هوس التجميل... بين أخلاقيات المهنة وإغراءات المظهر

المسؤولية مشتركة بين الطبيب والمريض

هوس التجميل... بين أخلاقيات المهنة وإغراءات المظهر
TT

هوس التجميل... بين أخلاقيات المهنة وإغراءات المظهر

هوس التجميل... بين أخلاقيات المهنة وإغراءات المظهر

شهد العالم خلال العقود الأخيرة ازدهاراً هائلاً في مجال الطب التجميلي، مدفوعاً بتطور التقنيات الطبية، وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، وتغيّر معايير الجمال. وهذا الازدهار لم يَعُد مجرّد استجابة لحاجة إصلاحية، أو علاجية، بل تحوّل تدريجياً إلى ما يمكن وصفه بـ«هوس الجمال»؛ هوس يتجاوز الرغبة المشروعة في الظهور بمظهر حسن، ليأخذ طابعاً قهرياً تغذّيه ضغوط اجتماعية وإعلامية ونفسية متراكمة.

هذا الهوس لم يَعُد حكراً على النساء، بل امتد ليشمل الرجال والفتيان والفتيات، متأثرين بثقافة الصورة المثالية التي تروّجها منصات التواصل والمشاهير، حيث أصبح «الشكل المفلتر» أكثر حضوراً من الصورة الواقعية، وأصبح «التحسين التجميلي» وسيلة لحصد القبول الاجتماعي.

في خضم هذا التوجه، يقف الطب التجميلي في منطقة حرجة بين طرفين: أطباء مخلصون يلتزمون بالضوابط المهنية والإنسانية، ويعملون على تحقيق توازن بين الفائدة الطبية وسلامة المريض النفسية؛ وآخرون انجرفوا خلف الجشع التجاري، مستغلين حاجة الناس، أو ضعفهم النفسي، مقدمين وعوداً زائفة، أو إجراءات مفرطة، وغير ضرورية، وأحياناً دون مؤهلات كافية، ما أدى إلى مضاعفات صحية ونفسية جسيمة في حالات كثيرة.

اضطراب تشوه صورة الجسد

يُعرّف اضطراب تشوه صورة الجسد (Body Dysmorphic Disorder - BDD) بأنه اضطراب نفسي يتمثل في انشغال مفرط بعيب جسدي -يكون غالباً طفيفاً أو غير مرئي للآخرين-، ما ينعكس سلباً على الأداء الاجتماعي والوظيفي للمصاب.

ولا يقتصر تأثير هذا الاضطراب على الانزعاج النفسي فحسب، بل قد يقود إلى سلوكيات قهرية متكررة، كالفحص بالمرآة باستمرار، أو تجنّب التفاعل الاجتماعي، أو السعي المتكرر إلى الإجراءات التجميلية.

وقد وجدت دراسة منشورة في مجلة جراحة التجميل (Aesthetic Surgery Journal) إلى أن ما بين 13 في المائة إلى 15 في المائة من مراجعي عيادات التجميل يعانون من أعراض اضطراب تشوه صورة الجسد، مقابل نسب لا تتجاوز 2 في المائة فقط بين عامة السكان.

ويشير هذا الفرق اللافت إلى أن نسبة معتبرة من المتقدمين لعمليات التجميل تعاني من دافع نفسي مرضي خفي، وليس مجرد رغبة واعية في التحسين.

الأخطر من ذلك أن المرضى المصابين بـBDD غالباً ما يكونون غير راضين عن نتائج العمليات التي خضعوا لها سابقاً، ما يدفعهم لطلب تدخلات متكررة، دون تحسّن فعلي في تقديرهم لذاتهم، أو تقبُّلهم لصورهم. وتُظهر الأبحاث أن هؤلاء المرضى عرضة أكبر للإصابة بالاكتئاب، والعزلة الاجتماعية، وحتى الأفكار الانتحارية، في حال لم يتم التعامل مع حالتهم من منطلق نفسي، وليس من منظور جراحي فقط.

لهذا السبب، توصي الجمعية الأميركية لجراحي التجميل -إلى جانب العديد من المراجع الأخلاقية الدولية- بضرورة إجراء تقييم نفسي مبدئي لجميع المرضى، خاصة أولئك الذين يظهرون قلقاً مفرطاً بشأن تفاصيل دقيقة في ملامحهم، أو لديهم تاريخ من العمليات المتكررة دون رضى.

ويُعد رفض الطبيب للتدخل الجراحي، حين يشتبه بوجود BDD غير معالج، تصرّفاً طبياً مسؤولاً وأخلاقياً، وليس تقصيراً في الخدمة، بل حماية للمريض من إجراءات قد تزيد حالته النفسية سوءاً.

جراحات تجميل غير مبررة طبياً

رغم أن الطب التجميلي يمكن أن يلعب دوراً إيجابياً في تحسين جودة حياة بعض المرضى، فإن بعض الإجراءات الجراحية أصبحت تُطلب بشكل متكرر من دون وجود حاجة طبية فعلية، بل بدافع تقليد معايير جمالية شائعة، أو تحت تأثير وسائل التواصل الاجتماعي.

تشير بيانات الجمعية الأميركية لجراحي التجميل (ASPS, 2022) إلى أن شفط الدهون وتجميل الأنف وتجميل الجفون تظل في مقدمة العمليات التجميلية عالمياً، لكن لوحظ تزايد ملحوظ في بعض الإجراءات مثل:

• استئصال دهون الخد (Buccal Fat Removal)، والتي ارتفعت شعبيتها رغم غياب أي فائدة وظيفية مثبتة لها، وهو ما دفع الأكاديمية الأميركية لجراحي التجميل إلى التحذير من الإجراء عند صغار السن، نظراً لاحتمال ترهل الوجه مبكراً.

• تصغير الشفرين (Labiaplasty)، وهي عملية زادت بنسبة 36 في المائة خلال عام واحد (ASPS, 2022)، رغم أن معظم الحالات لا تُعاني من أعراض جسدية، وإنما من عدم رضا شكلي مدفوع بالصور النموذجية.

وأوضحت دراسة نوعية نُشرت في مجلة (Aesthetic Surgery Journal) أن نحو 30 في المائة من النساء اللواتي خضعن لتدخلات تجميلية اعترفن بأن الدافع الأساسي لم يكن جسدياً، وإنما كان نفسياً أو اجتماعياً، بما في ذلك الرغبة في التشابه مع مؤثرات على «إنستغرام»، أو شعور بعدم الكفاية الذاتية (Veale et al., 2016).

وتُشير دراسات أخرى إلى ظاهرة ما يُعرف بـ«تعب الفيلر» (Filler Fatigue)، حيث يُطلب من الأطباء إزالة مواد تعبئة الوجه بعد الشعور بالندم، وهو ما تزايد بنسبة 57 في المائة خلال عامي 2020–2021 وفق مراجعة علمية نشرت في مجلة (J Cosmet Dermatol).

هذا كله يعكس أن جزءاً كبيراً من التدخلات التجميلية يتم بدوافع غير سريرية، ما يُحتم على الأطباء اتخاذ موقف نقدي، والامتناع عن الإجراء حين يغيب المؤشر الطبي.

جراحات إنقاص الوزن

تقليدياً، يُوصى بجراحات السمنة (مثل تكميم المعدة وتحويل المسار) للمرضى الذين لديهم مؤشر كتلة جسم (BMI ≥ 40)، أو (BMI ≥ 35) مع أمراض مزمنة مصاحبة، مثل السُكري أو توقف التنفس أثناء النوم. لكن في السنوات الأخيرة، بدأ التوسع في هذه الجراحات ليشمل المرضى الذين لديهمBMI أقل من 35.

حديثاً، أقرت الجمعية الأميركية لجراحة السمنة والتمثيل الغذائي (ASMBS) أن مؤشر كتلة الجسم لم يعد المعيار الوحيد، بل يجب النظر في حدة الأمراض المصاحبة، وفشل الوسائل المحافظة قبل اتخاذ القرار.

ومع ذلك، فإن معظم الأدلة تُشير إلى أن الاستفادة تصبح محدودة كلما اقترب BMI من 30، ما لم يكن المريض يعاني من أمراض استقلابية غير مسيطر عليها.

وبالتالي، فإن جراحات التخسيس في الفئات منخفضة الوزن تتطلب حسماً سريرياً دقيقاً، وتوازناً بين الفائدة المتوقعة والمخاطر المحتملة، ويجب ألا تُستخدم على أنها وسيلة تجميلية، أو بديل سريع للحمية.

استئصال دهون الخد من العمليات الجديدة غير المبررة طبياً والتي ازدادت شعبيتها حديثاً

مضاعفات ودوافع وأخلاقيات

• مضاعفات صحية. أشار عدد من الدراسات إلى أن معدل المضاعفات الناتجة عن الإجراءات التجميلية غير المنضبطة قد زاد بنسبة 30 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية. وتشمل هذه المضاعفات التهابات، وتشوهات دائمة، وندبات غير قابلة للإصلاح، وصدمة نفسية بعد النتيجة غير المُرضية، ومضاعفات صحية خطيرة في حال استخدام مواد غير آمنة، أو بيئة غير معقمة.

• دور وسائل التواصل والفلتر النفسي المشوّه. في العصر الرقمي، أصبحت التطبيقات -مثل «إنستغرام» و«سناب شات»- منصات لترويج معايير جمالية غير واقعية. وأظهرت دراسة منشورة في مجلة الجمعية الطبية الأميركية لجراحة تجميل الوجه (JAMA Facial Plastic Surgery ) أن الاستخدام المتكرر للفلاتر ارتبط مباشرة بزيادة عدم الرضا عن المظهر الحقيقي، وارتفاع معدلات التوجه للتجميل، خاصة بين الشباب من عمر 18 إلى 30 عاماً.

وليس ذلك فحسب، بل أظهرت الدراسة نفسها أن مقارنة النفس بصور معدّلة رقمياً تُعد عامل خطر للإصابة بالاكتئاب، واضطرابات القلق المرتبطة بالمظهر.

• الطبيب بين الأمانة المهنية والإغراء التجاري. ليس الطبيب التجميلي مجرّد منفّذٍ لرغبات المريض، بل هو أمينٌ على مصلحة المريض الجسدية والنفسية، ومكلّف بتقديم النصح المستند إلى تقييم سريري وأخلاقي دقيق، لا إلى الطلب وحده.

ورغم أن الطب التجميلي قد يُحقق فوائد نفسية ملموسة في حالات محددة -مثل تصحيح التشوّهات الخلقية أو معالجة عيوب واضحة تُسبب اضطراباً في صورة الذات- فإن الاستجابة العشوائية أو غير المنضبطة لطلبات التجميل دون مسوّغ طبي تُحوّل الطبيب من صاحب رسالة إنسانية إلى مزوّد خدمة استهلاكية، وهو انحراف جوهري عن أخلاقيات المهنة، ورسالتها الأصلية.

وتنص وثيقة أخلاقيات المهنة الصادرة عن الجمعية الأميركية لجراحي التجميل (ASPS) على أن:

«رفض إجراء العملية في حال غياب المبرر السريري أو وجود مؤشرات على اضطراب نفسي هو واجب مهني وليس خياراً».

لكن في الواقع العملي، تشير دراسة منشورة في «BMJ Open» إلى أن العروض الترويجية والإعلانات التجارية التي تُقدّم الطب التجميلي بأسلوب استهلاكي تُساهم في تساهل بعض الأطباء بقبول حالات غير مناسبة سريرياً، خصوصاً حين تكون الحوافز المالية حاضرة، مما يُعرّض المرضى لمضاعفات نفسية وجسدية كان يمكن تجنبها.

• توصيات منظمة الصحة العالمية. توصي منظمة الصحة العالمية بأن تُربط أي ممارسات تجميلية بمبادئ الحوكمة السريرية، على أن تشمل كل حالة:

-تقييم الفائدة الصحية أو النفسية المحتملة.

-استبعاد أي اضطرابات نفسية نشطة.

-شرح المخاطر والبدائل بشكل واضح.

-التأكد من أن القرار نابع من قناعة حرة، وليس ضغطاً اجتماعياً، أو إعلامياً.

نسبة معتبرة من المتقدمين لعمليات التجميل تعاني من دافع نفسي مرضي خفي

وأخيراً، فإن المسؤولية مشتركة بين الطبيب والمريض، فالطبيب الذي يُجري عملية تجميل لمجرد تلبية رغبة عابرة دون تقييم تبعاتها النفسية والجسدية يُقصّر في أمانته المهنية. وفي المقابل، فإن المريض الذي يسعى إلى التغيير الجراحي دون وعي حقيقي بمصدر دوافعه يُعرّض نفسه لمخاطر قد تتجاوز ما يراه في المرآة، وتطال صحته النفسية، وهويته الذاتية.

ويُجسّد هذه الفلسفة ما قاله جرّاح التجميل الفرنسي المعروف بأخلاقياته د. جاك غالو (Jacques Gallet): «الجرّاح التجميلي الجيّد هو من يعرف كيف يقول: لا». وهي عبارة تختصر الدور الأخلاقي للطبيب الذي لا ينساق خلف الرغبات غير المبررة، بل يُمارس سلطته المهنية بحكمة، ومسؤولية.

وعلى الجانب النفسي، لخّص عالم النفس التحليلي كارل يونغ (Carl Jung) جوهر الجمال الداخلي بقوله: «أكثر الأمور رعباً هو ألا يقبل الإنسان نفسه كما هو بالكامل». في إشارة إلى أن الجمال الحقيقي لا يبدأ من نحت الجسد، بل من المصالحة مع الذات، وإزالة الحواجز الداخلية التي تشوّه نظرتنا لأنفسنا.

إذن، فإن الجمال الحقيقي لا يُحقن بالإبرة، ولا يُنحت بالليزر، بل يُولد من توازن داخلي بين الرضا والصحة النفسية، والإدراك الواقعي للذات. لستَ بحاجة لأن تشبه أحداً لتكون جميلاً، فقط كن سليم النفس، مُتصالحاً مع ذاتك، وعندها ستصبح صورتك أكثر صفاءً من أي مرآة.

*استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

دراسة تحذر من احتواء أكواب القهوة الجاهزة على آلاف من جزيئات البلاستيك

صحتك الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)

دراسة تحذر من احتواء أكواب القهوة الجاهزة على آلاف من جزيئات البلاستيك

حذرت دراسة من أن أكواب القهوة الجاهزة إذا كانت مصنوعة من البلاستيك أو مبطنة بطبقة رقيقة منه، فمن المحتمل جداً أن يتسرب منها آلاف من جزيئات البلاستيك الدقيقة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)

«صيحات» منتظرة لمعالجة السمنة

يتوقع الخبراء خمسة تغييرات رئيسية في علاج السمنة من المرجح ظهورها في عام 2026، وفقاً لشبكة «فوكس نيوز» الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك يُقدّم الشاي العديد من الفوائد الصحية (رويترز)

الشاي البارد مقابل الساخن... أيهما يحتوي على مضادات أكسدة ومغذيات أكثر؟

يُحضّر الشاي البارد بنقع أوراق الشاي في الحليب البارد أو الماء لعدة ساعات... فهل تُعد هذه الطريقة صحية أكثر؟ أم أن الشاي الساخن أفضل؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ صيدلي يتحقق من وزن أقراص الباراسيتامول في الهند (رويترز) play-circle

مراجعة علمية دقيقة تفند مزاعم ترمب: الباراسيتامول آمن أثناء الحمل

أظهرت مراجعةٌ علميةٌ دقيقةٌ للأدلة أن تناول الباراسيتامول أثناء الحمل لا يزيد من احتمالية إصابة الطفل بالتوحد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الأشخاص المصابون بالاكتئاب الشديد هم أكثر عرضة للإصابة بالصداع النصفي بثلاث مرات (بيكسلز)

من الصداع إلى آلام الظهر: كيف يظهر الاكتئاب جسدياً؟

يعاني العديد من الأشخاص حول العالم من الاكتئاب، إلا أن كثيرين منهم قد لا يدركون إصابتهم به، إذ يميلون لربط الأعراض الجسدية التي يعانون منها بمشكلات صحية أخرى.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

دراسة تحذر من احتواء أكواب القهوة الجاهزة على آلاف من جزيئات البلاستيك

الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)
الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)
TT

دراسة تحذر من احتواء أكواب القهوة الجاهزة على آلاف من جزيئات البلاستيك

الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)
الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)

حذرت دراسة من أن أكواب القهوة الجاهزة إذا كانت مصنوعة من البلاستيك أو مبطنة بطبقة رقيقة منه، فمن المحتمل جداً أن يتسرب منها آلاف من جزيئات البلاستيك الدقيقة مباشرةً إلى مشروبك، بحسب موقع «ساينس أليرت».

وقال الموقع إن العالم يستهلك ما يُقدّر بـ500 مليار كوب سنوياً، وتناولت دراسة نُشرت في مجلة «المواد الخطرة»، تأثير البلاستيك في الأكواب عند تسخينها، وخلصت إلى أن الحرارة عامل رئيسي في إطلاق الجزيئات البلاستيكية الدقيقة، ومادة صنع كوبك لها تأثير أكبر مما تتصور.

ما الجزيئات البلاستيكية الدقيقة؟

هي شظايا بلاستيكية يتراوح حجمها بين ميكرومتر واحد وخمسة ملليمترات تقريباً؛ أي ما يعادل حجم ذرة غبار إلى حجم حبة سمسم.

أكواب قهوة (رويترز)

وتتكون هذه الجزيئات عند تحلل المواد البلاستيكية الكبيرة، أو قد تنطلق مباشرةً من المنتجات في أثناء الاستخدام العادي، وينتهي بها المطاف في بيئتنا، وغذائنا، وفي نهاية المطاف، أجسامنا.

وحالياً، لا نملك أدلة قاطعة حول كمية هذه الجزيئات البلاستيكية الدقيقة التي تبقى في أجسامنا.

والدراسات في هذا المجال عرضة للتلوث، ومن الصعب جداً قياس مستويات هذه الجزيئات الدقيقة في أنسجة الجسم بدقة.

ولا يزال العلماء يدرسون تأثير الجزيئات البلاستيكية الدقيقة على صحة الإنسان على المدى البعيد، وهناك حاجة ماسة إلى مزيد من الأبحاث، ولكن في الوقت الراهن، من الجيد أن نكون على دراية بمصادر الجزيئات البلاستيكية الدقيقة المحتملة في حياتنا اليومية.

وتُعدّ درجة الحرارة عاملاً مهماً، بحسب الدراسة التي قامت بتحليل بيانات من 30 دراسة، على أنواع البلاستيك الشائعة، مثل البولي إيثيلين والبولي بروبيلين، في ظل ظروف مختلفة، وبرز عامل واحد فوق جميع العوامل الأخرى: درجة الحرارة.

أكواب القهوة

مع ارتفاع درجة حرارة السائل داخل الوعاء، يزداد إطلاق الجزيئات البلاستيكية الدقيقة عموماً.

وفي تلك الدراسات، تراوحت كميات الجزيئات المُطلقة من بضع مئات إلى أكثر من 8 ملايين جزيء لكل لتر، وذلك تبعاً للمادة المستخدمة وتصميم الدراسة.

ومن المثير للاهتمام أن «مدة النقع» - أي المدة التي يبقى فيها المشروب في الكوب - لم تكن عاملاً ثابتاً، ويشير هذا إلى أن ترك مشروبنا في كوب بلاستيكي لفترة طويلة ليس بنفس أهمية درجة حرارة السائل عند ملامسته للبلاستيك.

اختبار 400 كوب قهوة

وأوضح الفريق الذي قام بالدراسة أنه جمع 400 كوب قهوة: أكواب بلاستيكية مصنوعة من البولي إيثيلين، وأكواب ورقية مبطنة بالبلاستيك، تبدو كالورق ولكنها تحتوي على طبقة بلاستيكية رقيقة من الداخل.

وأجريت الاختبارات على الأكواب عند درجة حرارة 5 درجات مئوية (درجة حرارة القهوة المثلجة) و60 درجة مئوية (درجة حرارة القهوة الساخنة). وبينما أطلق كلا النوعين جزيئات بلاستيكية دقيقة، كشفت النتائج عن اتجاهين رئيسيين.

أولاً، للمادة المصنوعة منها الكوب أهمية، فقد أطلقت الأكواب الورقية المبطنة بالبلاستيك كمية أقل من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة مقارنةً بالأكواب البلاستيكية بالكامل عند كلتا درجتي الحرارة.

ثانياً، الحرارة تُحفز إطلاق كميات كبيرة من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة، فبالنسبة للأكواب البلاستيكية بالكامل، أدى الانتقال من الماء البارد إلى الماء الساخن إلى زيادة إطلاق الجزيئات البلاستيكية الدقيقة بنسبة 33 في المائة تقريباً.

وإذا شرب شخص ما 300 ملليلتر من القهوة يومياً في كوب مصنوع من البولي إيثيلين، فقد يبتلع 363 ألف قطعة من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة سنوياً.

كوب قهوة (بيكساباي)

لماذا تُعدّ الحرارة مهمةً للغاية؟

باستخدام التصوير عالي الدقة، فحصت الجدران الداخلية لهذه الأكواب، ووجد أن الأكواب البلاستيكية بالكامل تتميز بأسطح أكثر خشونة - مليئة بالنتوءات والانخفاضات - مقارنةً بالأكواب الورقية المبطنة بالبلاستيك.

وهذا الملمس الخشن يُسهّل تفتت الجزيئات، وتُسرّع الحرارة هذه العملية بتليين البلاستيك وتسببه في تمدده وانكماشه، مما يُؤدي إلى زيادة عدم انتظام السطح الذي يتفتت في النهاية إلى مشروبنا.

ووفقاً للدراسة، لسنا مضطرين للتخلي عن عادة شراء المشروبات الجاهزة صباحاً، ولكن يُمكننا تغيير طريقة تناولها، بالنسبة للمشروبات الساخنة، يُعدّ استخدام كوب قابل لإعادة الاستخدام مصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ أو السيراميك أو الزجاج الخيار الأمثل؛ لأن هذه المواد لا تُطلق جزيئات بلاستيكية دقيقة.

وإذا اضطررنا لاستخدام كوب للاستخدام لمرة واحدة، فتُشير أبحاثنا إلى أن الأكواب الورقية المبطنة بالبلاستيك تُطلق عموماً جزيئات أقل من الأكواب البلاستيكية الخالصة، مع العلم أن كليهما لا يخلو من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة.


«صيحات» منتظرة لمعالجة السمنة

السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)
السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)
TT

«صيحات» منتظرة لمعالجة السمنة

السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)
السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)

يتوقع الخبراء خمسة تغييرات رئيسية في علاج السمنة من المرجح ظهورها في عام 2026، وفقاً لشبكة «فوكس نيوز» الأميركية.

ويُعتبر التحول من «إنقاص الوزن البسيط» إلى أدوية «متعددة الأنظمة» أهم هذه التغييرات.

وتتواصل التطورات الكبيرة في مجال إنقاص الوزن في العام الجديد، وذلك في أعقاب الأبحاث الرائدة حول أدوية GLP-1 التي تستعمل لفقدان الوزن وغيرها.

وتحدث خبراء إنقاص الوزن حول توقعاتهم لأهم التغييرات المتوقعة:

أدوية السمنة تُستخدم لمساعدة الأشخاص على فقدان الوزن الزائد (جامعة هارفارد)

1- التحول إلى علاج شامل للجسم

أوضح الدكتور بيتر بالاز، اختصاصي الهرمونات وإنقاص الوزن في نيويورك ونيوجيرسي، أن أهم تغيير هو على الأرجح تصنيف أدوية GLP-1 على أنها «معدلات أيضية متعددة الأنظمة» بدلاً من «أدوية إنقاص الوزن البسيطة».

وقال: «لم يعد الهدف من العلاج يقتصر على خفض مؤشر كتلة الجسم، بل يشمل الحدّ من المخاطر الأيضية القلبية الوعائية الشاملة، مع توثيق آثارها على الكبد والقلب والكلى والأوعية الدموية».

وأضاف: «نشهد انخفاضاً ملحوظاً في المضاعفات القلبية الوعائية الخطيرة وتطور أمراض الكلى».

ووفقاً لتوقعات الخبراء، سيتسع نطاق استخدام أدوية GLP-1 ليشمل مجالات أخرى غير إنقاص الوزن وعلاج السكري.

كما أشار الدكتور فيليب رابيتو، المتخصص في الغدد الصماء وإنقاص الوزن والصحة العامة في مدينة نيويورك، إلى أن هناك تطورات «واعدة» تنتظر أدوية إنقاص الوزن، بما في ذلك GLP-1 وGIP.

وأضاف: «تُظهر هذه الأدوية من الجيل الجديد، إلى جانب التركيبات المبتكرة التي تشمل الجلوكاجون ومحفزات الأميلين، نتائج مبهرة في إنقاص الوزن تفوق العلاجات المتاحة حالياً، مع إمكانية تحمل أفضل ونتائج مستدامة».

وتابع: «هناك أيضاً تفاؤل كبير بشأن الاتفاقيات الفيدرالية الجديدة مع الشركات المصنعة التي تهدف إلى جعل هذه الأدوية متاحة على نطاق أوسع وبأسعار معقولة لشريحة واسعة من المرضى الذين هم في أمسّ الحاجة إليها».

2- جرعات أكثر ملاءمة

ذكر بالاز أنه عادةً ما تُعطى أدوية GLP-1 عن طريق الحقن أسبوعياً، ولكن من المتوقع أن تتغير طرق الإعطاء والجرعات إلى طرق أكثر ملاءمة بحلول عام 2026.

وأصبح دواء Wegovy، وهو مصمم لعلاج السمنة، متوفراً الآن على شكل أقراص بجرعة 25 ملغ يومياً، وهو مُعتمد لإدارة الوزن المزمنة، مما يوفر خياراً غير حقني لبعض المرضى.

وأشار بالاز إلى أن دواء GLP-1 الفموي الذي يُؤخذ مرة واحدة أسبوعياً يخضع حالياً للمرحلة الثانية من التجارب السريرية، بالإضافة إلى إمكانية دراسة إعطائه عبر الحقن بهدف استمرار فاعلية جرعة الدواء لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر.

3- جراحة أقل توغلاً

بالإضافة إلى انخفاض المخاطر أثناء الجراحة لمستخدمي GLP-1، توقع بالاز أيضاً أن تصبح جراحة التمثيل الغذائي غير الجراحية خياراً أفضل.

وقال: «قد تصبح الإجراءات التنظيرية غير الجراحية -مثل تكميم المعدة بالمنظار، وهو إجراء غير جراحي لإنقاص الوزن يُصغّر حجم المعدة من الداخل، وإعادة بناء الغشاء المخاطي للاثني عشر وهو إجراء غير جراحي يُعيد ضبط جزء من الأمعاء الدقيقة لمساعدة الجسم على تنظيم مستوى السكر في الدم بشكل أفضل- أكثر فاعلية وانتشاراً».

وأضاف: «توفر هذه الإجراءات فوائد أيضية كبيرة مع فترة نقاهة أقصر ومخاطر أقل من الجراحة التقليدية».

واتفق رابيتو على أن «التقدم السريع» في إجراءات إنقاص الوزن طفيفة التوغل «يفتح خيارات جديدة فعّالة للمرضى المترددين في الخضوع لجراحة السمنة التقليدية».

وذكر الخبير أن هذا الخيار يوفر «إنقاصاً حقيقياً ومستداماً للوزن مع مخاطر أقل، وفترات نقاهة أقصر، ودون الحاجة إلى شقوق جراحية خارجية».

وأكد الدكتور محمد غانم، جراح السمنة في معهد أورلاندو هيلث لجراحة إنقاص الوزن وعلاج السمنة، أن الجراحة لا تزال «الطريقة الأكثر نجاحاً لعلاج السمنة... مع أعلى معدلات فقدان الوزن وأكثر النتائج استدامة حتى الآن».

4- مستخدمو GLP-1 الأصغر سناً

بما أن دواء Wegovy مُعتمد لعلاج السمنة لدى المراهقين فوق سن 12 عاماً، ذكر بالاز أن استخدام أدوية إنقاص الوزن لدى الأطفال «أصبح واقعاً» وتوقع أن تتم الموافقة على بدائل أخرى في عام 2026 للمستخدمين الأصغر سناً.

يسهم الاكتشاف الجديد في فهم أمراض السمنة والاضطرابات النفسية (جامعة غرانادا)

5- إنقاص الوزن المدعوم بالذكاء الاصطناعي

في ظل نمو الذكاء الاصطناعي، توقع بالاز توسعاً في التطبيق السريري لأساليب إنقاص الوزن المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وأضاف أن هذا قد يشمل تصنيف السمنة إلى أنواع فرعية مثل «العقل المتعطش» و«الجوع العاطفي» و«الاحتراق البطيء»، وذلك لتخصيص العلاج وتجاوز أسلوب «التجربة والخطأ»، واتفق غانم مع ذلك الطرح، وذكر أنه من المرجح أن يكون هناك «تغيير كبير».

وسيركز البحث العلمي في عام 2026 على إجراء فحوصات فردية لتحديد أسباب السمنة، نظراً لتعدد أسبابها واختلافها من شخص لآخر، مما يستدعي علاجات مختلفة.

ويتوقع أن يلجأ المزيد من المرضى إلى الجمع بين العلاجات والبرامج الشاملة.

وقال غانم: «أصبح المرضى أكثر وعياً بتوفر خيارات علاجية متعددة لمكافحة السمنة، وهم يبحثون عن نهج شامل ومتعدد التخصصات».

وتوقع بالاز أن خيارات العلاج ستتحول أيضاً إلى الحلول الرقمية مع ازدياد استخدام العلاجات الرقمية الموصوفة لإنقاص الوزن.

وأضاف: «هذه تطبيقات برمجية تُقدم العلاج السلوكي المعرفي، والتغذية الشخصية، والتدريب الأيضي من خلال خوارزميات، وغالباً ما تكون مُدمجة مع أجهزة مراقبة الجلوكوز المستمرة، ويتم تعويضها كعلاجات طبية».


ميزات جينية وراء ظاهرة «المسنّين الخارقين»

شملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات وطنية لدراسة الشيخوخة (رويترز)
شملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات وطنية لدراسة الشيخوخة (رويترز)
TT

ميزات جينية وراء ظاهرة «المسنّين الخارقين»

شملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات وطنية لدراسة الشيخوخة (رويترز)
شملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات وطنية لدراسة الشيخوخة (رويترز)

كشفت دراسة جديدة، أجراها باحثون من المركز الطبي بجامعة فاندربيلت الأميركية، أن من يُطلق عليهم «المسنون الخارقون» يتمتعون بميزتين جينيتين رئيسيتين على الأقل.

استخدمت الدراسة التي نُشرت، الجمعة، في مجلة «ألزهايمر والخرف»، بيانات من مشروع تسلسل جينوم مرض ألزهايمر (ADSP-PHC). وشملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات أميركية وطنية لدراسة الشيخوخة.

وتتبعت الدراسة التى تعد الأكبر حتى الآن، زوجاً من الجينات، يزيد أحدهما، والذي يحمل اسم «APOE-ε4»، من الخطر الوراثي للإصابة بمرض ألزهايمر. في حين يُعتقد أن متغيراً آخر من نفس الجين، وهو «APOE-ε2»، يُوفر حماية ضد المرض.

قام الباحثون بقياس مدى انتشار المتغيرين الجينيين لدى من يُطلق عليهم «المسنون الخارقون» - وهم الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 80 عاماً أو أكثر، والذين تُضاهي وظائفهم الإدراكية وظائف أشخاص أصغر منهم بعشرين أو ثلاثين عاماً.

وأظهرت النتائج أن كبار السن ذوي القدرات الإدراكية الاستثنائية أقل عرضة بنسبة 68 في المائة لحمل جين «APOE-ε4»، وهو الجين الذي لا يرغب فيه أحد، مقارنةً بالأفراد المصابين بألزهايمر في الفئة العمرية نفسها، كما أنهم كانوا أقل عرضة بنسبة 19 في المائة لحمل جين «APOE-ε4»، مقارنةً بالمشاركين ذوي القدرات الإدراكية الطبيعية من نفس الفئة العمرية.

قالت الدكتورة ليزلي جاينور، الأستاذة المساعدة في قسم طب الشيخوخة، والتي قادت الدراسة بالتعاون مع الدكتورة ألينا دورانت، محللة الإحصاء الجيني في مركز فاندربيلت للذاكرة وألزهايمر: «كانت هذه النتيجة هي الأبرز في دراستنا».

وأضافت في بيان، الجمعة: «تشير دراستنا إلى إمكانية استخدام نمط كبار السن ذوي القدرات الإدراكية الاستثنائية لتحديد سمات فئة كبار السن ممن لديهم خطر وراثي منخفض للإصابة بألزهايمر».

وكانت الدراسة قد وجدت أيضاً أن كبار السن ذوي القدرات الإدراكية الفائقة لديهم تردد أعلى للمتغير الجيني المرغوب «APOE-ε2»؛ إذ تزيد احتمالية حملهم لهذا المتغير بنسبة 28 في المائة، مقارنةً بالأفراد الأصحاء إدراكياً ممن تبلغ أعمارهم 80 عاماً فأكثر، وبنسبة 103 في المائة، مقارنةً بالمشاركين المصابين بألزهايمر ممن تبلغ أعمارهم 80 عاماً فأكثر.

ويُتوقع أن تُسهم هذه النتائج في استمرار الاهتمام بدراسة كيفية تأثير هذه المتغيرات الجينية على تطور الخرف الناتج عن ألزهايمر، وكذلك على ظاهرة الشيخوخة الفائقة بشكلٍ عام.

وهو ما تشدد عليه جاينور، قائلة: «مع تزايد الاهتمام بظاهرة الشيخوخة الفائقة، تُعزز نتائجنا بشكلٍ ملحوظ الرأي القائل إن هذه الظاهرة ستكون مفيدة في البحث المستمر عن آليات تُكسب بعض الأفراد مقاومةً لمرض ألزهايمر».