«شاعر الروبابيكيا»... الكراكيب تتحوّل إلى موالٍ شعبي يجذب الشارع المصري

سجوع وقفشات كوميدية تُعيد إحياء نداءات التراث وتُثير جدلاً بين الإبداع والإزعاج

تاجر «الروبابيكيا» عصام خضر متمسّك بنداءات المهنة التقليدية (الشرق الأوسط)
تاجر «الروبابيكيا» عصام خضر متمسّك بنداءات المهنة التقليدية (الشرق الأوسط)
TT

«شاعر الروبابيكيا»... الكراكيب تتحوّل إلى موالٍ شعبي يجذب الشارع المصري

تاجر «الروبابيكيا» عصام خضر متمسّك بنداءات المهنة التقليدية (الشرق الأوسط)
تاجر «الروبابيكيا» عصام خضر متمسّك بنداءات المهنة التقليدية (الشرق الأوسط)

«روبابيكيا» تعني بالإيطالية الملابس القديمة، فـ«روبا» معناها ملابس و«بيكيا» تعني القديم، لتدل الكلمة على تجارة الأشياء المستعملة التي تُعرف في مصر بـ«الكراكيب».

«أغيب أغيب وأرجع ألم الكراكيب»، إذا كنتَ في الإسكندرية (شمال مصر)، فسيتسلّل إلى أذنيك ذلك النداء الفكاهي المسجوع من أعماق الشارع، يردّده تاجر معروف لـ«الروبابيكيا»، نال شهرته مؤخراً على منصات التواصل الاجتماعي في البلاد، وأثار تفاعلاً واسعاً لطريقته غير التقليدية في جذب الزبائن.

«ياللي عندِك الكركبة بشتري من المعلقة لحد المرتبة»، «ليكي العمر الطويل... أشتري الدولاب والسرير»: «بشتري الرخام والأهم حسن الختام»، «ياللي عندك النحاس والألمونيا ما تشيليش هم الدنيا»، «قلت الله المستعان اشتري التلاجة والسخان»، «لكل راجل وست اشتري السجاد والموكيت»؛ عبر هذه النداءات التي تحمل إيقاعاً متوازناً وسجعاً وقوافيَ، يروّج المصري حسام أشرف، أو «شاعر الروبابيكيا»، لنفسه محاولاً جذب الزبائن (لا سيما ربات البيوت) لشراء ما لديهم من مقتنيات وأنتيكات قديمة.

«روبابيكيا» تعني بالإيطالية الملابس القديمة، فـ«روبا» معناها ملابس و«بيكيا» تعني القديم، لتدل الكلمة على تجارة الأشياء المستعملة، التي تُعرف في مصر بـ«الكراكيب».

منذ عقود، تشتهر المهنة في القاهرة والمحافظات عبر نداء شهير لا تخطئه الأذن: «أي حاجة قديمة للبيع»، يردّده مَن يمتهنونها وهم يجوبون الشوارع والأحياء، سواء الشعبية أو الراقية. كما لا تُخطئ الأعين هيئتهم، إذ يتجوّلون بسيارة «ربع نقل»، أو «تروسيكل»، أو «عربة كارو»، أو يدفعون عربة خشبية بسيطة يتناغم صريرها مع نداءاتهم، التي لا تخرج عن: «روبابيكيااااا» التي تصدر بألحان متنوّعة، أو «بيكيا... بيكيا»، و«حديد قديم للبيع... ألومنيوم قديم للبيع».

وفيما توارى تجّار «الروبابيكيا» وجامعوها قليلاً خلال السنوات الماضية أمام المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي المخصَّصة لمبادلة المقتنيات والأنتيكات، أعاد «شاعر الروبابيكيا» الأنظار إلى مهنته مجدّداً، إذ تداولت كلماته على نطاق واسع بين مستخدمي المنصات، الذين حوّلوا بدورهم عباراته إلى أغنيات أو ردّدوها على ألسنة شخصيات شهيرة سياسية وفنّية عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي.

تجّار «الروبابيكيا» يجوبون الشوارع والأحياء مُردّدين نداءات متنوّعة (الشرق الأوسط)

وبينما اختلف المستخدمون بين عدِّه مبدعاً في عمله أو مُسبباً لإزعاج الآخرين، ظهر «شاعر الروبابيكيا” في مقاطع فيديو أخرى موضحاً أنه يُمثّل «الجيل الجديد» من تجّار البضائع المستعملة، ومُواصلاً قافيته: «أخوك مؤلف وأديب... وأحسن من يشتري الكراكيب».

يمتدّ إبداع الجيل الجديد من تجّار «الروبابيكيا» إلى اختيار ثيمة الإيقاع والتكرار، والاعتماد في النداء على سجوع منتظمة وسريعة؛ إذ يدمج ما يروّج له في جملة واحدة متصلة من دون انقطاع. فنسمعه يردّد: «تلاجة قديمة... غسالة قديمة... كتب قديمة... جرائد قديمة للبيع»، إذ يرتكز نداؤه على كلمة «قديمة»، مع لحن متغيّر في نطقها وتعمُّد إطالتها في نهاية النداء، مما يخلق التأثير الصوتي المطلوب، ويكسر رتابة التكرار، ويجذب الانتباه وسط ضوضاء الشارع.

من الجيل الجديد إلى القديم، لا يزال الخمسيني عصام خضر يحافظ على تقاليد مهنة «الروبابيكيا» في الهيئة والأسلوب، فيتجوّل بعربة كارو بسيطة في محافظة المنوفية (دلتا مصر)، بينما يصدر من ميكروفونه القديم، الذي يشبه بضاعته، عبارات قصيرة بإيقاع هادئ: «بشتري أي حاجة قديمة»، «أي بلاستيك قديم للبيع».

ما إن انتهى من عباراته، قال لـ«الشرق الأوسط»: «أعمل في مهنة (الروبابيكيا) منذ 20 عاماً، لا أعرف غير هذه النداءات، هي كلمات بسيطة لكن لها صدى، وتفتح بيوتنا».

تاجر «الروبابيكيا» عصام خضر لا يتنازل عن هذا الفنّ الشعبي (الشرق الأوسط)

وعن أسلوب النداءات المسجوعة، أوضح وهو يشير إلى ما تحمله عربته من زجاجات بلاستيكية وبعض النحاس والقطع الخشبية المتهالكة: «الكراكيب ليست فقط أشياء قديمة، فوراء كل قطعة يبيعها الزبون، ثمة حكايات وأسرار بيوت، وندائي لا بد أن يكون وقوراً ومناسباً لما أشتريه».

وعن الفارق بين تاجر «الروبابيكيا» القديم والحديث، يشرح خضر: «الفرق في النظرة للشيء؛ ففي الماضي، كان ثمة خبرة وفهم لأصول المهنة، إذ إنّ (الروبابيكيا) ليست مجرّد تجارة، بل تقدير وتقييم لقيمة ما يُجمع»، مضيفاً بحكمة: «نصيحتي لتجّار (الروبابيكيا) الجدد: (خلي كلامكم زي ما هو، الخفيف على اللسان خفيف في القيمة... الشهرة بتروح بسرعة، والأصول هي اللي بتستمر)».

«شاعر الروبابيكيا» يروّج لبضاعته محاولاً جذب الزبائن (لقطة من فيديو متداول)

أما في القاهرة، ومع تنوّع أزقّتها وحاراتها وشوارعها، يمكن أيضاً مصادفة تجّار «الروبابيكيا» وجامعيها بهيئات مختلفة وأساليب متنوّعة في الترويج لأنفسهم. وهناك مَن يروّج لنفسه عبر استخدام آلة الطبلة التي يدقّ عليها بيديه، بينما يرتفع لسانه بالنداء المُتناسق مع إيقاعاته.

وبينهم مَن يطلق العنان لصوته، شادياً ومُتغزلاً في بضاعته القديمة، بينما ينصت له من حوله ويتفاعلون مع صوته.

وفي هذا السياق، يشير الباحث في التراث الشعبي، محمد دسوقي، إلى أن محاولة تجديد أسلوب نداء «الروبابيكيا» امتداد أصيل لفنون الزجل والموال الشعبي، موضحاً أن هذه النداءات ليست مجرّد وسيلة لجذب الزبون، بل هي فنّ قائم بذاته يجمع بين الموهبة والقدرة على صياغة الكلمات والإيقاعات، مما يجعل المستمع ينجذب لها.

ويؤكد، لـ«الشرق الأوسط» أنّ «نداءات تجّار (الروبابيكيا) تُصنف ضمن التراث الشفهي المصري؛ فهي جزء من المأثورات الشعبية المتجددة»، مبيّناً أنّ «هذا التراث ليس له مؤلّف أو مُلحن محدّد، بل هو إبداع متجدّد يُضاف إليه باستمرار، مما يجعله حيّاً ومُواكباً للتغيّرات».

ويرى الباحث أن «شاعر الروبابيكيا» يُمثل حالة فريدة من الإبداع في الكلمة، من خلال تجديد طريقة النداء التقليدية وتحويلها إلى نغمة موسيقية جاذبة، موضحاً أنّ هذه الظاهرة متجذّرة في الثقافة المصرية؛ إذ اعتاد الباعة إضفاء لمسة فنّية على بضاعتهم من خلال استخدام كلّ فنون الوصف المتاحة، من الإيقاع والسجع والقوافي، إلى التعبيرات الجذابة لإبراز قيمتها.

من جهته، يقول أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، فايز الخولي، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ ما يفعله «شاعر الروبابيكيا» يُعدّ وسيلة لجذب الانتباه، وهو سلوك معتاد في الثقافة المصرية يعود إلى قرون مضت؛ إذ كان الباعة المتجوّلون؛ خصوصاً في القطارات والأسواق، يستخدمون الأهازيج الشعبية وسيلة للترويج لبضائعهم.

ويشير إلى أنّ المفارقة اللافتة للانتباه في «شاعر الروبابيكيا» أنه ينتمي للإسكندرية، وشعوب السواحل والمدن المفتوحة حول العالم تتميّز عادة بروح الدعابة والمرح والنكتة المتأصّلة في ثقافتهم، بوصفها نتاجاً طبيعياً لتاريخ طويل من الانفتاح على الثقافات الأخرى، وهو ما يظهر جلياً في طريقة التاجر.

المصري حسام أشرف الشهير بـ«شاعر الروبابيكيا» (حسابه الشخصي في «تيك توك»)

على الجانب الآخر، يرى أستاذ علم الاجتماع أنّ سرّ التفاعل مع صاحب السجع يكمن في قدرته على لمس وتر حسّاس لدى الناس، وهو الحنين إلى الماضي، أو ما يُعرف بـ«النوستالجيا»؛ حيث يرتبط هذا النوع من التفاعل بالذكريات السعيدة، وإثارة شعور عميق لديهم من الحنين والدفء.


مقالات ذات صلة

«منظمة التجارة العالمية» تحذر من أسوأ اضطرابات منذ 80 عاماً

الاقتصاد رئيسة «منظمة التجارة العالمية» نغوزي أوكونجو إيويالا تتحدث خلال المؤتمر الوزاري في ياوندي (أ.ف.ب)

«منظمة التجارة العالمية» تحذر من أسوأ اضطرابات منذ 80 عاماً

حذّرت رئيسة «منظمة التجارة العالمية»، نغوزي أوكونجو إيويالا، بأن النظام التجاري العالمي يشهد «أسوأ اضطرابات منذ 80 عاماً».

«الشرق الأوسط» (ياوندي )
الاقتصاد أعضاء البرلمان الأوروبي يحضرون جلسة للتصويت على تشريع يهدف إلى خفض الرسوم على المنتجات الأميركية في بروكسل (رويترز)

البرلمان الأوروبي يُصادق على اتفاقية ترمب الجمركية… مع إدراج ضمانات مشددة

وافق مشرِّعو الاتحاد الأوروبي، يوم الخميس، بشروط، على اتفاقية الرسوم الجمركية التي أبرمها الاتحاد مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)

الصادرات غير النفطية السعودية تقفز 22 % في يناير

حققت السعودية نمواً لافتاً في صادراتها غير النفطية التي ارتفعت قيمتها شاملة إعادة التصدير بنسبة 22.1 في المائة في يناير 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي في بروكسل ببلجيكا يوم 19 مارس 2026 (إ.ب.أ) p-circle 00:37

غوتيريش: حرب الشرق الأوسط «خرجت عن السيطرة»

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الأربعاء، إن الصراع في ⁠الشرق الأوسط «خرج عن ⁠السيطرة».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

تتحرك الصين على مسارين متوازيين يعكسان ملامح استراتيجيتها التجارية الجديدة في بيئة دولية أكثر اضطراباً

«الشرق الأوسط» (عواصم)

باسم مغنية: الحرب سرقت فرح نجاحي في «بالحرام»

الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
TT

باسم مغنية: الحرب سرقت فرح نجاحي في «بالحرام»

الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)

يحظى الممثل باسم مغنية بتفاعل ملحوظ من الجمهور من خلال تجسيده شخصية «فريد» في مسلسل «بالحرام»، إذ عبّر عدد من المشاهدين عن رغبتهم في استمرار العمل.

يجسّد مغنية شخصية «فريد»، رجل أعمال غامض ومضطرب نفسياً، يترأس شبكة مافيوية تستدرج الشبان لتوريطهم في أعمال فساد. وهو، في الوقت نفسه، حنون، مستعد لفعل أي شيء لإرضاء شقيقته طلباً لصفحها. ومن خلال شبكة تتاجر بالفتيات والمراهقين، يبني إمبراطوريته الدموية، مقدّماً شخصية مركَّبة.

يقول مغنية لـ«الشرق الأوسط»: «سعدت من دون شك بتفاعل الناس، إلا أن الحرب التي يشهدها لبنان أفقدتني طعم الفرح». ويضيف: «لبنان يسكنني، ولا أستطيع وصف حبّي له. قلبي يعتصر حزناً وألماً عندما أشاهده يحترق وأهله يعانون».

وكان مغنية قد لفت الأنظار بأدائه في أعمال درامية عدّة، منها «أسود»، و«للموت»، و«بالدم».

لفت مغنية في «بالحرام» المشاهد بأدائه المتّقن (إنستغرام مغنية)

دور «فريد» دقيق في خطوطه وقالبِه المرضي، وقد جسَّده مغنية شخصية صادمة تُشعر المشاهد بالغضب. وعن مدى جرأة تقديمه، يقول: «أعدُّ هذا الدور رسالة توعوية بامتياز، أوجِّه من خلالها نداءً إلى الأهل بضرورة الإحاطة بأبنائهم وحمايتهم من الانزلاق إلى المجهول. وبما أنه يحمل هذه الرسالة الإنسانية، كان لا بد من التحلي بالجرأة في تقديمه».

وتمكَّن مغنية من إقناع المشاهد بأداء عفوي، دقَّ من خلاله جرس الإنذار محذّراً من الوقوع في فخ أشخاص يضعون الأقنعة لإخفاء حقيقتهم، لا سيما من يعانون اضطرابات نفسية عميقة.

ويعلّق: «كان لا بد من لفت انتباه المشاهد إلى المخاطر التي قد يتعرَّض لها أولاده. (فريد) يمكن أن يكون موجوداً في أي عائلة. وقد سمعنا مؤخراً عن أحداث كثيرة كان ضحاياها أطفالاً خُدشت براءتهم من أقرب المقرّبين».

ويتابع: «في موضوع بهذه الأهمية، يحدِّد مصائر الأطفال، كنت أتمنى لو حملت الشخصية حدَّة أكبر. تأثَّر المشاهدون بخطوط العمل، وتلقَّفوا رسالته بوضوح. كمية الكراهية التي ولَّدتها لديهم دفعتهم إلى مزيد من الحذر».

ويشير مغنية إلى أن هذه الكراهية لم تؤثر على علاقته بالناس عند لقائهم به، بل إنهم يبادرونه بتعليقات إيجابية، كتلك التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويضيف أن أداءه استند إلى مخزون من الخبرات المتراكمة: «لدي تقنيات تعلَّمتها من شخصيات تعرَّفت إليها. فكلما اتَّسعت ثقافة الممثل، استفاد منها. بعضهم يمتلك خلفية غنية، لكنه لا يوظّفها في المكان المناسب». ويتابع: «غالباً ما ينبع أدائي من اللحظة، وتتبلور التفاصيل أكثر خلال التصوير، حيث أكون في حالة تركيز تام على المشهد كي لا يتشتت ذهني».

وعن مشاركاته الرمضانية، يقول: «أحب المشاركة في الأعمال الرمضانية لما تحمله من منافسة جميلة، حيث يعمل الممثل إلى جانب زملاء يتمتعون بالمستوى نفسه. لكن إذا لم أجد العمل الذي يقنعني، أغيب ببساطة. لست من الممثلين الذين يستهلكون حضورهم. قد أشارك في مسلسلات قصيرة بين وقت وآخر، لكن للدراما الرمضانية نكهتها الخاصة».

مع ماغي بو غصن التي تجسد دور شقيقته (إنستغرام مغنية)

وعن كيفية بناء شخصياته، يوضح: «على الممثل أن يجدِّد أداءه باستمرار. فتركيب الشخصية ليس سهلاً، وإذا لم يُحسن الإمساك بخيوطها، بدت مصطنعة أو مبالغاً فيها، لذلك تبقى العفوية ضرورية. هناك أدوار قدَّمتُها كما كُتبت، وأخرى أضفت إليها من عندي أو بتوجيه من المخرج، لكنني عموماً أعتمد على العفوية لحظة التصوير».

ويؤكد مغنية أنه، مثل غيره من الممثلين، يسعد بالإشادة، لكنه لا يحب المبالغة، أو ما يسميه «التبخير»، قائلاً: «بعض الأقلام توزِّع الإطراء عشوائياً، وهذا يضرُّ بالممثل، لذلك أفضل التريث في إطلاق الأحكام».

وعن متابعته للأعمال الرمضانية، يقول: «اطلعت على بعض المسلسلات، منها (المحافظة 15)، لكنني لم أكمل مشاهدتها. وبحكم متابعة زوجتي لمسلسل (لوبي الغرام)، كنت أشاهده أكثر من سواه. وبشكل عام، أحب الأعمال الرمضانية، خصوصاً أن معظم نجومها أصدقائي وزملاء مقرّبون».


صادق الصبّاح يكشف سبب خروج «ممكن» من السباق الرمضاني

يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
TT

صادق الصبّاح يكشف سبب خروج «ممكن» من السباق الرمضاني

يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)

مع انتهاء موسم الدراما الرمضانية، تبرز الحاجة إلى قراءة نتائجه من داخل صناعة الإنتاج. في هذا السياق، يقدّم المنتج صادق الصبّاح رؤيته للمشهد، مستنداً إلى خبرة تمتدّ منذ عام 1981.

ومن موقعه على رأس «سيدرز برودكشن» (الصبّاح إخوان)، يشارك في إنتاج أعمال درامية تُقدَّم سنوياً في بلدان عربية عدَّة؛ من سوريا إلى مصر فالمغرب، ضِمن إطار عابر للحدود.

في الموسم الرمضاني الماضي، قدَّم مجموعة من الأعمال التي لقيت حضوراً لدى المشاهد العربي، متولّياً الإشراف على مختلف مراحل إنتاجها. ويعتمد في اختياراته على خبرة تراكمية لصياغة أعمال متكاملة.

وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، يتحدّث الصبّاح عن المشهد الدرامي، ويستعرض ملامح الخريطة الرمضانية لعام 2027، كما يقيِّم تجاربه مع مواهب شابة، ويعلِّق على تعاوناته مع نجوم أعماله.

تقييم الموسم والمرحلة المقبلة

يحمل موسم رمضان 2027 عملاً سعودياً (شركة الصبّاح)

عقب انقضاء كل موسم رمضاني، تُجري شركة «الصبّاح إخوان» مراجعة لأعمالها وللمشهد الدرامي عموماً. ويوضح صادق الصبّاح، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»: «نعقد سلسلة اجتماعات تمتدّ لأيام، نراجع فيها ما قُدِّم ونبحث في الخطوات المقبلة للموسم الجديد. وفي رمضان 2027 نعمل على مجموعة من الأعمال الدرامية، بينها تعاون متجدِّد مع تيم حسن ضِمن مشروع مختلف، بعد تجربته في (مولانا). كما نتَّجه إلى إنتاجات خليجية، ولا سيما سعودية، إلى جانب استمرار حضور الدراما المصرية، مع اهتمام بدعم مواهب تمثيلية جديدة. وقد قدَّمنا، خلال العام الحالي، عمرو سعد في مسلسل (إفراج) ضِمن إطار مختلف عن أعماله السابقة. كذلك نعمل على مشروع لمسلسل مغربي، مع انتقال الأفكار إلى مراحل التنفيذ».

ياسمينة زيتون في تجربتها الأولى

في كل موسم رمضاني، يقدّم الصبّاح وجوهاً تمثيلية شابة، يختبر من خلالها حضورها وإمكاناتها. وقد تكرَّر ذلك، العام الحالي، مع تقديم وجهين جديدين: ملكة جمال لبنان السابقة ياسمينة زيتون، والإعلامية جينيفر عازار، فهل تتجهان إلى أدوار أكبر في أعماله المقبلة؟

يجيب: «قد يحدث ذلك في حالة ياسمينة زيتون، إذا أثبتت جدارتها، ولا سيما أننا حرصنا على تقديمها بعيداً عن صورتها المرتبطة بلقبها الجمالي. خاضت تجربتها الأولى في (بخمس أرواح)، وأرى أنها نجحت في الاختبار، كما خضعت لتدريبات في التمثيل مع فادي أبي سمرا على مدى 8 أشهر، إضافة إلى تدريب مع أساتذة سوريين، ما أسهم في تطوير أدائها. وقد نُظّمت هذه الورش بإشرافنا».

ويضيف: «أما جينيفر عازار فكان التوجّه في البداية لإسناد دور ياسمينة إليها، قبل أن نرى أن حضورها أنسب لشخصية زلفا، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التدريب لتعزيز أدواتها. كلتاهما تمتلكان قدرات وإمكانات قابلة للتطوير، وقد خاضتا التجربة برضا، رغم ما تطلَّبته من جهد. فالمواهب الجديدة يمكن أن تُغني الدراما العربية ككل».

الشارة الغنائية خارج إطار النجوم

إنتاجات «الصبّاح إخوان» الرمضانية كانت شاملة عربياً (شركة الصبّاح)

اللافت، هذا العام، في شارات مسلسليْ «مولانا» و«بخمس أرواح» غياب أصوات النجوم، فقد قُدِّمت شارتا البداية والنهاية في العمل الأول بصوتيْ منى واصف وسارة درويش، في حين اكتفى العمل الثاني بالموسيقى. فما أسباب هذا التوجّه؟

يوضح صادق الصبّاح: «في السابق تعاقدنا مع نجوم غناء لتنفيذ الشارات، لكننا، هذا العام، فضَّلنا إعادة توجيه الكلفة نحو عناصر إنتاجية أخرى، في ظل الظروف الراهنة. لذلك استعنّا بصوتيْ منى واصف وسارة درويش على موسيقى من تأليف أريجان، الذي سبق أن تعاونّا معه، في حين اختار مُخرج (بخمس أرواح) الاعتماد على الموسيقى فقط في الشارة، وهو خيار لقي قبولاً لدى الجمهور».

ولم يقتصر هذا التوجّه على ذلك، بل شمل أيضاً كاريس بشار، التي جمعت في «بخمس أرواح» بين التمثيل وأداء مقاطع غنائية ضِمن العمل. ويعلِّق الصبّاح: «أُلقّبها بـ(وَحْشة تمثيل)، حضورها متكامل وأداؤها رائع، إنها مُبدعة، ولا تزال حتى اليوم تصقل موهبتها، حتى إنها خضعت لدروس مسرحية في أمستردام».

البطولات المطلقة تتراجع

يشير الصبّاح إلى تراجع حضور البطولات المطلقة، في ظل بروز مواهب شابة يجري إشراكها في الأعمال الدرامية. ويقول: «عندما يتوافر هذا العدد من الطاقات الجديدة، يصبح من الضروري توظيفها. أعتمد هذا النهج في مصر أيضاً، حيث اتفقتُ مع نقابة الفنانين على إشراك خرِّيجي معهد الفنون في تجارب الأداء، بدءاً من أدوار صغيرة تتدرَّج مع الوقت. كما أُطبِّق المقاربة نفسها في لبنان، حيث يعمل المخرجون على الاستفادة من هذه الطاقات».

تأجيل «ممكن» خارج السباق الرمضاني

مسلسل «ممكن» مستوحى من فيلم «بريتي وومن» (شركة الصبّاح)

أثار خروج مسلسل «ممكن»، بطولة نادين نسيب نجيم وظافر العابدين، من السباق الرمضاني تساؤلات حول أسبابه. يوضح الصبّاح: «بعد نقاشات مع مجموعة (إم بي سي)، تقرّر تأجيل العرض. طبيعة العمل، المستوحَى من الفيلم الأميركي (Pretty Woman)، لم تكن ملائمة للشهر الفضيل. وقد أنهينا التصوير أخيراً، مع اعتماد عدد حلقات أقل، على أن يُسلَّم العمل قريباً إلى (إم بي سي)؛ لعرضه في توقيت لاحق». ويشير إلى استمرار تعاونه مع نادين نسيب نجيم، واصفاً إياها بأنها من الأسماء الأساسية في أعمال الشركة.

تحديات الكتّاب في الدراما العربية

وعن تعاونه المرتقب مع الكاتبة نادين جابر، بعد انتقالها سابقاً إلى «إيغل فيلمز»، يقول: «نادين كاتبة لها أسلوبها، ولها كامل الحرية في خياراتها. تعود، اليوم، للتعاون معنا في عمل رمضاني لموسم 2028، وتعمل على مشروعات أخرى؛ بينها عمل مصري، وآخر لبناني. نواصل البحث عن كتَّاب دراما، في ظل نقص بهذا المجال على مستوى المنطقة. نتلقى عدداً كبيراً من النصوص، تُراجعها لجنة متخصصة، لكننا لا نزال نبحث عن نصوص تلبي متطلباتنا».

وعن الأعمال التي تابعها خلال الشهر الكريم، يختم المنتج صادق الصبّاح: «تابعت مسلسل (أب ولكن) بطولة محمد فراج، إلى جانب أعمالنا. كما لفتتني مخرجة العمل ياسمين أحمد كامل، وطلبت من ابني أنور مواكبة جيل المخرجين الشباب للاستفادة من طاقاتهم، وتطوير العمل الدرامي».


حفرية مصرية عمرها 18 مليون سنة تكشف تطور القردة العُليا

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
TT

حفرية مصرية عمرها 18 مليون سنة تكشف تطور القردة العُليا

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

أعلن فريق بحثي مصري، الخميس، اكتشاف حفرية لقرد قديم في منطقة وادي مغرة بشمال مصر، قد يغير خريطة البحث عن أصول القردة العليا والأسلاف الأوائل للبشر.

وأوضح الباحثون من فريق «سلام لاب» بمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (دلتا مصر)، أن هذا الكشف يشير إلى أن أقرب الأسلاف للقردة العليا قد تكون نشأت في شمال أفريقيا، خارج المناطق التقليدية التي دُرست طويلاً في شرق أفريقيا. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «Science».

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وأطلق الباحثون على الحفرية المكتشفة اسم «مصريبيتيكوس مغرانسيس» (Masripithecus moghraensis)، أو «القرد المصري من مغرة».

ويعود تاريخ الحفرية، وهي عبارة عن فك سفلي، إلى عصر الميوسين المبكر؛ أي قبل نحو 17 إلى 18 مليون سنة. ويُعد هذا النوع أقرب صلة معروفة بسلالة القردة التي أدت في نهاية المطاف إلى جميع القردة الحية اليوم.

أصل القردة العُليا

ومن المعروف أن أقدم القردة، أو القردة الأولى (stem hominoids)، نشأت في أفريقيا، خلال عصر الأوليغوسين قبل أكثر من 25 مليون سنة، وتنوعت هناك قبل أن تنتشر إلى أوراسيا منذ نحو 14 إلى 16 مليون سنة، خلال عصر الميوسين.

ومع ذلك، ظل أصل القردة العُليا، التي تضم جميع الأنواع الحية وآخر سلف مشترك لها، أمراً غير مؤكد؛ نظراً لندرة الأحافير من تلك الفترة وصعوبة تفسيرها. وتزيد هذه الصعوبة عدم تكافؤ سجل الأحافير في أفريقيا، حيث اقتصرت معظم الاكتشافات على مناطق قليلة، ما يترك مساحات واسعة محتملة لم تُستكشف بعد.

رسم تخيلي لـ«مصريبيتيكوس مغرانسيس» (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وجاء في مقالة مرتبطة بنتائج الدراسة نُشرت بدورية «Science» أن «النتائج تشير إلى أن علماء الحفريات ربما كانوا يبحثون عن أسلاف القردة العُليا في المكان الخطأ».

وحسب الدراسة، يعكس هذا الاكتشاف أهمية توسيع نطاق البحث الجغرافي؛ إذ إن التركيز السابق على مناطق محددة في أفريقيا قد ترك أجزاء واسعة من موطن قردة الميوسين دون استكشاف.

وقالت الدكتورة شروق الأشقر، الباحثة الرئيسية للدراسة بمركز الحفريات الفقارية بكلية العلوم في جامعة المنصورة، إن الاكتشاف يفتح نافذة جديدة وواسعة لفهم تطور القردة العليا مثل الشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الاكتشاف يلقي الضوء على منطقة غير مكتشفة تماماً فيما يتعلق بحفريات القردة العُليا، وهي شمال أفريقيا، وتحديداً مصر؛ إذ كانت معظم الحفريات السابقة مكتشفة في شرق أفريقيا، خصوصاً كينيا وأوغندا.

وأوضحت الأشقر أن نتائج الدراسة تدعم الفرضية القائلة إن أصل القردة العُليا قد يكون في شمال أفريقيا، وتحديداً في مصر.

«تأريخ الأطراف»

ولتحديد مكان النوع المكتشف في شجرة التطور، استخدم الفريق نهجاً حديثاً يُعرف بـ«تأريخ الأطراف» (Bayesian tip-dating)، وهو أسلوب يجمع بين السمات التشريحية وأعمار الحفريات لتقدير العلاقات التطورية وأوقات التفرع. وتشير نتائج التحليلات إلى أن «مصريبيتيكوس» يمثل القرد الأولي الأكثر ارتباطاً بالسلالة التي أدت إلى ظهور جميع القردة الحية.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبيتيكوس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وعما يميز هذا الاكتشاف عن الأحافير المكتشفة سابقاً في شرق أفريقيا، أشارت الأشقر إلى أن مقارنة الحفرية المكتشفة مع مثيلاتها السابقة أظهرت أن ما يميز «مصريبيتيكوس» هو حجم الأنياب الكبيرة في الفك السفلي مقارنة بحجم الأسنان الخلفية، وطبوغرافيا السن شديدة التجعيد، وعظمة الفك قوية للغاية، وعادةً ما تميز الأنياب الكبيرة ذكور القردة العُليا عن الإناث، لكن الناب المكتشف كان أكبر من أي ناب ذكري معروف سابقاً.

وأشارت الأشقر إلى أن منطقة وادي مغرة في شمال مصر تكتسب أهمية خاصة، كونها المنطقة الوحيدة الباقية في مصر التي تحتوي على صخور تعود إلى عصر الميوسين، ما يتيح فرصة البحث عن حفريات مماثلة تعود إلى هذه الحقبة.