البنية التحتية المصرية تجتاز اختبار «زلزال السويس»... ماذا تغيّر في 3 عقود؟

مسؤولون يقارنون الأضرار بكارثة «1992»

مركز السيطرة والطوارئ بوزارة التنمية المحلية المصرية (وزارة التنمية المحلية)
مركز السيطرة والطوارئ بوزارة التنمية المحلية المصرية (وزارة التنمية المحلية)
TT

البنية التحتية المصرية تجتاز اختبار «زلزال السويس»... ماذا تغيّر في 3 عقود؟

مركز السيطرة والطوارئ بوزارة التنمية المحلية المصرية (وزارة التنمية المحلية)
مركز السيطرة والطوارئ بوزارة التنمية المحلية المصرية (وزارة التنمية المحلية)

مع الهزة الأرضية التي تعرضت لها مدن مصرية جراء «زلزال السويس» فجر الاثنين، استحضر المصريون زلزال عام 1992 الشهير، للمقارنة بين تطور البنية التحتية في البلاد، التي اجتازت اختبار الهزة الأرضية الأخيرة، على عكس ما حدث قبل 34 عاماً، من تساقط مبانٍ ووقوع عشرات الضحايا.

وتطرح المقارنات في الخسائر بين الزلزالين تساؤلات حول أوجه التغيير في البنية التحتية والإنشائية في مصر على مرّ 3 عقود، خصوصاً في ظل عدم تسجيل أي خسائر بشرية وأضرار محدودة في الزلزال الأخير.

وتحدث مسؤولون وبرلمانيون مصريون عن «تطور في البنية التحتية في البلاد، بمبانٍ حديثة جرى إنشاؤها وفق كود الزلازل»، وأشاروا إلى أن «مشروعات القضاء على المناطق العشوائية بمدن جديدة من العوامل، التي ساهمت في تقليل الخسائر»، فيما أرجع آخرون السبب إلى «وقوع مركز الزلزال الأخير خارج القاهرة، التي تتكدس بالبنايات، بمسافة تبعد عن مدينة السويس بعدة كيلومترات».

وسجلت مصر في الثالثة من صباح الاثنين زلزالاً بقوة 5.6 ريختر، على مسافة نحو 40 كيلومتراً من السويس (شرق)، وبعمق 10 كيلومترات، ووفق بيان «المعهد القومي للبحوث الفلكية»، لم تُسجل خسائر في الأرواح، وسط أنباء عن تضرر بعض المباني والممتلكات.

واستحضر مصريون مقارنات مع الزلزال الذي تعرضت له البلاد عام 1992، وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي ذكريات ما حدث قبل 3 عقود من خسائر في الأرواح والمنشآت.

وشهدت مصر قبل 34 عاماً هزة أرضية هي الأكثر تدميراً في تاريخها، ووقعت في 12 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1992 بقوة 5.8 درجة على مقياس ريختر، وأدت حينها إلى وفاة نحو 370 شخصاً، بالإضافة إلى إصابة أكثر من 3 آلاف، حسب الأرقام الرسمية.

وامتدت المقارنات بين زلزال عام 1992 و«زلزال السويس»، عبر وسائل الإعلام المحلية، من حيث المركز والخسائر والأضرار، وأعاد مدير معهد بحوث الخامات بالمركز القومي لبحوث الإسكان والبناء، طارق مصطفى السكري، التباين الكبير في الأضرار إلى «اختلاف موقف الزلزال وطبيعة البنية التحتية، وتطبيق الأكواد الهندسية الحديثة في أعمال البناء».

وأشار السكري، في تصريحات متلفزة، إلى أن «تأثير أي زلزال لا يتحدد بالقوة فقط، وإنما بعدة عوامل، من بينها مكان وقوعه ومدى جاهزية المنشآت»، وقال إن الحكومة المصرية «تطبق الأكواد الهندسية الحديثة، التي كان لها دور مهم في تقليل حجم الأضرار مقارنة بزلزال عام 1992».

«الهلال الأحمر المصري» أعلن الاثنين تفعيل خطة الطوارئ في المدن التي شعر سكانها بالزلزال (الشرق الأوسط)

والأكواد الهندسية عبارة عن مجموعة من الاشتراطات الفنية والهندسية، التي تحددها السلطات المصرية قبل إنشاء أي مبنى، وتوفر الحد الأدنى لمستويات الأمان والسلامة في تصميم وتنفيذ المنشآت.

وباعتقاد عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، عمرو درويش، فإن «جهود الحكومة المصرية في القضاء على المناطق العشوائية والخطرة، قلل بشكل كبير من الأضرار المحتملة»، وقال إن «جزءاً من أعمال البناء والتطوير في البلاد خلال السنوات الأخيرة عالج القصور في قطاع البنية التحتية في غالبية المحافظات، ما ساهم في تخفيف الآثار الجانبية للزلزال».

وشيّدت الحكومة المصرية خلال السنوات الأخيرة عدة مدن جديدة، كبديل للمناطق العشوائية غير الآمنة، وطوّرت نحو 357 منطقة، استفاد منها ما يقرب من 1.2 مليون مواطن، حسب مجلس الوزراء المصري.

ويرى درويش، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن من بين مظاهر التغيير، التي ساهمت في تقليل أضرار «زلزال السويس»، إقامة مدن جديدة، والتوسع العمراني وفق الاشتراطات الهندسية العالمية، حيث يقطن ما يقرب من 10 في المائة من السكان في المجتمعات العمرانية الجديدة، إلى جانب «تعزيز الحكومة المصرية لقدراتها لمواجهة الكوارث والأزمات بتدشين الشبكة القومية للطوارئ والكوارث العامة».

وفعّلت السلطات المصرية خطة الطوارئ مع وقوع «زلزال السويس»، لكنها لم تسجل أي بلاغات عاجلة، وأعلن «الهلال الأحمر المصري» عدم تلقي أي بلاغات عن إصابات أو أضرار في الممتلكات.

ويشير النائب عمرو درويش إلى أن «بعض المناطق السكنية القديمة تحتاج إلى جهود حكومية أكبر لتعزيز قدرتها على مواجهة أي كوارث»، لافتاً إلى «ضرورة أن تضع الحكومة المصرية في حسبانها تشييد منشآت قادرة على مواجهة آثار التغيرات المناخية، ومن بينها الزلازل».

مشروعات الإسكان الجديدة لم تتأثر بزلزال السويس (وزارة الإسكان المصرية)

ومن بين التفاعلات الإعلامية، قالت الإعلامية لميس الحديدي، في تصريحات متلفزة، إن المقارنة بين الزلزالين «تكشف حجم التغيير العمراني الذي شهدته مصر»، مضيفة أن المباني الحديثة «أُنشئت وفق كود الزلازل، ما جعل البنية التحتية أكثر قوة وحداثة»، وبالتالي لم نرَ حجم الانهيارات الواسعة التي شهدتها البلاد قبل 3 عقود.

بينما يرى وكيل لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب المصري، محمد عطية الفيومي، أن «الاختلاف في مركز الزلزال الأخير عن الذي وقع في عام 1992، كان العامل المؤثر في تباين حجم الأضرار والخسائر، وليس تطور البنية التحتية»، مشيراً إلى أن «الهزة الأرضية الأخيرة كانت تبعد عن القاهرة التي تتكدس بالبنايات بمسافات كبيرة، على عكس ما حدث قبل 34 عاماً، حيث كان مركز الزلزال في إقليم القاهرة الكبرى».

ويرى الفيومي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك مباني أُنشئت في أربعينات القرن الماضي، وما زالت تحتفظ بقوة بنيانها، على عكس المباني الحديثة». وشدّد على ضرورة «مراجعة الحكومة المصرية لأكواد البناء المصرية الحديثة، والاستعانة بتجارب دول لديها الخبرة في التعامل مع الكوارث الطبيعية مثل اليابان، بما يساعد في تطوير وتحديث اشتراطات البناء، وبالتالي تعزيز قدرتها على مواجهة كوارث مثل الزلازل».


مقالات ذات صلة

مصر: إحالة المتهم بـ«مذبحة التجمع» إلى محكمة الجنايات

شمال افريقيا صورة المتهم والضحايا للحادث (وزارة الداخلية المصرية) p-circle

مصر: إحالة المتهم بـ«مذبحة التجمع» إلى محكمة الجنايات

أمرت النيابة العامة في مصر بإحالة متهم بقتل أسرة كاملة بالقاهرة الجديدة لمحاكمة جنائية عاجلة، وذلك بعد تحقيقات استمرت ثمانية وأربعين ساعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)

أزمة «ملكية خطوط الجوال» تربك المصريين المغتربين

فوجئت سمر إسماعيل (اسم مستعار)، وهي مصرية مقيمة في كندا منذ سنوات طويلة، بأن رقمها القومي المصري مسجل به عدة خطوط (شرائح) جوال، لا تعلم عنها شيئاً.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)

«حادث الإسماعيلية» يُلقي الضوء على عمالة الأطفال في مصر

خلّف حادث تصادم شاحنتين كانتا تقلّان عمالاً زراعيين في محافظة الإسماعيلية، في شمال مصر، الثلاثاء، نقاشاً واسعاً حول عمالة الأطفال.

أحمد جمال (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)

الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

تهيمن التطورات بالمنطقة وتعزيز التعاون الثنائي، على زيارة وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، الخميس، إلى مصر، والتي تشمل لقاءات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصرية يلتقي الأمين العام لمجلس دول التعاون الخليجي في القاهرة الثلاثاء (الخارجية المصرية)

مصر تشدد على أمن الخليج واستقراره

جدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي التأكيد على "دعم مصر الثابت لأمن واستقرار دول الخليج"، معرباً عن تضامن بلاده مع دول مجلس التعاون الخليجي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مصر: إحالة المتهم بـ«مذبحة التجمع» إلى محكمة الجنايات

صورة المتهم والضحايا للحادث (وزارة الداخلية المصرية)
صورة المتهم والضحايا للحادث (وزارة الداخلية المصرية)
TT

مصر: إحالة المتهم بـ«مذبحة التجمع» إلى محكمة الجنايات

صورة المتهم والضحايا للحادث (وزارة الداخلية المصرية)
صورة المتهم والضحايا للحادث (وزارة الداخلية المصرية)

أمرت النيابة العامة في مصر بإحالة متهم بقتل أسرة كاملة بالقاهرة الجديدة لمحاكمة جنائية عاجلة، وذلك بعد تحقيقات استمرت ثمانية وأربعين ساعة، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وذكر بيان النيابة العامة المصرية أنها تلقت إخطاراً بالعثور على جثامين أربعة أشخاص من أسرة واحدة بدائرة القاهرة الجديدة، مقتولين إثر إصابتهم بأعيرة نارية، سبق الإبلاغ عن تغيبهم، فباشرت التحقيقات التي استمرت ثمانية وأربعين ساعة، وانتقلت إلى مسرح الواقعة، وناظرت الجثامين، وأمرت بإجراء الصفة التشريحية، كما تتبعت خط سير المجني عليهم من خلال آلات المراقبة، وطلبت تحريات الشرطة، التي أسفرت عن أن مرتكب الواقعة صديق للمجني عليهم، فأمرت بضبطه وإحضاره.

وأوضح بيان النيابة المصرية أنه باستجوابه «أقر بقتل المجني عليه وزوجته وطفلتيهما مع سبق الإصرار، إثر رفض المجني عليه إقراضه مبلغاً مالياً؛ فعقد العزم على قتله والاستيلاء على أمواله ومصاغه الذهبي، واستدرجه إلى منطقة القطامية، وأطلق صوبه ثلاثة أعيرة نارية أودت بحياته، ثم استولى على مفتاح مسكنه، وتخلص من جثمانه بإحدى الطرق الصحراوية».

واستطرد البيان أنه «عقب ذلك، استدرج زوجته وطفلتيه، موهماً إياهن بتعرض المجني عليه لحادث سير، قاصداً إخلاء المسكن وسرقة محتوياته، ثم أطلق عليهن داخل السيارة التي كانت تقلهن خمسة أعيرة نارية أودت بحياتهن، وتوجه إلى المسكن، إلا أن وجود حارس العقار حال دون إتمام مخططه».

وأمرت النيابة العامة بحبس المتهم احتياطياً، وإحالته إلى المحاكمة الجنائية العاجلة، حسب البيان.


إسبانيا ترفض مناقشة السيادة على جيبَي سبتة ومليلية مع الرباط

وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس خلال لقاء مع عدد من المسؤولين في سبتة لبحث أزمة المهاجرين (إ.ب.أ)
وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس خلال لقاء مع عدد من المسؤولين في سبتة لبحث أزمة المهاجرين (إ.ب.أ)
TT

إسبانيا ترفض مناقشة السيادة على جيبَي سبتة ومليلية مع الرباط

وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس خلال لقاء مع عدد من المسؤولين في سبتة لبحث أزمة المهاجرين (إ.ب.أ)
وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس خلال لقاء مع عدد من المسؤولين في سبتة لبحث أزمة المهاجرين (إ.ب.أ)

قال مسؤولون إسبان، الأربعاء، إن وضع جَيْبَيْ سبتة ومليلية، الواقعتين شمال المغرب، بوصفها أراضيَ إسبانية «ليس موضع نقاش»، وذلك بعد أن أكد وزير العدل المغربي عبد ​اللطيف وهبي مطالبات الرباط بالسيادة على المدينتين، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وعُدّت تصريحات وهبي، الثلاثاء لقناة تلفزيونية، أول مرة تثير فيها الرباط هذه القضية الخلافية علناً، منذ أزمة اقتحام سبتة في أواخر يوليو (تموز) الماضي من قبل نحو 72 ألف مهاجر لمدة وجيزة، التي لقي فيها من لا يقلون عن 96 شخصاً حتفهم في التدافع الجماعي على ‌الحدود.

وقال وهبي إن ‌بلاده لطالما أثارت مسألة وضع ​المدينتين ‌في مفاوضات ⁠مع ​إسبانيا؛ «بهدف ⁠طويل الأمد يتمثل في التوصل إلى حل عبر الحوار».

ومنذ استقلاله في عام 1956، يَعدّ المغرب سبتة ومليلية منطقتين محتلتين من إسبانيا، ويؤكد أن السيادة عليهما يجب أن تنتقل في نهاية المطاف إلى الرباط. أما مدريد فتعدّهما جزءاً لا يتجزأ من أراضيها.

ورداً على سؤال بشأن تصريحات وهبي، قالت وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغاريتا ⁠روبليس، لصحافيين في سبتة: «سبتة ومليلية ليستا مجرد مدينتين ‌إسبانيتين، بل هما مدينتان ‌إسبانيتان بامتياز، ولا يمكن المساس بهما». وأضافت، في ​إشارة إلى الأزمة الحدودية: «أي هجوم ‌على سبتة ومليلية هو هجوم على إسبانيا عموماً. ويجب ‌ألا يتكرر ذلك أبداً».

وأشادت الحكومة الإسبانية بتعاون السلطات المغربية في إعادة المهاجرين، وحمّلت عصابات تهريب البشر مسؤولية الأزمة. وقالت وزارة الخارجية الإسبانية، في بيان، إن سلامة أراضي إسبانيا «لم تناقَش مع أي طرف، ‌ولن تناقش أبداً».

من جانبها، قالت وزارة الداخلية المغربية، الأربعاء، إنها عززت الإجراءات الأمنية بالقرب من الحدود مع ⁠سبتة ومليلية، ⁠وذلك في أعقاب دعوات عبر الإنترنت لمحاولة عبور جماعية أخرى في 15 أغسطس (آب) الحالي، محذرة بأنها ستلاحق المنظمين والمشاركين قضائياً. وذكرت الوزارة في بيان أنها «تدعو الجميع إلى التحلي باليقظة وروح المسؤولية، وعدم الانسياق وراء مثل هذه الدعوات المشبوهة والمضللة، لما قد يترتب عليها من تعريض حياة الأشخاص للخطر». ودعت الوزارة السلطات الإسبانية إلى «العمل على تسريع إجراءات إعادة القاصرين غير المرفوقين الموجودين بمدينة سبتة إلى أسرهم بالمغرب».

وكانت وزيرة الشباب الإسبانية، سيرا ريجو، قد صرحت الأسبوع الماضي بأن مدريد ستقيّم عرض ​المغرب إعادة القصّر على ​أساس كل حالة على حدة.


«مسيرات» الميليشيات تستهدف محطة كهرباء بالزاوية الليبية

آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)
آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)
TT

«مسيرات» الميليشيات تستهدف محطة كهرباء بالزاوية الليبية

آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)
آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)

لم تكد تمر ساعات على تحذيرات رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، بمحاسبة الأطراف المتورطة في هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مرافق ومنشآت نفطية في مدينة الزاوية (غرب)، حتى تعرضت محطة كهرباء جنوب المدينة لهجوم جديد في وقت متأخر الثلاثاء.

وهذا التصعيد الذي بدا من منظور مراقبين تجاهلاً لتحذيرات الدبيبة، أثار أيضاً مخاوف من اتساع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت حيوية، تمس حياة السكان مباشرة.

بقايا طائرة مسيرة استهدفت محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الثلاثاء (الشركة العامة للكهرباء)

ويأتي الهجوم الأحدث بعد سلسلة اعتداءات طالت خلال الأيام الماضية منشآت نفطية في الزاوية، وسط تقارير محلية وشهادات عن استخدام مجموعات مسلحة طائرات مسيّرة في تنفيذها، ما يضع السلطات في طرابلس أمام اختبار أمني متزايد لمدى قدرتها على احتواء الجماعات المسلحة، الناشطة في المنطقة الغربية.

ووسط استياء شعبي عم مدينة الزاوية نتيجة انقطاع التيار الكهربائي، نشرت الشركة العامة للكهرباء، الأربعاء، صوراً للأضرار التي لحقت بمحطة تحويل جنوب الزاوية، جراء استهدافها ليل الثلاثاء، موضحة أن الهجوم أدى إلى احتراق المحطة بالكامل وخروجها عن الخدمة، ما تسبب في فقدان التغذية الكهربائية عن مناطق واسعة جنوب المدينة.

وقالت الشركة إنها اتخذت الإجراءات الفنية اللازمة لحصر الأضرار وتقييمها، تمهيداً للبدء في إعادة تأهيل المحطة، التي تضم محولين بكامل ملحقاتهما بجهد 11/30 كيلوفولت.

احتراق مرافق ومنشآت نفطية في مدينة الزاوية بعد استهدافها بطائرات مسيّرة (أ.ب)

وكانت الشركة قد حذرت، عقب الهجوم، من خطورة استمرار الاعتداءات على منشآت ومكونات الشبكة الكهربائية، مؤكدة أن فقدان المزيد من محطات التحويل، وخطوط ومكونات نقل الطاقة، قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في المنظومة، تصل إلى إطفاء جزئي أو عام للشبكة.

وأوضحت الشركة أن الظروف الأمنية التي شهدتها الزاوية خلال الفترة الماضية انعكست بصورة مباشرة على قطاع الكهرباء، وتسببت في أضرار لعدد من منشآت ومكونات الشبكة، فضلاً عن تعطيل برامج الصيانة وتأثر وحدات الإنتاج في محطة كهرباء الزاوية.

وأضافت الشركة أن تدهور الوضع الأمني خلال يونيو (حزيران) الماضي دفع شركة «جي إي» الأميركية إلى سحب فرقها الفنية، وتعليق أعمالها في المحطة، الأمر الذي أدى إلى تأخر استكمال أعمال الصيانة، واستمرار فقدان أكثر من 700 ميغاوات من القدرة الإنتاجية، من إجمالي قدرة للمحطة تبلغ نحو 1300 ميغاوات.

جهود رجال الإطفاء لإخماد النيران التي اندلعت بمنشآت نفطية في الزاوية (أ.ب)

وحمّلت الشركة مسؤولية أي تبعات قد تلحق بالشبكة، أو تؤثر في استمرارية التغذية الكهربائية، لاستمرار استهداف منشآتها ومكوناتها، وتعذر تنفيذ أعمال الصيانة والتشغيل في بيئة آمنة.

وجاء الهجوم الجديد فيما تواجه السلطات في طرابلس ضغوطاً متزايدة لاحتواء التوتر الأمني في الزاوية، خصوصاً في ظل علاقات وتفاهمات سابقة مع عدد من التشكيلات المسلحة النافذة في المنطقة الغربية.

وكان الدبيبة ونائب رئيس المجلس الرئاسي، عبد الله اللافي، قد عقدا خلال اليومين الماضيين لقاءات مع قادة مجموعات مسلحة في طرابلس والزاوية، في مساعٍ لخفض التوتر، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

وقبل ساعات قليلة من الهجوم، وصف الدبيبة، في بيان عبر منصة «إكس» مساء الثلاثاء، استهداف المنشآت الحيوية بالطائرات المسيّرة بأنه «جريمة خطيرة، وتصعيد لن يمر دون رد»، معتبراً أنه عمل منظم تجاوز «خطأ لا يمكن السماح بتجاوزه»، ويمس أمن البلاد واقتصادها ومقدرات الليبيين.

وأوضح الدبيبة أن الجهات المختصة باشرت التحقيقات لتحديد مصدر الطائرات المستخدمة في الهجوم، مشيراً إلى أنه تابع تطورات الحريق الذي اندلع في خزان بالمنطقة الصناعية في الزاوية، الواقعة على بعد نحو 40 كيلومتراً غرب طرابلس، ووجّه برفع مستوى الاستجابة مع إعطاء الأولوية لحماية الأرواح ومنع امتداد النيران.

وتكتسب الزاوية، الواقعة على بُعد نحو 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، أهمية استراتيجية، إذ تضم أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا بطاقة إنتاجية تبلغ 120 ألف برميل يومياً، وترتبط بإمدادات حقل الشرارة النفطي، الذي تصل طاقته الإنتاجية إلى نحو 300 ألف برميل يومياً. لكنها تشهد في المقابل انتشاراً لفصائل مسلحة متعددة الولاءات، تتنافس على النفوذ ومسارات تهريب الوقود والبشر والهجرة غير النظامية، وفق تقارير أممية.

الدبيبة وصف استهداف المنشآت الحيوية بالطائرات المسيّرة بأنه «جريمة خطيرة» (إ.ب.أ)

وفي موازاة التصعيد الأمني، تكثف الأمم المتحدة اتصالاتها لدعم التهدئة في المنطقة الغربية. وأكدت مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، دعم البعثة الكامل للجهود الرامية إلى خفض التوتر واستعادة الاستقرار، مشددة على ضرورة حماية المدنيين ودعم حقوق الإنسان، إلى جانب توفير الدعم السياسي والمؤسسي لتنفيذ الترتيبات الأمنية على امتداد الساحل الغربي.

وجددت تيتيه، خلال لقائها في طرابلس رئيس أركان القوات الموالية لحكومة الوحدة صلاح النمروش ووفداً من مدينة صرمان، ضم النائب الأول لرئيس مجلس النواب فوزي النويري، دعم الأمم المتحدة للجهود الرامية إلى إنهاء القتال وضمان سلام وأمن مستدامين.

وأشادت المبعوثة بالاجتماع الذي عقد مؤخراً بين رئيسي الأركان العامة في سرت، معتبرة أن مثل هذه الخطوات يمكن أن تشكل مدخلاً عملياً نحو إعادة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى معالجة أسباب التوتر الأمني في المنطقة الغربية، ومنع تحوله إلى تهديد مباشر للمنشآت الحيوية والسكان.