هوس التجميل... بين أخلاقيات المهنة وإغراءات المظهر

المسؤولية مشتركة بين الطبيب والمريض

هوس التجميل... بين أخلاقيات المهنة وإغراءات المظهر
TT

هوس التجميل... بين أخلاقيات المهنة وإغراءات المظهر

هوس التجميل... بين أخلاقيات المهنة وإغراءات المظهر

شهد العالم خلال العقود الأخيرة ازدهاراً هائلاً في مجال الطب التجميلي، مدفوعاً بتطور التقنيات الطبية، وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، وتغيّر معايير الجمال. وهذا الازدهار لم يَعُد مجرّد استجابة لحاجة إصلاحية، أو علاجية، بل تحوّل تدريجياً إلى ما يمكن وصفه بـ«هوس الجمال»؛ هوس يتجاوز الرغبة المشروعة في الظهور بمظهر حسن، ليأخذ طابعاً قهرياً تغذّيه ضغوط اجتماعية وإعلامية ونفسية متراكمة.

هذا الهوس لم يَعُد حكراً على النساء، بل امتد ليشمل الرجال والفتيان والفتيات، متأثرين بثقافة الصورة المثالية التي تروّجها منصات التواصل والمشاهير، حيث أصبح «الشكل المفلتر» أكثر حضوراً من الصورة الواقعية، وأصبح «التحسين التجميلي» وسيلة لحصد القبول الاجتماعي.

في خضم هذا التوجه، يقف الطب التجميلي في منطقة حرجة بين طرفين: أطباء مخلصون يلتزمون بالضوابط المهنية والإنسانية، ويعملون على تحقيق توازن بين الفائدة الطبية وسلامة المريض النفسية؛ وآخرون انجرفوا خلف الجشع التجاري، مستغلين حاجة الناس، أو ضعفهم النفسي، مقدمين وعوداً زائفة، أو إجراءات مفرطة، وغير ضرورية، وأحياناً دون مؤهلات كافية، ما أدى إلى مضاعفات صحية ونفسية جسيمة في حالات كثيرة.

اضطراب تشوه صورة الجسد

يُعرّف اضطراب تشوه صورة الجسد (Body Dysmorphic Disorder - BDD) بأنه اضطراب نفسي يتمثل في انشغال مفرط بعيب جسدي -يكون غالباً طفيفاً أو غير مرئي للآخرين-، ما ينعكس سلباً على الأداء الاجتماعي والوظيفي للمصاب.

ولا يقتصر تأثير هذا الاضطراب على الانزعاج النفسي فحسب، بل قد يقود إلى سلوكيات قهرية متكررة، كالفحص بالمرآة باستمرار، أو تجنّب التفاعل الاجتماعي، أو السعي المتكرر إلى الإجراءات التجميلية.

وقد وجدت دراسة منشورة في مجلة جراحة التجميل (Aesthetic Surgery Journal) إلى أن ما بين 13 في المائة إلى 15 في المائة من مراجعي عيادات التجميل يعانون من أعراض اضطراب تشوه صورة الجسد، مقابل نسب لا تتجاوز 2 في المائة فقط بين عامة السكان.

ويشير هذا الفرق اللافت إلى أن نسبة معتبرة من المتقدمين لعمليات التجميل تعاني من دافع نفسي مرضي خفي، وليس مجرد رغبة واعية في التحسين.

الأخطر من ذلك أن المرضى المصابين بـBDD غالباً ما يكونون غير راضين عن نتائج العمليات التي خضعوا لها سابقاً، ما يدفعهم لطلب تدخلات متكررة، دون تحسّن فعلي في تقديرهم لذاتهم، أو تقبُّلهم لصورهم. وتُظهر الأبحاث أن هؤلاء المرضى عرضة أكبر للإصابة بالاكتئاب، والعزلة الاجتماعية، وحتى الأفكار الانتحارية، في حال لم يتم التعامل مع حالتهم من منطلق نفسي، وليس من منظور جراحي فقط.

لهذا السبب، توصي الجمعية الأميركية لجراحي التجميل -إلى جانب العديد من المراجع الأخلاقية الدولية- بضرورة إجراء تقييم نفسي مبدئي لجميع المرضى، خاصة أولئك الذين يظهرون قلقاً مفرطاً بشأن تفاصيل دقيقة في ملامحهم، أو لديهم تاريخ من العمليات المتكررة دون رضى.

ويُعد رفض الطبيب للتدخل الجراحي، حين يشتبه بوجود BDD غير معالج، تصرّفاً طبياً مسؤولاً وأخلاقياً، وليس تقصيراً في الخدمة، بل حماية للمريض من إجراءات قد تزيد حالته النفسية سوءاً.

جراحات تجميل غير مبررة طبياً

رغم أن الطب التجميلي يمكن أن يلعب دوراً إيجابياً في تحسين جودة حياة بعض المرضى، فإن بعض الإجراءات الجراحية أصبحت تُطلب بشكل متكرر من دون وجود حاجة طبية فعلية، بل بدافع تقليد معايير جمالية شائعة، أو تحت تأثير وسائل التواصل الاجتماعي.

تشير بيانات الجمعية الأميركية لجراحي التجميل (ASPS, 2022) إلى أن شفط الدهون وتجميل الأنف وتجميل الجفون تظل في مقدمة العمليات التجميلية عالمياً، لكن لوحظ تزايد ملحوظ في بعض الإجراءات مثل:

• استئصال دهون الخد (Buccal Fat Removal)، والتي ارتفعت شعبيتها رغم غياب أي فائدة وظيفية مثبتة لها، وهو ما دفع الأكاديمية الأميركية لجراحي التجميل إلى التحذير من الإجراء عند صغار السن، نظراً لاحتمال ترهل الوجه مبكراً.

• تصغير الشفرين (Labiaplasty)، وهي عملية زادت بنسبة 36 في المائة خلال عام واحد (ASPS, 2022)، رغم أن معظم الحالات لا تُعاني من أعراض جسدية، وإنما من عدم رضا شكلي مدفوع بالصور النموذجية.

وأوضحت دراسة نوعية نُشرت في مجلة (Aesthetic Surgery Journal) أن نحو 30 في المائة من النساء اللواتي خضعن لتدخلات تجميلية اعترفن بأن الدافع الأساسي لم يكن جسدياً، وإنما كان نفسياً أو اجتماعياً، بما في ذلك الرغبة في التشابه مع مؤثرات على «إنستغرام»، أو شعور بعدم الكفاية الذاتية (Veale et al., 2016).

وتُشير دراسات أخرى إلى ظاهرة ما يُعرف بـ«تعب الفيلر» (Filler Fatigue)، حيث يُطلب من الأطباء إزالة مواد تعبئة الوجه بعد الشعور بالندم، وهو ما تزايد بنسبة 57 في المائة خلال عامي 2020–2021 وفق مراجعة علمية نشرت في مجلة (J Cosmet Dermatol).

هذا كله يعكس أن جزءاً كبيراً من التدخلات التجميلية يتم بدوافع غير سريرية، ما يُحتم على الأطباء اتخاذ موقف نقدي، والامتناع عن الإجراء حين يغيب المؤشر الطبي.

جراحات إنقاص الوزن

تقليدياً، يُوصى بجراحات السمنة (مثل تكميم المعدة وتحويل المسار) للمرضى الذين لديهم مؤشر كتلة جسم (BMI ≥ 40)، أو (BMI ≥ 35) مع أمراض مزمنة مصاحبة، مثل السُكري أو توقف التنفس أثناء النوم. لكن في السنوات الأخيرة، بدأ التوسع في هذه الجراحات ليشمل المرضى الذين لديهمBMI أقل من 35.

حديثاً، أقرت الجمعية الأميركية لجراحة السمنة والتمثيل الغذائي (ASMBS) أن مؤشر كتلة الجسم لم يعد المعيار الوحيد، بل يجب النظر في حدة الأمراض المصاحبة، وفشل الوسائل المحافظة قبل اتخاذ القرار.

ومع ذلك، فإن معظم الأدلة تُشير إلى أن الاستفادة تصبح محدودة كلما اقترب BMI من 30، ما لم يكن المريض يعاني من أمراض استقلابية غير مسيطر عليها.

وبالتالي، فإن جراحات التخسيس في الفئات منخفضة الوزن تتطلب حسماً سريرياً دقيقاً، وتوازناً بين الفائدة المتوقعة والمخاطر المحتملة، ويجب ألا تُستخدم على أنها وسيلة تجميلية، أو بديل سريع للحمية.

استئصال دهون الخد من العمليات الجديدة غير المبررة طبياً والتي ازدادت شعبيتها حديثاً

مضاعفات ودوافع وأخلاقيات

• مضاعفات صحية. أشار عدد من الدراسات إلى أن معدل المضاعفات الناتجة عن الإجراءات التجميلية غير المنضبطة قد زاد بنسبة 30 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية. وتشمل هذه المضاعفات التهابات، وتشوهات دائمة، وندبات غير قابلة للإصلاح، وصدمة نفسية بعد النتيجة غير المُرضية، ومضاعفات صحية خطيرة في حال استخدام مواد غير آمنة، أو بيئة غير معقمة.

• دور وسائل التواصل والفلتر النفسي المشوّه. في العصر الرقمي، أصبحت التطبيقات -مثل «إنستغرام» و«سناب شات»- منصات لترويج معايير جمالية غير واقعية. وأظهرت دراسة منشورة في مجلة الجمعية الطبية الأميركية لجراحة تجميل الوجه (JAMA Facial Plastic Surgery ) أن الاستخدام المتكرر للفلاتر ارتبط مباشرة بزيادة عدم الرضا عن المظهر الحقيقي، وارتفاع معدلات التوجه للتجميل، خاصة بين الشباب من عمر 18 إلى 30 عاماً.

وليس ذلك فحسب، بل أظهرت الدراسة نفسها أن مقارنة النفس بصور معدّلة رقمياً تُعد عامل خطر للإصابة بالاكتئاب، واضطرابات القلق المرتبطة بالمظهر.

• الطبيب بين الأمانة المهنية والإغراء التجاري. ليس الطبيب التجميلي مجرّد منفّذٍ لرغبات المريض، بل هو أمينٌ على مصلحة المريض الجسدية والنفسية، ومكلّف بتقديم النصح المستند إلى تقييم سريري وأخلاقي دقيق، لا إلى الطلب وحده.

ورغم أن الطب التجميلي قد يُحقق فوائد نفسية ملموسة في حالات محددة -مثل تصحيح التشوّهات الخلقية أو معالجة عيوب واضحة تُسبب اضطراباً في صورة الذات- فإن الاستجابة العشوائية أو غير المنضبطة لطلبات التجميل دون مسوّغ طبي تُحوّل الطبيب من صاحب رسالة إنسانية إلى مزوّد خدمة استهلاكية، وهو انحراف جوهري عن أخلاقيات المهنة، ورسالتها الأصلية.

وتنص وثيقة أخلاقيات المهنة الصادرة عن الجمعية الأميركية لجراحي التجميل (ASPS) على أن:

«رفض إجراء العملية في حال غياب المبرر السريري أو وجود مؤشرات على اضطراب نفسي هو واجب مهني وليس خياراً».

لكن في الواقع العملي، تشير دراسة منشورة في «BMJ Open» إلى أن العروض الترويجية والإعلانات التجارية التي تُقدّم الطب التجميلي بأسلوب استهلاكي تُساهم في تساهل بعض الأطباء بقبول حالات غير مناسبة سريرياً، خصوصاً حين تكون الحوافز المالية حاضرة، مما يُعرّض المرضى لمضاعفات نفسية وجسدية كان يمكن تجنبها.

• توصيات منظمة الصحة العالمية. توصي منظمة الصحة العالمية بأن تُربط أي ممارسات تجميلية بمبادئ الحوكمة السريرية، على أن تشمل كل حالة:

-تقييم الفائدة الصحية أو النفسية المحتملة.

-استبعاد أي اضطرابات نفسية نشطة.

-شرح المخاطر والبدائل بشكل واضح.

-التأكد من أن القرار نابع من قناعة حرة، وليس ضغطاً اجتماعياً، أو إعلامياً.

نسبة معتبرة من المتقدمين لعمليات التجميل تعاني من دافع نفسي مرضي خفي

وأخيراً، فإن المسؤولية مشتركة بين الطبيب والمريض، فالطبيب الذي يُجري عملية تجميل لمجرد تلبية رغبة عابرة دون تقييم تبعاتها النفسية والجسدية يُقصّر في أمانته المهنية. وفي المقابل، فإن المريض الذي يسعى إلى التغيير الجراحي دون وعي حقيقي بمصدر دوافعه يُعرّض نفسه لمخاطر قد تتجاوز ما يراه في المرآة، وتطال صحته النفسية، وهويته الذاتية.

ويُجسّد هذه الفلسفة ما قاله جرّاح التجميل الفرنسي المعروف بأخلاقياته د. جاك غالو (Jacques Gallet): «الجرّاح التجميلي الجيّد هو من يعرف كيف يقول: لا». وهي عبارة تختصر الدور الأخلاقي للطبيب الذي لا ينساق خلف الرغبات غير المبررة، بل يُمارس سلطته المهنية بحكمة، ومسؤولية.

وعلى الجانب النفسي، لخّص عالم النفس التحليلي كارل يونغ (Carl Jung) جوهر الجمال الداخلي بقوله: «أكثر الأمور رعباً هو ألا يقبل الإنسان نفسه كما هو بالكامل». في إشارة إلى أن الجمال الحقيقي لا يبدأ من نحت الجسد، بل من المصالحة مع الذات، وإزالة الحواجز الداخلية التي تشوّه نظرتنا لأنفسنا.

إذن، فإن الجمال الحقيقي لا يُحقن بالإبرة، ولا يُنحت بالليزر، بل يُولد من توازن داخلي بين الرضا والصحة النفسية، والإدراك الواقعي للذات. لستَ بحاجة لأن تشبه أحداً لتكون جميلاً، فقط كن سليم النفس، مُتصالحاً مع ذاتك، وعندها ستصبح صورتك أكثر صفاءً من أي مرآة.

*استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

دراسة ترصد تغيّرات في أدمغة لاعبي كرة القدم السابقين دون تدهور ذهني

صحتك حارس يقوم بتأمين أرضية الملعب قبل انطلاق إحدى مباريات كأس العالم الحالي (أ.ف.ب)

دراسة ترصد تغيّرات في أدمغة لاعبي كرة القدم السابقين دون تدهور ذهني

أظهرت فحوص للاعبي كرة قدم بريطانيين محترفين متقاعدين اختلافات هيكلية في الدماغ ومعدلات عالية من القلق والاكتئاب، ولكن لم تظهر عليهم أي علامات على التدهور الذهني

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك إحدى حبوب منع الحمل (أرشيفية - رويترز)

موانع حمل ربما تزيد قليلاً خطر الإصابة بأورام دماغية

قالت ‌لجنة السلامة التابعة لوكالة الأدوية الأوروبية، الجمعة، إن وسائل منع حمل هرمونية شائعة الاستخدام ربما تؤدي لزيادة طفيفة في خطر الإصابة بورم سحائي

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الفئران (شركة كولوسال)

هل يُساعد نوع من الفئران البشر في الاقتراب من حلم الشباب الدائم؟

يداعب حلم الشباب الدائم خيال البشر منذ قديم الأزل... وما بين أساطير «ينبوع الشباب» ورحلات بحث علمية متواصلة تقوم بها مختبرات طبية على مدار الساعة

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو (الولايات المتحدة))
صحتك طفل يتناول قطعة من ثمرة البطيخ في باكستان (أرشيفية - رويترز)

15 طعاماً قد تبقي جسمك رطباً إلى جانب شرب الماء

لا يجوز أن يأتي حصولك على كمية كافية من الماء كل يوم من السوائل فقط. فتناول الأطعمة المرطبة يمكن أن يساعدك في الحفاظ على توازن الماء في جسمك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك الاستهلاك المتكرر لمشروبات الطاقة قد يؤدي في النهاية إلى الشعور بالتعب والإرهاق (رويترز)

ماذا يحدث للكلى عندما تتناول مشروبات الطاقة يومياً؟

يحتوي كثير من مشروبات الطاقة على كميات عالية من الكافيين، ومنبّهات أخرى، والاستهلاك المنتظم يمكن أن يسهم في ارتفاع ضغط الدم والجفاف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دراسة ترصد تغيّرات في أدمغة لاعبي كرة القدم السابقين دون تدهور ذهني

حارس يقوم بتأمين أرضية الملعب قبل انطلاق إحدى مباريات كأس العالم الحالي (أ.ف.ب)
حارس يقوم بتأمين أرضية الملعب قبل انطلاق إحدى مباريات كأس العالم الحالي (أ.ف.ب)
TT

دراسة ترصد تغيّرات في أدمغة لاعبي كرة القدم السابقين دون تدهور ذهني

حارس يقوم بتأمين أرضية الملعب قبل انطلاق إحدى مباريات كأس العالم الحالي (أ.ف.ب)
حارس يقوم بتأمين أرضية الملعب قبل انطلاق إحدى مباريات كأس العالم الحالي (أ.ف.ب)

أظهرت فحوص للاعبي كرة قدم بريطانيين محترفين متقاعدين اختلافات هيكلية في الدماغ ومعدلات عالية من القلق والاكتئاب، ولكن لم تظهر عليهم أي علامات على التدهور الذهني، في دراسة أجريت بهدف تحديد ما إذا كانت التأثيرات المتكررة مثل ضرب الكرة بالرأس لها أثر يتعلق بخطر الإصابة بالخرف.

وشملت الدراسة، التي أجراها باحثون في إمبريال كوليدج لندن، 142 لاعباً سابقاً تتراوح أعمارهم بين 30 و60 عاماً وتمت مقارنتهم مع 56 شخصاً عاديين في نفس الفئة العمرية ليس لديهم تاريخ في الرياضات التي تتطلب احتكاكاً جسدياً أو في الخدمة العسكرية أو تعرضوا لارتجاجات سابقاً، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وبالإضافة إلى استخدام الاستبيانات والاختبارات لقياس الإدراك، حلل الباحثون صور الرنين المغناطيسي الهيكلي للدماغ من مجموعة فرعية مؤهلة مكونة من 124 لاعباً و40 شخصاً في المجموعة الضابطة للتحقق من الاختلافات في حجم المادة الرمادية.

وقال معدو الدراسة، الذين عرضوا النتائج في المؤتمر الدولي لجمعية ألزهايمر اليوم الأحد، إن البحث هو جزء من جهد كبير يبذله العلماء لمعالجة الصدمات المتكررة للرأس كعامل خطر قابل للتدخل يحتمل أنه يسهم في الإصابة بالخرف في المراحل العمرية المتقدمة، على غرار الطريقة التي يعالج بها الأطباء ارتفاع ضغط الدم أو الكوليسترول.

وتضع الدراسة الأساس لما يُستهدف أن تكون دراسة مطولة لهؤلاء اللاعبين، الذين يخطط الباحثون لمراقبتهم كل عامين.

وقال كبير معدي الدراسة توماس باركر، وهو استشاري في علم الأعصاب في إمبريال كوليدج لندن: «يتخذ هذا المجال نظرة أكثر شمولية لصحة الدماغ وخطر الإصابة بالخرف».

نتائج متقاربة في اختبارات الذاكرة والتفكير

بعد التعديل في ضوء عوامل مثل العمر والتعليم، سجل اللاعبون السابقون نتائج جيدة كما هو متوقع في اختبارات الذاكرة والتفكير، ولم تظهر أي اختلافات كبيرة مقارنة بالمجموعة الضابطة من الأشخاص الأصحاء.

وسجل الرياضيون معدلات أعلى بكثير من المعاناة من مشكلات الصحة العقلية، إذ بلغ 31 في المائة منهم عتبة الاكتئاب السريري مقارنة مع تسعة في المائة من المجموعة الضابطة، وسجل 42 في المائة من الرياضيين المعاناة من القلق السريري مقارنة مع 25 في المائة.

ووجد الباحثون أن فحوصات الدماغ للاعبين السابقين أظهرت أن هذه الفئة لديها كمية أقل من أنسجة الدماغ في المناطق التي تتحكم في الذاكرة والعاطفة مقارنة بالمجموعة الضابطة.

لكن اثنين في المائة فقط من الرياضيين السابقين أظهروا علامات فردية على انكماش حاد في الدماغ تشير إلى تدهور عصبي نشط ومتقدم.

ولم تخضع الدراسة بعد لمراجعة الأقران. ويتوقع الباحثون تقديم ورقة بحثية تتضمن عينة أكبر وتحليلات إضافية للدراسة في وقت لاحق من هذا العام.


موانع حمل ربما تزيد قليلاً خطر الإصابة بأورام دماغية

إحدى حبوب منع الحمل (أرشيفية - رويترز)
إحدى حبوب منع الحمل (أرشيفية - رويترز)
TT

موانع حمل ربما تزيد قليلاً خطر الإصابة بأورام دماغية

إحدى حبوب منع الحمل (أرشيفية - رويترز)
إحدى حبوب منع الحمل (أرشيفية - رويترز)

قالت لجنة السلامة التابعة لوكالة الأدوية الأوروبية، إن وسائل منع حمل هرمونية شائعة الاستخدام تحتوي على ديسوجيستريل وإيتونوجيستريل ربما تؤدي لزيادة طفيفة في خطر الإصابة بورم سحائي بعد الاستخدام المطول.

والأورام السحائية هي عادة أورام غير سرطانية تتطور في الأغشية المحيطة بالدماغ والحبل الشوكي.

وأوصت اللجنة بعدم استخدام النساء اللواتي لديهن تاريخ حالي أو سابق للإصابة بالورم السحائي لموانع الحمل الهرمونية، والتي تحتوي على البروجيستينات الاصطناعية شائعة الاستخدام ديسوجيستريل أو إيتونوجيستريل.

وتباع أدوية منع الحمل التي تحتوي على ديسوجيستريل على شكل أقراص للبلع، ويباع دواء مانع حمل يحتوي على إيتونوجيستريل على شكل غرسات وحلقات مهبلية.

وقالت وكالة الأدوية الأوروبية إن خطر الإصابة بالورم يزداد مع الاستخدام لفترة أطول وقد يكون أعلى لدى من تناولن سابقاً أنواعاً أخرى من البروحيستينات المرتبطة بالورم السحائي بما في ذلك سيبروتيرون ونوميجيسترول وميدروكسي بروجستيرون وكلورمادينون.

ولكن الوكالة أشارت إلى أن الاحتمالية الإجمالية للإصابة بالورم السحائي لا تزال منخفضة للغاية، حيث تشير التقديرات إلى حالة إضافية واحدة لكل 67300 امرأة تستخدم الموانع المشار إليها.

ووقالت اللجنة إن بطاقات هذه المنتجات ستدرج الآن الورم السحائي كاثر جانبي لم يعرف مدى تكراره.

وتتطلب التوصيات، المستندة إلى دراسة فرنسية واسعة النطاق، من مقدمي الرعاية الصحية أيضاً، مراقبة من يتناولن تلك الأدوية تحسباً لظهور أعراض تشمل تغيرات في الرؤية وفقدان في السمع وتفاقم الصداع.


هل يُساعد نوع من الفئران البشر في الاقتراب من حلم الشباب الدائم؟

الفئران (شركة كولوسال)
الفئران (شركة كولوسال)
TT

هل يُساعد نوع من الفئران البشر في الاقتراب من حلم الشباب الدائم؟

الفئران (شركة كولوسال)
الفئران (شركة كولوسال)

يداعب حلم الشباب الدائم خيال البشر منذ قديم الأزل... وما بين أساطير «ينبوع الشباب» ورحلات بحث علمية متواصلة تقوم بها مختبرات طبية على مدار الساعة، يتهافت العلماء والباحثون للوصول إلى سر إبطاء الشيخوخة، وإطالة سنوات الصحة والعنفوان.

وبينما يبدو هذا الحلم مثل أمنية بعيدة المنال، اكتشف فريق من الباحثين في الولايات المتحدة أن سر الشباب الدائم ربما يكمن في عالم الحيوان، وبالتحديد لدى نوع من القوارض يعيش في شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية؛ حيث وجد فريق علمي من كلية طب بجامعة ييل الأميركية أن الفأر الشوكي الذهبي (Acomys Russatus) يحمل بين صفاته الوراثية سر مقاومة المرض والشيخوخة.

وتوصل الباحثون إلى أن هذا الفأر، الذي يشتهر بفروة خشنة لونها ذهبي يميل إلى الحمرة، يعيش لفترات أطول بفارق كبير عن باقي أنواع القوارض، وأنه يستطيع الحفاظ على صحته طيلة فترات حياته، مع الاحتفاظ بكفاءته المعرفية وقدراته المناعية التي عادة ما تتدهور لدى الفصائل الأخرى مع تقدم السن.

وفي إطار الدراسة التي نشرتها الدورية العلمية «Science Advances» المتخصصة في الأبحاث العلمية، بدأ الباحثون في فحص الآليات البيولوجية وراء هذه المرونة الفائقة في الاحتفاظ بمقومات الشباب لدى الفأر الشوكي الذهبي؛ حيث وجدوا أنه يتمتع بقدرات طبيعية متقدمة في السيطرة على عوامل الالتهاب المرتبطة بتقدم العمر التي تُصيب الكائنات الحية بشكل طبيعي، مع الحفاظ على كفاءة الأنسجة والأعضاء الرئيسية، على اعتبار أن التوصل إلى سر الشباب الدائم لدى هذا الفأر قد تُساعد في تطوير علاجات للحفاظ على الصحة في مرحلة الشيخوخة.

ويقول رئيس فريق الدراسة، فيشوا ديب ديكسيت، المتخصص في علم الأمراض والمناعة بجامعة ييل، إن «الفئران في الحياة البرية عادة ما تعيش نحو 9 سنوات، ولكن الفأر الذهبي الشوكي قد يعيش 5 سنوات إضافية مقارنة بأقرانه، وهذا فقط ما استطعنا ملاحظته، ولكن لا أحد يعرف الحد الأقصى من السنوات التي يمكن أن تعيشها هذا الفصيلة على وجه التحديد».

يداعب حلم الشباب الدائم خيال البشر منذ قديم الأزل (شاترستوك)

وأوضح في تصريحات للموقع الإلكتروني «سايتيك ديلي» المتخصص في الأبحاث العلمية أنه «من أجل أن تعيش الفئران لهذه الفترات الطويلة، لا بد أن تتوفر لها سبل الغذاء، وأن تتفادى الحيوانات المفترسة التي تستهدفها، ومن ثم فإن عوامل أخرى تؤثر على أعمارها في بيئتها الطبيعية بجانب التعرض للشيخوخة».

وعكف ديكسيت وفريقه البحثي على دراسة السمات البيولوجية التي تفصل الفئران الذهبية قبل باقي أقرانها من القوارض، مع مقارنة عينات من أنسجة هذه الفئران في مراحل سنية مختلفة، للوقوف على الاختلافات التي تطرأ على أجسامها مع تقدمها في العمر.

ووجد الباحثون أن هذه الفصيلة تتميز بـ3 سمات رئيسية ربما تُساعد في تفسير أسباب الشباب الدائم الذي تنعم به.

ويقول الباحثون إن الجروح لدى هذه الفئران تلتئم بسرعة ودون أن تترك آثاراً أو ندوباً واضحة، وهو يؤكد القدرات التجديدية المتقدمة لديها التي تحتفظ بها حتى مراحل متقدمة من العمر. أما السمة الثانية فتتعلق بالغدة الزعترية «The Thymus»، وهي غدة تقع فوق القلب، وتقوم بإفراز نوع من خلايا الدم البيضاء اللازمة للنظام المناعي للجسم. وعادة ما تتدهور وظائف هذه الغدة سريعاً لدى سائر أنواع الفقريات مع تقدم العمر، ولكن العلماء لاحظوا أن «هذه الغدة تحتفظ بوظيفتها وتركيبها البيولوجي لدى الفأر الشوكي الذهبي حتى مع تقدم العمر، ما يجعل هذه الفئران تحتفظ بقدراتها المناعية في طور الشيخوخة».

ووجد ديكسيت أيضاً أن هذه الفئران لا تتراجع قدراتها الذهنية ولا المعرفية ولا وظائف الذاكرة لديها مثلما يحدث لدى الحيوانات الأخرى مع تقدم السن. ويرى ديكسيت أن «هذه هي الخواص الرئيسية التي ترتبط عادة بتقدم العمر، ومن ثم، فإن فهم طريقة احتفاظ الفئران الشوكية بهذه المقومات على مدار حياتها ينطوي على أهمية بالغة».

فأر (أرشيفية - رويترز)

ومع تقدم الأنواع الحية في العمر، تتزايد لديها ما يُعرف باسم «التهابات الشيخوخة» (inflammaging) التي عادة ما تتطور في الأنسجة الدهنية في الجسم. وقد درس الفريق البحثي الأنشطة الجينية داخل الأنسجة الدهنية لدى الفئران الشوكية، وقاموا بتحديد بروتين معين يحمل اسم «كلسترين».

ويساعد هذا البروتين في إصلاح الأنسجة البروتينية في الجسم، ويحد من التهابات الجهاز العصبي لدى مرضى ألزهايمر، ويسهم في إطالة أعمار كثير من الثدييات، بمن في ذلك البشر؛ حيث تلاحظ على سبيل المثال أن المعمرين الذين تزيد أعمارهم على 100 عام توجد لديهم تركيزات أعلى من بروتين الكلسترين. ورصد العلماء زيادة نشاط الجينات المسؤولة عن تكوين الكلسترين في الخلايا المناعية داخل الأنسجة الدهنية لدى هذه الفئران.

وللتيقن من قدرة بروتين الكلسترين على الاحتفاظ بمقومات الشباب في الجسم، قام الباحثون بحقن هذه المادة في أجسام فئران تجارب تقليدية، ووجدوا أن هذه الفئران ظهرت عليها بعض مقومات الشباب والصحة التي تظهر في العادة على الفئران الذهبية الشوكية؛ حيث احتفظت هذه الفئران بكفاءتها الحركية وسلامة أعضائها الداخلية بشكل أفضل مقارنة بباقي فئران التجارب التي لم تحصل على هذه المادة، كما تراجعت أيضاً لديها مؤشرات التهابات الشيخوخة، علماً بأنه جرى رصد مؤشرات إيجابية مماثلة عند تعريض خلايا الدم البيضاء لدى البشر لبروتين الكلسترين.

ويقول الباحث هي هون كيم، أحد المشاركين في الدراسة: «نعتقد أن بروتين الكلسترين يُعد أحد العوامل الرئيسية التي تساعد الفئران الذهبية الشوكية على مقاومة تدهور الوظائف الحيوية مع التقدم في العمر»، وأن هذا البحث ليس سوى بداية لمسيرة علمية طويلة تهدف إلى كشف أسرار الحفاظ على الشباب لدى الكائنات الحية.