تركيا: أزمة «الشعب الجمهوري» إلى مزيد من التعقيد

أوزيل حذر كليتشدار أوغلو... ومحكمة تصدر أول قرار إفراج في «تحقيقات الفساد»

المركز الرئيسي لـ«حزب الشعب الجمهوري» في أنقرة (موقع الحزب)
المركز الرئيسي لـ«حزب الشعب الجمهوري» في أنقرة (موقع الحزب)
TT

تركيا: أزمة «الشعب الجمهوري» إلى مزيد من التعقيد

المركز الرئيسي لـ«حزب الشعب الجمهوري» في أنقرة (موقع الحزب)
المركز الرئيسي لـ«حزب الشعب الجمهوري» في أنقرة (موقع الحزب)

تتجه أزمة «حزب الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، إلى مزيد من التعقيد مع انتظار قرار المحكمة المدنية الابتدائية في دعوى «البطلان المطلق» للمؤتمر العام الـ38 للحزب الذي عُقد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، والمقرر صدوره في 15 سبتمبر (أيلول) الحالي.

وأعلن رئيس الحزب، أوزغور أوزيل، أنه لن يعترف بقرار المحكمة إذا أصدرت حكماً ببطلان المؤتمر العام الاعتيادي الذي عُقد في 4 و5 نوفمبر 2023، ولن يعترف أيضاً بتعيين «محتمل» لرئيس الحزب السابق كمال كليتشدار أوغلو أو أي شخص آخر وصياً على الحزب.

جاء ذلك في الوقت الذي بدأ فيه مندوبو الحزب توقيع عرائض تطالب بعقد مؤتمرٍ عامّ استثنائيٍّ إقليمي في إسطنبول بسبب ما وصفوه بـ«المساعي والهجمات الخبيثة على الحزب».

تحركات مكثفة

وخلصت التقييمات خلال العديد من الاجتماعات التي عقدها الحزب خلال الأيام الماضية إلى أن قرار المحكمة الابتدائية المدنية في إسطنبول إقالة رئيس فرع الحزب في المدينة، أوزغور تشيليك، وأعضاء مجلس إدارته، كإجراءٍ احترازي، وتعيين فريق أوصياء لإدارته مؤقتاً، من الممكن أن يكون تمهيداً لقرار مماثل تتخذه محكمة أنقرة بشأن المؤتمر العام الذي فاز فيه أوزيل برئاسة الحزب متفوقاً على رئيسه السابق كمال كليتشدار أوغلو.

أوزيل متحدثاً خلال فعالية بمقر «حزب الشعب الجمهوري» في أنقرة الجمعة (حساب الحزب في «إكس»)

وبدأت اللجنة العليا للانتخابات، الجمعة، مناقشة طعن تقدم به الحزب على قرار محكمة إسطنبول الابتدائية وقف مؤتمرات مجالس الانتخابات المحلية في 6 مقاطعات في إسطنبول، بدعوى «عدم الشرعية التامة» للقرار الذي صدر الثلاثاء الماضي، والذي جاء في الطعن أنه يشكل «اغتصاباً للسلطة غير قابل للتنفيذ قانوناً وواقعاً»، ويخالف المادة (79) من الدستور.

ولم يعترف رئيس الحزب، أوزغور أوزيل، بقرار محكمة إسطنبول، وأعلن استمرار رئيس فرع الحزب في أداء مهامه، كما قررت لجنة القرار المركزي للحزب فصل النائب السابق، جورسال تكين، الذي عينته المحكمة على رأس فريق يضم 4 أعضاء آخرين كأوصياء لإدارة فرع الحزب مؤقتاً، أعلن أحدهم، وهو حسن باباجان، الجمعة، تراجعه عن الانضمام إليه.

وعدّ أن قرار محكمة إسطنبول اتُّخذ للتأثير على محكمة أنقرة في القضية الجارية بشأن طلب «البطلان المطلق» للمؤتمر العادي الـ38 للحزب الذي عُقد في 2023، والمؤتمر الاستثنائي الـ21 الذي عُقد في أبريل (نيسان) الماضي.

لا أوصياء ولا حزباً جديداً

وقال أوزيل، في تصريحات الجمعة، إنه في حال تعيين الرئيس السابق للحزب كمال كليتشدار أوغلو أو أي شخص آخر وصياً على الحزب، فـ«لن نعترف بذلك، ولن يعترف به أيضاً رؤساء فروعنا الـ81 في الولايات». ويتردد أن اللجنة المركزية للحزب قد تتخذ قراراً بفصل كليتشدار أوغلو حال قبوله تعيينه وصياً على الحزب.

أوزيل وكليتشدار أوغلو خلال المؤتمر العام الـ38 لـ«حزب الشعب الجمهوري» في 2023 (حساب الحزب في «إكس»)

وعن المزاعم بأنه سيشكل حزباً جديداً إذا تم عزله من رئاسة «الشعب الجمهوري»، أكد أوزيل أن هذا «غير وارد»، مضيفاً: «هذا هو (حزب الشعب الجمهوري)، ليس أي حزب، لا يمكننا تقسيمه. تقسيم (حزب الشعب الجمهوري) يعني تقسيم تركيا، ولن نقبل بذلك، وسنقاتل حتى النهاية».

وعما إذا كان يخشى رفع الحصانة البرلمانية عنه واعتقاله، قال أوزيل: «إنهم (الرئيس رجب طيب إردوغان وحكومته) قادرون على كل أنواع الشر. ما زالوا يوجهون لي رسالة: (اجلس في أنقرة، أوقف التجمعات والاحتجاجات، وسننهي هذه الهجمات... اتركوا أكرم إمام أوغلو (رئيس بلدية إسطنبول المرشح الرئاسي لـ«الشعب الجمهوري» المحتجز منذ 19 مارس/ آذار الماضي) وشأنه. أوقفوا المظاهرات وكونوا معارضة كاملة)، لو قبلتُ ذلك؛ لَما كانت هناك مشكلة».

تجمع لأنصار «حزب الشعب الجمهوري» في إسطنبول الأربعاء احتجاجاً على قرار المحكمة إيقاف رئيس فرع الحزب في المدينة (حساب الحزب في «إكس»)

وأضاف: «لقد أقمنا أكثر من 50 تجمعاً واحتجاجاً منذ احتجاز إمام أوغلو، وثق بنا المواطنون والشباب، وهم يملأون الساحات ويخاطرون بكل شيء. لا أستطيع أن أخيب آمالهم. سندفع أي ثمن، لكن لن نحطم أحلامهم».

تطور في قضايا الفساد

بالتوازي، قررت المحكمة الجنائية العليا في إسطنبول الإفراج عن رئيس بلدية بيكوز التابعة لبلدية إسطنبول، علاء الدين كوسلر، و12 متهماً آخرين في إطار محاكمة 26 متهماً بـ«التلاعب في المناقصات» و«تأسيس منظمة والانتماء إليها ودعمها بغرض ارتكاب جريمة».

علاء الدين كوسلر (من حسابه في «إكس»)

واعتُقل كوسلر في 27 فبراير (شباط) الماضي، وتم توقيفه في 3 مارس، ووقفه عن العمل بأمر من وزارة الداخلية في اليوم التالي، وطالب الادعاء العام بمعاقبته بالسجن لمدة تتراوح بين 17 عاماً و6 أشهر و67 عاماً و3 أشهر بتهم «تأسيس منظمة لارتكاب جريمة»، و«التلاعب في العطاءات من خلال أعمال احتيالية»، و«الاحتيال المشدد المتكرر»، و«التزوير المتكرر للوثائق الرسمية».

وهذا هو أول قرار إفراج تصدره محكمة تركية بالتحقيقات في شبهات الفساد في بلدية إسطنبول والبلديات التابعة لها، والتي يديرها «حزب الشعب الجمهوري»، وستتواصل المحاكمة دون احتجاز المتهمين؛ إذ طلبت المحكمة تقديم الوثائق المتعلقة بأعمال لجان التفتيش الدوري على البلدية لإصدار قرارها النهائي. وأصدر «حزب الشعب الجمهوري» بياناً بعد إطلاق سراح كوسلر قال فيه إنه سُجن ظلماً لأشهر في إجراء استثنائي يخالف الأحكام الواضحة للدستور والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وطالب بإعادته إلى منصبه على الفور.

محاكمات إمام أوغلو

في الوقت ذاته، تقرر تأجيل جلسة محاكمة إمام أوغلو في قضية إلغاء شهادته الجامعية لمدة يوم واحد لتُعقد يوم 12 بدلاً من 11 سبتمبر، مع نقلها من محكمة تشاغلايان إلى قاعة في سجن سيلفري المحتجز فيه.

إمام أوغلو (إكس)

وعقب إلغاء جامعة إسطنبول شهادته الجامعية في 18 مارس الماضي، رُفعت دعوى قضائية من جانب النيابة العامة في إسطنبول ضد إمام أوغلو بتهمة «تزوير وثائق رسمية»، مطالبةً بعقوبة السجن لمدة 8 سنوات و9 أشهر. كما تنظر المحكمة طعناً قدمه محامو إمام أوغلو (حزب الشعب الجمهوري) على قرار إلغاء شهادته.


مقالات ذات صلة

تركيا: السلام مع الأكراد يدخل مرحلة حاسمة

شؤون إقليمية تصاعدت المطالبات بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان بعد دعوته في فبراير 2025 إلى حل الحزب (أ.ف.ب)

تركيا: السلام مع الأكراد يدخل مرحلة حاسمة

باتت عملية «السلام» في تركيا التي تمر عبر حل «حزب (العمال الكردستاني)، ونزع أسلحته» على أعتاب مرحلة حاسمة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال زيارة لحزب «الرفاه من جديد» بزعامة فاتح أربكان عام 2023 لطلب دعمه في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية (الرئاسة التركية)

أربكان يعلن منافسة إردوغان على الرئاسة ويسعى إلى «تحالف محافظ»

يسعى حزب «الرفاه من جديد» إلى تشكيل تحالف من أحزاب محسوبة على التيار المحافظ، بعدما أعلن نيته خوض الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية متظاهرون مؤيدون للمعارضة في مدينة تشوروم وسط البلاد في 1 فبراير الحالي يطالبون بالانتخابات المبكرة (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

تركيا: جدل ونقاش حاد حول الانتخابات المبكرة

أشعلت دعوات المعارضة التركية المتكررة للانتخابات المبكرة جدلاً واسعاً في ظل رفض الحكومة وحلفائها التوجه إليها وتأييد غالبية الأتراك لإجرائها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي بروين بولدان (حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب - «إكس»)

نائبة حزب كردي في تركيا: اتفاق «قسد» ودمشق نتيجة تدخل أوجلان

أرجع حزب كردي في تركيا الاتفاق بين «قسد» والحكومة السورية إلى الاستجابة لدعوة زعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان متحدثاً خلال فعالية في إسطنبول الجمعة (الرئاسة التركية)

إردوغان يؤكد استمرار «عملية السلام» مع الأكراد دون انتكاسات

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أن عملية السلام مع الأكراد ستستمر، بينما تواجه حكومته انتقادات؛ بسبب التباطؤ في اتخاذ الإجراءات اللازمة لإتمامها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.


طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.