وصفاتٌ للقلوب المتكسرة... بينالي بخارى يجمع فناني العالم على وليمة ثقافية

توأمة الحرفيين التقليديين مع الفنانين منحت الفعالية شخصية مميزة

داخل الخان «كارافان سراي» الفن يعيد إحياء الأماكن المهجورة (الشرق الأوسط)
داخل الخان «كارافان سراي» الفن يعيد إحياء الأماكن المهجورة (الشرق الأوسط)
TT

وصفاتٌ للقلوب المتكسرة... بينالي بخارى يجمع فناني العالم على وليمة ثقافية

داخل الخان «كارافان سراي» الفن يعيد إحياء الأماكن المهجورة (الشرق الأوسط)
داخل الخان «كارافان سراي» الفن يعيد إحياء الأماكن المهجورة (الشرق الأوسط)

زيارة مدينة بخارى في أوزبكستان تأخذنا عبر القصص والحكايات عن رحلات التجارة وطريق الحرير والقوافل المسافرة التي تلتقط أنفاسها في الخانات المتناثرة على الطريق، ولا يختفي الطعام عن المخيلة، فبخارى لها تأثير كبير في المطبخ الشرقي يبدأ من البهارات، ولا ينتهي بأشهر أطباق الأرز فيها: البلوف الأوزبكي.

وبعنوان يستوحي الطعام، وهو «وصفات للقلوب المتكسرة» تبدأ رحلتنا مع بينالي بخارى للفن المعاصر في أوزبكستان، الذي انطلق في يوم 5 من هذا الشهر، واتخذ من المدينة الأثرية مقراً لفعالياته. للعنوان قصة تضرب بجذورها في أعماق التراث الأوزبكي بطلها العالم ابن سينا، حيث يعتقد أنه وصف طبق «بلوف» المكون من الأرز واللحم والجزر لأحد الأمراء الذي وقع مريضاً بسبب عدم قدرته على الزواج من ابنة أحد الحرفيين، ليستعيد عافيته.

الأعشاب الطبية تنتظم في عمل فني لمونيسا خولخوجايفا بالتعاون مع أنتون نوزينكو (ACDF)

القصة اليوم في بينالي بخارى تدور حول الفن والحرف التراثية وأيضاً عن الطعام، فالبينالي اعتمد على الطعام تيمة تظهر من خلال بعض الأعمال المشاركة، حيث استخدم الفنانون عناصر تراثية مثل الزعفران والسكر البلوري والرمان، إضافة إلى استضافة طهاة من أوزبكستان وخارجها لتقديم ابتكارات غذائية مختلفة لتضفي نكهاتها المختلفة على البينالي.

لتوضيح دلالة العنوان تقول ديانا كامبل، المديرة الفنية لبينالي بخارى: «مشروع (وصفات للقلوب المنكسرة) يتجاوز مجرد إنتاج أعمال فنية أو تنظيم معرض؛ بل هو محاولة للتعافي من أساليب مُسبقة، مؤلمة، وبالية في كثير من الأحيان، طُلب منا فيها النظر إلى الفن من منظور هرمي».

بينالي معاصر في مدينة تراثية

التجول على أقسام البينالي يتحول لجولة تاريخية على مواقع أدرجتها اليونيسكو ضمن قوائمها التراثية، يبدأ البينالي من توقی سرافون، إحدى «قبب التجارة» العديدة، وهي نموذجٌ من الأسواق المغطاة يعود للقرن السادس عشر. وتتبع منطقة البينالي بأكملها مسار قناة شهرود القديمة، التي كانت تنقل المياه إلى المدينة من نهر زرافشان عبر نظامٍ متطورٍ من أحواض الهاوز. لم يبقَ منها سوى القليل قيد الاستخدام.

قدمت الفنانة أويجون خيرولايفا جداريات من الفسيفساء تُخفي خلفها أعضاء بشرية (ACDF)

اتخذ الفنانون من كل ركن في هذه المساحة المدهشة منصات لعرض أعمالهم فقدمت الفنانة أويجون خيرولايفا بالتعاون مع فناني الفسيفساء راكسمن تويروف ورؤوف تكسيروف جداريات من الفسيفساء تخفي خلفها أعضاء بشرية مثل الرئتين، واستلهمت الفنانة عملها من وصفات الشفاء التقليدية للجسد والروح.

وفي عرض يستعيد نسيج الأيكات التراثي قدم الثنائي الفني هيلوزويك/ديزارز بالتعاون مع رسولجون ميرزا أحمدوف، قطعة ضخمة من نسيج الإيكات تطفو على القنال التي تربط بين بداية ونهاية مواقع البينالي، وتتبع اختفاء بحر آرال ليمثل في عين المشاهد حضور الغياب.

تتتبع قطعة نسيج الإيكات اختفاء بحر آرال (ACDF)

نمر في جولتنا على عمود خشبي يأخذ من الأعمدة الخشبية في البيوت والمساجد الأثرية إلهاماً، لكنه يختلف عنها في أنه محفور على هيئة ثمرات رمان متراصة، فيما يمكن رؤيته على أنه ترجمة بالخشب لرمزية الرمان في التراث رموزاً للخصوبة والازدهار، عرضت الفنانة إريكا فيرزوتي عملها الذي تعاونت فيه مع النحات شونازار جومايف بالقرب من أحد متاجر السجاد القديمة الذي يزهو بأعمدته الخشبية التقليدية.

الفنانة المصرية ليلى جوهر تقدم هيكلاً مبنياً بحبات «سكر النبات». يقول دليل البينالي إنَّ الفنانة تستخدم الطعام في أعمالها لتخاطب الطفل داخل الناظر لعملها، وهو ما يتجسد بالفعل أمامنا فأعمدة السكر الكريستالية التي تشكل هذا الكيان تعود بنا للطفولة والتهام حبات السكر، ولم يكن الإقبال على الهيكل المشيد بالسكر جاذباً للزوار فقط، بل سرعان ما أسالت أشعة الشمس الحارة قطرات منه على الأرض لتجذب أفواجاً من النحل والدبابير، وهو ما منح العمل تأثيراً مدهشاً.

عمل الفنانة ليلى جوهر (ACDF)

خلال الجولة تبدو لنا قبة مغطاة بالكامل بالصحون والأواني الملونة، تحولت إلى نقطة جذب للزوار على مدار أيام الافتتاح. البناء عبارة عن قبةٍ تجاريةٍ تاريخيةٍ مُعاد تصميمها، كانت في السابق وجهةً للتجار الهنود، ولكن الفنان الهندي سوبود غوبتا أضاف لمسات خاصة للقبة. استوحى الفنان عمله من تاريخ المنطقة كسوق للتوابل، وجسد ذلك عبر أدوات المائدة الملونة التي شكلت الطبقة الخارجية والداخلية للمبنى، واحتفى الفنان، وهو طاهٍ أيضاً، عبر المجسم الجاذب بتراث الطهي لوسط وجنوب آسيا، وأعد أطباقاً خاصة لزوار القبة ودعاهم للاستمتاع بالخصائص العلاجية للوجبة المشتركة.

قبة سوبود غوبتا (ACDF)

داخل الخان والمدرسة

أمر ملهم أن نخطو داخل المباني التي كان التجار المسافرون يلجأون إليها للراحة، ويطلق عليها اسم «كارافان ساراي» أو الخان. وظف البينالي أربعة من الخانات في مدينة بخارى القديمة لعرض أعمال الفنانين المشاركين، وقد بُنيت هذه الخانات الأربعة المترابطة، وهي: فتح الله، وآيوزجون، وأحمدجون، وميرزو أولوغ بيك تاماكيفوروش، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لإيواء التجار المسافرين وبيع البضائع، وعبر البينالي تستضيف الخانات الأربع مشاركين من كل أنحاء العالم، ينظرون إلى الحزن كجزء من رحلة الحياة.

في نهار مشمس وشديد الحرارة تأخذنا الجولة لمساحات «الكارفان ساراي» لرؤية الأعمال المتناثرة فيها. ورغم عدم وجود ملصقات تشير إلى أسماء الفنانين أو الأعمال أمامنا فقد قام فريق من المرشدين بتلك المهمة بجدارة. الأعمال المشاركة كثيرة ومحاولة رؤية أكبر عدد منها في فترة قصيرة صعبة للغاية. نصيحة للزائر: البينالي ضخم، ويحتاج إلى وقت لاكتشاف الأعمال الموجودة (200 مشارك من 39 بلداً) وإعطائها حقها من الاهتمام.

وائل شوقي ومنمنمات النحاس

تتعدد الأعمال المعروضة في غرف الخانات الأربع، ونمضي من غرفة لأخرى مع تعبيرات مختلفة عن موضوع البينالي عن الحزن والتعافي. نتوقف عند عملين للفنان المصري وائل شوقي، تعاون فيهما مع الحرفي جورابك سيدكوف. يرى شوقي الخانات رموزاً لمدينة بخارى باعتبارها بوتقةً تنصهر فيها الثقافات، مع التركيز على التأثيرات العربية من خلال شجرة نخيل ترتفع من ألواح نحاسية محفورة بين الخانات. ويأتي استخدام النحاس في إشارة إلى تاريخ بخارى التي عُرفت باسم «المدينة الصفرية». شوقي يعرض أيضاً لوحة مصغرة لعمله في جانب آخر من الخان عبارة عن تصوير منقوش على النحاس يستلهم من المنمنمات والمخطوطات من تاريخ المنطقة.

عمل للفنان وائل شوقي (الشرق الأوسط)

أحمد عنقاوي وخوارزمات التعافي

الفنان السعودي أحمد عنقاوي يقدم عمله «الجبر والجزر... خوارزميات التعافي» الذي يتعاون فيه مع الحرفي إليور جومايف. عنقاوي عرف باهتمامه بفن المنجور في الحجاز، وهو فن تشكيل الشاشات الخشبية (الرواشين أو المشربيات) التي تغطي النوافذ في مكة وجدة، في بخارى وجد عنقاوي المرادف للرواشين فيما يطلق عليه «البانجارا»، وهي الشاشات الخشبية التي تستخدم لحجب أشعة الشمس على النوافذ. يقول لـ«الشرق الأوسط» أن الأشكال المتحركة خلف الشاشة الخشبية كلها مستوحاةً من الخوارزميات، مضيفاً: «أسميها خوارزميات الشفاء». يضيف شارحاً أن العمل متأثر بابن سينا واستخدامه للألوان في العلاج وأيضاً بالخوارزمي وعلم الجبر «أرى في كلمة الجبر معنى التعبير الشائع (جبر الخواطر)، ويعكس الترميم والتعافي».

«خوارزميات الشفاء» للفنان السعودي أحمد عنقاوي (إنستغرام)

عن الفرق بين فن «المنجور» القريب من قلبه وفن «البانجارا»، يقول: «عملت مع حرفي من أوزبكستان لتنفيذ الشاشات الخشبية أو (البانجارا)». خلف الشاشة الخشبية هناك شريط مرسوم عليه الرموز والصور والأشكال الأساسية لفن «البانجارا». يقول: «(البانجارا) مثل (المنجور) تعتمد على فكرة العاشق والمعشوق في تكوين الأشكال الخشبية، أما الشاشة الخلفية فتضم أشكالاً وأيضاً أذكاراً مثل (الشافي)، (المعافي)، وهي أذكار لها علاقة بالشفاء... تجدين هذه الكلمات مكتوبة بالخط الكوفي في المباني القديمة في مدينة بخارى، وكذلك في الزخارف».

تظل شاشة «بانجارا» الخشبية، المصنوعة من قبل نحات الخشب من الجيل الثاني إليور جومايف، ثابتة مثل هيكل جبري. خلفها، تتحرك الألوان المتعددة الطبقات بإيقاع خوارزمي. تستحضر هذه الألوان العلاج اللوني لابن سينا: الأحمر للحيوية، والأصفر للوضوح، والأزرق للهدوء. مع تحوّل التركيب الفني، يشهد المشاهدون كيف تتوافق دقة الخوارزمي الرياضية مع فلسفة ابن سينا في العلاج الشامل. كما يلعب العنوان على كلمة «جبيرة عظمية»، مقترحاً شفاء جدار متصدع بارز في مدينة بخارى القديمة. بكلمات الفنان: «أقدم لفتة ترميم، حيث تصبح الحرفة رمزاً، وتبدأ المدينة، كالقلب، بتذكر كيفية الشفاء».

الوقوف على الأطلال لدانا عورتاني

أرضيات حمام السمرة من غزة تلتئم في بخارى (ACDF)

«الوقوف على الأطلال» عنوان عمل الفنانة السعودية من أصل فلسطيني دانا عورتاني، تعالج فيه فكرة زوال الأشكال والحرف التراثية، يرتبط عنوان العمل بمفهوم الفقد، والحزن والذكرى والتهدم، من خلال عرض قطع تمثل أرضيات حمام السمرة الأثري في غزة الذي هدم في عام 2023. باستخدام طين من فلسطين تعيد عورتاني تشكيل قطع من أرضيات الحمام التاريخي بالتعاون مع حرفي السيراميك بهزود تيردييف الذي يقدم من خبرته في صناعة الخزف في أوزبكستان وبذلك يصبح العمل بمكانة الحوار ما بين التاريخ والحرفة والجغرافيا في حالة من التذكر، وأيضاً التعاون للحفاظ على التراث الثقافي. بشكل ما يصبح عملها مثل محاولة جبر كسر الحمام التاريخي في غزة. تعبر الفنانة عن عملها بالقول: «كل عمل في أصله هو محاولة لجبر قلب مكسور. يكمن جرح القلب في المادة نفسها في التراب، وفي الطين، وهي الأشياء التي لا يمكن لأي منا ممن يعيش في الشتات من امتلاكها».


مقالات ذات صلة

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب

يوميات الشرق 
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يعتمد جوزيف أفرام في أعماله على الحبر الصيني مع تقنية الـ«جيسو» لبناء طبقات متراكمة تمنح اللوحة عمقاً وملمساً وتُظهر الفكرة تدريجياً للمشاهد.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق معرض الكاريكاتير جذب ركاب مترو القاهرة (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

مترو القاهرة يتحول إلى معرض فني... الكاريكاتير يقترب من الجمهور

الكاريكاتير قادر بلغة بسيطة وساخرة وذكية على التواصل مع كل فئات المجتمع والتعبير عن أحداث كبرى بروح إنسانية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق البناء البصري هو نتيجة زمن طويل من الاشتغال (لوحات محمود أمهز)

«خارج الزمن» لمحمود أمهز: استمرارية اللغة التشكيلية عبر العقود

يتحرَّر اللون في هذه الأعمال من وظيفته التقليدية المُرتبطة بالتعبير المباشر أو بإحداث تأثير بصري فوري...

فاطمة عبد الله (بيروت)

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
TT

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من عصر الفايكنج وقد أُزيل جزء منها.

وتتميز البقايا، التي تعود لرجل يتراوح عمره بين 17 و24 عاماً، بوجود ثقب بيضاوي الشكل يبلغ قطره نحو 3 سنتيمترات. ويعتقد الخبراء أن الرجل عاش خلال القرن التاسع الميلادي، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

من المرجح أن الرجل خضع لعملية تثقيب الجمجمة، وهي إجراء جراحي قديم يتم فيه حفر ثقب في جمجمة شخص حي لعلاج حالات مثل الصداع النصفي، أو النوبات. وامتد عصر الفايكنج من نحو عام 750 إلى عام 1050 ميلادي.

واكتشف طلاب جامعة كامبريدج البقايا العام الماضي خلال حفريات تدريبية في حصن واندلبوري الذي يعود للعصر الحديدي.

لا تكمن أهمية هذا الاكتشاف في العملية الجراحية فحسب، بل في بنية الرجل الجسدية أيضاً. وكان طوله 6 أقدام و5 بوصات، مما جعله أطول بكثير من متوسط ​​طول الرجل في ذلك العصر، والذي كان يبلغ طوله عادةً 5 أقدام و6 بوصات، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

قالت الدكتورة تريش بيرز، أمينة مختبر داكوورث بجامعة كامبريدج، في التقرير: «ربما كان لدى الشخص ورمٌ أثّر على غدته النخامية، مما تسبب في زيادة إفراز هرمونات النمو، إذ يمكننا ملاحظة ذلك في الخصائص الفريدة لعظام أطرافه الطويلة، وفي أجزاء أخرى من هيكله العظمي».

أشارت بيرز إلى أن مثل هذه الحالة كانت ستؤدي إلى زيادة الضغط داخل الجمجمة، والتسبب في صداع شديد. ويبدو أن عملية ثقب الجمجمة كانت محاولة لتخفيف هذا الألم، وهو هدف «ليس نادراً في حالات إصابات الرأس اليوم».

وشكّل موقع الدفن نفسه لغزاً محيراً، إذ احتوت المقبرة الجماعية على مزيج من الجثث الكاملة، والمقطّعة، بما في ذلك مجموعة من الجماجم، وما وصفه الباحثون بـ«كومة من الأرجل». وتمّ استخراج أربعة هياكل عظمية كاملة، بعضها في وضعيات توحي بأنها كانت مقيّدة.

وبدا أن معظم الجثث كانت لشبان أُلقي بهم في الحفرة دون اكتراث، مما دفع علماء الآثار إلى الاشتباه في أن الموقع يُشير إلى آثار مناوشة، أو معركة، أو إعدام جماعي.

وقال أوسكار ألدريد، من وحدة كامبريدج الأثرية: «ربما كان المدفونون ضحايا عقاب بدني، وقد يكون ذلك مرتبطاً بواندلبري باعتبار أنه مكان مقدس، أو معروف للاجتماعات». وأضاف: «ربما تكون بعض أجزاء الجثث الممزقة قد عُرضت سابقاً بوصفها جوائز، ثم جُمعت ودُفنت مع الأفراد الذين أُعدموا، أو ذُبحوا بطريقة أخرى».


ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

TT

ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

دونالد ترمب يريد أظفاراً كأظفارها ونيكي ميناج «المعجبة رقم واحد» بالرئيس (رويترز)
دونالد ترمب يريد أظفاراً كأظفارها ونيكي ميناج «المعجبة رقم واحد» بالرئيس (رويترز)

بعد سنوات من العداء تخللتها تصريحات إعلامية ناريّة، ها هي مغنية الراب نيكي ميناج، تشبكُ يدَيها بيدَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وتعلن أنها «المعجبة رقم واحد» به.

كيف انتقلت النجمة المثيرة للجدل من صفوف الكارهين، إلى مقاعد العاشقين؟ وهل هي خطوة بريئة دافعُها الإعجاب بشخصيته القوية وأناقته كما تقول؟ أم أنّ سيّد البيت الأبيض فتح ذراعَيه وأبوابه لـ«ملكة الراب» بسبب مصالح مشتركة؟

فتحت «ملكة الراب» صفحة جديدة مع سيّد البيت الأبيض (أ.ب)

بطاقة ذهبية ممهورة بوَجه ترمب

اختتمت نيكي ميناج الشهر الأول من السنة بهدية ثمينة. شَهرَت على منصة «إكس» بطاقة ترمب الذهبية التي تسهّل على المهاجرين إلى الولايات المتحدة، الحصول على الإقامة الطويلة هناك.

وجرى إطلاق تلك البطاقة التي طُبع عليها وجه ترمب نهاية 2025، وهي مخصصة للمهاجرين الأثرياء الراغبين في الحصول على الجنسية الأميركية. وتبلغُ قيمتها مليون دولار، إضافةً إلى 15 ألفاً مقابل رسوم الإجراءات القانونية والمعاملات الإدارية للحيازة على الجنسية.

إلا أن نيكي، ووفق ما كتبت على «إكس»، نالت البطاقة مجاناً. وأضافت المغنية المتحدّرة من جزيرة ترينيداد وتوباغو، أنها بصدَد «إنهاء إجراءات الحصول على الجنسية، وذلك بناءً على طلب رئيسي الرائع والكريم والفاتن».

ترمب معجب بأظفار نيكي

حطّت ميناج رحالها في الولايات المتحدة عام 1987. كانت حينَها في الخامسة من عمرها وقد أمضت سنواتها الأولى في مسقط رأسها؛ جزيرة ترينيداد وتوباغو، قبل أن تنتقل إلى نيويورك؛ تحديداً إلى منطقة كوينز التي شهدت على طفولة ترمب وشبابه.

ورغم صعودها سلالم الراب بسرعة صاروخية وتربّعها على عرش تلك الموسيقى، فإنّ ميناج بقيت محرومة من الجنسية الأميركية. ولطالما اشتكَت من أنها تسدّد ضرائبها بالملايين، ومع ذلك، فهي لا تُعدّ مواطنة شرعيّة، وغالباً ما صوّبت سهام اللوم باتّجاه ترمب.

نيكي ميناج في مسقط رأسها جزيرة ترينيداد وتوباغو عام 2023 (إنستغرام)

ثم أتت اللحظة التي كان من الصعب تخيّلها قبل سنة من الآن. في 28 يناير (كانون الثاني) 2026، ومن قلب واشنطن، حلّت نيكي ميناج ضيفة شرف على حفل مؤسسة «Trump Accounts» المخصصة لدعم الأطفال. كانت تلك المرة الأولى التي تطلّ فيها علناً إلى جانب الرئيس الأميركي.

بمُزاحِه المعهود، حاول ترمب التخفيف من ارتباك اللحظة، فأعرب عن إعجابه بأظفار نيكي ميناج الطويلة جداً؛ «سوف أربّي أظفاري لأني أحب أظفارها تلك»، قال الرئيس قبل أن تعتلي ضيفته المنصة. وبدا الودّ واضحاً بينهما بدليل تشابُك الأيدي والقبلات، ليبلغ التعبير ذروته في خطاب ميناج: «أنا على الأرجح المعجبة رقم واحد بالرئيس، وهذا لن يتغيّر رغم كُره الناس لذلك».

كان لافتاً تشابُك الأيدي بين ترمب وميناج (رويترز)

ترمب «كاره النساء»

أين نيكي ميناج الغاضبة من ترمب والتي لم تفوّت فرصة لانتقاده، من تلك النسخة الجديدة المذهولة به؟

لا في أغانيها ولا في حواراتها الصحافية ولا في منشوراتها على «السوشيال ميديا»، وفّرت المغنية ترمب من لسانها السليط. عام 2010، ظهرت في وثائقي تلفزيوني تحدّثت فيه عن دونالد ترمب بوصفه نموذجاً في كراهية النساء. وادّعت حينها أنه «متزوج من 50 امرأة ويواعد نساءً شابات».

ومع انطلاق الولاية الرئاسية الأولى لترمب عام 2016، رحّبت ميناج به على طريقتها. هي التي كانت قد بدأت تحقق شهرة في عالم الراب، سمّته بالاسم في إحدى أغانيها: «أنا فتاة الجزيرة... دونالد ترمب يريدني أن أعود إلى المنزل»، في إشارةٍ إلى سياسات الهجرة التي فرضها ترمب على غير الأميركيين.

بين 2010 و2020 لم توفّر نيكي ميناج ترمب من نَقدها اللاذع غناءً وتصريحات (أ.ب)

«عرَبة ترمب للسيرك»

في ذروة حملة احتجاز المهاجرين عام 2018 بأوامر من إدارة ترمب، استذكرت نيكي ميناج وصولها إلى نيويورك في الخامسة من العمر من دون أوراق ثبوتية. «جئت إلى هذا البلد مهاجرةً غير شرعية. لا أستطيع أن أتخيل رعب الوجود في مكان غريب، وأن يتم انتزاع والديّ مني في سن الخامسة»، كتبت في تعليق على صورة تُظهر أطفالاً مفصولين عن آبائهم على الحدود أثناء احتجازهم.

تَواصل هجومها المُستعِر على الرئيس دائماً في إطار اعتراضها على تعاطيه مع قضية المهاجرين. وبلغَ غضبُها الذروة عام 2020 خلال مؤتمر «بولستار» لتكريم الموسيقيين في كاليفورنيا. وأعلنت حينها أنها لن تقفز «على عربة السيرك الخاصة بترمب».

نيكي ميناج على منبر الأمم المتحدة!

لم تكد تمرّ سنة على ذاك التصريح العنيف، حتى بدأت ملامح الودّ تجاه ترمب تظهر على نيكي ميناج؛ وإن بشكلٍ غير مباشر. في البداية، جمعتهما الجائحة بما أنّ الاثنَين استخفّا بخطورة كورونا. وقد أثارت ميناج حينها ضجّةً بإصرارها على رفض تلقّي اللقاح.

إلا أن 2025 كانت سنة التحوّل الكبير؛ فمع عودة ترمب إلى البيت الأبيض، شهدت مواقف ميناج السابقة انقلاباً جذرياً. كانت البداية بإعادة نشر مقاطع فيديو من حساب البيت الأبيض على «تيك توك»، بما في ذلك فيديو استخدم إحدى أغانيها ترويجاً لسياسات ترمب المعادية للهجرة.

ووسطَ غضب معجبيها المستغربين انقلابها، أثنت ميناج على موقف ترمب من محنة المسيحيين في نيجيريا. فما كان من السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، سوى أن يدعوها للتحدّث على المنبر العالمي. وفي مشهدٍ أقرب إلى السريالية، استغربَ العالمُ وقوف مغنية تستعين بكمية هائلة من الكلام النابي في أغانيها، على أحد أكثر المنابر وقاراً في العالم.

جنسيّة أميركية أو أكثر؟

منذ ذلك اليوم الذي شهد دخول نيكي ميناج إلى مقر الأمم المتحدة، وهي تُراكِم الحوارات المخصصة لدعم الرئيس؛ من إطلالتها بضيافة إريكا كيرك، أرملة تشارلي كيرك، حيث وصفت ترمب بالوسيم والأنيق، مروراً بحضورها العرض الأول لفيلم «ميلانيا»، وليس انتهاءً بـ«بودكاست كيتي ميلر». ففي أحدث ظهورٍ لها بعد لقائها وترمب على المنبر في واشنطن، برّرت ميناج مواقفها المستجدّة بالقول: «ما عدت أحتمل الطريقة التي يجري التعامل بها مع الرئيس ترمب؛ من التنمّر إلى الأكاذيب وافتراءات أخرى». وأضافت أن حملة ترمب الرئاسية الأخيرة ألهمَتها، ملمّحةً إلى انخراطها في عالم السياسة: «طيلة حياتي انتابني إحساس بأنّ لديّ وظيفة ثانية أقوم بها».

ورغم الانتقادات المتصاعدة حيال انقلابها هذا وخسارتها عدداً لا بأس به من معجبيها، فإنّ نيكي ميناج تنغمس أكثر في دعم ترمب، سعياً وراء الجنسية الأميركية وربّما أكثر.


تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
TT

تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أمس (الجمعة)، نقلاً عن مصادر، أن ​شركة «سبيس إكس» التابعة للملياردير إيلون ماسك، أبلغت المستثمرين بأنها ستعطي الأولوية للوصول إلى القمر أولاً، وستحاول القيام برحلة إلى المريخ لاحقاً، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف التقرير أن الشركة ستستهدف شهر مارس (آذار) 2027، للهبوط على سطح القمر ‌من دون إرسال ‌رواد فضاء على ‌متن ⁠المركبة.

يأتي ​ذلك ‌بعد أن وافقت «سبيس إكس» على الاستحواذ على شركة «إكس إيه آي»، في صفقة قياسية تدمج شركة الصواريخ والأقمار الاصطناعية مع شركة الذكاء الاصطناعي المصنعة لروبوت الدردشة «غروك». وتقدر قيمة شركة ⁠الصواريخ والأقمار الاصطناعية بتريليون دولار وقيمة ‌شركة الذكاء الاصطناعي بـ250 مليار دولار.

صورة مركبة تظهر الملياردير إيلون ماسك وشعار شركة «سبيس إكس» (رويترز)

وقال ماسك العام الماضي، إنه يهدف إلى إرسال مهمة غير مأهولة إلى المريخ بحلول نهاية عام 2026.

وتعمل «سبيس ​إكس» على تطوير صاروخ «ستارشيب» من الجيل التالي، وهو صاروخ ضخم ⁠مصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ، ومصمم ليكون قابلاً لإعادة الاستخدام بالكامل، وليخدم مجموعة من المهام بما في ذلك الرحلات إلى القمر والمريخ.

وتواجه الولايات المتحدة منافسة شديدة هذا العقد، من الصين، في سعيها لإعادة رواد الفضاء إلى القمر، حيث لم يصل إليه أي إنسان منذ آخر مهمة ‌مأهولة ضمن برنامج «أبولّو» الأميركي في عام 1972.