طهران تخسر جولات في العراق... ولم تخسر الحرب بعد

أثر دومينو «7 أكتوبر» لم يطل بغداد مثل دمشق وبيروت

جواد حسن نصر الله في ذكرى اغتيال والده الأمين العام السابق لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله في بغداد في 3 أكتوبر 2025 (رويترز)
جواد حسن نصر الله في ذكرى اغتيال والده الأمين العام السابق لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله في بغداد في 3 أكتوبر 2025 (رويترز)
TT

طهران تخسر جولات في العراق... ولم تخسر الحرب بعد

جواد حسن نصر الله في ذكرى اغتيال والده الأمين العام السابق لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله في بغداد في 3 أكتوبر 2025 (رويترز)
جواد حسن نصر الله في ذكرى اغتيال والده الأمين العام السابق لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله في بغداد في 3 أكتوبر 2025 (رويترز)

قبل عامين كانت الفصائل العراقية متحمسة لتسجيل حضورها في مشاهد «طوفان الأقصى». الحماسة هدأت في الأشهر اللاحقة لأكتوبر (تشرين الأول) 2023، مع ما قيل إنها مفاوضات شديدة التعقيد بين الحكومة وتلك الجماعات، لتحييد العراق عن الحرب.

لم يظهر دليل واحد على أن إيران خسرت العراق بأكمله كما هو الحال في سوريا، لكنها بدأت تخسر جولة تلو الأخرى أمام الأميركيين في حلبة بغداد، كما أن وكلاءها بدأوا يعتادون على الحياة بسلام مع «أخطر رجلين في العالم هذه الأيام، دونالد ترمب، وبنيامين نتنياهو»، كما يصفهما وزير عراقي سابق.

يستدل سياسيون في بغداد على «جولات الملاكمة» التي ربحها الأميركيون على الإيرانيين بثلاث وقائع: تحرير الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف من «كتائب حزب الله» من دون صفقة، وسحب قانون «الحشد الشعبي» بينما كان جاهزاً للتصويت عليه في البرلمان، وقبل ذلك هدنة طويلة مع القوات الأميركية حتى خلال الهجمات الإسرائيلية الأميركية على إيران التي دامت 12 يوماً.

بعد عامين من «وحدة الساحات»، وفي أعقاب عملية 7 أكتوبر التي نفذتها حركة «حماس»، لم تظهر الفصائل العراقية في اللقطة الختامية لـ«الطوفان»، حتى بين الصفوف الخلفية. بالنسبة لكثيرين، هذا خبر جيد حتى الآن.

فصائل عراقية تشيع رمزياً حسن نصر الله في ذكرى مقتله في ساحة التحرير وسط بغداد (إعلام الفصائل)

البحث عن الخطة «ب»

كان سياسي شيعي زار طهران أخيراً وعاد إلى بغداد بتصورات ملتبسة قبل انطلاق الحملات الحزبية المؤهّلة لانتخابات البرلمان في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

يقول هذا السياسي، الذي بدأ منذ 3 أكتوبر 2025 حملته الرسمية لحصد مقعد في البرلمان المقبل، إن «طهران تبحث عن (الخطة ب) حتى لا تسقط بالضربة القاضية»، ومن وجهة نظره فإنها «قد تفاجئ كثيرين بما لديها، وقد تعوّض سوريا من مكان آخر».

من العادات التي يواظب عليها سياسيون شيعة في بغداد أن «يقرأوا كتاب الانتخابات بلغة يفهمها الإيرانيون»، على حد تعبير السياسي.

كيف يمكن أن يكون هذا التنبؤ صحيحاً؟ يفتقر مقياس النفوذ الإيراني في العراق إلى أداة فحص حاسمة. ثمة انقسام حول درجة النفوذ، وما إذا كان تضاءل إلى حد يسمح بالقول إن قطعة الدومينو التي سقطت في سوريا سقط معها، بالتوالي، وكلاء وحلفاء في العراق!

الحال، دائماً، أن الرأي العام العراقي، وأدواته الحزبية التي تخوض في هذا المقياس، يخضع لسرديات مصنوعة أو مبتكرة، وأحياناً حمّالة أوجه ورسائل.

عناصر من «الحشد الشعبي» خلال دورية استطلاع في موقع شمال بغداد (إعلام الهيئة)

فصائل تسأل... وإيران لا تجيب

ضغطت أنباء عن حرب محتملة ضد إيران على الفصائل في بغداد. وبحسب مصادر، فإن قادة في تلك الجماعات عقدوا اجتماعاً أواخر سبتمبر (أيلول) 2025، وقرروا إرسال طلب استشارة من «الحرس الثوري» بشأن ما سيكون الوضع عليه لو اندلعت الحرب فعلاً. قال قيادي شيعي في فصيل انضم أخيراً إلى «قائمة أميركية للمنظمات الإرهابية»، إن طهران لم ترد حتى الآن.

بالتزامن، كانت مجموعة من «الحرس الثوري» معنيّة بهندسة التحالفات الانتخابية للقوى الشيعية في العراق تعقد اجتماعات مختلفة مع فاعلين في تحالف «الإطار التنسيقي». تقول مصادر متقاطعة إنه «بالإمكان اعتبار هذه المجموعة لجنة انتخابات إيرانية تشرف على توزيع القوى الشيعية بين القوائم المتنافسة، وقد هندست من قبل تحالفات وازنة في برلمانات سابقة».

لقد فشلت هذه اللجنة «الخبيرة» في إقناع قادة أحزاب شيعية بتنفيذ خريطة معينة لدمج قوائم، أو إعادة توزيع مرشّحين، لضمان هندسة نتائج معيّنة في دوائر انتخابية وسط البلاد، وجنوبها.

من بين الفاعلين الشيعة الذين يُزعم أنهم خالفوا تعليمات إيرانية بشأن الانتخابات أعضاء في فصائل مقاومة انخرطت لفترة مع «طوفان الأقصى»، ثم تراجعت إلى «حديقة خلفية»، بحثاً عن مصادر نفوذ متنوّعة.

لافتات انتخابية بدا في إحداها رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في أحد شوارع بغداد المؤدية إلى ساحة الفردوس (أ ف ب)

مساحات شبه خالية

في المدن المحرّرة من «داعش» تنشط أحزاب سنّية في حملة انتخابية شبه مستقرة. ثمة شعور بأن ارتخاء القبضة الإيرانية ساعدهم على الحركة بحرّية، لكنهم يترددون في التعبير عن ذلك، ثمة محاولات لضبط النفس، وعدم استفزاز «محور المقاومة».

يُعتقد على نطاق واسع أن رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، الذي أقصاه عام 2023 تحالف موالٍ لإيران من المشهد، يعود الآن بقوة. يرجع مقرّبون منه ذلك إلى ما يوصف بـ«مهارات شخصية، وحسابات دقيقة»، لكن الأمر لا يخلو من استغلال مساحات شبه خالية من النفوذ الإيراني، سواء تُركت عمداً، أو بسبب الضغط الأميركي.

في المقابل، لا يزال زعماء سنة ينافسون الحلبوسي بحاجة إلى تحالفات مع فاعلين شيعة تضمن لهم أحصنة للمراهنة. ثمة فاعلون في نينوى وصلاح الدين وكركوك يهندسون مرشّحيهم مع قوائم تابعة لفصائل موالية للمرشد الإيراني علي خامنئي.

لذا قد تبدو المساحات الخالية كلياً من إيران مجرد سراب. ينقل السياسي الشيعي أن فصائل متنفذة تلقت أخيراً طلبات من طهران بمساعدة جماعات موالية في بلدان «مقاومة» في نقل أنشطتها إلى بغداد، وحدث ذلك بالفعل.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر مختلفة أن علي لاريجاني، الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني «يشرف على ترتيبات تتعلق بمساعدة الوكلاء المتضررين من الحرب». كان الرجل أخيراً في بيروت وغادرها قائلاً: «(حزب الله) يستعيد قوته سريعاً، وسيقلب الموازين».

«مصير بن لادن ليس حتمياً»

انضمّت أخيراً 4 فصائل إلى قوائم وزارة الخارجية الأميركية للمنظمات الإرهابية، وهي «النجباء» و«كتائب الإمام علي»، و«أنصار الله الأوفياء»، و«كتائب سيد الشهداء»، لترتفع حصة العراق إلى 6 فصائل في هذه القائمة التي كانت تضم قبل سنوات أسامة بن لادن، زعيم تنظيم «القاعدة».

كانت «حركة عصائب أهل الحق» التحقت بالقائمة، عام 2020، و«كتائب حزب الله» منذ عام 2009، وكل منهما تحتفظ بمقاعد ووزراء في البرلمان والحكومة.

«ليس بالضرورة أن يكون مصيرك سيئاً مثل بن لادن حتى لو دخلت هذه القائمة»، يقول وزير عراقي سابق، عمل في حكومة عادل عبد المهدي (2018-2019)، إن «الجماعات الموالية لإيران تتكيّف الآن مع أخطر رجلين في العالم، دونالد ترمب، وبنيامين نتنياهو».

لقد سُمعت في بغداد أصوات داخل الأحزاب الشيعية تتساءل إن كان الرئيس الأميركي يؤخّر ضربات إسرائيلية في العراق، ويكسب في المقابل من الضغط الأميركي على الحكومة وصنّاع القرار، لقطع حبال الوصل مع الإيرانيين.

رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني وقادة في «الإطار التنسيقي» (إعلام حكومي)

هل يحمينا ترمب من نتنياهو؟

يقول الوزير السابق، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، إن واشنطن ربحت معارك في طهران، لأن العراقيين استجابوا للضغط في لحظة ارتباك إيرانية. كما أن فصائل شيعية ظلّت تسأل طوال الأشهر الماضية: «هل يحمينا ترمب بالفعل من نتنياهو؟». يبدو الأمر كذلك.

يرصد الوزير هذه الأيام ملامح «الخطة ب» التي تعمل عليها إيران. يقول: «هناك لاعبون جدد من أحزاب شيعية لم تتورّط في تداعيات (طوفان الأقصى) يحاولون اليوم تحديث نسختهم الراديكالية، ولبس رداء مدني يساعدهم على إنقاذ أنفسهم من دائرة الخطر».

إلى حد ما، يشبه الأمر رجلاً في مرمى قنّاص محترف، وعلى صدره نقطة ليزر. يعجز عن الحركة يميناً ويساراً، لأن أقل حركة ستُرديه في الحال. لا يشعر القنّاص بالملل من تسليط الليزر ما دامت الضحية متجمّدة.

وماذا لو غيّر الهدف وجهه واسمه وسلوكه؟ يقول الوزير السابق إن «قادة فصائل مسلّحة تستهويهم الآن فكرة إعادة السلاح إلى المخازن، وحلق اللحى، فيكونون مفيدين جداً لواشنطن وطهران».

إن قائد فصيل مسلّح «يفكر بهذه الطريقة المتقدّمة سيكون مفيداً لإيران حين تهدأ العاصفة»، يقول السياسي الشيعي الذي يعتقد أن 4 سنوات مع ترمب طويلة، وهي أطول بكثير مع نتنياهو، وتتطلّب التغيير.

بدأت ليالي الخريف في بغداد في عز صيف انتخابي لاهب. حتى مع تدفّق الأخبار عن احتمالات تجدّد الحرب بين إيران وإسرائيل، بات قادة فصائل افترشوا قبل عامين خرائط تل أبيب لقصفها يفتحون اليوم مكاتبهم لنخب ليبرالية وعلمانية للخوض في نقاشات طويلة عن انتخابات تبدأ إثارتها من الآن.


مقالات ذات صلة

هل أجرت «حماس» مراجعات لهجوم 7 أكتوبر؟

تحليل إخباري أرشيفية لزعيم «حماس» في غزة يحيى السنوار وإلى جواره إسماعيل هنية في عام 2017 (رويترز)

هل أجرت «حماس» مراجعات لهجوم 7 أكتوبر؟

في «حماس» ثمة اعتقاد بأن انتقاد هجوم 7 أكتوبر هو «حالة فردية» ولا يمثل إجماعاً داخلها، ما يفتح سؤالاً حول ما إذا كانت الحركة أجرت أي مراجعات أو تقبل بأي معارضة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية صورة مجمعة لرسالة منسوبة لقائد «حماس» الراحل يحيى السنوار نشرها مركز تراث الاستخبارات الإسرائيلي

«لنُخرج صوراً مرعبة»... إسرائيل تنشر رسالة منسوبة للسنوار عن تحضيرات 7 أكتوبر

نشر مركز تراث الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في تل أبيب، الاثنين، رسالة ادعى أنها كُتبت بخط قائد «حماس» الراحل، يحيى السنوار.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص لافتة على طريق «مطار بيروت الدولي» تروج للسياحة في لبنان (أ.ب)

خاص لبنان بعد 7 أكتوبر... موازين قوى جديدة لترميم العلاقة مع العالم

يكاد يُجمع الدبلوماسيون الدوليون في لبنان على أن تغييراً كبيراً حصل فيه منذ 7 أكتوبر 2023.

نذير رضا (بيروت)
خاص لوحة دعائية مستوحاة من الأساطير الفارسية تُصوّر رجلاً يصارع تنيناً بألوان العَلم الأميركي وقد كُتب عليها «أنشد اسم إيران التي تقتل الأعداء» وذلك في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران (إ.ب.أ) p-circle 03:39

خاص هجوم 7 أكتوبر: الشرارة التي هزَّت معادلات الردع الإيرانية

مثّل هجوم السابع من أكتوبر نقطة تحول فارقة في مشهد الأمن الإقليمي فلم تقتصر تداعياته على الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بل امتدت لتطال جوهر معادلات الردع الإيراني.

عادل السالمي (لندن)
خاص عناصر من سلاح الجو الأردني يسقطون رزم المساعدات من طائرة نقل فوق غزة (رويترز)

خاص بين الإغاثة والدبلوماسية... الأردن يطوي عامين من القفز فوق الجمر

منذ بداية الحرب، سعى الأردن لتقديم جهود الإغاثة الإنسانية العاجلة والضرورية للمدنيين في غزة، وصعَّد لهجته الدبلوماسية، محذراً من المساس بالوضع في الضفة والقدس.

محمد الرواشدة (عمَّان)

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.