واشنطن تعرقل ترشيح المالكي... ورسالة حادة لإيران

«التنسيقي» تجاهل تحفظات إقليمية واكتفى بـ«مباركة» خامنئي

تحالف الإطار التنسيقي في العراق رشح نوري المالكي لرئاسة الحكومة رغم التحفظات (أ.ب)
تحالف الإطار التنسيقي في العراق رشح نوري المالكي لرئاسة الحكومة رغم التحفظات (أ.ب)
TT

واشنطن تعرقل ترشيح المالكي... ورسالة حادة لإيران

تحالف الإطار التنسيقي في العراق رشح نوري المالكي لرئاسة الحكومة رغم التحفظات (أ.ب)
تحالف الإطار التنسيقي في العراق رشح نوري المالكي لرئاسة الحكومة رغم التحفظات (أ.ب)

تعرض مسار ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة الجديدة في العراق إلى شلل قد يهدد باستبعاده من المنصب، بعدما وصلت رسائل أميركية تعترض على تشكيل حكومة «لا تُضعف النفوذ الإيراني في البلاد»، وتعتبر الخيارات الراهنة رفضاً إيرانياً لاتفاق يجنب طهران حرباً وشيكة.

وحصلت «الشرق الأوسط» على نص رسالة أميركية عُرضت على اجتماع «الإطار التنسيقي» مساء الاثنين، لإظهار اعتراض واشنطن على آليات ترشيح رئيس الوزراء المكلف وغيره من المناصب القيادية، وذلك بعد يومين من تسمية المالكي مرشح الكتلة الأكثر عدداً لمنصب رئيس الحكومة.

وقال مصدر إن زعيماً بارزاً في «الإطار التنسيقي» تلقى اتصالاً أميركياً مفاجئاً فجر يوم الاثنين أُبلِغ فيه باعتراض واشنطن على استمرار الهيمنة الإيرانية على آليات تشكيل الحكومة. وأقرّ قيادي بارز في تحالف «دولة القانون» الذي يقوده المالكي أن الرسالة الأميركية أربكت ترشيحه وجعلت طريقه إلى الولاية الثالثة بالغ الصعوبة.

وسبق أن دارت شكوك حول ما إذا كان «الإطار التنسيقي»، وهو التحالف الشيعي الأكبر في البلاد، قد تلقى إشارات اعتراض أميركية على اسم المالكي، قبل إعلان ترشيحه السبت الماضي، أم أن موقف واشنطن تغير لاحقاً بعد ما تردد عن «مباركة المرشد الإيراني علي خامنئي» لترشيحه.

المالكي داخل أحد مراكز الاقتراع خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة في نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

ماذا حدث؟

فجر يوم 26 يناير (كانون الثاني) 2026، تلقّى زعيم تيار شيعي اتصالاً أميركياً لإبلاغه بأن واشنطن ترى في دعوة «الإطار التنسيقي» إلى تشكيل حكومة تباركها إيران خياراً لا يراعي التحفظات المحلية والإقليمية، ويعزز الشكوك باستمرار النفوذ الإيراني في العراق، وهو ما يُعرّض البلاد لمخاطر وعقوبات. وأضافت الرسالة: «سنعتبرها حكومة تحت سيطرة خبيثة، ومن حقنا عدم التعامل معها».

وكان رئيس حكومة تصريف الأعمال، محمد شياع السوداني، قد تلقى هو الآخر مكالمة من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، حذّر فيها من أن الحكومة التي تسيطر عليها إيران لا يمكنها أن تضع مصالح العراق في المقام الأول بنجاح، أو تُبعد العراق عن الصراعات الإقليمية.

والسوداني الذي سخر نفوذه السياسي والحكومي من أجل الحصول على ولاية ثانية، في النهاية تنازل للمالكي ودافع عنه بوصفه «الرجل الأقوى»، لكن صفقة التنازل لا تزال غامضة.

وتصاعد الحراك الأميركي مساء الاثنين، حين أبلغ المبعوث الأميركي توم باراك رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني أن «حكومة تنصبها إيران لن يُكتب لها النجاح، بالنسبة لتطلعات العراقيين أو السوريين، أو بالنسبة لشراكة فعّالة مع الولايات المتحدة».

وإشارة باراك إلى الشعبين العراقي والسوري بعد ترشيح المالكي تذكر بمواقف الأخير من التغيير في دمشق، بعدما كان حليفاً سياسياً قوياً لنظام بشار الأسد.

وفي أعقاب المكالمة بين باراك وبارزاني، أعلنت قوى سياسية تأجيل جلسة مقررة، اليوم (الثلاثاء)، لانتخاب رئيس الجمهورية، ويُعتقد على نطاق واسع أن الاعتراض على المالكي عطّل صفقة كانت تتضمن انتخاب رئيس جمهورية يدعمه بارزاني.

وقالت مصادر كردية إن تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية جاء بطلب كردي بعد رسالة نقلها توم باراك إلى مسعود بارزاني، لأن تمرير رئيس جمهورية بصفقة تضمن تكليف المالكي برئاسة الحكومة سيعني استعداء أميركا. وأضافت المصادر أن «بارزاني خطا خطوة إلى الوراء» بعد ما قيل إنه اتفق قبل شهرين مع المالكي على تشكيل الحكومة.

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس براك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

اجتماع عاصف

في مساء 26 يناير، عقد «الإطار التنسيقي» اجتماعاً في مقر حزب «الفضيلة الإسلامية»، ونقل الزعيم الشيعي مضمون الرسالة الأميركية بشأن مستقبل الحكومة التي يجري العمل على تشكيلها. لكن انقساماً برز بين مجموعة شيعية تطلب التريث ومراجعة ترشيح المالكي، وأخرى تريد المضي به وتجاهل الاعتراض.

ويتنامى الشك داخل أوساط قادة «الإطار التنسيقي» حيال المواقف والرسائل والإشارات التي تردهم من أطراف محلية وإقليمية ودولية بشأن قراراتهم المتعلقة بتشكيل الحكومة، إلى حدّ أن هذه القوى باتت تُصوَّر اليوم ككتلة مترهلة ومفككة، تحكمها الريبة المتبادلة ويخيّم عليها مناخ التخوين.

وخلال الاجتماع، قال أحدهم بصوت عالٍ: «لن نسمع لاعتراضات أي طرف خارجي. المرحلة تتطلب المالكي القوي». فنشب خلاف، قيل إنه تطور إلى شجار.

«ما نتذكره عن المالكي»

بحسب الرسالة التي قرأها الزعيم الشيعي، فإن موقف الإدارة الأميركية «يدعم التزام القادة العراقيين بتوجيه البلاد بعيداً عن الصراع». وفيما يُعد اختيار رئيس الوزراء المكلف وغيره من المناصب القيادية قراراً سيادياً عراقياً، فإن الولايات المتحدة ستتخذ قراراتها السيادية تجاه الحكومة المقبلة بما ينسجم مع مصالحها.

وأفادت الرسالة بأن تركيز الولايات المتحدة ينصب على المصالح، لا على الأفراد، لكن ما ينسجم مع شراكة قوية بين الولايات المتحدة والعراق هو حكومة عراقية تُضعف الإرهاب المدعوم من إيران، وتفكك الميليشيات، وتضع الأسلحة الخطرة تحت سيطرة الدولة، وتضمن عدم إشراك الجماعات المصنفة إرهابياً من قبل الولايات المتحدة، «التي تتجاهل القرارات العراقية لنزع السلاح».

وتابعت الرسالة: «مثل هذه الحكومة يمكن لواشنطن العمل معها بما يحقق المنفعة للعراقيين والأميركيين».

وشددت الرسالة على ضرورة أن يمضي العراق قدماً نحو تشكيل حكومة تنخرط فيها جميع مكونات المجتمع العراقي بشكل كامل، وأن يحافظ على المسار الحالي نحو الانفتاح على الشركاء الإقليميين، وألا يعود إلى فترات سابقة اتسمت بالاستقطاب الطائفي والتوترات الإقليمية والعزلة.

وتطرقت الرسالة إلى أن ترشيح المالكي يستعيد فترة الحكومات السابقة التي ترأسها بصورة سلبية في واشنطن والمنطقة، في وقت يسعى فيه العراق إلى المضي قدماً نحو حقبة جديدة من الاستقرار والازدهار والأمن ضمن شراكة متبادلة المنفعة مع الولايات المتحدة.

ولم يتسنَّ التحقق من مضمون الرسالة من مصادر أميركية، لكن قيادياً في «الإطار التنسيقي» قال إنها نقلت إلى التحالف الشيعي بوصفها «موقفاً جديداً وحاسماً من الإدارة الأميركية». في حين تحدث قيادي في تحالف «دولة القانون» عن أن بطاقة ترشيح المالكي «قد لا تعمل بعد اليوم، رغم أنه سيناور ويدافع عن فرصته حتى النهاية». وتابع: «يوم أمس هناك سقف سقط على رأس الولاية الثالثة».

وكان المتحدث باسم ائتلاف «دولة القانون» عقيل الفتلاوي قد صرّح بأن «الولايات المتحدة راضية عن ترشيح المالكي» لأنه «قادر على ضبط الفصائل»، وفق تصريحات نقلها تلفزيون محلي. ونفى متحدثون مقربون من المالكي «ضياع فرصة تكليفه».

البرلمان العراقي فشل في عقد جلسة كانت مقررة الثلاثاء لانتخابات رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)

كيف مرّ المالكي؟

كانت مصادر قد كشفت أن اجتماع «الإطار التنسيقي»، السبت الماضي، الذي انتهى بإعلان ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة، شهد نقل رسائل من دول أوروبية وعربية تعبّر عن تحفظها على اللجوء إلى خيارات إشكالية قد لا تعزز صيغ الاستقرار في المنطقة.

وقال قيادي في «الإطار التنسيقي» رداً على دعوة من داخل الاجتماع لمراجعة الاعتراضات الإقليمية: «منذ متى تحب أن تسمع الرأي الإقليمي والدولي؟».

وقبل اجتماع إعلان ترشيح المالكي، سافر قياديان من الصف الثاني في الإطار إلى طهران، والتحق بهما قيادي بارز يقيم هناك، والتقى الثلاثة بمسؤولين إيرانيين لسؤالهم عمّا إذا كان المرشد بالفعل يدعم ترشيح المالكي، وحصلوا على ردّ مفاده: «نبارك اتفاقكم. امضوا به واستعجلوا بذلك. ليس هناك وقت».

ويعتقد أن الموقف الأميركي الرافض لم يكن رافضاً لاسم المالكي قبل أن تظهر إلى العلن التحركات الإيرانية المباشرة داخل مطبخ تشكيل الحكومة.

وقال دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط» إن الإفصاح عن مباركة خامنئي لخيار المالكي أثار حفيظة الأميركيين، لذلك رفعوا من ضغوطهم خلال الساعات الماضية لوقف هذا المسار.

ورأى الدبلوماسي أن ترشيح المالكي جاء خلافاً لرغبة ترمب في رؤية النظام في إيران يوقّع اتفاقاً بشروط الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن واشنطن لم تكن لديها مشكلات مع أسماء المرشحين، لكنها في هذه الحالة ترى أن تشكيل حكومة إشكالية تُحسب على إيران في لحظة إقليمية حساسة قد تسبق تصعيداً كبيراً.

وفسر الدبلوماسي التحركات الأميركية بأنها تستهدف منع حكومة عراقية تُعلن ولاءها السياسي لطهران، وإجبار القوى الشيعية على إنتاج تسوية أقل استفزازاً، وإيصال رسالة لإيران مفادها: لا توسّع نفوذك بينما نفاوضك.


مقالات ذات صلة

مزيد من الفصائل العراقية تنضم إلى حملة لدعم إيران

المشرق العربي عراقيون يحملون علم إيران وشعار «كتائب حزب الله» وصورة خامنئي خلال مظاهرة في بغداد (أ.ف.ب)

مزيد من الفصائل العراقية تنضم إلى حملة لدعم إيران

بعد إعلان «كتائب حزب الله» في العراق استعدادها لخوض حرب شاملة دعماً لإيران، سارعت فصائل شيعية أخرى إلى إعلان تأييدها البلدَ الجار.

خاص عراقي يحمل علم إيران يمرّ أمام قوات الأمن أمام السفارة الإيرانية في بغداد خلال مظاهرة لإظهار التضامن ضد التهديدات الأميركية (د.ب.أ)

خاص «مخرَج طوارئ» محتمل للفصائل العراقية... لا يتسع للجميع

ما الذي يعنيه للقوى الشيعية في بغداد بقاء النظام في إيران على قيد الحياة لسنوات طويلة، لكنه ضعيف ومجرد من أدواته؟

علي السراي (لندن)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني داخل طائرة عسكرية (إعلام حكومي)

السوداني يقلل المخاوف من تدهور أمن الحدود مع سوريا

سعى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى تبديد مخاوف من تدهور أمني محتمل على الحدود مع سوريا، في ظل التطورات الأخيرة هناك، مؤكداً جاهزية القوات العراقية.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي جندي عراقي يراقب الأوضاع بالقرب من الحدود العراقية - السورية عند معبر «البوكمال - القائم» الحدودي (أرشيفية - رويترز)

العراق يعزز أمن الحدود مع سوريا... ويعتقل متسللاً «داعشياً»

تواصل السلطات الأمنية في العراق ما تقول إنها حالة تأهب وجهود لتأمين حدود البلاد، في ظل التطورات السياسية والأمنية الأخيرة الجارية في سوريا.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي قادة «الإطار التنسيقي» وقعوا على بيان لإعلانهم الكتلة الأكثر عدداً في البرلمان العراقي الجديد (واع)

العراق: رسائل واشنطن تقلق «الإطار التنسيقي»

في غضون أسبوع واحد كثفت الولايات المتحدة الأميركية رسائلها الضاغطة إلى الحكومة العراقية وإلى الأطراف السياسية البارزة والمؤثرة فيها.

حمزة مصطفى (بغداد)

نتنياهو: لن أسمح بقيام دولة فلسطينية في غزة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر في القدس 26 يناير 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر في القدس 26 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

نتنياهو: لن أسمح بقيام دولة فلسطينية في غزة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر في القدس 26 يناير 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر في القدس 26 يناير 2026 (إ.ب.أ)

تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، بأنه لن يسمح بإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة، مؤكداً أن إسرائيل ستحتفظ بالسيطرة الأمنية «من نهر الأردن إلى البحر». وقال نتنياهو في مؤتمر صحافي نقله التلفزيون: «أسمع أنني سأسمح بإقامة دولة فلسطينية في غزة. هذا لم يحدث ولن يحدث... أعتقد أنكم تعلمون جميعاً أن الشخص الذي عرقل مراراً إقامة دولة فلسطينية هو أنا». وأضاف أن «إسرائيل ستفرض السيطرة الأمنية من نهر الأردن إلى البحر، وهذا ينطبق على قطاع غزة أيضاً»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأشار نتنياهو إلى أن إسرائيل تركز على نزع سلاح حركة «حماس»، ونزع السلاح من غزة بشكل عام، وذلك بعد عودة جثمان آخر رهينة إسرائيلي من القطاع. قال: «نركز الآن على استكمال المهمتين المتبقيتين: نزع سلاح (حماس)، وجعل غزة خالية من السلاح والأنفاق». وتتضمن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تىشرين الأول) بضغط أميركي، نزع سلاح حركة «حماس».

وكرر نتنياهو التحذير الذي وجّهه إلى إيران، الأسبوع الماضي، بأنه إذا هاجمت إيران إسرائيل، فإن الدولة العبرية سترد بقوة.

وقال: «صحيح أن المحور الإيراني يحاول التعافي، لكننا لن نسمح له بذلك. إذا ارتكبت إيران خطأً فادحاً بمهاجمة إسرائيل، فسنرد بقوة لم تشهدها إيران من قبل».


الجيش الإسرائيلي يبحث عن مشتبه بهم يُعتقد أنهم تسللوا من الأردن

جنود إسرائيليون في الخليل (رويترز)
جنود إسرائيليون في الخليل (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي يبحث عن مشتبه بهم يُعتقد أنهم تسللوا من الأردن

جنود إسرائيليون في الخليل (رويترز)
جنود إسرائيليون في الخليل (رويترز)

أفاد الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، بأن ‌قواته ⁠تجري عمليات ‌بحث واسعة النطاق عن مشتبه بهم ⁠مجهولي ‌الهوية يُعتقد أنهم تسللوا من الأردن.

وأوضح أنه رصد قبل قليل تسلّلاً إلى الأراضي الإسرائيلية قادماً من الأردن قرب بلدة باران. ويُعتقد أن عدة مشتبه بهم عبروا الحدود إلى داخل إسرائيل.

وأضاف أن القوات تنفّذ عمليات تمشيط واسعة وتغلق طرقاً في المنطقة بهدف العثور على المشتبه بهم. كما دوّت صفارات الإنذار في باران، محذِّرة السكان من البقاء في منازلهم حتى إشعار آخر.


ترمب بين قرع طبول الحرب وإدارة التصعيد على الحافة مع إيران

طائرات مقاتلة على متن حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» (أ.ف.ب)
طائرات مقاتلة على متن حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» (أ.ف.ب)
TT

ترمب بين قرع طبول الحرب وإدارة التصعيد على الحافة مع إيران

طائرات مقاتلة على متن حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» (أ.ف.ب)
طائرات مقاتلة على متن حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» (أ.ف.ب)

كلّ الإشارات توحي بأن عملاً عسكرياً أميركياً قد يقع ضد إيران. لكن المفارقة أن الاقتراب من حافة المواجهة قد يكون، في ذاته، جزءاً من مفاوضات تجري على «نار حامية». تهديدات متبادلة، تحشيد بحري وجوي، ورسائل ردع تُدار بميزان دقيق بين إظهار الجدية وتجنب الانزلاق إلى حرب لا تريدها إدارة الرئيس دونالد ترمب.

ويكرر ترمب الحديث عن «أرمادا» في المنطقة، لكنه يتحدث في الوقت نفسه عن أن طهران تُرسل إشارات استعداد للتفاوض، في ازدواجية تبدو مقصودة لإبقاء الخصم في حالة عدم يقين.

هذا التوتر بين الاستعداد للضربة وإبقاء باب الصفقة موارباً يتقاطع مع ما يقوله فرزين نديمي، كبير الباحثين في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، في حديث مع «الشرق الأوسط».

ويقول نديمي: «لا أستطيع التنبؤ بما سيقرره الرئيس الأميركي في نهاية المطاف»، لكن «بغض النظر عما يصرّح به لوسائل الإعلام، فإن الحشد العسكري يشير إلى شن ضربات محدودة ومركزة أو حملة عسكرية مصغّرة»، بهدف «معاقبة النظام الإيراني وردعه، وإضعاف قدرته على الانتقام من الولايات المتحدة وحلفائها و/أو تعطيل تدفق النفط من الخليج العربي».

والمعنى هنا أن الحشد ليس مجرد استعراض، بل إنشاء بيئة عملياتية تسمح بضربة سريعة إذا فشلت القناة السياسية، من دون التورط في حرب طويلة.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

خيارات مضبوطة

دخول حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» ومرافقتها نطاق القيادة المركزية في المحيط الهندي الغربي يجعل تنفيذ عمليات ممكناً خلال فترة قصيرة إذا صدر القرار السياسي، بالتوازي مع تعزيزات جوية، بينها نقل طائرات «إف-15». هذه العناصر تمنح واشنطن سلّماً من الخيارات: ضربة محدودة، أو سلسلة ضربات متتابعة زمنياً، أو تموضع دفاعي لرفع كلفة أي رد إيراني على القواعد والحلفاء.

لكن «الضربة المحدودة» ليست خياراً تقنياً فقط؛ إنها خيار سياسي مشروط بالإجابة عن سؤال: ما الذي تريد واشنطن تحقيقه تحديداً، وما هي «إشارة التوقف» التي تسمح لها بإعلان النجاح والعودة إلى التفاوض؟ وهنا يضيف نديمي قائلاً: «لديّ شكوك حول إمكانية تحقيق هذه الأهداف بهذه الوسائل المحدودة». أي أن تصميم حملة «مصغّرة» قد يبدو مغرياً لأنه يتجنب الحرب، لكنه قد لا يضمن تحقيق الردع أو حماية تدفق الطاقة إذا اختارت طهران الرد بأساليب غير متماثلة.

تهديدات إيران قد تتحول إلى قيد

في المقابل، رفعت طهران ووكلاؤها في المنطقة نبرة التهديد. تصريحات إيرانية تتحدث عن رد «أكثر إيلاماً» إذا وقع هجوم، وبيانات من «حزب الله» وفصائل عراقية وحوثيي اليمن توحي بالاستعداد للانخراط في أي مواجهة. هذه اللغة تخدم غرض الردع ورفع معنويات المحور، لكنها تحمل خطراً بنيوياً: كلما ارتفع سقف الوعيد تقل مساحة التراجع، وتزداد احتمالات أن تشعل جهة غير منضبطة، فصيلاً أو ميليشيا، عملية تفرض على الجميع «رداً على الرد»، فتتوسع الدائرة خارج حسابات الضربة «المحدودة».

ولهذا تركز واشنطن، حسبما نقلت تقارير، على توجيه رسائل تحذير إلى بغداد وإلى الفاعلين المسلحين: استهداف القوات الأميركية سيقابله رد مباشر على الميليشيات. إنها محاولة لكبح «التفلت» الذي يمكن أن يحوّل ضربة واحدة إلى جبهات متعددة.

جوهر القلق الأميركي ليس القدرة الإيرانية على الرد فقط، بل مكان الرد. القواعد الأميركية المنتشرة في العراق وسوريا والخليج أهداف قابلة للاستهداف في أي تصعيد؛ لذلك يعكس الحشد جانباً دفاعياً واضحاً: تعزيز منظومات الاعتراض والحماية البحرية والجوية لاحتواء الصواريخ والمسيّرات. وبقدر ما يهدف هذا إلى حماية القوات، فإنه يهدف أيضاً إلى إبقاء سقف التصعيد منخفضاً: ردع الضربة الانتقامية أو تحييدها كي لا تُفرض على واشنطن خطوات أكبر.

جدارية دعائية في ساحة «انقلاب» وسط طهران تندد بأميركا (إ.ب.أ)

بدائل الحرب؟

إذا اتُّخذ قرار استخدام القوة، فالسيناريو الأكثر ترجيحاً هو تنفيذ ضربات محدودة ومتتابعة زمنياً، تشمل استهداف دفاعات جوية، أو مواقع صاروخية، أو عقد قيادة وسيطرة، وربما منشآت حساسة، ثم التوقف عند نقطة تتيح العودة إلى مسار سياسي. الهدف المعلن أو الضمني هو «المعاقبة» و«الردع» من دون تورط مباشر على الأرض.

غير أن إيران تمتلك دائماً مساحة للرد «تحت العتبة» لكنه موجع، سواء عبر الوكلاء، أو تعطيل الملاحة، أو من خلال استنزاف تدريجي يُحرج واشنطن وحلفاءها ويدفعهم نحو خيارات أصعب. وهنا يشكك نديمي في كفاية الوسائل المحدودة، قائلاً إن النجاح لا يُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق في الليلة الأولى، بل بقدرة واشنطن على منع طهران من إعادة تعريف ساحة المعركة وتوقيتها.

«استهداف المرشد»

يتردد في مثل هذه الأزمات سؤال «قطع الرأس»: هل يمكن أن تذهب واشنطن إلى استهداف القيادة الإيرانية؟ يعلّق نديمي على ذلك بحذر واضح، معتبراً أن استهداف المرشد متوقع فقط «إذا كانت هناك احتمالية عالية لنجاح العملية واحتمال منخفض لوقوع خسائر في صفوف القوات الأميركية». ويلفت إلى ضرورة تذكّر «الاختلافات الجوهرية بين إيران وفنزويلا»، في إشارة إلى أن ما يمكن تصوره في بيئة سياسية أو أمنية معينة لا يمكن نسخه تلقائياً على الحالة الإيرانية الأكثر تحصيناً وتعقيداً.

ومع ذلك، يضيف نديمي أنه «لا ينبغي استبعاد احتمال وجود عملية من الداخل»، وهي عبارة تعكس فكرة أن أخطر السيناريوهات قد لا تكون تلك التي تبدأ بصاروخ، بل التي تشتعل من انقسام أو تحرك داخلي يتقاطع مع ضغط خارجي.

العامل الأكثر ثقلاً في حسابات واشنطن ليس الخوف من خسارة عسكرية مباشرة، بل عدم اليقين حيال «اليوم التالي» إذا اهتز النظام أو فقد السيطرة. فإيران دولة كبيرة ذات تركيبة مؤسساتية وأمنية معقدة، وأي تصدع كبير قد يطلق سلسلة سيناريوهات تشمل صراع أجنحة، وفراغات أمنية، واضطراباً اقتصادياً، وموجات لجوء، وتأثيرات فورية على أسواق الطاقة والإقليم. لذلك يُقرأ الحشد الأميركي أيضاً بوصفه أداة ضغط تفاوضي: تهديداً يكفي لفتح الأبواب من دون تحمل مسؤولية ما بعد الانهيار.

في المحصلة، تبدو إدارة ترمب وكأنها تمسك الخيطين معاً: تحشد بما يجعل الضربة خياراً فورياً، وتلوّح بما يكفي لإجبار طهران على التفكير في التفاوض، لكنها تحاول إبقاء المواجهة تحت سقف «الحملة المصغّرة» لا الحرب.