وصفاتٌ للقلوب المتكسرة... بينالي بخارى يجمع فناني العالم على وليمة ثقافية

توأمة الحرفيين التقليديين مع الفنانين منحت الفعالية شخصية مميزة

داخل الخان «كارافان سراي» الفن يعيد إحياء الأماكن المهجورة (الشرق الأوسط)
داخل الخان «كارافان سراي» الفن يعيد إحياء الأماكن المهجورة (الشرق الأوسط)
TT

وصفاتٌ للقلوب المتكسرة... بينالي بخارى يجمع فناني العالم على وليمة ثقافية

داخل الخان «كارافان سراي» الفن يعيد إحياء الأماكن المهجورة (الشرق الأوسط)
داخل الخان «كارافان سراي» الفن يعيد إحياء الأماكن المهجورة (الشرق الأوسط)

زيارة مدينة بخارى في أوزبكستان تأخذنا عبر القصص والحكايات عن رحلات التجارة وطريق الحرير والقوافل المسافرة التي تلتقط أنفاسها في الخانات المتناثرة على الطريق، ولا يختفي الطعام عن المخيلة، فبخارى لها تأثير كبير في المطبخ الشرقي يبدأ من البهارات، ولا ينتهي بأشهر أطباق الأرز فيها: البلوف الأوزبكي.

وبعنوان يستوحي الطعام، وهو «وصفات للقلوب المتكسرة» تبدأ رحلتنا مع بينالي بخارى للفن المعاصر في أوزبكستان، الذي انطلق في يوم 5 من هذا الشهر، واتخذ من المدينة الأثرية مقراً لفعالياته. للعنوان قصة تضرب بجذورها في أعماق التراث الأوزبكي بطلها العالم ابن سينا، حيث يعتقد أنه وصف طبق «بلوف» المكون من الأرز واللحم والجزر لأحد الأمراء الذي وقع مريضاً بسبب عدم قدرته على الزواج من ابنة أحد الحرفيين، ليستعيد عافيته.

الأعشاب الطبية تنتظم في عمل فني لمونيسا خولخوجايفا بالتعاون مع أنتون نوزينكو (ACDF)

القصة اليوم في بينالي بخارى تدور حول الفن والحرف التراثية وأيضاً عن الطعام، فالبينالي اعتمد على الطعام تيمة تظهر من خلال بعض الأعمال المشاركة، حيث استخدم الفنانون عناصر تراثية مثل الزعفران والسكر البلوري والرمان، إضافة إلى استضافة طهاة من أوزبكستان وخارجها لتقديم ابتكارات غذائية مختلفة لتضفي نكهاتها المختلفة على البينالي.

لتوضيح دلالة العنوان تقول ديانا كامبل، المديرة الفنية لبينالي بخارى: «مشروع (وصفات للقلوب المنكسرة) يتجاوز مجرد إنتاج أعمال فنية أو تنظيم معرض؛ بل هو محاولة للتعافي من أساليب مُسبقة، مؤلمة، وبالية في كثير من الأحيان، طُلب منا فيها النظر إلى الفن من منظور هرمي».

بينالي معاصر في مدينة تراثية

التجول على أقسام البينالي يتحول لجولة تاريخية على مواقع أدرجتها اليونيسكو ضمن قوائمها التراثية، يبدأ البينالي من توقی سرافون، إحدى «قبب التجارة» العديدة، وهي نموذجٌ من الأسواق المغطاة يعود للقرن السادس عشر. وتتبع منطقة البينالي بأكملها مسار قناة شهرود القديمة، التي كانت تنقل المياه إلى المدينة من نهر زرافشان عبر نظامٍ متطورٍ من أحواض الهاوز. لم يبقَ منها سوى القليل قيد الاستخدام.

قدمت الفنانة أويجون خيرولايفا جداريات من الفسيفساء تُخفي خلفها أعضاء بشرية (ACDF)

اتخذ الفنانون من كل ركن في هذه المساحة المدهشة منصات لعرض أعمالهم فقدمت الفنانة أويجون خيرولايفا بالتعاون مع فناني الفسيفساء راكسمن تويروف ورؤوف تكسيروف جداريات من الفسيفساء تخفي خلفها أعضاء بشرية مثل الرئتين، واستلهمت الفنانة عملها من وصفات الشفاء التقليدية للجسد والروح.

وفي عرض يستعيد نسيج الأيكات التراثي قدم الثنائي الفني هيلوزويك/ديزارز بالتعاون مع رسولجون ميرزا أحمدوف، قطعة ضخمة من نسيج الإيكات تطفو على القنال التي تربط بين بداية ونهاية مواقع البينالي، وتتبع اختفاء بحر آرال ليمثل في عين المشاهد حضور الغياب.

تتتبع قطعة نسيج الإيكات اختفاء بحر آرال (ACDF)

نمر في جولتنا على عمود خشبي يأخذ من الأعمدة الخشبية في البيوت والمساجد الأثرية إلهاماً، لكنه يختلف عنها في أنه محفور على هيئة ثمرات رمان متراصة، فيما يمكن رؤيته على أنه ترجمة بالخشب لرمزية الرمان في التراث رموزاً للخصوبة والازدهار، عرضت الفنانة إريكا فيرزوتي عملها الذي تعاونت فيه مع النحات شونازار جومايف بالقرب من أحد متاجر السجاد القديمة الذي يزهو بأعمدته الخشبية التقليدية.

الفنانة المصرية ليلى جوهر تقدم هيكلاً مبنياً بحبات «سكر النبات». يقول دليل البينالي إنَّ الفنانة تستخدم الطعام في أعمالها لتخاطب الطفل داخل الناظر لعملها، وهو ما يتجسد بالفعل أمامنا فأعمدة السكر الكريستالية التي تشكل هذا الكيان تعود بنا للطفولة والتهام حبات السكر، ولم يكن الإقبال على الهيكل المشيد بالسكر جاذباً للزوار فقط، بل سرعان ما أسالت أشعة الشمس الحارة قطرات منه على الأرض لتجذب أفواجاً من النحل والدبابير، وهو ما منح العمل تأثيراً مدهشاً.

عمل الفنانة ليلى جوهر (ACDF)

خلال الجولة تبدو لنا قبة مغطاة بالكامل بالصحون والأواني الملونة، تحولت إلى نقطة جذب للزوار على مدار أيام الافتتاح. البناء عبارة عن قبةٍ تجاريةٍ تاريخيةٍ مُعاد تصميمها، كانت في السابق وجهةً للتجار الهنود، ولكن الفنان الهندي سوبود غوبتا أضاف لمسات خاصة للقبة. استوحى الفنان عمله من تاريخ المنطقة كسوق للتوابل، وجسد ذلك عبر أدوات المائدة الملونة التي شكلت الطبقة الخارجية والداخلية للمبنى، واحتفى الفنان، وهو طاهٍ أيضاً، عبر المجسم الجاذب بتراث الطهي لوسط وجنوب آسيا، وأعد أطباقاً خاصة لزوار القبة ودعاهم للاستمتاع بالخصائص العلاجية للوجبة المشتركة.

قبة سوبود غوبتا (ACDF)

داخل الخان والمدرسة

أمر ملهم أن نخطو داخل المباني التي كان التجار المسافرون يلجأون إليها للراحة، ويطلق عليها اسم «كارافان ساراي» أو الخان. وظف البينالي أربعة من الخانات في مدينة بخارى القديمة لعرض أعمال الفنانين المشاركين، وقد بُنيت هذه الخانات الأربعة المترابطة، وهي: فتح الله، وآيوزجون، وأحمدجون، وميرزو أولوغ بيك تاماكيفوروش، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لإيواء التجار المسافرين وبيع البضائع، وعبر البينالي تستضيف الخانات الأربع مشاركين من كل أنحاء العالم، ينظرون إلى الحزن كجزء من رحلة الحياة.

في نهار مشمس وشديد الحرارة تأخذنا الجولة لمساحات «الكارفان ساراي» لرؤية الأعمال المتناثرة فيها. ورغم عدم وجود ملصقات تشير إلى أسماء الفنانين أو الأعمال أمامنا فقد قام فريق من المرشدين بتلك المهمة بجدارة. الأعمال المشاركة كثيرة ومحاولة رؤية أكبر عدد منها في فترة قصيرة صعبة للغاية. نصيحة للزائر: البينالي ضخم، ويحتاج إلى وقت لاكتشاف الأعمال الموجودة (200 مشارك من 39 بلداً) وإعطائها حقها من الاهتمام.

وائل شوقي ومنمنمات النحاس

تتعدد الأعمال المعروضة في غرف الخانات الأربع، ونمضي من غرفة لأخرى مع تعبيرات مختلفة عن موضوع البينالي عن الحزن والتعافي. نتوقف عند عملين للفنان المصري وائل شوقي، تعاون فيهما مع الحرفي جورابك سيدكوف. يرى شوقي الخانات رموزاً لمدينة بخارى باعتبارها بوتقةً تنصهر فيها الثقافات، مع التركيز على التأثيرات العربية من خلال شجرة نخيل ترتفع من ألواح نحاسية محفورة بين الخانات. ويأتي استخدام النحاس في إشارة إلى تاريخ بخارى التي عُرفت باسم «المدينة الصفرية». شوقي يعرض أيضاً لوحة مصغرة لعمله في جانب آخر من الخان عبارة عن تصوير منقوش على النحاس يستلهم من المنمنمات والمخطوطات من تاريخ المنطقة.

عمل للفنان وائل شوقي (الشرق الأوسط)

أحمد عنقاوي وخوارزمات التعافي

الفنان السعودي أحمد عنقاوي يقدم عمله «الجبر والجزر... خوارزميات التعافي» الذي يتعاون فيه مع الحرفي إليور جومايف. عنقاوي عرف باهتمامه بفن المنجور في الحجاز، وهو فن تشكيل الشاشات الخشبية (الرواشين أو المشربيات) التي تغطي النوافذ في مكة وجدة، في بخارى وجد عنقاوي المرادف للرواشين فيما يطلق عليه «البانجارا»، وهي الشاشات الخشبية التي تستخدم لحجب أشعة الشمس على النوافذ. يقول لـ«الشرق الأوسط» أن الأشكال المتحركة خلف الشاشة الخشبية كلها مستوحاةً من الخوارزميات، مضيفاً: «أسميها خوارزميات الشفاء». يضيف شارحاً أن العمل متأثر بابن سينا واستخدامه للألوان في العلاج وأيضاً بالخوارزمي وعلم الجبر «أرى في كلمة الجبر معنى التعبير الشائع (جبر الخواطر)، ويعكس الترميم والتعافي».

«خوارزميات الشفاء» للفنان السعودي أحمد عنقاوي (إنستغرام)

عن الفرق بين فن «المنجور» القريب من قلبه وفن «البانجارا»، يقول: «عملت مع حرفي من أوزبكستان لتنفيذ الشاشات الخشبية أو (البانجارا)». خلف الشاشة الخشبية هناك شريط مرسوم عليه الرموز والصور والأشكال الأساسية لفن «البانجارا». يقول: «(البانجارا) مثل (المنجور) تعتمد على فكرة العاشق والمعشوق في تكوين الأشكال الخشبية، أما الشاشة الخلفية فتضم أشكالاً وأيضاً أذكاراً مثل (الشافي)، (المعافي)، وهي أذكار لها علاقة بالشفاء... تجدين هذه الكلمات مكتوبة بالخط الكوفي في المباني القديمة في مدينة بخارى، وكذلك في الزخارف».

تظل شاشة «بانجارا» الخشبية، المصنوعة من قبل نحات الخشب من الجيل الثاني إليور جومايف، ثابتة مثل هيكل جبري. خلفها، تتحرك الألوان المتعددة الطبقات بإيقاع خوارزمي. تستحضر هذه الألوان العلاج اللوني لابن سينا: الأحمر للحيوية، والأصفر للوضوح، والأزرق للهدوء. مع تحوّل التركيب الفني، يشهد المشاهدون كيف تتوافق دقة الخوارزمي الرياضية مع فلسفة ابن سينا في العلاج الشامل. كما يلعب العنوان على كلمة «جبيرة عظمية»، مقترحاً شفاء جدار متصدع بارز في مدينة بخارى القديمة. بكلمات الفنان: «أقدم لفتة ترميم، حيث تصبح الحرفة رمزاً، وتبدأ المدينة، كالقلب، بتذكر كيفية الشفاء».

الوقوف على الأطلال لدانا عورتاني

أرضيات حمام السمرة من غزة تلتئم في بخارى (ACDF)

«الوقوف على الأطلال» عنوان عمل الفنانة السعودية من أصل فلسطيني دانا عورتاني، تعالج فيه فكرة زوال الأشكال والحرف التراثية، يرتبط عنوان العمل بمفهوم الفقد، والحزن والذكرى والتهدم، من خلال عرض قطع تمثل أرضيات حمام السمرة الأثري في غزة الذي هدم في عام 2023. باستخدام طين من فلسطين تعيد عورتاني تشكيل قطع من أرضيات الحمام التاريخي بالتعاون مع حرفي السيراميك بهزود تيردييف الذي يقدم من خبرته في صناعة الخزف في أوزبكستان وبذلك يصبح العمل بمكانة الحوار ما بين التاريخ والحرفة والجغرافيا في حالة من التذكر، وأيضاً التعاون للحفاظ على التراث الثقافي. بشكل ما يصبح عملها مثل محاولة جبر كسر الحمام التاريخي في غزة. تعبر الفنانة عن عملها بالقول: «كل عمل في أصله هو محاولة لجبر قلب مكسور. يكمن جرح القلب في المادة نفسها في التراب، وفي الطين، وهي الأشياء التي لا يمكن لأي منا ممن يعيش في الشتات من امتلاكها».


مقالات ذات صلة

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب

يوميات الشرق 
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يعتمد جوزيف أفرام في أعماله على الحبر الصيني مع تقنية الـ«جيسو» لبناء طبقات متراكمة تمنح اللوحة عمقاً وملمساً وتُظهر الفكرة تدريجياً للمشاهد.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق معرض الكاريكاتير جذب ركاب مترو القاهرة (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

مترو القاهرة يتحول إلى معرض فني... الكاريكاتير يقترب من الجمهور

الكاريكاتير قادر بلغة بسيطة وساخرة وذكية على التواصل مع كل فئات المجتمع والتعبير عن أحداث كبرى بروح إنسانية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق البناء البصري هو نتيجة زمن طويل من الاشتغال (لوحات محمود أمهز)

«خارج الزمن» لمحمود أمهز: استمرارية اللغة التشكيلية عبر العقود

يتحرَّر اللون في هذه الأعمال من وظيفته التقليدية المُرتبطة بالتعبير المباشر أو بإحداث تأثير بصري فوري...

فاطمة عبد الله (بيروت)

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.


أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
TT

أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)

دفعت منصة تداول عملات رقمية كورية جنوبية بالخطأ ما قيمته أكثر من 40 مليار دولار من عملة البيتكوين لعملائها، مما جعلهم لفترة وجيزة من أصحاب الملايين.

ووفقاً لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)»، فقد كانت المنصة تخطط لمنح العملاء مكافأة نقدية صغيرة قدرها 2000 وون (1.37 دولار أميركي)، لكنها منحتهم بدلاً من ذلك 2000 بيتكوين، يوم الجمعة.

واعتذرت المنصة، "بيثامب"، عن الخطأ، مؤكدةً أنها تداركت الأمر سريعاً واستعادت معظم العملات المفقودة، وأوضحت أنها قيّدت عمليات التداول والسحب لـ695 عميلاً متضرراً خلال 35 دقيقة من حدوث الخلل.

وأفادت بأنها استعادت 99.7 في المائة من الـ620 ألف بيتكوين التي أُرسلت بالخطأ.

وأكدت شركة "بيثومب"، في بيان لها، يوم الجمعة: «نريد أن نوضح أن هذه المسألة لا علاقة لها بأي اختراق خارجي أو خروقات أمنية، ولا توجد أي مشكلة في أمن النظام أو إدارة أصول العملاء».

شعار «البيتكوين» على الباب في صورة توضيحية تم التقاطها بباريس (رويترز)

وفي اجتماع طارئ، عُقد يوم السبت، أعلنت هيئة الرقابة المالية في كوريا الجنوبية أنها ستُجري تحقيقاً في الحادث، وأكدت أن أي مؤشر على نشاط غير قانوني سيستدعي إجراء تحقيقات رسمية.

وتعهَّدت «بيثومب» بالتعاون مع الجهات الرقابية، وقال رئيسها التنفيذي، لي جاي وون: «سنعدّ هذا الحادث درساً، وسنُعطي الأولوية لثقة عملائنا وراحة بالهم على حساب النمو الخارجي».

وتعتزم الشركة دفع تعويضات بقيمة 20.000 وون (13.66 دولار أميركي) لجميع العملاء الذين كانوا يستخدمون المنصة وقت وقوع الحادث، بالإضافة إلى إعفاء العملاء من رسوم التداول، ضمن إجراءات أخرى.

وأعلنت أنها ستُحسّن أنظمة التحقق وتُدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي لكشف المعاملات غير الطبيعية.

ومن المرجَّح أن يُثير هذا الحادث نقاشاً حول تشديد الرقابة التنظيمية على القطاع المالي.

في 2024، قام بنك سيتي غروب الأميركي، عن طريق الخطأ، بإيداع 81 تريليون دولار في حساب أحد عملائه بدلاً من 280 تريليون دولار.

وذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» أن اثنين من الموظفين لم يكتشفا الخطأ قبل تنفيذه، لكن البنك ألغى العملية في غضون ساعات، بعد أن اكتشفها موظف ثالث.


مصر: أزمات تحاصر مسلسل «منّاعة» لهند صبري

الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)
TT

مصر: أزمات تحاصر مسلسل «منّاعة» لهند صبري

الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)

يتعرض المسلسل المصري «منّاعة»، بطولة الفنانة هند صبري، لأزمات عدة قبيل انطلاق ماراثون دراما رمضان؛ إذ شهد مشادات بين بطلاته في الكواليس، كما تداولت وسائل إعلام مصرية أخباراً تُفيد بانفصال مخرج العمل حسين المنباوي، عن زوجته الفنانة مها نصار إحدى بطلات المسلسل، بجانب أزمة «الملصق الدعائي»، الذي نشرته الشركة المنتجة وخلا من أي عنصر نسائي باستثناء هند صبري.

وأكد منشور منسوب لمها نصار على حسابها الشخصي عبر «فيسبوك» وجود أزمة بالعمل، حيث اتهمت بطلة العمل هند صبري بـ«التطاول عليها وشن حملات ضدها، هي وبطلة أخرى بالعمل»، إلا أنها قامت بحذف منشورها، وتجاهلت الدعاية لمسلسل «منّاعة»، بينما نشرت منشورات لمسلسل «على قد الحب»، الذي تشارك به مع نيللي كريم.

وفور انتشار أزمة «الملصق الدعائي» قامت الشركة المنتجة بإضافة الفنانتين مها نصار، وهدى الإتربي، ونشره على حساباتها مجدداً، إلا أن الأمر زادت حدته بعد دخول الفنانة ميمي جمال على خط الأزمة؛ إذ أكدت في تصريحات إعلامية استنكارها لعدم وجودها ضمن نجوم الملصق برغم مساحة دورها الكبيرة.

الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» (الشركة المنتجة)

ولم تتوقف الأزمة على كواليس «منّاعة»، بل طالت هند صبري بشكل خاص كونها البطلة؛ حيث استعادت تعليقات ومشاركات «سوشيالية»، موقف هند الداعم لـ«قافلة الصمود»، والذي أعلنته في يونيو (حزيران) الماضي عبر «ستوري»، حسابها على موقع «إنستغرام»، إلا أنها قامت بحذفه بعد الهجوم عليها، الذي وصل حد «المطالبة بترحيلها، وسحب الجنسية المصرية منها».

وبجانب ذلك طالبت تعليقات أخرى بمقاطعة «منّاعة»، بسبب تصريحات إعلامية منسوبة لمؤلفه عباس أبو الحسن، اعتبرها البعض مسيئة، خصوصاً بعد مقارنته بشكل ساخر بين العامل المصري، وآخر من إحدى الجنسيات.

وعن رأيه في مدى تأثير الخلافات على العمل الفني، أكد الكاتب والناقد الفني المصري سمير الجمل، أن الخلافات تقلل من شأن أي عمل بالتأكيد، وأن ما يدور ربما يفسد المشروع بكامله؛ لأن فريق العمل تربطهم علاقات مختلفة أمام الكاميرا، بينما تطغى خلافاتهم بالواقع، وهذا الفصل في عقلية المشاهد ليس في صالح العمل، ويقلل من مصداقيته، ويتسبب في المقارنة بين الشخصية التمثيلية والحقيقية.

الفنانة هند صبري (حسابها على موقع فيسبوك)

وصرّح سمير الجمل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بأن دعوات المقاطعة التي تخص هند صبري وبعيداً عن كونها فنانة جيدة، موجودة بالمواقع، وليست بالواقع، موضحاً أن المشكلة الكبرى تكمن في قصة العمل، وحضور حي الباطنية مجدداً في دراما تلفزيونية، مستنكراً ذلك، ومتسائلاً: «هل نحن بحاجة لمثل هذه الموضوعات؟».

ويعيد «منّاعة» هند صبري للمنافسة ضمن سباق الدراما الرمضانية بعد غياب دام نحو 5 سنوات منذ مشاركاتها في مسلسل «هجمة مرتدة»، بطولة أحمد عز، برغم تقديمها أعمالاً فنية أخرى خارج الموسم، من بينها «البحث عن علا».

وعلى هامش حضورها لحفل «رمضان بريمير»، الذي أقامته «الشركة المتحدة» في مصر للإعلان عن أعمالها الفنية المشاركة في موسم رمضان 2026، وهو الحفل نفسه الذي شهد على حضور مخرج «مناعة» وزوجته حينها، أكدت هند صبري أن المسلسل تدور أحداثه في حقبة الثمانينيات بمنطقة الباطنية المجاورة للجامع الأزهر، وكيف انتهت تجارة المخدرات بها، والسيطرة على الوضع بها، مؤكدة في تصريحات أخرى «أن مقارناتها بالفنانة نادية الجندي بطلة فيلم (الباطنية) واردة»، لكنها أوضحت أن ما يجمع العملين هو حي «الباطنية» فقط.

وتجاهلت هند صبري أزمات «منّاعة»، بحساباتها على «السوشيال ميديا»، ولم تعلق على الأخبار المتداولة بأي شكل.

ويؤكد الكاتب والناقد الفني المصري طارق الشناوي أن هند صبري لا تحب الدخول في معارك جانبية خارج رقعة الفن.

وأوضح الشناوي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هند صبري فنانة مثقفة وتتعامل بإنسانية، ولا يمكن أن ترى أن نجاح من حولها يشكّل خطورة عليها، بعد تألقها الفني الطاغي على مدار سنوات، كما وصف الشناوي ما يحدث بأنه «دخول في معارك خارج النص»، وأن هند صبري لن تتورط بها.

وفنياً بدأت هند صبري مشوارها في منتصف التسعينات، عبر الفيلم التونسي «صمت القصور»، بينما بدأت رحلتها الفنية بمصر مطلع الألفية الجديدة، وشاركت بأفلام عدة من بينها: «مذكرات مراهقة»، و«عايز حقي»، و«حالة حب»، و«ويجا»، و«ملك وكتابة»، و«الجزيرة»، و«إبراهيم الأبيض»، وقدمت مسلسلات مثل «عايزة أتجوز»، و«إمبراطورية مين»، «حلاوة الدنيا».