طهران تخسر جولات في العراق... ولم تخسر الحرب بعد

أثر دومينو «7 أكتوبر» لم يطل بغداد مثل دمشق وبيروت

جواد حسن نصر الله في ذكرى اغتيال والده الأمين العام السابق لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله في بغداد في 3 أكتوبر 2025 (رويترز)
جواد حسن نصر الله في ذكرى اغتيال والده الأمين العام السابق لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله في بغداد في 3 أكتوبر 2025 (رويترز)
TT

طهران تخسر جولات في العراق... ولم تخسر الحرب بعد

جواد حسن نصر الله في ذكرى اغتيال والده الأمين العام السابق لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله في بغداد في 3 أكتوبر 2025 (رويترز)
جواد حسن نصر الله في ذكرى اغتيال والده الأمين العام السابق لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله في بغداد في 3 أكتوبر 2025 (رويترز)

قبل عامين كانت الفصائل العراقية متحمسة لتسجيل حضورها في مشاهد «طوفان الأقصى». الحماسة هدأت في الأشهر اللاحقة لأكتوبر (تشرين الأول) 2023، مع ما قيل إنها مفاوضات شديدة التعقيد بين الحكومة وتلك الجماعات، لتحييد العراق عن الحرب.

لم يظهر دليل واحد على أن إيران خسرت العراق بأكمله كما هو الحال في سوريا، لكنها بدأت تخسر جولة تلو الأخرى أمام الأميركيين في حلبة بغداد، كما أن وكلاءها بدأوا يعتادون على الحياة بسلام مع «أخطر رجلين في العالم هذه الأيام، دونالد ترمب، وبنيامين نتنياهو»، كما يصفهما وزير عراقي سابق.

يستدل سياسيون في بغداد على «جولات الملاكمة» التي ربحها الأميركيون على الإيرانيين بثلاث وقائع: تحرير الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف من «كتائب حزب الله» من دون صفقة، وسحب قانون «الحشد الشعبي» بينما كان جاهزاً للتصويت عليه في البرلمان، وقبل ذلك هدنة طويلة مع القوات الأميركية حتى خلال الهجمات الإسرائيلية الأميركية على إيران التي دامت 12 يوماً.

بعد عامين من «وحدة الساحات»، وفي أعقاب عملية 7 أكتوبر التي نفذتها حركة «حماس»، لم تظهر الفصائل العراقية في اللقطة الختامية لـ«الطوفان»، حتى بين الصفوف الخلفية. بالنسبة لكثيرين، هذا خبر جيد حتى الآن.

فصائل عراقية تشيع رمزياً حسن نصر الله في ذكرى مقتله في ساحة التحرير وسط بغداد (إعلام الفصائل)

البحث عن الخطة «ب»

كان سياسي شيعي زار طهران أخيراً وعاد إلى بغداد بتصورات ملتبسة قبل انطلاق الحملات الحزبية المؤهّلة لانتخابات البرلمان في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

يقول هذا السياسي، الذي بدأ منذ 3 أكتوبر 2025 حملته الرسمية لحصد مقعد في البرلمان المقبل، إن «طهران تبحث عن (الخطة ب) حتى لا تسقط بالضربة القاضية»، ومن وجهة نظره فإنها «قد تفاجئ كثيرين بما لديها، وقد تعوّض سوريا من مكان آخر».

من العادات التي يواظب عليها سياسيون شيعة في بغداد أن «يقرأوا كتاب الانتخابات بلغة يفهمها الإيرانيون»، على حد تعبير السياسي.

كيف يمكن أن يكون هذا التنبؤ صحيحاً؟ يفتقر مقياس النفوذ الإيراني في العراق إلى أداة فحص حاسمة. ثمة انقسام حول درجة النفوذ، وما إذا كان تضاءل إلى حد يسمح بالقول إن قطعة الدومينو التي سقطت في سوريا سقط معها، بالتوالي، وكلاء وحلفاء في العراق!

الحال، دائماً، أن الرأي العام العراقي، وأدواته الحزبية التي تخوض في هذا المقياس، يخضع لسرديات مصنوعة أو مبتكرة، وأحياناً حمّالة أوجه ورسائل.

عناصر من «الحشد الشعبي» خلال دورية استطلاع في موقع شمال بغداد (إعلام الهيئة)

فصائل تسأل... وإيران لا تجيب

ضغطت أنباء عن حرب محتملة ضد إيران على الفصائل في بغداد. وبحسب مصادر، فإن قادة في تلك الجماعات عقدوا اجتماعاً أواخر سبتمبر (أيلول) 2025، وقرروا إرسال طلب استشارة من «الحرس الثوري» بشأن ما سيكون الوضع عليه لو اندلعت الحرب فعلاً. قال قيادي شيعي في فصيل انضم أخيراً إلى «قائمة أميركية للمنظمات الإرهابية»، إن طهران لم ترد حتى الآن.

بالتزامن، كانت مجموعة من «الحرس الثوري» معنيّة بهندسة التحالفات الانتخابية للقوى الشيعية في العراق تعقد اجتماعات مختلفة مع فاعلين في تحالف «الإطار التنسيقي». تقول مصادر متقاطعة إنه «بالإمكان اعتبار هذه المجموعة لجنة انتخابات إيرانية تشرف على توزيع القوى الشيعية بين القوائم المتنافسة، وقد هندست من قبل تحالفات وازنة في برلمانات سابقة».

لقد فشلت هذه اللجنة «الخبيرة» في إقناع قادة أحزاب شيعية بتنفيذ خريطة معينة لدمج قوائم، أو إعادة توزيع مرشّحين، لضمان هندسة نتائج معيّنة في دوائر انتخابية وسط البلاد، وجنوبها.

من بين الفاعلين الشيعة الذين يُزعم أنهم خالفوا تعليمات إيرانية بشأن الانتخابات أعضاء في فصائل مقاومة انخرطت لفترة مع «طوفان الأقصى»، ثم تراجعت إلى «حديقة خلفية»، بحثاً عن مصادر نفوذ متنوّعة.

لافتات انتخابية بدا في إحداها رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في أحد شوارع بغداد المؤدية إلى ساحة الفردوس (أ ف ب)

مساحات شبه خالية

في المدن المحرّرة من «داعش» تنشط أحزاب سنّية في حملة انتخابية شبه مستقرة. ثمة شعور بأن ارتخاء القبضة الإيرانية ساعدهم على الحركة بحرّية، لكنهم يترددون في التعبير عن ذلك، ثمة محاولات لضبط النفس، وعدم استفزاز «محور المقاومة».

يُعتقد على نطاق واسع أن رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، الذي أقصاه عام 2023 تحالف موالٍ لإيران من المشهد، يعود الآن بقوة. يرجع مقرّبون منه ذلك إلى ما يوصف بـ«مهارات شخصية، وحسابات دقيقة»، لكن الأمر لا يخلو من استغلال مساحات شبه خالية من النفوذ الإيراني، سواء تُركت عمداً، أو بسبب الضغط الأميركي.

في المقابل، لا يزال زعماء سنة ينافسون الحلبوسي بحاجة إلى تحالفات مع فاعلين شيعة تضمن لهم أحصنة للمراهنة. ثمة فاعلون في نينوى وصلاح الدين وكركوك يهندسون مرشّحيهم مع قوائم تابعة لفصائل موالية للمرشد الإيراني علي خامنئي.

لذا قد تبدو المساحات الخالية كلياً من إيران مجرد سراب. ينقل السياسي الشيعي أن فصائل متنفذة تلقت أخيراً طلبات من طهران بمساعدة جماعات موالية في بلدان «مقاومة» في نقل أنشطتها إلى بغداد، وحدث ذلك بالفعل.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر مختلفة أن علي لاريجاني، الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني «يشرف على ترتيبات تتعلق بمساعدة الوكلاء المتضررين من الحرب». كان الرجل أخيراً في بيروت وغادرها قائلاً: «(حزب الله) يستعيد قوته سريعاً، وسيقلب الموازين».

«مصير بن لادن ليس حتمياً»

انضمّت أخيراً 4 فصائل إلى قوائم وزارة الخارجية الأميركية للمنظمات الإرهابية، وهي «النجباء» و«كتائب الإمام علي»، و«أنصار الله الأوفياء»، و«كتائب سيد الشهداء»، لترتفع حصة العراق إلى 6 فصائل في هذه القائمة التي كانت تضم قبل سنوات أسامة بن لادن، زعيم تنظيم «القاعدة».

كانت «حركة عصائب أهل الحق» التحقت بالقائمة، عام 2020، و«كتائب حزب الله» منذ عام 2009، وكل منهما تحتفظ بمقاعد ووزراء في البرلمان والحكومة.

«ليس بالضرورة أن يكون مصيرك سيئاً مثل بن لادن حتى لو دخلت هذه القائمة»، يقول وزير عراقي سابق، عمل في حكومة عادل عبد المهدي (2018-2019)، إن «الجماعات الموالية لإيران تتكيّف الآن مع أخطر رجلين في العالم، دونالد ترمب، وبنيامين نتنياهو».

لقد سُمعت في بغداد أصوات داخل الأحزاب الشيعية تتساءل إن كان الرئيس الأميركي يؤخّر ضربات إسرائيلية في العراق، ويكسب في المقابل من الضغط الأميركي على الحكومة وصنّاع القرار، لقطع حبال الوصل مع الإيرانيين.

رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني وقادة في «الإطار التنسيقي» (إعلام حكومي)

هل يحمينا ترمب من نتنياهو؟

يقول الوزير السابق، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، إن واشنطن ربحت معارك في طهران، لأن العراقيين استجابوا للضغط في لحظة ارتباك إيرانية. كما أن فصائل شيعية ظلّت تسأل طوال الأشهر الماضية: «هل يحمينا ترمب بالفعل من نتنياهو؟». يبدو الأمر كذلك.

يرصد الوزير هذه الأيام ملامح «الخطة ب» التي تعمل عليها إيران. يقول: «هناك لاعبون جدد من أحزاب شيعية لم تتورّط في تداعيات (طوفان الأقصى) يحاولون اليوم تحديث نسختهم الراديكالية، ولبس رداء مدني يساعدهم على إنقاذ أنفسهم من دائرة الخطر».

إلى حد ما، يشبه الأمر رجلاً في مرمى قنّاص محترف، وعلى صدره نقطة ليزر. يعجز عن الحركة يميناً ويساراً، لأن أقل حركة ستُرديه في الحال. لا يشعر القنّاص بالملل من تسليط الليزر ما دامت الضحية متجمّدة.

وماذا لو غيّر الهدف وجهه واسمه وسلوكه؟ يقول الوزير السابق إن «قادة فصائل مسلّحة تستهويهم الآن فكرة إعادة السلاح إلى المخازن، وحلق اللحى، فيكونون مفيدين جداً لواشنطن وطهران».

إن قائد فصيل مسلّح «يفكر بهذه الطريقة المتقدّمة سيكون مفيداً لإيران حين تهدأ العاصفة»، يقول السياسي الشيعي الذي يعتقد أن 4 سنوات مع ترمب طويلة، وهي أطول بكثير مع نتنياهو، وتتطلّب التغيير.

بدأت ليالي الخريف في بغداد في عز صيف انتخابي لاهب. حتى مع تدفّق الأخبار عن احتمالات تجدّد الحرب بين إيران وإسرائيل، بات قادة فصائل افترشوا قبل عامين خرائط تل أبيب لقصفها يفتحون اليوم مكاتبهم لنخب ليبرالية وعلمانية للخوض في نقاشات طويلة عن انتخابات تبدأ إثارتها من الآن.


مقالات ذات صلة

هل أجرت «حماس» مراجعات لهجوم 7 أكتوبر؟

تحليل إخباري أرشيفية لزعيم «حماس» في غزة يحيى السنوار وإلى جواره إسماعيل هنية في عام 2017 (رويترز)

هل أجرت «حماس» مراجعات لهجوم 7 أكتوبر؟

في «حماس» ثمة اعتقاد بأن انتقاد هجوم 7 أكتوبر هو «حالة فردية» ولا يمثل إجماعاً داخلها، ما يفتح سؤالاً حول ما إذا كانت الحركة أجرت أي مراجعات أو تقبل بأي معارضة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية صورة مجمعة لرسالة منسوبة لقائد «حماس» الراحل يحيى السنوار نشرها مركز تراث الاستخبارات الإسرائيلي

«لنُخرج صوراً مرعبة»... إسرائيل تنشر رسالة منسوبة للسنوار عن تحضيرات 7 أكتوبر

نشر مركز تراث الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في تل أبيب، الاثنين، رسالة ادعى أنها كُتبت بخط قائد «حماس» الراحل، يحيى السنوار.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص لافتة على طريق «مطار بيروت الدولي» تروج للسياحة في لبنان (أ.ب)

خاص لبنان بعد 7 أكتوبر... موازين قوى جديدة لترميم العلاقة مع العالم

يكاد يُجمع الدبلوماسيون الدوليون في لبنان على أن تغييراً كبيراً حصل فيه منذ 7 أكتوبر 2023.

نذير رضا (بيروت)
خاص لوحة دعائية مستوحاة من الأساطير الفارسية تُصوّر رجلاً يصارع تنيناً بألوان العَلم الأميركي وقد كُتب عليها «أنشد اسم إيران التي تقتل الأعداء» وذلك في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران (إ.ب.أ) p-circle 03:39

خاص هجوم 7 أكتوبر: الشرارة التي هزَّت معادلات الردع الإيرانية

مثّل هجوم السابع من أكتوبر نقطة تحول فارقة في مشهد الأمن الإقليمي فلم تقتصر تداعياته على الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بل امتدت لتطال جوهر معادلات الردع الإيراني.

عادل السالمي (لندن)
خاص عناصر من سلاح الجو الأردني يسقطون رزم المساعدات من طائرة نقل فوق غزة (رويترز)

خاص بين الإغاثة والدبلوماسية... الأردن يطوي عامين من القفز فوق الجمر

منذ بداية الحرب، سعى الأردن لتقديم جهود الإغاثة الإنسانية العاجلة والضرورية للمدنيين في غزة، وصعَّد لهجته الدبلوماسية، محذراً من المساس بالوضع في الضفة والقدس.

محمد الرواشدة (عمَّان)

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)

حملت أولى رسائل الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، تحديد أولويات المرحلة المقبلة من عمر الجامعة التي عَرَف تاريخها منذ التأسيس أزمات إقليمية عديدة، حيث ركّز على مسارين لافتين متمثلين في تطوير الآليات وتعظيم التشاور العربي.

فبعد اعتماد مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، بتفويض من القادة العرب، مساء الاثنين، قرار تعيينه أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة 5 سنوات اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) المقبل، أكد فهمي في بيان أن العمل خلال المرحلة المقبلة سينصبّ على تطوير المنظمة العربية وتحديث آليات عملها، بما يتواكب مع التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

كما لفت إلى أن المرحلة تتطلب تكثيف التنسيق والتشاور العربي لمواجهة الأزمات والتهديدات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي للاستفادة من الفرص المتاحة وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص تدعم الاستقرار والتنمية.

وعدَّ اختياره بالإجماع «مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية، في ظل ما تواجهه المنطقة العربية من تحديات جسام ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة»، الأمر الذي يتطلب تعزيز العمل المشترك والدفاع عن المصالح العربية وترسيخ مبادئ التضامن بين الدول العربية كافة.

وشدّد كذلك على أهمية احترام سيادة الدول العربية، وصون أمنها وسلامة أراضيها، ودعم الجهود الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين أوضاع الشعوب العربية، مؤكداً أن الجامعة العربية ستبقى «بيت العرب الجامع»، وستواصل أداء دورها كمنصة جامعة للحوار والتشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء.

«تغيرات متسارعة»

تلك الأولويات يراها دبلوماسي تحدث لـ«الشرق الأوسط» قراءة جيدة لطبيعة المرحلة التي قال إنها «تُلزم منظمة بحجم الجامعة العربية أن تعمل على تطوير نفسها بصورة تمنح قيمة مضافة للعمل العربي، حيث سيكون التشاور العربي مهماً في هذا السياق باعتباره البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة فيها».

السيسي يلتقي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (الرئاسة المصرية)

وواصل السفير محمد حجازي، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حديثه قائلاً إن تلك المرحلة «تتسم بتغيرات استراتيجية متسارعة تشمل تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، واستمرار الحرب في غزة، والأزمات الممتدة في السودان وليبيا واليمن، فضلاً عن التحولات الجارية في النظام الدولي».

وأكّد أن انتخاب نبيل فهمي بالإجماع أميناً عاماً لجامعة الدول العربية «تقدير جماعي لقدراته الدبلوماسية وتاريخه الحافل وصلاته العربية والدولية، ما يجعل هناك فرصة مهمة لإعادة تموضع المؤسسة العربية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد».

ويجيء تعيين فهمي في المنصب خلفاً لمواطنه المصري أحمد أبو الغيط، الذي قاد المنظمة منذ عام 2016، وشغل المنصب لمدة 10 سنوات. وسيكون هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، والثامن من مصر مع استثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة إلى تونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات «معاهدة السلام» مع إسرائيل.

«استعادة الثقة»

يعتقد حجازي أن الأولوية الأولى أمام نبيل فهمي ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة العربية باعتبارها منصة للتوافق العربي، وليس مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات وإصدار البيانات، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتطوير الهياكل الإدارية بقدر ما يتعلق بإقناع الدول الأعضاء بأن الجامعة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات العربية بصورة مؤسسية.

ومن المرجح أن يركز فهمي على تكثيف آليات التشاور السياسي المنتظم بين العواصم العربية، خاصة في ظل فجوات المواقف بشأن العديد من الملفات الإقليمية.

وقال حجازي: «قد نشهد اتجاهاً نحو اجتماعات أكثر انتظاماً على مستوى وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، مع تفعيل أدوات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات داخل الأمانة العامة، بحيث تتحول الجامعة إلى مركز للتنسيق الاستراتيجي العربي، وليس مظلة دبلوماسية تقليدية فقط».

أما فيما يتعلق بتطوير آليات المنظمة، فمن المتوقع أن تتضمن أجندة فهمي «مراجعة شاملة لأساليب العمل المؤسسي، وتحديث منظومة اتخاذ القرار، وتعزيز دور مراكز الدراسات وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم صنع القرار العربي»، بحسب حجازي.

كما قد يسعى إلى ربط الجامعة بصورة أكبر بقضايا التنمية والاقتصاد والتحول الرقمي والطاقة والأمن الغذائي والمائي، وهي الملفات التي أصبحت تمثل «جوهر الأمن القومي العربي في مفهومه الحديث»، في رأي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

وأوضح أن مسار تكثيف التشاور العربي سيكون البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة في الجامعة العربية، قائلاً: «عندما تنجح الجامعة في توفير منصة موثوقة للحوار وتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى، ستصبح عملية تطوير المنظمة أكثر سهولة وقابلية للتحقيق».

ويعتقد حجازي أن نجاح نبيل فهمي سيتمثل في «قدرته على تحويل الجامعة العربية من مؤسسة تعكس الانقسامات العربية إلى مؤسسة تساهم في تجاوزها، ومن منبر للتشاور إلى أداة فاعلة لصياغة رؤية عربية مشتركة للأمن والتنمية والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية».


لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)

شهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مسؤولون ومراقبون «دفعةً لمسار التقارب» في العلاقات بين البلدين، خصوصاً بعد حل أزمة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة.

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي نظيره السوري أسعد الشيباني، مساء الاثنين، على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في العاصمة الأردنية عمَّان.

وحسب بيان للخارجية المصرية، الثلاثاء، أكد الوزيران «عمق الروابط التاريخية والشعبية التي تجمع مصر وسوريا... وأهمية البناء على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري إلى القاهرة مطلع شهر مايو (أيار) الماضي». كما رحبا بعقد الاجتماع الحكومي المصري-السوري الثاني على مستوى كبار المسؤولين بمشاركة الوزارات والهيئات المعنية بالتجارة والاستثمار في البلدين، لبحث الخطوات التنفيذية لتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك.

وقال مدير إدارة الشؤون العربية بوزارة الخارجية السورية، محمد طه الأحمد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «العلاقات مع مصر تتقدم في مسارها الطبيعي، وهناك حرص سوري على تطويرها».

وفد سوري ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني زار القاهرة الشهر الماضي لبحث العلاقات الثنائية (الخارجية المصرية)

ودارت مناقشات بين البلدين خلال الفترة الماضية بعدما تحفظت مصر على أسماء رشحتها سوريا لتمثيل بعثتها الدبلوماسية في القاهرة، مما عرقل ترتيبات حضور البعثة السورية إلى مصر. لكن أمكن تخطي الأزمة بعدما قدمت سوريا مرشحاً آخر، هو يحيى دياب، لقيادة بعثتها في مصر، وصرحت مصادر لـ«الشرق الأوسط» بأن القاهرة وافقت عليه، ومن المنتظر أن يتسلم مهامه خلال أيام.

ويرى الخبير السياسي المصري في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، عمرو الشوبكي، أن التحديات التي تشهدها المنطقة والإقليم تحتم تطوير العلاقات المصرية-السورية، التي وصفها بأنها «علاقات تاريخية راسخة». وقال إن الروابط الثقافية والاجتماعية والسياسية بين الشعبين كبيرة، مؤكداً أن السلطات في مصر «كان لديها تخوفات أكثر منها خلافات مع نظام الحكم الجديد في سوريا، نظراً لتجربة مصر المعروفة مع الإسلام السياسي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تلك التخوفات يتم تجاوزها تدريجياً وفق مبدأين أساسيين هما احترام الخبرة والنموذج السياسي لكل بلد، وعدم التدخل في شؤون الآخر»، مشيراً إلى أن مصر رسَّخت هذين المبدأين من قبل في العلاقة مع تركيا. وقال الشوبكي: «اللقاءات المصرية - السورية المتعاقبة تؤشر على تحسن العلاقات وفق نفس المبدأين».

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية - الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها، بأن «حديثاً ودياً» جرى بينهما لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

واستضافت دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة عدد من قيادات الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين البلدين واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وفي منتصف الشهر الجاري، أكد القائم بأعمال السفارة المصرية في دمشق، محمد عمر عبد العزيز الفقي، أن بلاده تتطلع إلى توسيع آفاق التعاون مع سوريا في مختلف المجالات، خصوصاً في قطاع إعادة الإعمار. وجاء ذلك في تصريح للصحافيين عقب جولته في أجنحة معرض «بيلدكس» الدولي للبناء والتشييد في دمشق، وفقاً للوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).


قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
TT

قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار ملايين المشجعين حول العالم إلى منافسات كأس العالم 2026، يواجه اليمنيون في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، قيوداً تحول دون متابعة الحدث الكروي الأبرز عالمياً؛ إذ منعت الجماعة عرض مباريات البطولة داخل الأندية الرياضية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى، كما فرضت قيوداً على الاستراحات والمقاهي، في خطوة أثارت استياءً واسعاً بين الأوساط الرياضية والشبابية.

وتقول مصادر رياضية إن الجماعة مستمرة منذ انطلاق البطولة في منع إدارات عدد من الأندية الرياضية؛ من بينها «الوحدة» وأهلي صنعاء» و«22 مايو»، من تنظيم فعاليات جماهيرية لعرض مباريات كأس العالم عبر الشاشات داخل مقراتها، رغم الاستعدادات التي كانت قد أُنجزت لاستقبال المشجعين وتنظيم أنشطة مصاحبة للمونديال.

وبحسب المصادر، أوقفت قيادات حوثية تدير القطاع الرياضي، كل الترتيبات التي أعدتها الأندية لاستقبال الجماهير، بما في ذلك تجهيز الشاشات وتنظيم الفعاليات الرياضية والترفيهية المرتبطة بالبطولة.

أحد الملاعب الرياضية في العاصمة صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأكدت المصادر فشل كل المحاولات الرامية إلى إقناع السلطات التابعة للجماعة بالسماح بإقامة تلك الفعاليات، ما أدى إلى إلغاء البرامج التي كانت مخصصة لاستقبال المشجعين خلال مباريات البطولة.

ويؤكد ناشطون أن الخطوة الحوثية تمثل امتداداً لسياسة التضييق على الأنشطة الرياضية والترفيهية، وحرمان الشباب من متابعة أبرز الأحداث الكروية العالمية في أجواء جماهيرية اعتادوا عليها خلال السنوات الماضية.

استياء رياضي

على وقع هذا التضييق الحوثي، يقول عصام، وهو اسم مستعار لمدرب رياضي من صنعاء، إن متابعة مباريات كأس العالم في الأندية والمقاهي، تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها البلاد.

وأضاف أن منع هذه الأنشطة يشكل ضربة جديدة لما تبقى من الفعاليات الرياضية والاجتماعية في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أن الأندية يفترض أن تكون فضاءات مفتوحة للشباب لممارسة الرياضة ومتابعة الأحداث الرياضية العالمية بعيداً عن القيود.

أما الشاب رمزي (27 عاماً) من ريف صنعاء، فيقول إن كثيراً من الشباب كانوا ينتظرون البطولة بوصفها فرصة للالتقاء بالأصدقاء ومتابعة المباريات في أجواء جماعية، إلا أن القرارات الأخيرة حرمتهم من هذه التجربة التي ارتبطت تقليدياً بالمناسبات الكروية الكبرى.

حشد في أكبر مساجد صنعاء لمتابعة خطبة زعيم الجماعة (أ.ف.ب)

وفي السياق ذاته، أوضح أحد ملاك المقاهي في صنعاء، طالباً عدم ذكر اسمه، أن الجهات التابعة للجماعة سمحت في البداية بعرض أولى مباريات البطولة، لكنها عادت لاحقاً وأبلغت أصحاب المقاهي بالتوقف عن ذلك، ما دفعهم إلى إلغاء الترتيبات الخاصة باستقبال الزبائن خشية التعرض للمساءلة أو العقوبات.

ويشير هؤلاء إلى أن بطولة كأس العالم 2022 شهدت إجراءات مشابهة، حيث تحدث ملاك استراحات ومقاهٍ في صنعاء آنذاك، عن إلزامهم بعرض مواد دعائية وخطب ومحاضرات ذات طابع تعبوي على الشاشات خلال فترات الاستراحة بين المباريات، مع التلويح بفرض عقوبات على المخالفين.

خوف من التجمعات

يؤكد ناشطون يمنيون في صنعاء أن الجماعة الحوثية دأبت منذ سنوات، على فرض قيود واسعة على الأنشطة الرياضية والشبابية، سواء المحلية أو المرتبطة بالبطولات الخارجية، الأمر الذي أدى إلى تقليص المساحات الترفيهية والاجتماعية المتاحة أمام الشباب.

كما يعتقد مراقبون أن الجماعة الانقلابية تنظر إلى التجمعات الرياضية والفعاليات الجماهيرية باعتبارها أنشطة تستقطب الشباب بعيداً عن البرامج التعبوية التي تروج لها، بما في ذلك حملات الاستقطاب إلى الجبهات تحت شعارات دينية ومذهبية مختلفة.

وتستحضر الأوساط الرياضية في صنعاء أجواء بطولات كأس العالم التي سبقت اندلاع الحرب، عندما كانت الشاشات العملاقة تنتشر في الملاعب والحدائق العامة والمدارس الفنية والصالات الرياضية والمتنزهات والمقاهي.

الحوثيون يسمحون فقط بالتجمعات الخادمة لأجندتهم السياسية والعقائدية (إ.ب.أ)

وخلال تلك السنوات، كانت مؤسسات حكومية؛ من بينها وزارة الشباب والرياضة وقطاع الاتصالات، تسهم في تنظيم فعاليات جماهيرية لمتابعة المباريات، فيما كانت آلاف الجماهير تتوافد إلى الملاعب والساحات العامة لمشاهدة الحدث الكروي العالمي.

ويقول المهتمون بالرياضة إن استمرار القيود الحوثية الحالية يعكس توجهاً متصاعداً للسيطرة على الفضاءات العامة والأنشطة الجماهيرية، بما في ذلك الفعاليات الرياضية التي تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل التحديات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة.