انتخابات «مجلس الشيوخ» ترسم خريطة القوى السياسية في مصر

«مستقبل وطن» يتقدم الترشيحات رغم توقعات تراجعه أمام «الجبهة الوطنية»

«مجلس الشيوخ» المصري (مجلس الشيوخ)
«مجلس الشيوخ» المصري (مجلس الشيوخ)
TT

انتخابات «مجلس الشيوخ» ترسم خريطة القوى السياسية في مصر

«مجلس الشيوخ» المصري (مجلس الشيوخ)
«مجلس الشيوخ» المصري (مجلس الشيوخ)

يبدو أن 5 سنوات أخرى من الصدارة تنتظر حزب «مستقبل وطن»، صاحب الأغلبية البرلمانية حالياً، بعدما حاز أغلب مقاعد «القائمة الوطنية» لخوض انتخابات «مجلس الشيوخ»، (الغرفة الثانية للبرلمان)، التي تجري مطلع أغسطس (آب) المقبل، تمهيداً لمنافسة أكثر احتداماً في انتخابات مجلس النواب (الغرفة الأولى)، نهاية العام الجاري.

وتعد انتخابات «الشيوخ»، أحد مفاتيح فهم الخريطة السياسية للسنوات المقبلة، وفق نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عماد جاد، إذ إنها «أول انتخابات نيابية في الموسم الانتخابي الحالي».

ويضيف جاد لـ«الشرق الأوسط»: «لأن المجلس بصلاحيات استشارية، فإننا نستشفّ منه التوجهات القائمة، لكن مع توقع معركة أصعب في مجلس النواب، فهو بمثابة بروفة لها».

ويبلغ عدد أعضاء مجلس الشيوخ 300 عضو، من بينهم 100 يُعيِّنهم رئيس الجمهورية، و100 يُنتظر فوزهم في الانتخابات بـ«التزكية»، وهم المرشحون على القائمة الموحدة، بوصفها القائمة الوحيدة المرشحة، فيما تقتصر المنافسة في الانتخابات على 100 مقعد في النظام الفردي.

ويحظى حزب «مستقبل وطن»، بـ 44 مقعداً من أصل 100 مقعد في القائمة، متقدماً على حزب «الجبهة الوطنية» الوليد، الذي يضم وزراء ومسؤولين سابقين في الدولة.

وتضم القائمة في معظمها أحزاباً موالية للسلطة المصرية، وحصل حزب «الجبهة الوطنية» على 12 مقعداً في المركز الثالث داخل «القائمة»، سبقه حزب «حماة وطن» بـ19 مقعداً، ثم جاء في المركز الرابع «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» بـ5 مقاعد، وحصل حزبا «العدل» و«الإصلاح والتنمية» على 4 مقاعد لكل منهما، ولم يحصل حزب «الوفد» إلا على مقعدين.

حزب «مستقبل وطن» يتقدم بأكبر عدد مرشحين في انتخابات مجلس الشيوخ (حزب «مستقبل وطن»)

وأشار جاد إلى أن «القراءة الأولى للخريطة الانتخابية تؤكد أن حزب (مستقبل وطن) سيظل صاحب الأغلبية خلال السنوات الخمس المقبلة هي عمر المجالس الجديدة»، معتبراً أن «احتلال حزب الجبهة، المركز الثالث في القائمة كان مفاجئاً، ولا يتناسب مع التصورات التي رُسمت حول الحزب عند تدشينه، بوصفه جاء ليتصدر المشهد السياسي».

واستشهد جاد بـ«خروج كثير من رجال الأعمال والنواب من حزب (مستقبل وطن) للانضمام إلى حزب (الجبهة الوطنية) وسط توقعات بأنه حزب الأغلبية الجديد، لكن الواقع أثبت خطأ تقديرهم، في ظل الفارق الكبير بين أعداد مرشحي حزبي (مستقبل وطن) و(الجبهة)، وبالتالي حجم كل منهما داخل مجلس الشيوخ، ومن بعده النواب».

وقدم حزب «الجبهة الوطنية» 10مرشحين فقط للمنافسة على 100 مقعد في النظام الفردي، في المقابل قدم حزب «مستقبل وطن» أكثر من 38 مرشحاً، وكان لافتاً تقديمه أكثر من نصف الأعداد المخصصة لكل محافظة؛ ففي القاهرة قدم 7 مرشحين، فيما يبلغ عدد المقاعد المخصصة للمحافظة 10، وفي الجيزة قدم 5 مرشحين للمنافسة على 8 مقاعد.

مؤتمر انتخابي لحزب «الجبهة الوطنية»... (حزب الجبهة)

وأرجع المتحدث باسم حزب «الجبهة الوطنية»، محمد مصطفى شردي، محدودية أعداد المرشحين لـ«مجلس الشيوخ» إلى «طبيعة الحزب الذي لم يأتِ إلى الحياة السياسية لرغبة في الحصول على أكثرية المقاعد، بل لإعادة ثقة المواطن في العملية الانتخابية ودفعه للمشاركة فيها»، مشيراً إلى أنهم «يرغبون في إعلاء قيمة الوطن، ومبدأ المشاركة لا المغالبة، لذا تنازلوا عن مقاعد لهم في القائمة لصالح أحزاب أخرى رأوا ضرورة أن تُمثَّل في المجلس»، مؤكداً أن «أعدادهم ستزيد في الانتخابات المقبلة والتي تليها».

وأضاف شردي لـ«الشرق الأوسط» أن «الحزب قدم 22 من الكفاءات سيؤدون أدواراً مؤثرة داخل المجلس»، في وقت اعتبرت الكاتبة الصحافية والبرلمانية والعضوة المؤسسة بالحزب، فريدة الشوباشي، لـ«الشرق الأوسط» أن «دقة الاختيارات ستبني جسر ثقة مع الناخب، فالهدف ليس الدفع بمرشحين من أجل الوجود».

لكن نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية»، توقع «خروج كثيرين من الحزب مستقبلاً إذا ظل يتبنى السياسة نفسها، فالهدف في الحياة السياسية هو الوصول إلى الحكم».

المعارضة

وبينما تستعد أحزاب لخوض العملية الانتخابية بعقد المؤتمرات الدعائية، فإن أحزاب «الحركة المدنية الديمقراطية»، (أكبر تجمع مدني للمعارضة)، ترى أنها «أُقصيت عن المشهد باعتماد قانون انتخابات يرتكز على القائمة المطلقة، وباتساع الدوائر الفردية»، وفق المتحدث باسم الحركة وحزب «الدستور»، وليد العماري.

وقال العماري لـ«الشرق الأوسط»، إن الحركة تركت الحرية لأعضائها للمشاركة في الانتخابات، وفي حزب «الدستور» ستتركز مشاركتهم على بعض المقاعد الفردية في مجلس النواب، وذلك «ما لم نُمنع من المشاركة برفض منح أوراق الترشح لنواب الحزب، بدعوى عدم اعتراف لجنة شؤون الأحزاب برئاسة جميلة إسماعيل له».

لاعب كرة القدم السابق عماد متعب خلال مشاركته في أحد مؤتمرات حزب «الجبهة الوطنية» للدعاية الانتخابية (الجبهة الوطنية)

وفي حزب «المحافظين» تقدم مرشح وحيد في محافظة البحر الأحمر على النظام الفردي. وقال المتحدث باسم الحزب محمد تركي، لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل «استمرار أجواء الإقصاء للمعارضة، تركنا الحرية للأعضاء للمشاركة في الانتخابات أو الامتناع عنها، ولم يُبدِ الرغبة للترشح سوى واحد، والباقون ينتظرون معركة (النواب)».

وأضاف تركي لـ«الشرق الأوسط»: «إن أعضاء الحزب سيظلون يمارسون دورهم السياسي في تقديم الدراسات والرؤى والبيانات وعقد المؤتمرات بوصفها وسيلتهم للتعبير، حتى لو لم يتمكنوا من الوصول إلى مجلسَي الشيوخ والنواب».

في المقابل، ضمن «الحزب المصري الديمقراطي» المعارض، وصول 5 نواب إلى «مجلس الشيوخ» القادم ضمن القائمة الموحدة، في اتساع متوقَّع لدور الحزب في المشهد السياسي المقبل، إذ كانت نسبته في المجلس السابق داخل القائمة الموحدة أيضاً، 3 مقاعد فقط. وأرجعت أمينة الإعلام في الحزب منى الشماخ، ذلك، إلى «أداء الحزب ونوابه في الفترة الماضية، سواء داخل مجلسي الشيوخ أو النواب».

وأضافت الشماخ لـ«الشرق الأوسط»: «كلما تحسنت الأجواء السياسية سيكون تمثيل الحزب أكبر، خصوصاً مع الثقة التي دشنها مع الجماهير، بتبني نوابه هموم المواطن، ورفضهم كثيراً من السياسات الحكومية».


مقالات ذات صلة

«فوائد الديون» التحدي الأكبر أمام الحكومة المصرية بـ«العام المالي الجديد»

شمال افريقيا مخاوف من تأثيرات سلبية على موازنات الخدمات الأساسية بسبب ارتفاع فوائد الديون (الشرق الأوسط)

«فوائد الديون» التحدي الأكبر أمام الحكومة المصرية بـ«العام المالي الجديد»

قبل أيام من اعتماد مجلس النواب المصري مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي الجديد الذي يبدأ في يوليو (تموز) المقبل، تبرز قضية الديون على رأس النقاشات.

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)

مصير «الخبز الشعبي» يشغل المصريين مع قرب إلغاء «الدعم العيني»

لا يتوقف الجدل في مصر حول منظومة الدعم مع إعلان الحكومة نيتها إلغاء «الدعم العيني» الذي يعتمد على صرف سلع بعينها، وتطبيق «الدعم النقدي».

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الحكومة المصرية الدكتور مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحافي 4 يونيو 2026 (رئاسة مجلس الوزراء)

مقترح بتشكيل لجنة لصياغة «قانون الأسرة المصرية»... هل يُهدئ الجدل بشأنه؟

تحاول الحكومة المصرية تهدئة الجدل المثار حول مشروع قانون الأحوال الشخصية، بتأكيد انفتاحها الكامل على أي تعديلات بخصوصه.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا نواب البرلمان المصري في أثناء عرض برنامج الحكومة (مجلس الوزراء المصري)

مصر لزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم... هل استوفت الاستحقاقات الدستورية؟

أقرت الحكومة المصرية زيادات بموازنة قطاعي التعليم والصحة للعام المالي الجديد، التي يبدأ العمل بها مطلع يوليو (تموز) المقبل.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا مجلس النواب المصري خلال انعقاده في مقره الجديد بالعاصمة الإدارية (مجلس النواب المصري)

لماذا يثير تعديل قانون «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر؟

نفت الحكومة المصرية، الجمعة، سحب مشروع قانون «الأحوال الشخصية» من مجلس النواب (البرلمان) بعدما أثار عدم عرضه على الأزهر قبل الإحالة للمجلس بـ3 مايو جدلاً واسعاً

رحاب عليوة (القاهرة)

بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تتوالى فيه التصريحات بشأن التوصُّل إلى تسوية مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إنهاء الحرب التي تدخل تداعياتها الشهر الرابع، يستمرُّ الجمود في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة بعد أسبوع من جولة مفاوضات جديدة تستضيفها القاهرة لم تخرج بنتائج نهائية بعد.

وتتباين تقديرات خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، بشأن إمكانية أن تشمل التسوية المرتقبة بين واشنطن وطهران الملف الفلسطيني، بينما أكدوا أن وقف الحرب سيسمح بتفرغ أميركي أكبر لملف الاتفاق في القطاع، والضغط على الأطراف لتحقيق تقدُّم حقيقي.

 

تسوية محتملة وشيكة

 

وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي تتوسَّط بلاده بين إيران والولايات المتحدة في منشور السبت على منصة «إكس»: «نحن أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى، مع توقُّع إتمام الاتفاق خلال الساعات الـ24 المقبلة». وأضاف: «نحن على ثقة بأنَّ اتفاق السلام التاريخي هذا سيشكِّل أساساً متيناً لسلام دائم»، من دون أن يوضِّح هل ستشمل التسوية ملف غزة أم لا.

غير أنَّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لمّح للقطاع في تصريحات صحافية، الجمعة، بالقول: «لن نتخلى أبداً عن (حزب الله)، وإنهاء الحرب سيشمل لبنان وسائر الجبهات».

ولا يعتقد الخبير في الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات»، الدكتور سعيد عكاشة، أنَّ مذكرة التسوية المطروحة بين واشنطن وطهران قد تشمل ملف قطاع غزة، مؤكداً أنَّ توقيع المذكرة قد يفتح الباب لمنح الإدارة الأميركية مهلة شهرين على الأقل للتفرغ والاهتمام بملف غزة بشكل أكبر بعد توقيع مذكرة التسوية ودفع الاتفاق المتعثر.

بالمقابل، يرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن «إيران تريد أن تشمل التسوية لبنان ومناطق أخرى، وهذا المأمول، ولا نعرف متغيرات الأمور ستصل إلى ماذا خلال الساعات المقبلة»، معتقداً أنَّ مفاوضات القاهرة، التي لم تغلق بشكل كامل، تشي بأنَّه لا تزال هناك رؤية قائمة نحو التوصُّل لتسويات كثيرة في ملف قطاع غزة، لاسيما فيما يتعلق بالميليشيات المتعاونة مع تل أبيب، وسلاح القطاع، وانسحاب إسرائيل، تزامناً مع تسوية ملف إيران.

ويرجح الرقب في ضوء استمرار مناقشات القاهرة أن ملف غزة لا يزال قائماً ومطروحاً على الطاولة، لافتاً إلى أنَّ تصريحات وزارة الخارجية الإيرانية تعزِّز الاعتقاد بأنَّ ملف غزة قد يكون ضمن ملفات التسوية الإقليمية الشاملة المقبلة بشكل كامل.

مشيعون يحملون جثمان فلسطيني قُتل في غارة إسرائيلية خلال موكب جنازته بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشدد إسرائيلي

 

ولم تُكشَف بنود تسوية طهران وواشنطن بعد، غير أنَّ وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، صرَّح الجمعة، بأنَّ تل أبيب تتوقَّع من الرئيس الأميركي دونالد ترمب الالتزام بالمصلحة المشتركة الأميركية - الإسرائيلية في ملف إيران، مشدِّداً على أنَّ تل أبيب «لن تنسحب من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة».

وفي ضوء هذه الرؤية الإسرائيلية، يرجح عكاشة أن «إسرائيل ستواصل تعطيل الاتفاق، و(حماس) ستساعدها على ذلك بإصرارها على الاحتفاظ بما تبقَّى لديها من سلاح متهالك»، متوقعاً أن تستمر إسرائيل في البقاء بالمساحات المحتلة بالقطاع، والعمل على تنفيذ مخطط التهجير عبر تضييق المساحات الخاضعة لسيطرة الفلسطينيين؛ وقد يصل الإسرائيليون إلى 75 في المائة من 60 في المائة حالياً، ويحصرون الفلسطينيين في 25 في المائة فقط من مساحة القطاع، دون تصعيد عسكري شامل في القطاع لأنَّ ضريبته كبيرة في مواجهة مع المدنيين في ظلِّ أن (حماس) لم تعد قوة عسكرية مؤثرة.

بالمقابل، يحذر الرقب من أنَّه حال تمَّ إنهاء الملفَين اللبناني والإيراني دون الوصول إلى رؤية تسوية واضحة تجاه غزة، فإنَّ ذلك سيثير مخاوف كبرى تكمن في أن يتفرَّد الاحتلال الإسرائيلي بالقطاع، لا سيما أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعدُّ غزة الورقة الأضعف، ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فإنَّه يجد نفسه بحاجة ماسة للحصول على أصوات المؤيدين والناخبين من خلال مواصلة ارتكاب جرائمه ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

مسار الوسطاء

 

ووسط تلك المخاوف، تذهب المطالب الدولية إلى أهمية أن تكون التسوية شاملة كل المنطقة، وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في 9 يونيو (حزيران) الحالي في منشور على منصة «إكس»: «يجب أن تتوقف جميع الهجمات فوراً. ويجب الالتزام الكامل باتفاقات وقف إطلاق النار في لبنان وإيران وغزة».

وجاءت تلك التصريحات الأممية بينما كانت المحادثات بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء في القاهرة مستمرة للتوصُّل إلى اتفاق لوقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، وسط اتفاق على مبدأ حصر السلاح في غزة بيد هيئة فلسطينية «متفق عليها»، مع انتظار لرد إسرائيل، بحسب مصدر فلسطيني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ووسط هذه التطورات، فإنَّ وقف «حرب إيران» قد يساعد على تغيير الأمور، وتتجه الإدارة الأميركية لصبِّ اهتمام أكبر على ملف غزة، مما يتيح للوسطاء للضغط على «حماس» ومحاولة التقدُّم في المفاوضات، ويكون في المقابل هناك انسحاب إسرائيلي حقيقي، بحسب تقديرات عكاشة.

ويعتقد الرقب أن مساعي القاهرة والوسطاء تستمر بنشاط في هذا التوقيت الحرج بتاريخ المنطقة لمحاولة دفع «اتفاق غزة» للأمام، بناء على تسوية مرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، مؤكداً أهمية أن تنتهي جولة المفاوضات الحالية بالقاهرة بحلٍّ ينهي عراقيل مشروع نتنياهو الرامي إلى استمرار الحرب والتدمير في قطاع غزة.

 

 


نهب الآثار اليمنية يتمدد إلى عاصمة مملكة حِمْيَر

اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
TT

نهب الآثار اليمنية يتمدد إلى عاصمة مملكة حِمْيَر

اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)

اتسعت عمليات العبث والنهب التي تطول المواقع الأثرية في مناطق سيطرة الحوثيين لتصل إلى مدينة ظفار، عاصمة مملكة حِمْيَر التاريخية، والواقعة حالياً في محافظة إب وسط اتهامات لنافذين بالتورط في أعمال تنقيب غير مشروعة، وتحذيرات من باحثين ومهتمين بالتراث من ضياع ما تبقى من الإرث الحضاري اليمني في ظل غياب الحماية والمحاسبة.

ويؤكد باحثون ومهتمون بالآثار أن الحرب التي أشعلها الحوثيون فتحت الباب أمام موجة غير مسبوقة من تهريب الآثار، حيث يقدَّر خروج أكثر من عشرين ألف قطعة أثرية إلى خارج البلاد خلال السنوات الماضية، في وقت تتعرض فيه مواقع تاريخية عديدة لعمليات نهب متواصلة تهدد بفقدان شواهد مهمة من تاريخ اليمن القديم.

توثيق عمليات تنقيب غير مشروعة في مواقع أثرية يمنية (إعلام محلي)

وقال سكان في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) إن نافذين في مديرية السدة نفّذوا، نهاية الشهر الماضي، عمليات حفر في قرية العرافة الواقعة ضمن منطقة ظفار الأثرية، مستخدمين أجهزة كشف متطورة للبحث عن الكنوز واللقى الأثرية.

وأوضحوا أن أعمال الحفر استمرت ثلاثة أيام متواصلة وشملت عدداً من المواقع التاريخية، قبل أن يغادر المنقبون المنطقة بعد الاستيلاء على مقتنيات أثرية مجهولة القيمة.

اختفاء الحراسة

حسب إفادات السكان، فإن أفراد الحراسة المكلفين بحماية المنطقة الأثرية اختفوا طوال فترة الحفر، رغم أن عددهم يتجاوز ثلاثين شخصاً، الأمر الذي أثار شكوكاً واسعة حول وجود تواطؤ أو تغاضٍ متعمَّد عن عمليات النهب.

وأكد الأهالي أن اللصوص غادروا لاحقاً باتجاه مديرية يريم المجاورة دون أن يواجهوا أي اعتراض، في حين لم تتخذ الجهات المختصة أي إجراءات رغم إبلاغها بما جرى. كما أشاروا إلى أن إدارة الآثار في المحافظة لم تتفاعل مع البلاغات المقدمة إليها، الأمر الذي عزز المخاوف من استمرار الاعتداءات على المواقع التاريخية.

مواقع أثرية في مأرب تواجه الإهمال وسط دعوات لتعزيز الحماية (إعلام محلي)

وتساءل السكان عن جدوى وجود قوة مكلفة بحراسة المنطقة تمنع المواطنين من الاقتراب منها، بينما تغيب خلال عمليات الحفر والنهب، محمِّلين مكتب الآثار في المحافظة وإدارة آثار مديرية السدة وطاقم الحراسة مسؤولية التقصير في حماية المواقع الأثرية وصون محتوياتها.

ويقول باحثون ومهتمون بالتراث في محافظة إب إن نهب الآثار تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة متكررة تهدد بفقدان جزء مهم من الهوية الحضارية لليمن، داعين إلى تشكيل لجنة تحقيق ميدانية للكشف عن ملابسات الواقعة وضبط المتورطين واستعادة القطع المنهوبة وإيداعها في المتحف المحلي.

دعوات للطوارئ

وفي تطور موازٍ، أطلق أكاديميون وباحثون ومهتمون بالشأن الأثري نداءً لإعلان «حالة طوارئ مجتمعية وثقافية» لحماية أبرز المواقع الأثرية في محافظة مأرب، وفي مقدمها معبد أوام المعروف بـ«محرم بلقيس» ومقبرته التاريخية، إلى جانب معبد برّان الشهير بـ«عرش بلقيس».

وانتقد الموقِّعون على بيان بهذا الشأن ما وصفوها بحالة الصمت تجاه الأخطار التي تواجه هذه المعالم التاريخية، معتبرين أن الجهات المعنية بحماية التراث الثقافي، إضافةً إلى السلطات المحلية، تتحمل مسؤوليةً مباشرةً عن استمرار التدهور والإهمال.

وأكد البيان أن حماية المواقع الأثرية لا تتحقق عبر البيانات والتصريحات فقط، وإنما من خلال إجراءات عملية تشمل الرقابة والحراسة الدائمة ومنع الاعتداءات والتعديات، محذراً من أن استمرار التجاهل قد يقود إلى خسائر لا يمكن تعويضها.

ورأى الباحثون أن أي ضرر يلحق بمعبد أوام أو مقبرته التاريخية سيشكّل دليلاً على فشل المؤسسات المعنية في أداء واجباتها، وسيسجَّل كواحد من أسوأ مظاهر التفريط بالتراث الوطني اليمني، نظراً إلى ما تمثله هذه المواقع من قيمة حضارية وإنسانية تتجاوز حدود اليمن.

ودعا البيان الأكاديميين والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني إلى ممارسة مزيد من الضغط من أجل اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المواقع الأثرية ومحاسبة المقصرين، مشدداً على أن تلك المعالم ليست ملكاً لمنطقة أو جيل بعينه، بل تمثل إرثاً وطنياً وإنسانياً ينبغي الحفاظ عليه للأجيال المقبلة.

في السياق ذاته، وصفت المهتمة بالآثار تهاني يوسف ما تتعرض له معابد مأرب التاريخية من إهمال بأنه «جريمة بحق التاريخ والهوية اليمنية»، مؤكدةً أن الوقت لم يعد يسمح بالاكتفاء بمتابعة ما يحدث من بعيد، داعيةً السلطات والمؤسسات المختصة إلى الانتقال من مرحلة البيانات إلى خطوات عملية تضمن حماية هذه الكنوز الحضارية من العبث والاندثار.


تحذير أممي من تبعات انخراط الحوثيين إلى جانب إيران

نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
TT

تحذير أممي من تبعات انخراط الحوثيين إلى جانب إيران

نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)

حذَّر تقرير أممي من أن استمرار انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية إلى جانب إيران، بالتزامن مع التراجع الحاد في التمويل الإنساني، يهدد بدفع اليمن نحو مرحلة أكثر خطورة من الأزمة الإنسانية، في وقت أُغلق فيه أكثر من 450 مرفقاً صحياً، بينها 76 مستشفى، نتيجة نقص الموارد المالية وازدياد الاحتياجات الإنسانية.

وأكد التقرير الصادر عن منظمة الصحة العالمية، أن أي تصعيد عسكري جديد أو ردود انتقامية مرتبطة بانخراط الجماعة الحوثية في الحرب الإقليمية، قد تؤدي إلى موجات نزوح إضافية وسقوط ضحايا مدنيين وإلحاق أضرار بالبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الموانئ ومنشآت التخزين، الأمر الذي سيزيد من تعقيد الأوضاع المعيشية لملايين اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ودعا التقرير المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لسد فجوة التمويل المتفاقمة، محذراً من أن استمرار تقليص المساعدات الإنسانية سيؤدي إلى فقدان مزيد من الأرواح وتعريض المجتمعات المحلية لمزيد من الهشاشة وعدم الاستقرار، فضلاً عن اقتراب الخدمات الأساسية من نقطة الانهيار.

نقص التمويل أدى إلى إغلاق 76 مستشفى ومئات المرافق الصحية في اليمن (الأمم المتحدة)

وتقول المنظمة الدولية، إن التطورات العسكرية المتسارعة في الشرق الأوسط تنطوي على مخاطر كبيرة بالنسبة لليمن، بعد انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية من خلال هجمات استهدفت إسرائيل. وأوضح التقرير أن دائرة الصراع بدأت بالفعل في استدراج أطراف متعددة، ما يزيد من احتمالات توسع النزاع وانعكاساته على الوضع الإنساني في اليمن.

وحذرت المنظمة من أن أي ضربات عسكرية محتملة تستهدف مناطق سيطرة الحوثيين قد تتسبب في موجات نزوح جديدة، وتؤدي إلى إلحاق أضرار بالبنية التحتية المدنية والاقتصادية، وهو ما سيؤثر بصورة مباشرة على وصول المساعدات الإنسانية وسلاسل الإمداد الأساسية.

تقليص المساعدات

أكد التقرير الأممي أن الارتفاع المستمر في الاحتياجات الإنسانية في اليمن، بالتوازي مع التخفيضات الكبيرة في التمويل الدولي، وتراجع القدرة على الوصول إلى المحتاجين، دفع المنظمات الإنسانية إلى تقليص كثير من البرامج المنقذة للحياة.

وشددت منظمة الصحة العالمية على أن توفير تمويل كافٍ للاستجابة الإنسانية وضمان وصول المساعدات دون عوائق، يمثلان شرطاً أساسياً لمنع تفاقم الكارثة، مشيرة إلى أن نحو 22.3 مليون يمني ما زالوا بحاجة إلى المساعدات الإنسانية وخدمات الحماية.

الحرب تسببت في تراجع التنمية البشرية باليمن بما يعادل أكثر من عقدين (إعلام محلي)

ويعاني نحو 5 ملايين يمني من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم نحو 1.4 مليون شخص يواجهون أوضاعاً مصنفة ضمن مرحلة الطوارئ، وهي من أخطر مراحل الجوع وفق التصنيفات الدولية.

كما حذرت المنظمة من استمرار تفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، مثل شلل الأطفال والكوليرا والحصبة والدفتيريا وحمى الضنك والملاريا، مؤكدة أن ضعف برامج التحصين وانتشار المعلومات المضللة أسهما في تفاقم هذه الأوضاع الصحية.

إغلاق المستشفيات

أبرز التقرير الأممي التأثير المباشر لأزمة التمويل على القطاع الصحي؛ إذ لم يحصل برنامج الاحتياجات الإنسانية والاستجابة خلال العام الماضي إلا على 29 في المائة من التمويل المطلوب، ما أجبر المنظمات الإنسانية على تقليص أو تعليق عدد كبير من الخدمات الأساسية.

وحسب التقرير، أدى انخفاض التمويل حتى مايو (أيار) الماضي إلى تراجع خدمات التغذية بنسبة 63 في المائة، كما تسبب في إغلاق أكثر من 450 مرفقاً صحياً، من بينها 76 مستشفى، خلال العام الماضي، ما حرم ملايين اليمنيين من خدمات الرعاية الصحية الأساسية.

منظمات أممية تحذر من تحول الأزمة اليمنية إلى «أزمة منسية» (إعلام محلي)

وفي سياق متصل، أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن سنوات الحرب الطويلة تسببت في تراجع التنمية البشرية في اليمن بصورة حادة، موضحة أن البلاد فقدت بحلول عام 2019 ما يعادل 21 عاماً من التقدم التنموي، مع تحذيرات من أن استمرار النزاع حتى عام 2030 قد يرفع هذه الخسائر إلى ما يقارب 4 عقود من التنمية.

أزمة منسية

من جهته، وصف فرانشيسكو غالتيري، ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن، الوضع الإنساني في البلاد بأنه «أزمة منسية»؛ مشيراً إلى أن الغذاء والرعاية الصحية يمثلان الاحتياجين الأكثر إلحاحاً بالنسبة لملايين اليمنيين.

وأوضح أن معدلات سوء التغذية تواصل الارتفاع، بينما تواجه النساء في المناطق الريفية والنائية صعوبات متزايدة في الحصول على الرعاية الصحية، لافتاً إلى أن نحو 65 ألف امرأة حامل يحتجن إلى المساعدة خلال فترات الحمل والولادة.

وأعاد المسؤول الأممي التذكير بأن اليمن يسجل أعلى معدل لوفيات الأمهات في المنطقة العربية؛ حيث تفقد 3 نساء حياتهن يومياً، بسبب مضاعفات الحمل أو أثناء الولادة، مؤكداً أن غالبية هذه الوفيات كان يمكن تجنبها لو توفرت خدمات الرعاية الصحية المناسبة.

وأكد غالتيري أن النقص الحاد في التمويل بات يهدد برامج صندوق الأمم المتحدة للسكان، كما يهدد معظم العمليات الإنسانية العاملة في اليمن، موضحاً أن تراجع التمويل بنحو 40 في المائة خلال العام الماضي بسبب انسحاب عدد من المانحين، أجبر الصندوق على تعليق ما بين 30 و35 في المائة من الخدمات التي كان يقدمها للمستفيدين.