في عام 1973، حقق الطالب صديق عبد السلام، ابن مدينة فاقوس بمحافظة الشرقية، المركز الأول في اختبارات الثانوية العامة (الشعبة العلمية) في مصر، ليبدأ رحلة علمية وأكاديمية قادته إلى منصب نائب ريس جامعة الإسكندرية، كما أسس أول رابطة لأوائل الثانوية العامة.
واليوم، ينضم الطالب عبد الله محمود، ابن «فاقوس» أيضاً إلى الرابطة، بعد أن حقق المركز الأول على مستوى الجمهورية (علمي علوم) 2026، بحصوله على الدرجات النهائية كاملة.
بين التاريخين، لم تغب «فاقوس» (143 شمال شرقي القاهرة) عن صدارة مشهد الثانوية العامة، إلا أن بصمة التفوق هذا العام تحوّلت إلى مادة للتشكيك في صحتها، مع تداول قوائم لنتائج طلاب لجنة مدرسة «فاقوس الثانوية الرسمية للغات»، تُبين تقارب نسب نجاح طلابها بحصول أكثرهم على مجموع يزيد على 90 في المائة، وهو ما أحدث جدلاً حول حقيقة التفوق.
وعبّر أولياء أمور عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن عدم الاقتناع بالنتائج، ما دعا بعضهم لاستحضار المثل الشعبي «معندناش خيار وفقوس» (كتعبير عن عدم التمييز)، ليتحول إلى «بقى فيها خيار وفاقوس»، مشيرين من خلاله إلى شبهة وجود «لجان أكابر» بفاقوس، ووجود غش بالسماعات بين الطلاب، بحسب وصفهم.
ويعود مسمى «لجان أولاد الأكابر» إلى اللجان، التي خصصت فيما مضى لأبناء الشخصيات النافذة ببعض المحافظات، لتسهيل حصولهم على درجات كبيرة.
وردت وزارة التربية والتعليم المصرية على هذا الجدل، بتأكيد سلامة نتائج الطلاب، موضحة أنها أجرت مراجعة شاملة للنتائج وللسجل الدراسي للطلاب خلال السنوات السابقة، فتبيّن تحقيقهم نتائج متميزة خلال مرحلة التعليم الأساسي، واستمرار تفوقهم في الصفين الأول والثاني الثانوي، مبرزة أنه بمراجعة الإجراءات المتعلقة بسير الامتحانات داخل لجان المدرسة، بما في ذلك فحص محاضر الغش، لم يتم رصد أي حالات غش أو مخالفات.
وأوضح المتحدث الرسمي باسم الوزارة، شادي زلطة، خلال تصريحات متلفزة، أن المدرسة تضم 231 طالباً، في حين أن الورقة التي جرى تداولها تضمنت نتائج 70 طالباً فقط، «ما تسبب في تكوين صورة غير مكتملة عن نتائج المدرسة».

وحضرت هذه القضية كذلك على مائدة رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال المؤتمر الصحافي للحكومة، الأسبوع الماضي، ليؤكد مُجدداً تفوق طلاب فاقوس، وقال بهذا الخصوص: «يا ريت كل اللجان يكون فيها طلاب متفوقين مثلها».
ورغم هذا النفي فإن «فاقوس وطلابها» لم يتمكنوا من إقناع المشككين بتفوقهم، ما جعلهم في قلب جدل اجتماعي وإعلامي لم يتوقف، ومحوراً لطلبات إحاطة برلمانية تم تقديمها عن نزاهة الاختبارات، وعلى مائدة نقاشات حزبية حول تكافؤ الفرص.
وبحسب البرلماني نبيل العطار، عضو مجلس النواب عن دائرة فاقوس، فإن استمرار التشكيك في نتائج «لجان فاقوس» لا يرتبط بوقائع مثبتة، بل يتغذى على توجهات مختلفة، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هناك من يسير وراء الشائعات بدافع الإحباط، أو لأن أبناءهم لم يحققوا المجموع المطلوب»، مشدداً على أن هذه الأصوات لا تعكس حقيقة التفوق الذي اعتادت عليه المدينة.
وأكدت علا الشرقاوي، الأربعينية التي تنتمي لـ«فاقوس» وتقطن بالقاهرة، أن التفوق الدراسي بمسقط رأسها جزء من ثقافة اجتماعية راسخة، مشيرة إلى أن الأسر تتابع أبناءها بشكل جاد ومستمر لتحقيق أعلى الدرجات.
وقالت علا لـ«الشرق الأوسط» إن «الطلاب متفوقين وليسوا غشاشين كما يروج البعض»، وتساءلت بسخرية: «هل كانوا كلهم يضعون سماعات من الابتدائي؟».

وبنما ظهر مشهد تكريم وزير التربية والتعليم لأوائل الثانوية العامة بداية الأسبوع الحالي، امتدت انتقادات بعض أولياء الأمور للوزارة التي أكدت سلامة النتائج دون أن تقدم دليلاً على تفوقهم. بينما طالب حزب «المصريين الأحرار»، في بيان، بالتحقق الكامل من أي وقائع أثارت الجدل حول نتائج الثانوية العامة، مؤكداً أن الشفافية الكاملة هي الطريق لإغلاق باب الشائعات.
وفيما تداولت مواقع إخبارية وحسابات «سوشيالية» نتائج طلاب فاقوس خلال دراستهم بالشهادة الإعدادية، والتي أظهرت تفوقهم؛ أكد النائب نبيل العطار أن «الوزارة قامت بالفعل بما يلزم لتأكيد نزاهة النتائج؛ إذ أصدرت بياناً رسمياً، بينّت فيه أن مسيرة الطلاب الدراسية تعكس اجتهادهم الحقيقي». وقال بهذا الخصوص إن الوزارة «عرضت ما لديها من حقائق، فماذا يمكن أن تفعل أكثر من ذلك؟».
ومع توعد وزارة التعليم باتخاذ إجراءات قانونية ضد المشككين في نزاهة النتائج أو يسيئون للمتفوقين دون سند؛ يُشير أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، تامر شوقي، إلى أن سرعة الوزارة في الدفاع عن النتائج أسهمت في تغذية الشكوك لدى البعض. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «طبيعة النتائج غير المعتادة غذّت أيضاً حالة الشكوك، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود غش أو تلاعب».
في المقابل، ظهرت مطالبات مواطنين بتعميم ما أسموه «التجربة الفاقوسية»، لافتين إلى أن ما تحقق فيها يستحق التعميم على مستوى مصر، وطالبوا كذلك بتكريم معلمي وإدارة المدرسة، على غرار تكريم المنتخب الوطني المصري لكرة القدم.

ويصف الخبير التربوي، حسن شحاتة، الانتقادات التي وجهت لطلاب فاقوس بأنها مجرد أقوال مُرسلة لا تستند إلى دليل، مؤكداً أن وزارة التعليم تعاملت هذا العام بحزم مع «لجان الأكابر»، حيث تم استبعاد أي مخالفات دون تردد أو خوف من أصحاب النفوذ. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن استمرار التشكيك لا يخدم سوى أصحاب المصالح الضيقة، أو من يسعون إلى إثارة البلبلة.
وبين التشكيك والمطالب بتعميم التجربة، ومع بدء الإجازة البرلمانية إلى حين افتتاح دور الانعقاد التالي؛ يستقر «المشهد الصاخب» على اعتبار أن ما حدث هو تفوق حقيقي، رغم عدم اقتناع «الجماهير» المُتابعة، فيما «يُغلق الستار» بـ«كلمة نهاية» أوردتها المدرسة على حساباتها، الثلاثاء: «تنبيه مهم: على جميع طلاب الصف الثالث الثانوي سرعة التوجه إلى المدرسة لتسلم استمارات النجاح... يرجى عدم التأخير».
