حق الصومال في الحفاظ على سيادته وسلامة أراضيه

لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)

أكدت منظمة التعاون الإسلامي، اليوم (الخميس)، أن وحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه مبدأ راسخ لا يقبل أي مساومة أو تنازل في مواجهة إقدام إسرائيل على الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي.

وشددت المنظمة، في بيان بعد اجتماع للجنة التنفيذية على مستوى المندوبين في جدة بالسعودية، على الرفض القاطع لأي محاولات تهدف إلى فرض أمر واقع جديد يقوض الاستقرار الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي ويفتح المجال أمام مزيد من النزاعات والتوترات.

وأوضحت منظمة التعاون الإسلامي أنها تدين الإعلان الإسرائيلي الاعتراف بأرض الصومال، ووصفته بالانتهاك الصارخ لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية.

وطالب البيان «بتكثيف الجهود وتوحيد الصفوف والوقوف صفاً واحداً إلى جانب جمهورية الصومال».


هذه قصتنا يا محمد

الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
TT

هذه قصتنا يا محمد

الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)

هذه قصتنا يا محمد. وقعنا باكراً في الفخ. استدرجنا الحبر وهو جميل، وماكر. اخترنا مهنة شائكة. اخترنا نفقاً طويلاً. لا استراحات ولا هدنات. مطاردة محمومة للأخبار تنسينا تراكم السنوات الهاربة من شجرة العمر. مطاردة مضنية. لا القارئ يرتوي، ولا المؤسسات تفعل. يغالب الصحافي الأخبار طويلاً ثم تغلبه. تحوّله خبراً في صحيفته. خبر وفاة. خبر وداع.

كنا نستعد لوداع العام لا لوداعك. شاركتنا اجتماع أول من أمس. حملت دائماً إلى موعدنا اليومي. خبرتك الطويلة. ونبل مشاعرك. ورقي لغة التخاطب. وكأنك تعمدت أن تُبلغنا الرسالة. إن المحارب القديم لا يتقاعد. يفضّل السقوط على الحلبة. بعد ساعات فقط من الاجتماع جاءنا الخبر المؤلم. خانك القلب. ومن عادته أن يخون.

شاءت المهنة أن ينشغل هذا الرجل الهادئ بملفات عاصفة ورجال قساة. سرقت أفغانستان جزءاً كبيراً من اهتماماته. وكان يذهب إليها يوم كانت تغلي بـ«المجاهدين». وكان يرجع من تلك الأسفار المتعبة محملاً بالأخبار، والتحقيقات، والمقابلات. وحتى حين أوفد العمر رسائله لم يتنازل محمد الشافعي عن شغفه. تستوقفه كلمة. إشارة. عبارة تشبه عبوة ناسفة. وتثيره الأخبار، ويغريه التعب المتوّج بهدية طازجة إلى القراء.

قبل نحو أربعة عقود انتسب إلى عائلة «الشرق الأوسط». أحبها، وأحبته. وكما في كل قصص الحب لم يتردد ولم يتراجع ولم يبخل. أقول عائلة «الشرق الأوسط» وهي حديقة. حديقة أخبار وعناوين، وتحقيقات، ومقالات. وحديقة جنسيات وخبرات، وتجارب. تحت سقف المهنة وسقف الشغف. كان فخوراً بانتمائه إلى صحيفة متوثبة تُجدد وسائلها، وتحفظ روحها.

ما أصعب أن يطرق الموت الباب. ويخطف من العائلة ابناً عزيزاً، وأستاذاً قديراً. وما أصعب الغياب. اعتدنا أن نشاكسك. وأن نسألك. ونتعلم منك. ونعاتبك على أصدقائك القساة. ما أصعب مكتبك مسكوناً بغيابك. وما أصعب الاجتماع مفتقداً مساهمتك ورهافة تمنياتك.

هذه قصتنا يا محمد. نعيش بين سطرين ونموت بين سطرين. ننام أخيراً في أرشيف الصحيفة. وفي مودة زملائنا. و«الشرق الأوسط» بتنوعها، وأجيالها تحتضن ذكرى كل من بنى مدماكاً، وفتح نافذة، وأثرى أيام قرائها. خانك القلب ومن عادته أن يفعل، لكن المودات لا تعترف بالخيانات.