التحالف الحاكم في العراق يتراجع عن تشريع «الحشد الشعبي»

حل أو دمج الهيئة سيعتمد على مصير سلاح «حزب الله» اللبناني

صورة متداولة لاستعراض عسكري لأحد فصائل «الحشد الشعبي» (إكس)
صورة متداولة لاستعراض عسكري لأحد فصائل «الحشد الشعبي» (إكس)
TT

التحالف الحاكم في العراق يتراجع عن تشريع «الحشد الشعبي»

صورة متداولة لاستعراض عسكري لأحد فصائل «الحشد الشعبي» (إكس)
صورة متداولة لاستعراض عسكري لأحد فصائل «الحشد الشعبي» (إكس)

قرر التحالف الحاكم في العراق وقف التصعيد مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بتعطيل التصويت على قانون «الحشد الشعبي»، وتأجيل البتّ في مصير هذه القوات التي يتجاوز عددها 200 ألف مقاتل، بانتظار حسم الصراع في لبنان على نزع سلاح «حزب الله».

ويُعتقد على نطاق واسع أن قانون «الحشد» الذي عارضته واشنطن بقوة، يمنح جماعات موالية لإيران إطاراً مؤسساتياً يوازي وزارة الدفاع، ويحظى باستقلالية من حيث التمويل والتدريب في أكاديمية عسكرية خاصة.

وكشفت مسودة القانون المنشورة في موقع البرلمان، أن عناصر «الحشد» سيتلقون تعليمات قد تكون ذات طابع مذهبي، بسبب السعي لإقرار «مديرية التوجيه العقائدي».

وكان المرشد الإيراني علي خامنئي، وأمين مجلس الأمن القومي علي لاريجاني، قد دافعا، في مناسبات عديدة، لا سيما بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل، عن وجود «الحشد» في العراق، وحذَّرا من حله وتقويض أدواره.

لكن، وخلافاً للمسار الشائع عن قبضة إيران، يعكف التحالف الشيعي الذي يواجه انقسامات في قضايا استراتيجية على معالجة مسألة قانون «الحشد الشعبي» ببدائل قد تبدو شكلية. وقال قيادي في «الإطار التنسيقي» إن «الظهير المسلح الذي يُفترض به حماية الفاعلين الأساسيين، يتحول إلى جمرة لا يمكن حملها طويلاً».

مع ذلك، قد يكون هذا التحول الذي يصيب خطاب «الإطار التنسيقي» أحد «تكتيكات إيرانية متبعة لتفادي الضغوط»، كما يعتقد مسؤول حكومي سابق.

مقاتلون يرفعون شعار «الحشد» خلال تدريبات عسكرية (الحشد الشعبي)

«شبح يطل برأسه»

تحدث قيادي بارز في «الإطار التنسيقي»، لـ«الشرق الأوسط»، عن تطورات لافتة داخل مطبخ القرار. قال إن «التحالف حسم أمره في اجتماع عقده أخيراً في العاصمة بغداد، بشأن إيقاف إجراءات كانت محل خلاف حاد مع واشنطن، من بينها قانون (الحشد)».

ونقل القيادي عن الاجتماع أن «قادة التحالف توصلوا إلى قناعة نهائية بأن تمرير القانون لن يحقق مصالح البلاد العليا». رغم ذلك، فإن «هادي العامري (زعيم منظمة بدر) وهمام حمودي (زعيم المجلس الأعلى الإسلامي) كانا أكثر مَن دفعا للتصويت على القانون»، وفق مصادر مطلعة.

ودافع ناشطون مقربون من التحالف الحاكم عن وجهة نظر العامري وحمودي التي كانت تفيد بأن القانون نفسه قد يكون «فرصة لفرض سيطرة الدولة»، لكن شكوكاً دوليةً ومحلية تغلبت، بسبب «شبح إيراني يطل برأسه على مؤسسة تثير الانقسام في البلاد».

خلال اجتماع «الإطار التنسيقي»، أبلغ زعيم حزب شيعي مخضرم زملاءه بأن «المؤشرات التي ترد من واشنطن مقلقة، وتستدعي التريث».

كان المجال العام مزدحماً بسرديات مختلفة عن طبيعة التهديد الأميركي للعراق في حال شرع القانون. وصل الأمر من لسان رئيس البرلمان محمود المشهداني الذي لمح إلى «غزو بري قد يجتاح البلاد». وتحدث سياسيون عن عقوبات اقتصادية على خلفية اعتبار العراق «دولة حاضنة للإرهاب».

ويلخص مسؤول عراقي لـ«الشرق الأوسط»، وجهة النظر الأميركية التي نقلها موظفون دبلوماسيون زاروا بغداد، الأسابيع الماضية، بأن القانون يمنح «الحشد» بُعداً استراتيجياً، إذ «يساهم في حماية النظام الدستوري والديمقراطي في العراق»، وهذه مهمة إشكالية بسبب نفوذ إيران المتجذر في جماعات أساسية داخل الهيئة.

في النهاية، قرر «الإطار التنسيقي» بدلاً من تمرير القانون البحث عن صيغة بديلة تشمل إقرار هيكلية مناصب أمنية داخل هيئة الحشد ضمن صلاحيات الحكومة، ولا تحتاج إلى العودة للبرلمان.

ووصف القيادي الصيغة البديلة بأنها «شكلية لإرضاء قوى متشددة كانت تصر، ولا تزال، على تمرير القانون»، لكن مصادر مطلعة رجحت أن «الحكومة لن تبادر بصياغة الإجراءات البديلة بسبب حسابات دقيقة تتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة، والضغط الانتخابي الهائل على رئيس الوزراء محمد شياع السوداني».

وقال مستشار حزبي بارز شارك أخيراً في نقاشات عن مصير القانون، إن «الحكومة لن تقوم بإجراءات بديلة. لن تقترب من القانون، ولن تتحمل الارتدادات المتوقَّعة».

لذلك، شبه القيادي الشيعي هذه العملية المعقَّدة بـ«الوقوف على لغم تحت الأرض، سينفجر مع أقل حركة».

أرشيفية لعناصر من «الحشد» خلال دورية في موقع شمال بغداد (إعلام الهيئة)

«ماذا يريد الأميركيون أكثر؟»

تسود حالة من عدم اليقين داخل «الإطار التنسيقي». وقالت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، إن قادة في التحالف يرون أن إدارة الرئيس الأميركي تريد ما هو أكثر من تعطيل قانون الحشد، والمضي إلى حله أو دمجه. «فلم لا نجرب التهدئة ونرى ما سيحدث».

لكن قرار «الإطار التنسيقي»، في تأجيل المواجهة مع ترمب، يعود إلى كسب الوقت وانتظار ما ستؤول إليه الأمور في لبنان، وفق القيادي الشيعي.

ويرهن التحالف الحاكم خطوته المقبلة لحسم مصير «الحشد» بنتائج الصراع حول مصير سلاح «حزب الله». وحسب القيادي الشيعي، فإن «كل شيء سيتوقف على ما إذا كان (حزب الله) قادراً على التموضع مجدداً، بالسلاح أو من دونه، بينما يواجه ضغوطاً خارجية وداخلية هائلة».

وقال القيادي: «ننظر إليهم (حزب الله) بحذر. نعتقد أنهم لن يسلموا بسهولة، ولا بد من صفقة. سنرى ما سيحدث، وسترون انعكاسه في بغداد»، وتساءل: «كيف سيكون التوازن الجديد بعد نزع سلاح أكبر طرف يمثل المقاومة في المنطقة؟».

بدا «الإطار التنسيقي» قد أعاد إحدى قدميه إلى الخلف من أجل التهدئة مع الولايات المتحدة التي تضغط بشكل متزايد، للتأكد من أن إيران لا يمكنها الوصول إلى موارد عسكرية ومالية في العراق.

والأسبوع الماضي، اجتمع سياسيون مع زعيم شيعي لمناقشة التهديدات الأميركية. كانوا يسألون عما إذا كانت جدية ووشيكة. قال إن «بغداد تلقت إشارات أوحت لنا بأن النظام السياسي. أشدد على عبارة (النظام السياسي)، مهدَّد بالخطر». وتابع: «من الواضح أن علينا تقديم أجوبة مختلفة عما ستكون عليه علاقتنا بإيران. ما زلنا نبحث في الأفكار والعبارات المناسبة».

في اجتماع منفصل، خلال الفترة نفسها، علمت «الشرق الأوسط» أن زعيم فصيل مسلح، كان قد التزم بالتهدئة طيلة العامين الماضيين، أبلغ مقربين منه بأن «(الإطار التنسيقي) قرر تجنب المغامرات».

لغم سينفجر في جميع الأحوال

وإذا تم تشريع القانون، فسيواجه العراق وضعاً صعباً مع الأميركيين، كما تفيد رسائل التهديد المزعومة، لكن عدم تشريعه أيضاً سيرتد على قادة الفصائل المسلحة. قال القيادي الشيعي: «كيفما تسقط العملة الحديدة، ستخسر في كلا الوجهين».

خلال الأسبوعين الماضيين، تحوَّل قانون «الحشد» إلى لغم ينفجر على التحالف الحاكم في جميع الأحوال، سواء شرعه البرلمان أو مضى في تأجيله، مع أن مشرعين ما زالوا يحاولون تحقيق نصاب جلسة التصويت؛ إذ يضغطون بارتداء بدلات عسكرية.

وقال القيادي الشيعي إن «القوى المنخرطة في التحالف الحاكم لديها حسابات انتخابية، وتريد نهاية مقبولة لجمهورها، بينما يركن قانون الحشد على الرف».

وتجنباً لانفجار اللغم، تبحث هذه القوى عن مخرج من المأزق الذي يتفاقم في الأمتار الأخيرة قبيل الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وأفاد مستشار سياسي بأن أحزاباً متنفذة داخل «الإطار التنسيقي» تبحث عن «سيناريو لإخراج جلسة التصويت على القانون دون تصويت»، في حين تحدثت مصادر عن رسائل أبلغت أحزاباً كردية وسنية بأنه «لا داعي لحضور نوابها الجلسة».

إلا أن السيناريو الأكثر قبولاً داخل «الإطار التنسيقي» أن يحضر عدد لا يضمن النصاب، لكنه يقدم صورة حاشدة عن النواب الشيعة وهم يرتدون الزي العسكري.

لكن المعضلة الكبرى، وفق القيادي الشيعي، تتعلق بكيفية التصرف بقانون الحشد الشعبي؛ إذ يعول عليه قادة فصائل للحصول على غطاء حكومي وقانوني يؤمن نفوذهم المسلح، الذي يبقى محل شك إقليمي ودولي.

أحد المشرعين العراقيين، الذي ادعى أنه شارك في كتابة فقرات في قانون «الحشد الشعبي»، قدم تصوراً عن ارتدادات عدم تشريعه. وقال إن «غياب الغطاء القانوني للجماعات المسلحة لا يفقد قادتها النفوذ المنتظر وحسب، بل سيرتد على تماسك الكيان».

وأوضح المشرع، الذي طلب عدم ذكر اسمه، إن «فقدان القدرة على مأسسة الحشد إلى مستوى جهاز يوازي وزارة الدفاع، كما كان يطمح قادة فصائل، سيسرب الشك والإحباط إلى صفوف المقاتلين الذين يبحثون عن صيغة مستقرة قابلة للصمود، كما هو الوضع في بقية الوكالات الأمنية الحكومية مثل قوات الرد السريع والأمن الوطني وجهاز مكافحة الإرهاب.

والحال أن «الإطار التنسيقي» قرر إيقاف العجلة، محاولاً «إعادة تعريف نفسه كشريك موثوق في المنطقة»، لكن هذا يتطلب صفقة صعبة مع إيران لن يتحدد شكلها قبل حسم التسويات الأمنية والسياسية في لبنان، وفق المصادر.


مقالات ذات صلة

انفجار داخل مقر لـ«الحشد الشعبي» شرق بغداد

المشرق العربي أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي في حالة حراسة خارج مقر قيادة عمليات البصرة 29 يوليو 2026 (رويترز)

انفجار داخل مقر لـ«الحشد الشعبي» شرق بغداد

وقع انفجار داخل مقر لـ«الحشد الشعبي» شرق بغداد، السبت، قالت الهيئة إنه نجم عن انفجار كدس من العتاد التالف، فيما أفادت مصادر بمقتل عنصر وإصابة ثلاثة آخرين.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي يقرأ اليمين الدستورية وإلى جانبه رئيس الحكومة علي الزيدي ومن خلفهما وزراء جدد يوم 15 أكتوبر 2026 (إعلام حكومي)

غضب عراقي من «تعيينات فصائلية» في حكومة الزيدي

رغم احتفال أحزاب عراقية بحصول ممثليها على المناصب الشاغرة والمستحدثة في حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، فإن الانتقادات الشعبية الواسعة ضدها ما زالت متواصلة.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي في حالة حراسة خارج مقر قيادة عمليات البصرة 29 يوليو 2026 (رويترز)

هل تواجه الفصائل العراقية ضائقة مالية؟

أكدت مصادر عراقية أن الفصائل المسلحة تواجه «ضائقة مالية» بسبب عقوبات وزارة الخزانة الأميركية ضد قادتها، لكنها استبعدت توقف صرف رواتب مقاتليها.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي يقرأ اليمين الدستورية وإلى جانبه رئيس الحكومة علي الزيدي ومن خلفهما وزراء جدد في الحكومة (إعلام حكومي)

أنباء عن «ضوء أخضر أميركي» لمشاركة ممثلي فصائل في حكومة الزيدي

أنجز رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي تشكيلة حكومته بضم أعضاء مرتبطين بفصائل مسلحة حليفة لطهران بضوء أخضر أميركي، وفق مصدرين دبلوماسيين.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي المبعوث الأميركي إلى العراق توم براك يتحدث إلى وسائل الإعلام في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

براك والزيدي يبحثان «الطريق الصعب نحو الاستقرار»

رجحت مصادر عراقية أن يكون سلاح الفصائل ضمن نقاشات أجريت في بغداد بين المبعوث الأميركي توم براك ورئيسي الحكومة والقضاء العراقيين.

فاضل النشمي (بغداد)

موجة هجمات متصاعدة تستهدف السفن في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
TT

موجة هجمات متصاعدة تستهدف السفن في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)

تتصاعد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة البحرية في الخليج، مع تسجيل ارتفاع غير مسبوق في الهجمات على السفن وناقلات النفط منذ اندلاع الحرب، في تطور يفاقم المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية، ويدفع أسعار النفط إلى الارتفاع.

وبينما تتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط العسكري حول مضيق «هرمز»، تزداد تكلفة العبور ومخاطره، وسط غموض يحيط بمصير المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب.

رقم قياسي للإصابات

وأظهرت إحصائية نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية أن 24 سفينة تعرَّضت للاستهداف خلال الأسبوعين الأولين من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أي نحو ضعف العدد المُسجَّل خلال أول أسبوعين من الحرب، عندما أُصيبت 13 سفينة.

ويعكس هذا التصاعد اتساع نطاق المخاطر البحرية في المنطقة، بعدما تحوَّلت حركة العبور عبر مضيق «هرمز» إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة بين طهران وواشنطن.

وبلغت المخاطر مستوى بات معه عبور المضيق يتطلب، وفق المعطيات الواردة، دفع نحو 100 ألف دولار شهرياً لقبطان السفينة مقابل المجازفة بالمرور، في مؤشر على الارتفاع الكبير في تكلفة التشغيل والتأمين المرتبطة بالملاحة.

هجمات جديدة... وحرائق

ناقلة ترفع العلم الهندي خلال تفريغها النفط الخام في محطة تفريغ بعد عبورها مضيق «هرمز» (رويترز)

وفي أحدث التطورات الميدانية، أفادت «وكالة الأمن البحري البريطاني»، يوم السبت، بتعرض ناقلتَي نفط لهجوم قبالة السواحل السعودية في مياه الخليج مساء الجمعة. وقالت الوكالة إن الناقلة الأولى أُصيبت بمقذوف غير محدد على بُعد 68 ميلاً بحرياً شمال شرقي مدينة الجبيل، ما استدعى إجلاء طاقمها، الذي لم يُصب أفراده بأذى، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية». ولم ترد تقارير عن آثار بيئية ناجمة عن الحادثة حتى ذلك الوقت.

وفي واقعة ثانية، أبلغ قبطان ناقلة نفط بتعرُّض سفينته لهجوم بقذيفة صاروخية أُطلقت من قارب صغير، على بُعد 78 ميلاً بحرياً من الجبيل، ما ألحق أضراراً بالجزء الخلفي منها. وأكدت الوكالة تحديد موقع أفراد الطاقم وسلامتهم، بينما بقي حجم الأضرار والتأثير البيئي غير واضحَين.

وعرَّفت شركة الأمن البحري «فانغارد» إحدى السفينتين بأنها ناقلة النفط «إس تي 3»، التي ترفع علم جزر مارشال، مشيرة إلى نقل طاقمها إلى سفينة حاويات قريبة ترفع علم الإمارات.

ومن جانبها، أعلنت القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، السبت، اشتعال النيران في ناقلة نفط بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها مضيق «هرمز». وقال «الحرس الثوري»، وفق ما نقلته وسائل إعلام إيرانية، إن الناقلة كانت تحمل أكثر من مليونَي برميل من النفط الخام، وإنها حاولت عبور المضيق عبر مسار لا تسمح به إيران.

كما نقلت وكالة «رويترز» عن وسائل إعلام إيرانية تقارير تحدَّثت عن تعرُّض ناقلتين لألغام بحرية واندلاع النيران فيهما، من دون توافر تأكيد مستقل لهذه الروايات. واتهمت طهران السفينتين بتعطيل أنظمة تحديد المواقع والرادار ومحاولة استخدام مسار غير مُصرَّح به، بينما لم تتضح جميع تفاصيل الحوادث وملابساتها.

غير أنَّ القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) كذَّبت الرواية الإيرانية بأن ناقلات النفط تصطدم بألغام بحرية، مؤكدة أن المسارات التي استخدمتها السفن خالية من الألغام، وسبب الإصابات هو استهدافات بمقذوفات أو مسيّرات إيرانية.

صادرات النفط تتراجع

صورة لمضيق «هرمز» مع براميل نفط (رويترز)

ولا تقتصر تداعيات التصعيد على سلامة السفن وأطقمها، بل تمتد مباشرة إلى تدفقات النفط من الخليج نحو الأسواق العالمية.

وبحسب بيانات شركة «كبلر» المتخصصة في تحليل بيانات الشحن والطاقة، بلغ متوسط صادرات النفط نحو 15.5 مليون برميل يومياً خلال سبتمبر (أيلول)، قبل أن ينخفض إلى 2.9 مليون برميل يومياً في 11 أكتوبر، في تراجع حاد يعكس حجم الاضطراب الذي أصاب حركة الإمدادات.

وانعكس تقلص المعروض على الأسعار، إذ ارتفع خام برنت إلى نحو 110 دولارات للبرميل عند إغلاق التداولات يوم الجمعة، مُسجِّلاً أعلى مستوى له منذ مايو (أيار) الماضي.

وتثير هذه التطورات مخاوف من أن يؤدي استمرار تعطل الملاحة إلى مزيد من الضغوط على أسواق الطاقة، خصوصاً إذا طال أمد القيود المفروضة على عبور الناقلات، أو اتسع نطاق الهجمات ليشمل مزيداً من السفن والمنشآت المرتبطة بتصدير النفط.

ولا تقتصر المخاطر على ارتفاع أسعار الخام، إذ يمكن أن تنتقل آثار اضطراب الإمدادات إلى تكاليف النقل والتأمين وأسعار الوقود، بما يزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة.

«هرمز» يعود إلى قلب المواجهة

القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من ألفَي سفينة تجارية على عبور مضيق «هرمز» (سنتكوم)

ظلَّ مضيق «هرمز» في صلب المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران منذ بداية الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، نظراً إلى أهميته الاستراتيجية بوصفه ممراً رئيسياً لصادرات النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق الدولية.

ومنذ ذلك التاريخ وإثر ضربات أميركية إسرائيلية على إيران، فرضت طهران قيوداً على حركة الملاحة عبر المضيق، واستهدفت مراراً سفناً حاولت العبور من دون الحصول على إذن منها. وفي المقابل، فرضت واشنطن حصاراً على الموانئ الإيرانية، وعزَّزت حضورها البحري، مع مواكبة قطعها البحرية ناقلات نفط تعبر المضيق بأعداد متزايدة.

وكان قائد القوات البحرية في «الحرس الثوري»، علي عظمائي، قد حذَّر، الأسبوع الماضي، من أن أي سفينة تعطل أجهزة التتبع لتجنب رصدها في أثناء العبور ستُعدُّ «هدفاً معادياً»، في تهديد يعكس تشدُّد طهران في فرض رقابتها على حركة السفن.

وبين الحين والآخر تزداد وتيرة التصعيد ضد السفن، خصوصاً عندما تتعثر فرص المفاوضات وتعلو التصريحات والمؤشرات بعودة الأعمال القتالية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مثلما هي الحال في الوقت الحالي، إذ لمَّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً إلى طلبه من القوات الأميركية تزويده بخطط لعودة المواجهات المسلحة، وكان آخرها تلميحه إلى قصف المنشأة النووية الإيرانية في منطقة «جبل الفأس» مستخدماً «أم القنابل».

من جانبها، تتمسَّك إيران بحقها في الإشراف على حركة العبور وتحديد المسارات المسموح بها، في حين ترفض الولايات المتحدة وأطراف أخرى إخضاع الملاحة في هذا الممر الدولي لقيود أحادية. وبذلك، لم يعد المضيق مجرد ممر تجاري، بل تحوَّل إلى أداة ضغط متبادلة في الصراع على النفوذ وشروط إنهاء الحرب.

اتساع التداعيات الاقتصادية

ويزيد استمرار الهجمات والغموض المحيط بالعبور من صعوبة استعادة حركة الملاحة مستوياتها الطبيعية، في وقت تتعرَّض فيه السفن التجارية لمخاطر متنامية، ويواجه قطاع الشحن ضغوطاً متزايدة لضمان سلامة الأطقم والبضائع.

وكان مسؤولون في قطاع الملاحة قد أفادوا، مؤخراً بغرق سفينة حاويات وسفينة بضائع سائبة قرب المضيق، إثر إصابتهما بقذائف في حادثتين منفصلتين، في تطور يضيف إلى مؤشرات اتساع نطاق الأضرار التي تطال حركة النقل البحري.

وفي ظلِّ استمرار الحصار الأميركي والقيود الإيرانية، يبقى مسار التصعيد مرهوناً بقدرة الطرفين على التَّوصُّل إلى تفاهمات بشأن الملاحة والأمن البحري.

وحتى ذلك الحين، ستظل أسواق الطاقة عرضةً للتقلبات، مع احتمال أن تتحوَّل الهجمات المتكررة على السفن من أزمة أمنية إقليمية إلى عامل ضغط أوسع على الاقتصاد العالمي، عبر ارتفاع أسعار النفط وتكاليف النقل والتأمين وازدياد مخاطر التضخم.


قلق إسرائيلي من «قوة» الجيش المصري رغم إعلان السيسي «التمسك بالسلام»

جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)
جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)
TT

قلق إسرائيلي من «قوة» الجيش المصري رغم إعلان السيسي «التمسك بالسلام»

جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)
جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)

في الوقت الذي أبرز فيه تقرير عبري قلقاً إسرائيلياً «من تعاظم قوة الجيش المصري»، أكد عسكريون سابقون بمصر أن «القاهرة تعمل على تقوية الجيش وتدريبه وتنويع تسليحه من أجل حماية السلام وحفظ الأمن، لا من أجل الاعتداء على أحد».

وركزت منصة «ناتسيف نت» الإسرائيلية، السبت، على التقارير الصادرة عن شبكات الإعلام الصينية والدولية حول المناورات الجوية الأخيرة بين مصر والصين «نسور الحضارة 2026» التي اختُتمت في سبتمبر (أيلول) الماضي، وأشارت إلى أن تلك التقارير «كشفت عن ديناميكية عسكرية مثيرة للاهتمام؛ إذ اختبرت الطائرات المصرية قدراتها أمام أحدث المقاتلات الصينية في سيناريو يحاكي تحديات المنطقة»، بحسب المنصة العبرية.

وتحدثت المنصة ذاتها عن سيناريو التمرين الذي حمل عنوان «التفوق العددي» وفق التقرير الرسمي لشبكة «سي سي تي في» الصينية الذي وصفه بـ«معركة جوية تتجاوز مدى الرؤية البصرية؛ إذ وجد الطيارون الصينيون الذين يقودون 4 مقاتلات من طراز (جيه 16) الثقيلة ذات المحركين أنفسهم في موضع نقص عددي أمام 6 مقاتلات مصرية تضم مقاتلتين من طراز (رافال) الفرنسية، و4 مقاتلات من طراز (ميغ 29) الروسية، مثلت القوة المهاجمة».

وأشارت التقارير الصينية والدولية التي نقلت عنها المنصة العبرية إلى أن «الحل الصيني تمثل في دمج طائرة إنذار مبكر وتحكم من طراز (كي جيه 500) وطائرات حرب إلكترونية مثل (واي 9 إل جي) لتعويض الفجوة العددية». وأوضحت أن «الطيارين الصينيين ركزوا في المراحل الأولى على مناورات التهرب من الصواريخ (جو - جو) طويلة المدى المصرية».

وفي رأي مستشار «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية» بمصر اللواء محمود طلحة، فإن «إسرائيل دائماً تتبع سياسة ادعاء المظلومية وأنها مهددة دوماً، وأن مصر والدول العربية ترغب في إنهاء وجود إسرائيل، وهي مزاعم غير سليمة، وفي ذات الوقت تتبع سياسة التباهي بأي عملية عسكرية تقوم بتنفيذها بهدف تضخيم قدراتها وتحقيق ما يسمى بـ(الردع المعنوي) للدول في المنطقة».

وأوضح اللواء طلحة لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر استردت كامل أرضها وعقدت معاهدة سلام مع إسرائيل، وللحفاظ على هذا الوضع آمناً لا بد من امتلاك القدرات العسكرية والاقتصادية وغيرهما، والتدريبات العسكرية التي تجريها مصر مع الصين أو غيرها هي أمر يخضع للسيادة المصرية ما دام يتم في أرض مصرية، ولا يجب الالتفات لما تثيره إسرائيل من دعايات وقلق في هذا الشأن».

الطائرات المصرية نفذت مناورات مع نظيرتها الصينية خلال تدريبات «نسور الحضارة 2026» (موقع وزارة الدفاع المصرية)

كما شدد طلحة في الوقت ذاته على أن «مصر تضع في اعتبارها دوماً أن الفكر الإسرائيلي يقوم على التوسع والاستيلاء، ومن ثم رغم التزام مصر بالسلام فهي دوماً تعظّم من قدراتها العسكرية لردع أي مخاطر أو تحول قد يحدث للسياسة الإسرائيلية نحو مصر».

ويأتي القلق الإسرائيلي على الرغم من «تطمينات» الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن «السلام»، مؤكداً «التزام بلاده بالسلام».

وعلّق السيسي خلال ندوة للقوات المسلحة المصرية، مساء الأربعاء الماضي، احتفالاً بذكرى حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، على تصريحات وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، عن سيناء، والتي زعم فيها أن «مصر لا تهاجم إسرائيل خوفاً من عودة احتلال سيناء»، قائلاً إنه «سمع وتابع تصريحات الوزير الإسرائيلي عن سيناء».

وأكد السيسي أن «الهدف الأول والأخير لمصر هو الحفاظ على أمنها واستقرارها وصون مقدرات شعبها»، لافتاً إلى أن «الدولة المصرية لا تحمل أي أجندات خفية»، وأن «أولويتها الأساسية تتمثل في الحفاظ على حدودها وأمنها القومي في إطار من السلام والاستقرار».

وأضاف الرئيس المصري أن «معاهدة السلام»، الموقَّعة بين مصر وإسرائيل عام 1979، تمثل إطاراً حاكماً للعلاقات بين الجانبين، موضحاً أنه «لا توجد لمصر أي مطامع تجاه أحد».

ورأى زميل كلية الدفاع الوطني بمصر، اللواء أسامة الجمال، أن «مصر منذ عام 1980 وهي منفتحة على كل الدول فيما يخص تنوع مصادر التسليح، بحيث لا يتم الاعتماد على سوق واحدة، وخاصة أننا في منطقة ملتهبة».

وقال: «مصر رغم أنها عقدت معاهدة سلام مع إسرائيل وملتزمة بها، فهي تعمل أيضاً على تطوير وتنويع تسليح جيشها؛ لأن التحديات كثيرة، كما أنه للحفاظ على السلام لا بد من الاستعداد للحرب؛ لأن السلام يحتاج الدفاع عنه».

تدريبات «نسور الحضارة» في أغسطس الماضي شملت محاضرات نظرية ومحاكاة عملية (موقع وزارة الدفاع المصرية)

وأوضح الجمال لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر تجري تدريبات مع الصين ومع روسيا ومع أميركا... وهي على مسافة واحدة من كل الدول وكل القوى العظمى في العالم، وكانت من أوائل الدول التي نادت بعدم الانحياز لمعسكر ضد الآخر».

وأضاف: «مصر لا تهاجم أحداً ولا تعادي أحداً، وهي تدرك تماماً أن هناك دولاً تحاول دائماً إشعال الحروب في المنطقة من أجل تحقيق أغراضها التوسعية، وفي تل أبيب يتم إطلاق التصريحات الاستفزازية دوماً تجاه مصر وتجاه تسليح الجيش المصري، والقاهرة منتبهة لذلك، وتؤكد دوماً أنها تحمي أمنها القومي وأمن المنطقة ولا تهاجم أحداً».


«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
TT

«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)

​نقلت وسائل إعلام إيرانية عن «الحرس الثوري»، اليوم (السبت)، أن ‌ناقلة ‌نفط ​تعرضت لانفجار ‌واندلعت ⁠فيها ​النيران بعد ⁠اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها مضيق ⁠هرمز.

وأفاد التقرير ‌بأن الناقلة ‌كانت ​تحمل ‌أكثر ‌من مليوني برميل من النفط الخام، وكانت ‌تحاول عبور الممر المائي ⁠الاستراتيجي بشكل ⁠غير قانوني عبر مسار غير مرخص به من إيران.