«شاعر الروبابيكيا»... الكراكيب تتحوّل إلى موالٍ شعبي يجذب الشارع المصري

سجوع وقفشات كوميدية تُعيد إحياء نداءات التراث وتُثير جدلاً بين الإبداع والإزعاج

تاجر «الروبابيكيا» عصام خضر متمسّك بنداءات المهنة التقليدية (الشرق الأوسط)
تاجر «الروبابيكيا» عصام خضر متمسّك بنداءات المهنة التقليدية (الشرق الأوسط)
TT

«شاعر الروبابيكيا»... الكراكيب تتحوّل إلى موالٍ شعبي يجذب الشارع المصري

تاجر «الروبابيكيا» عصام خضر متمسّك بنداءات المهنة التقليدية (الشرق الأوسط)
تاجر «الروبابيكيا» عصام خضر متمسّك بنداءات المهنة التقليدية (الشرق الأوسط)

«روبابيكيا» تعني بالإيطالية الملابس القديمة، فـ«روبا» معناها ملابس و«بيكيا» تعني القديم، لتدل الكلمة على تجارة الأشياء المستعملة التي تُعرف في مصر بـ«الكراكيب».

«أغيب أغيب وأرجع ألم الكراكيب»، إذا كنتَ في الإسكندرية (شمال مصر)، فسيتسلّل إلى أذنيك ذلك النداء الفكاهي المسجوع من أعماق الشارع، يردّده تاجر معروف لـ«الروبابيكيا»، نال شهرته مؤخراً على منصات التواصل الاجتماعي في البلاد، وأثار تفاعلاً واسعاً لطريقته غير التقليدية في جذب الزبائن.

«ياللي عندِك الكركبة بشتري من المعلقة لحد المرتبة»، «ليكي العمر الطويل... أشتري الدولاب والسرير»: «بشتري الرخام والأهم حسن الختام»، «ياللي عندك النحاس والألمونيا ما تشيليش هم الدنيا»، «قلت الله المستعان اشتري التلاجة والسخان»، «لكل راجل وست اشتري السجاد والموكيت»؛ عبر هذه النداءات التي تحمل إيقاعاً متوازناً وسجعاً وقوافيَ، يروّج المصري حسام أشرف، أو «شاعر الروبابيكيا»، لنفسه محاولاً جذب الزبائن (لا سيما ربات البيوت) لشراء ما لديهم من مقتنيات وأنتيكات قديمة.

«روبابيكيا» تعني بالإيطالية الملابس القديمة، فـ«روبا» معناها ملابس و«بيكيا» تعني القديم، لتدل الكلمة على تجارة الأشياء المستعملة، التي تُعرف في مصر بـ«الكراكيب».

منذ عقود، تشتهر المهنة في القاهرة والمحافظات عبر نداء شهير لا تخطئه الأذن: «أي حاجة قديمة للبيع»، يردّده مَن يمتهنونها وهم يجوبون الشوارع والأحياء، سواء الشعبية أو الراقية. كما لا تُخطئ الأعين هيئتهم، إذ يتجوّلون بسيارة «ربع نقل»، أو «تروسيكل»، أو «عربة كارو»، أو يدفعون عربة خشبية بسيطة يتناغم صريرها مع نداءاتهم، التي لا تخرج عن: «روبابيكيااااا» التي تصدر بألحان متنوّعة، أو «بيكيا... بيكيا»، و«حديد قديم للبيع... ألومنيوم قديم للبيع».

وفيما توارى تجّار «الروبابيكيا» وجامعوها قليلاً خلال السنوات الماضية أمام المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي المخصَّصة لمبادلة المقتنيات والأنتيكات، أعاد «شاعر الروبابيكيا» الأنظار إلى مهنته مجدّداً، إذ تداولت كلماته على نطاق واسع بين مستخدمي المنصات، الذين حوّلوا بدورهم عباراته إلى أغنيات أو ردّدوها على ألسنة شخصيات شهيرة سياسية وفنّية عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي.

تجّار «الروبابيكيا» يجوبون الشوارع والأحياء مُردّدين نداءات متنوّعة (الشرق الأوسط)

وبينما اختلف المستخدمون بين عدِّه مبدعاً في عمله أو مُسبباً لإزعاج الآخرين، ظهر «شاعر الروبابيكيا” في مقاطع فيديو أخرى موضحاً أنه يُمثّل «الجيل الجديد» من تجّار البضائع المستعملة، ومُواصلاً قافيته: «أخوك مؤلف وأديب... وأحسن من يشتري الكراكيب».

يمتدّ إبداع الجيل الجديد من تجّار «الروبابيكيا» إلى اختيار ثيمة الإيقاع والتكرار، والاعتماد في النداء على سجوع منتظمة وسريعة؛ إذ يدمج ما يروّج له في جملة واحدة متصلة من دون انقطاع. فنسمعه يردّد: «تلاجة قديمة... غسالة قديمة... كتب قديمة... جرائد قديمة للبيع»، إذ يرتكز نداؤه على كلمة «قديمة»، مع لحن متغيّر في نطقها وتعمُّد إطالتها في نهاية النداء، مما يخلق التأثير الصوتي المطلوب، ويكسر رتابة التكرار، ويجذب الانتباه وسط ضوضاء الشارع.

من الجيل الجديد إلى القديم، لا يزال الخمسيني عصام خضر يحافظ على تقاليد مهنة «الروبابيكيا» في الهيئة والأسلوب، فيتجوّل بعربة كارو بسيطة في محافظة المنوفية (دلتا مصر)، بينما يصدر من ميكروفونه القديم، الذي يشبه بضاعته، عبارات قصيرة بإيقاع هادئ: «بشتري أي حاجة قديمة»، «أي بلاستيك قديم للبيع».

ما إن انتهى من عباراته، قال لـ«الشرق الأوسط»: «أعمل في مهنة (الروبابيكيا) منذ 20 عاماً، لا أعرف غير هذه النداءات، هي كلمات بسيطة لكن لها صدى، وتفتح بيوتنا».

تاجر «الروبابيكيا» عصام خضر لا يتنازل عن هذا الفنّ الشعبي (الشرق الأوسط)

وعن أسلوب النداءات المسجوعة، أوضح وهو يشير إلى ما تحمله عربته من زجاجات بلاستيكية وبعض النحاس والقطع الخشبية المتهالكة: «الكراكيب ليست فقط أشياء قديمة، فوراء كل قطعة يبيعها الزبون، ثمة حكايات وأسرار بيوت، وندائي لا بد أن يكون وقوراً ومناسباً لما أشتريه».

وعن الفارق بين تاجر «الروبابيكيا» القديم والحديث، يشرح خضر: «الفرق في النظرة للشيء؛ ففي الماضي، كان ثمة خبرة وفهم لأصول المهنة، إذ إنّ (الروبابيكيا) ليست مجرّد تجارة، بل تقدير وتقييم لقيمة ما يُجمع»، مضيفاً بحكمة: «نصيحتي لتجّار (الروبابيكيا) الجدد: (خلي كلامكم زي ما هو، الخفيف على اللسان خفيف في القيمة... الشهرة بتروح بسرعة، والأصول هي اللي بتستمر)».

«شاعر الروبابيكيا» يروّج لبضاعته محاولاً جذب الزبائن (لقطة من فيديو متداول)

أما في القاهرة، ومع تنوّع أزقّتها وحاراتها وشوارعها، يمكن أيضاً مصادفة تجّار «الروبابيكيا» وجامعيها بهيئات مختلفة وأساليب متنوّعة في الترويج لأنفسهم. وهناك مَن يروّج لنفسه عبر استخدام آلة الطبلة التي يدقّ عليها بيديه، بينما يرتفع لسانه بالنداء المُتناسق مع إيقاعاته.

وبينهم مَن يطلق العنان لصوته، شادياً ومُتغزلاً في بضاعته القديمة، بينما ينصت له من حوله ويتفاعلون مع صوته.

وفي هذا السياق، يشير الباحث في التراث الشعبي، محمد دسوقي، إلى أن محاولة تجديد أسلوب نداء «الروبابيكيا» امتداد أصيل لفنون الزجل والموال الشعبي، موضحاً أن هذه النداءات ليست مجرّد وسيلة لجذب الزبون، بل هي فنّ قائم بذاته يجمع بين الموهبة والقدرة على صياغة الكلمات والإيقاعات، مما يجعل المستمع ينجذب لها.

ويؤكد، لـ«الشرق الأوسط» أنّ «نداءات تجّار (الروبابيكيا) تُصنف ضمن التراث الشفهي المصري؛ فهي جزء من المأثورات الشعبية المتجددة»، مبيّناً أنّ «هذا التراث ليس له مؤلّف أو مُلحن محدّد، بل هو إبداع متجدّد يُضاف إليه باستمرار، مما يجعله حيّاً ومُواكباً للتغيّرات».

ويرى الباحث أن «شاعر الروبابيكيا» يُمثل حالة فريدة من الإبداع في الكلمة، من خلال تجديد طريقة النداء التقليدية وتحويلها إلى نغمة موسيقية جاذبة، موضحاً أنّ هذه الظاهرة متجذّرة في الثقافة المصرية؛ إذ اعتاد الباعة إضفاء لمسة فنّية على بضاعتهم من خلال استخدام كلّ فنون الوصف المتاحة، من الإيقاع والسجع والقوافي، إلى التعبيرات الجذابة لإبراز قيمتها.

من جهته، يقول أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، فايز الخولي، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ ما يفعله «شاعر الروبابيكيا» يُعدّ وسيلة لجذب الانتباه، وهو سلوك معتاد في الثقافة المصرية يعود إلى قرون مضت؛ إذ كان الباعة المتجوّلون؛ خصوصاً في القطارات والأسواق، يستخدمون الأهازيج الشعبية وسيلة للترويج لبضائعهم.

ويشير إلى أنّ المفارقة اللافتة للانتباه في «شاعر الروبابيكيا» أنه ينتمي للإسكندرية، وشعوب السواحل والمدن المفتوحة حول العالم تتميّز عادة بروح الدعابة والمرح والنكتة المتأصّلة في ثقافتهم، بوصفها نتاجاً طبيعياً لتاريخ طويل من الانفتاح على الثقافات الأخرى، وهو ما يظهر جلياً في طريقة التاجر.

المصري حسام أشرف الشهير بـ«شاعر الروبابيكيا» (حسابه الشخصي في «تيك توك»)

على الجانب الآخر، يرى أستاذ علم الاجتماع أنّ سرّ التفاعل مع صاحب السجع يكمن في قدرته على لمس وتر حسّاس لدى الناس، وهو الحنين إلى الماضي، أو ما يُعرف بـ«النوستالجيا»؛ حيث يرتبط هذا النوع من التفاعل بالذكريات السعيدة، وإثارة شعور عميق لديهم من الحنين والدفء.


مقالات ذات صلة

عجز الحساب الجاري الأميركي يتسع بشكل حاد في الربع الثاني

الاقتصاد حاويات شحن مكدسة في ميناء لوس أنجليس في لونغ بيتش - كاليفورنيا (رويترز)

عجز الحساب الجاري الأميركي يتسع بشكل حاد في الربع الثاني

أظهرت بيانات حكومية يوم الخميس أن عجز الحساب الجاري الأميركي اتسع بشكل حاد خلال الربع الثاني، في ظل قفزة في واردات السلع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (واس)

فائض الميزان التجاري السعودي يتراجع إلى 3.84 مليار دولار خلال يوليو

سجل فائض الميزان التجاري السلعي للسعودية تراجعاً بنسبة 25.0 في المائة خلال شهر يوليو (تموز) 2026 على أساس سنوي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد موظفون بالمركز السعودي للتنافسية والأعمال والذي يقدم كل الخدمات لأصحاب المنشآت التجارية (الشرق الأوسط)

السجلات التجارية في السعودية تتجاوز 1.9 مليون... ونمو لافت للذكاء الاصطناعي

تُواصل بيئة الأعمال بالسعودية تسجيل معدلات نمو لافتة، مع تجاوز إجمالي السجلات التجارية حاجز 1.9 مليون سجل، في مؤشر يعكس اتساع قاعدة المنشآت.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شارع تجاري مزدحم في شنغهاي بالصين (رويترز)

مطالب أوروبية بإعادة هيكلة العلاقات التجارية مع الصين

أكدت «الغرفة التجارية الأوروبية» بالصين، الثلاثاء، حاجة أوروبا لإعادة التفكير في علاقاتها التجارية بالصين، في ظل استمرار ازدياد الاختلال التجاري بين الجانبين.

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يتفاعلان خلال اجتماع ثنائي في بوسان... كوريا الجنوبية 30 أكتوبر 2025 (رويترز)

من التجارة إلى تايوان وإيران... ماذا ينتظر قمة ترمب وشي؟

يبحث ترمب وشي خلال قمتهما المقبلة ملفات التجارة وتايوان وحرب إيران، وسط مساعٍ لتحقيق الاستقرار في العلاقات بين واشنطن وبكين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مطعم شهير يجدّد الجدل حول مصداقية «الفوود بلوجر» في مصر

جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
TT

مطعم شهير يجدّد الجدل حول مصداقية «الفوود بلوجر» في مصر

جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)

أثار مقطع مصوّر ظهر فيه صاحب أحد المطاعم الشهيرة في مصر منتقداً أحد صنّاع محتوى الطعام، جدلاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليطرح مجدداً تساؤلات حول مدى أحقية «الفوود بلوجرز» في تقييم المطاعم.

واعترض صاحب المطعم في المقطع على فكرة قيام أحد «الفوود بلوجرز» المعروفين بتقييم الطعام في مطعمه، معتبراً أن تقييم المطاعم «ليس من اختصاص (الفوود بلوجرز)»، وأن تقييم المطاعم له متخصصون يمتلكون الخبرة والمعايير اللازمة للحكم على جودة ما تقدمه.

وقوبل فيديو صاحب المطعم بردود فعل متباينة؛ إذ دافع جانب من المتابعين عن رأي صاحب المطعم في ضرورة الفصل بين التجربة الشخصية والتقييم المتخصص، في حين رأى آخرون أن حديثه يحمل هجوماً على «الفوود بلوجرز»، وأن طريقة الرد قد تتحول في حد ذاتها إلى دعاية سلبية للمطعم.

ودافع متابعون عن حق صانع المحتوى في التعبير عن تجربته بوصفه مستهلكاً اشترى الطعام ودفع ثمنه، وليس باعتباره خبيراً أو ناقداً متخصصاً، وكتب أحدهم تعليقاً على الواقعة: «واحد شاري أكل بفلوسه وقرر يقيم تجربة الأكل»، مشيراً إلى أنه لم يقدم نفسه باعتباره «خبيراً»، في حين رأى أن تجاهل الفيديو أو الرد على ما ورد فيه كانا خيارين أفضل من نقل الخلاف إلى المستوى الشخصي.

ويعيد الجدل طرح مسألة الفارق بين نقل تجربة شخصية وتقديم تقييم مهني للمطاعم؛ ففي حين يستند الأخير إلى معايير وخبرة متخصصة، اكتسبت تجارب «الفوود بلوجرز» وزناً أكبر مع اتساع أعداد متابعيهم وتأثيرهم في اختيارات الجمهور.

لقطة من الفيديو المثير للجدل (إكس)

وترى مروة السيد، المدرّسة بقسم العلاقات العامة والإعلان في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن «(الفوود بلوجرز)، شئنا أو أبينا، أصبحوا جزءاً كبيراً من صناعة الدعاية»، لافتة إلى أن المطاعم نفسها أسهمت في تعزيز هذا الدور عبر استقطاب صنّاع المحتوى والتعاون معهم، لدرجة أن «كثيراً منهم أصبح لديه حضور وشعبية وكلمة مؤثرة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الإشكالية لا تتعلق فقط بحق «الفوود بلوجر» في النقد، بقدر ما تتصل بالفاصل بين التقييم والإعلان، خصوصاً مع تحول صنّاع محتوى الطعام إلى إحدى أدوات التسويق للمطاعم، بحيث لا يكون المتابع دائماً أمام رأي شخصي مستقل، وإنما قد يكون أمام محتوى تجاري جرى الاتفاق عليه مسبقاً.

وتوضح أن «التعاون التجاري بين المطاعم وصنّاع المحتوى تختلف قيمته وفق عدد المتابعين، وطبيعة المحتوى المطلوب، وحجم التفاعل»، معتبرة أن «ما يهدم مصداقية صانع المحتوى هو أن تصبح الفلوس أول همه، وأن تبدو جميع المطاعم التي يزورها جيدة؛ لأن المتابع سيفقد ثقته به في النهاية».

وخلال السنوات الأخيرة انتشرت ظاهرة «الفوود بلوجرز» التي بدأت بشباب يرصدون تجاربهم في أحد المطاعم وتذوق ما يقدمه، ثم إبداء رأيهم فيما تناولوه، ونشر هذا الرأي في مدونات أو على صفحات «سوشيالية» مع الوقت أصبحت تحظى بمتابعات لافتة، وأصبحت الظاهرة «صناعة ضخمة» تدر مكاسب مادية على صنّاع المحتوى، وفي الوقت نفسه أصبحت وسيلة للدعاية تقوم بها العديد من المطاعم.

وترى خبيرة التسويق الرقمي داليا الشافعي أن قوة «الفوود بلوجر» ترتبط في الأساس بالثقة التي بناها مع متابعيه، وهي الثقة التي قد تتراجع عندما يشعر الجمهور بأن التقييمات الإيجابية مرتبطة بالتعاون التجاري أكثر من ارتباطها بالتجربة الفعلية.

وتقول داليا لـ«الشرق الأوسط» إن «خروج صاحب المطعم للتقليل من دور (الفوود بلوجرز) قد يتحول في حد ذاته إلى دعاية سلبية للمطعم»، موضحة أنه «كان من الممكن التعامل مع التقييم باعتباره تجربة شخصية، فمن الطبيعي أن يحب البعض المطعم، وألا يعجب آخرين».

وتضيف أن «التسويق في الوقت الحالي لا يمكنه تجاهل التأثير الذي باتت تتمتع به منصات التواصل الاجتماعي وصنّاع المحتوى، باعتبارهم قطاعاً مؤثراً في تشكيل آراء الجمهور وقراراتهم الشرائية».


مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
TT

مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)

نظمت دار الكتب والوثائق القومية بمصر احتفالية بمناسبة مرور 156 عاماً على تأسيس «الكتبخانة الخديوية» التي تعد النواة الأولى لدار الكتب المصرية، وذلك بمقرها التاريخي في منطقة باب الخلق، وأبرز متخصصون ومؤرخون الدور الذي قامت به الدار في حفظ المخطوطات وكتب التراث حتى اليوم، مع التأكيد على رقمنة آلاف المخطوطات لحفظها ضمن مشروع عالمي.

وبينما أكد رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، الدكتور أسامة طلعت، على أن التراث المصري من وثائق وآثار ومخطوطات يمثل حصن الأمة الأخير، مشيداً، خلال بيان للهيئة، بدور العاملين بدار الكتب والوثائق القومية وكوادرها المتتابعة في حمل هذه الأمانة العظيمة وصونها، شدد على أن التاريخ يؤكد قدرة مصر على تجاوز جميع التحديات، والحفاظ على ذاكرتها وتراثها الحي.

بينما أشار المؤرخ الدكتور أيمن فؤاد سيد إلى أن دار الكتب المصرية تعد أول وأقدم مكتبة وطنية أُنشئت في الشرق. وتطرق إلى تاريخ خزائن الكتب التي كانت تنتشر قديماً في المدارس والمساجد الجامعة، مستحضراً تجربة «دار الحكمة» ببغداد التي أسسها هارون الرشيد، و«بيت الحكمة» بالقاهرة في العصر الفاطمي، اللذين ضما أعداداً ضخمة من المخطوطات والكتب، وفق ما ذكره المؤرخون.

وعن قصة تأسيس «الكتبخانة الخديوية»، استعرض المؤرخ المصري بداية الفكرة التي تبلورت عند عودة البعثات المصرية من فرنسا (بعثة الأنجال عام 1844) والتي شارك فيها علي مبارك والخديوي إسماعيل، حيث اقترح علي مبارك إنشاء مكتبة وطنية على غرار المكتبات الأوروبية، وعليه صدر قرار التأسيس في مارس (آذار) 1870، وافتُتحت في 24 سبتمبر (أيلول) 1870 بالطابق الأرضي لقصر مصطفى فاضل بـ درب الجماميز»، وجمعت الدار عند تأسيسها مجموعات الكتب المتناثرة في المدارس والخزائن (باستثناء الأزهر)، إضافة إلى مكتبة مصطفى فاضل باشا التي اشتراها الخديوي إسماعيل، وكان من بينها أعرق المخطوطات.

وتابع أنه «مع ازدياد الرصيد وتأثره بالرطوبة، تقرر بناء المبنى الحالي لدار الكتب بباب الخلق في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، حيث وُضع حجر الأساس له عام 1897 وافتُتح عام 1904، وتولى إدارتها في البداية أربعة من المستشرقين الألمان، حتى تولى أحمد لطفي السيد باشا رئاستها كأول رئيس مصري لها عام 1916».

دار الكتب المصرية في باب الخلق (دار الكتب)

وأضاف فؤاد سيد لـ«الشرق الأوسط» أن «دار الكتب والوثائق القومية تعد ثروة قومية لما تضمه من مخطوطات ومجلدات تصل إلى 60 ألف مخطوط، وكانت قد بدأت تجميع نحو 16 ألف مخطوط ومجلد»، لافتاً إلى جهود متواصلة لرقمنة وأرشفة وتطوير البحث والإتاحة في دار الكتب ليمكن الاطلاع على محتوياتها بطرق آمنة مع حفظ التراث الخطي (المخطوط) وحمايته للأجيال المقبلة.

جانب من الفعاليات في دار الكتب المصرية (دار الكتب والوثائق المصرية)

وأوضح رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب، الدكتور مينا رمزي، أن قطاع التحول الرقمي شهد تدشين معمل رقمنة جديد للمخطوطات بالتعاون مع جمعية المكنز الإسلامي، يجري العمل فيه على مشروع عالمي لرقمنة وإتاحة مجموعة «المصاحف المملوكية» النادرة وإصدار دليل استرشادي عالي الجودة لتسويقها دولياً، مع إنجاز 50 في المائة من العمل حتى الآن، كما أضاف رمزي أنه تم تطوير معمل المسح الرقمي بدعمه بستة أجهزة حديثة؛ ما أسفر عن رقمنة أكثر من 7 ملايين لقطة من أوعية المعلومات المختلفة، وربط 84 ألف مصدر رقمي متاح عبر القاعة الرقمية، فضلاً عن فهرسة ورقمنة أكثر من 4700 أسطوانة صوتية نادرة وتحويلها من النظام التناظري إلى الرقمي.

واستعرض رمزي، وفق البيان، اكتمال مشروع ترميز (بار كود) قرابة 60 ألف مجلد مخطوط؛ ما اختصر مدة الجرد إلى أيام معدودة، وسمح بتتبع حركة المقتنيات بدقة، وتطبيقاً لسياسة تداول المقتنيات والدورة المستندية الجديدة، لم تسجل الدار أي حالة فقد في رصيدها التراثي.


حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
TT

حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)

من موقع المُراقب الذي يكتفي بالنظر ولا يتدخَّل، ظلَّ الفنان التشكيلي حسني أبو بكر، لسنوات طويلة، يتابع تفاصيل الحياة المصرية في الشوارع والحارات والنجوع والميادين. يرصد حركة الناس وعلاقاتهم وطرائق احتفالهم ومظاهر حزنهم، من دون أن يعرف في البداية أنّ تلك المشاهد العابرة ستتحوّل يوماً ما إلى مخزون بصري واسع يستعيده في لوحاته.

ومن هذه المَشاهد تشكّل معرضه «دراما مصرية»، المُقام حالياً في «غاليري سماح» بمدينة الشيخ زايد (غرب القاهرة)، والمستمر حتى نهاية سبتمبر (أيلول) الحالي.

لوحة لأبو بكر تستعيد أجواء الاحتفاء بالعائدين من الحج (الشرق الأوسط)

يقدّم الفنان نحو 20 لوحة تنشغل بالحياة المصرية في تنوّعها، وتضع الإنسان وتفاصيل يومه العادي في قلب المشهد.

يقول حسني أبو بكر: «اهتمامي بالناس في بلدي بدأ منذ طفولتي، فكنت أراقبهم، وأحتفي بمعرفة أحوالهم، وأتجوّل في أماكن مختلفة متابعاً الحياة من بعيد. وخلال ذلك، كنت أستمتع بالأجواء المصرية وحبّ الناس للحياة».

ومع اكتشاف حبّه للفنّ والرسم، أدرك أن ما اختزنته ذاكرته البصرية كان أكثر ثراءً مما يتصوَّر؛ فالبيئة المصرية تمنح الفنان مادة لا تنضب، وفق ما يضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الحياة اليومية، والضحك والترفيه، والطقوس الاجتماعية، والحِرف، وأساليب البيع والشراء، والعلاقات الإنسانية بما تحمله من حبّ وجفاء ومودّة ومصالح، هي قلب أعمالي».

من هنا، وجد الفنان أنّ أمامه «قماشة واسعة» يستطيع من خلالها الاقتراب من المجتمع المصري بكلّ تناقضاته وتفاصيله، وأنّ تجسيدها بات شديد الأهمية. ويوضح: «أعمالي في المعرض محاولة لحفظ جانب من الذاكرة المصرية في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا، وتتبدَّل الصور والمعلومات باستمرار».

الفنان التشكيلي المصري حسني أبو بكر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يطرح سؤالاً محورياً: «مَن يستطيع حفظ شكل الحياة المصرية للأجيال المقبلة؟». ويجيب: «أرى أنّ ذلك دوري، ودور كلّ فنان مصري عاشق لبلده. ولذلك قرّرتُ أن أكون بمنزلة الموثّق أو المؤرّخ لها، لكن عبر أدوات الفنّ التشكيلي».

ويفسّر ذلك كيف يمكن للمتلقّي أن يعيش عبر لوحات المعرض تفاصيل الحياة المصرية من قرب، فيشاهد حِرفاً مهدّدة بالاندثار، وطرائق متنوّعة للاحتفال والحزن، فضلاً عن العلاقات بين الناس وإيقاع الحياة اليومية.

يقول أبو بكر: «لوحاتي كأنها سرديات اجتماعية لمصر؛ إذ يستطيع مَن يأتي بعد سنوات أن يعود إليها ليرى كيف كانت تعيش وتتحرّك».

ويبدو أنه، خلال ذلك كلّه، لم يتخلَّ عن موقعه مراقباً من بعيد، ما يساعده على إثراء مخزونه البصري. ويُعلّق: «صحيح، تمسّكت بالمراقبة فقط؛ لأن الابتعاد قليلاً عن الحدث يسمح برؤية الصورة كاملة، بينما يؤدّي الدخول في تفاصيل المشهد إلى رؤية أجزاء منه فقط؛ لذلك أراقبُ ولا أتدخّل، وأترك للمتلقّي أيضاً حقّ التفاعل مع اللوحة».

اختار أبو بكر لمشروعه عنوان «دراما مصرية» تأثّراً بعمله في التمثيل مدّةً، وانطلاقاً من مفهوم الدراما، بوصفها مساحة تتّسع لمختلف أنماط الحياة والسلوك الإنساني؛ فالحياة ليست مساراً واحداً، وإنما مزيج من الكوميديا والتراجيديا والحركة والفرح والحزن، وفق قوله.

لوحات أبو بكر تغوص في تفاصيل الحياة المصرية (الشرق الأوسط)

ومن هذا المنظور، يتعامل الفنان مع اللوحة كما لو كانت مشهداً سينمائياً، ويتقمّص دور المخرج الذي يوزّع أدوار الشخصيات داخل الكادر. في لوحاته أبطال وكومبارس، وإضاءة وديكور وملابس وإكسسوارات، وحوار صامت بين الشخصيات، لكنّ المخرج هنا لا يكتب الحوار، بل يترك الحياة نفسها تتولَّى أداء المشهد.

وتتجاوز هذه الرؤية الزمن الراهن لتصل إلى الماضي البعيد؛ فقد وجد أبو بكر، خلال دراسته للحياة في مصر القديمة، تشابهاً لافتاً بين كثير من أنماط السلوك آنذاك وبعض تفاصيل الحياة المصرية المعاصرة. ويقول: «تغيّرت الأشكال الخارجية، وتطوّرت الوسائل، لكن لا يزال الإنسان المصري يبحث عن الفرح، ويتعامل مع قسوة الحياة، ويمارس البيع والشراء، ويحتفي بالفنون والثقافة والعمران. باختصار، الحياة في مصر هي الحياة».

لوحة «بناء الأهرامات» تتخيّل تفاصيل الحياة اليومية حول ورشة تشييدها (الشرق الأوسط)

أمام لوحة «بناء الأهرامات»، وقف الفنان طويلاً يتأمّلها وكأنه يراها للمرة الأولى، وقال مشيراً إليها: «هذا العمل أعتزّ به كثيراً؛ لأنه يلخّص جانباً مهماً من الحضارة المصرية». وتابع: «الجميع ينبهر بالأهرامات، لكن تفاصيل الحياة التي أحاطت ببنائها تظلّ أقل حضوراً في الصورة الشائعة عنها. وفي هذا العمل، تخيّلت ذلك المشروع الضخم من الداخل: كيف كان المصريون يبنون، وكيف كانت الحياة تدور في محيط تشييد أحد أعظم الإنجازات في التاريخ الإنساني».

لوحاته ترصد الشخصيات وتفاصيل العلاقات الإنسانية في المجتمع المصري (الشرق الأوسط)

ولا يحصر أبو بكر اهتمامه في المحلّي والتراثي؛ فالفنان، في رأيه، «ابن زمنه» أيضاً؛ ولذلك لا يعزل نفسه عن الأحداث العالمية.

ويظهر ذلك، على سبيل المثال، في لوحة «سوق ديانا» التي يستعيد فيها أجواء مرتبطة بالتوتر بين إيران وأميركا وقضية مضيق هرمز، في إشارة إلى أنّ الفنان، مهما انشغل بالتراث والماضي، يظلّ جزءاً من عالم متشابك تفرض أحداثه نفسها عليه. يقول: «لا ينبغي للفنان أن يعيش داخل شرنقة منفصلة عن الواقع، فمواكبة الأحداث جزء من صدقيته تجاه زمنه».

يستخدم أبو بكر في معظم أعمال المعرض الأكريليك على الكانفاس، وهي الخامة التي يفضّلها؛ لأنها تمنحه القدرة على التركيز في الشخصيات والأحداث والتفاعلات، من دون إضافة عناصر قد تشتّت المتلقّي، كما يعتمد على مجموعة لونية تحافظ على بصمته الخاصة، حتى مع اختلاف الموضوعات.

لوحة «سوق ديانا» بألوانها الزاهية وطابعها الكرنفالي (الشرق الأوسط)

فاللون الصارخ أو المُبهج ذو الطابع الكرنفالي ليس هدفاً في حد ذاته، «وإنما ينبغي أن يوضع في المكان الذي يخدم فكرة العمل»، وفق قوله.

ولعلّ أكثر ما يراهن عليه أبو بكر في «دراما مصرية» هو البساطة، وأن يجد المثقّف والمتلقّي العادي على السواء مدخلاً إلى العمل. ويرتبط ذلك، كما يقول، بشخصيته نفسها؛ فهو يحتفي بالبساطة، ويرى أنها أقصر الطرق للوصول إلى الناس، ولذلك يفضّل أن تظلّ لوحاته مفتوحة على أكثر من قراءة.