البنك الدولي: أي صراع في المنطقة له عواقب سلبية بعيدة المدى

مديرته الإقليمية لـ«الشرق الأوسط»: الخليج يتصدى لتحديات النفط بتنويع اقتصادي طموح

رجل يمشي حاملاً أكياس التسوق في سوق محلية وسط مدينة الرياض (أ.ف.ب)
رجل يمشي حاملاً أكياس التسوق في سوق محلية وسط مدينة الرياض (أ.ف.ب)
TT

البنك الدولي: أي صراع في المنطقة له عواقب سلبية بعيدة المدى

رجل يمشي حاملاً أكياس التسوق في سوق محلية وسط مدينة الرياض (أ.ف.ب)
رجل يمشي حاملاً أكياس التسوق في سوق محلية وسط مدينة الرياض (أ.ف.ب)

في ظل بيئة عالمية تتسم بازدياد حالة عدم اليقين الاقتصادي، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، ولا سيما الصراع المستمر بين إسرائيل وإيران الذي يلقي بظلاله على المنطقة، قالت المديرة الإقليمية للبنك الدولي لدول مجلس التعاون الخليجي، صفاء الطيب الكوقلي، إن «أي صراع؛ خصوصاً في هذه المنطقة، يمكن أن تكون له عواقب سلبية بعيدة المدى»، موضحة أن «التداعيات تتجاوز أسواق الطاقة، كما أن ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الضغوط التضخمية، وارتفاع عدم اليقين لدى المستثمرين، هي جميعها نتائج محتملة».

تصريحات الكوقلي لصحيفة «الشرق الأوسط» جاءت في مقابلة على هامش الإطلاق الرسمي لتقرير البنك الدولي حول المستجدات الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي، بالتعاون مع «SRMG Think» التابعة لـ«مجموعة البحوث والإعلام» (SRMG).

مديرة البنك الدولي في دول مجلس التعاون الخليجي صفاء الطيب الكوقلي (الشرق الأوسط)

بخصوص تأثير الصراع المستمر بين إسرائيل وإيران، شرحت الكوقلي بأن تقرير البنك الدولي صدر في الأول من يونيو (حزيران)، وبالتالي لا يعكس تأثير التصعيد الحالي في المنطقة. وتُؤكد أنه «لا يزال من المبكر تقديم تقييم شامل لتأثيرات الصراع المستمر».

وتُحذر الكوقلي من التداعيات الأوسع لأي صراع، وخصوصاً في المنطقة: «بينما شهدنا بالفعل ارتفاع أسعار النفط، فإن التداعيات تتجاوز أسواق الطاقة. ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الضغوط التضخمية وارتفاع عدم اليقين لدى المستثمرين، هي جميعها نتائج محتملة. في مثل هذه السياقات، غالباً ما يتبنى المستثمرون نهج الانتظار والترقب، مما يؤخر القرارات ويؤجل إتمام صفقات الاستثمار حتى يعود الوضوح والاستقرار بشكل أكبر. سنواصل مراقبة الوضع من كثب، وتقديم التحديثات مع توفر مزيد من البيانات».

تصاعد الدخان عقب ما قالت إيران إنه هجوم إسرائيلي على مستودع شاران للنفط في طهران (رويترز)

صمود اقتصادي بالقطاع غير النفطي

تُشير الكوقلي إلى أن الجهود الطموحة التي تبذلها دول مجلس التعاون الخليجي والرامية إلى تحقيق التنويع الاقتصادي، ساهمت في التغلب على التقلبات في أسواق النفط، والتخفيف من آثارها على اقتصاداتها. ففي عام 2024، ورغم انكماش القطاع النفطي بنسبة 3 في المائة نتيجة لقرارات «أوبك بلس» خفض الإنتاج، فإن القطاع غير النفطي نما بنسبة 3.7 في المائة، مما أدى إلى تحقيق معدل نمو اقتصادي إجمالي قدره 1.8 في المائة. «هذا تحسن كبير عن معدل 0.3 في المائة في عام 2023. إن الأداء القوي للقطاعات غير النفطية خفف بشكل كبير من أثر انكماش القطاع النفطي، مما سمح لاقتصادات المنطقة بتحقيق معدلات نمو إيجابية».

آفاق نمو واعدة

ويتوقع تقرير البنك أن تشهد اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي نمواً بنسبة 3.2 في المائة في عام 2025، و4.5 في المائة في عام 2026. هذا النمو مرده بشكل أساسي إلى التخفيف التدريجي لتخفيضات إنتاج النفط التي فرضتها «أوبك بلس» واستمرار الأداء القوي للقطاع غير النفطي.

ومع ذلك، تُشدد الكوقلي على أن «هذه التوقعات قد تتأثر بتقلبات التجارة العالمية وحالة عدم اليقين الاقتصادي، وبالتقلبات في أسعار وإنتاج النفط، بالإضافة إلى مخاطر الصراعات الإقليمية». وتُضيف: «للتخفيف من هذه المخاطر، تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إلى تسريع وتيرة الإصلاحات الرامية إلى تحقيق التنويع الاقتصادي لتقليل الاعتماد على النفط، كما تحتاج إلى تعزيز التجارة البينية الإقليمية».

وتوضح أن النمو المتوقع سيتعافى أيضاً بفضل «المساهمات الإيجابية من صافي الصادرات والاستثمار والاستهلاك، مما يعكس صموداً محلياً وتعافياً خارجياً تدريجياً».

المخاطر الاقتصادية

تُشدد الكوقلي على أن التوقعات الإيجابية لا تخلو من المخاطر. «تشمل المخاطر قصيرة الأجل حالة عدم اليقين المرتبطة بالتجارة العالمية، مما قد يؤدي إلى انخفاض الطلب على الصادرات، وتقلب أسعار النفط، مما يؤثر على التوازنات المالية والخارجية، ومخاطر التداعيات من الصراعات الإقليمية، والتي يمكن أن تعطل التجارة، وتؤثر على ثقة المستثمرين والسياحة الوافدة إلى دول المنطقة».

أما على المدى الطويل، فتُضيف: «تتمثل المخاطر طويلة الأجل في النمو المحدود في الإنتاجية وبطء التحول الاقتصادي؛ خصوصاً إذا توقفت جهود التنويع، بالإضافة إلى الاعتماد المفرط على النفط، مما يجعل الاقتصادات عرضة للتحولات العالمية في الطاقة».

وللتخفيف من هذه المخاطر، تُوصي الكوقلي بأن «تقوم دول مجلس التعاون الخليجي بتسريع التنويع والإصلاحات الهيكلية لتقليل التعرض لدورات النفط، والسعي لتنويع الإيرادات، بما في ذلك إدخال ضرائب جديدة وتوسيع الدخل غير النفطي، وتعزيز الروابط التجارية الإقليمية، لخلق روابط اقتصادية أكثر مرونة داخل الخليج ومع المناطق المجاورة».

سياسات مالية ذكية

تؤكد الكوقلي الدور الحيوي للسياسات المالية، قائلة: «أثبتت السياسات المالية في دول مجلس التعاون الخليجي فعاليتها في تحقيق الاستقرار الاقتصادي خلال فترات الركود، أي إن السياسات المالية المعاكسة للتقلبات الدورية كان لها تأثير إيجابي».

وتُوصي بأن تستمر دول مجلس التعاون الخليجي في استخدام سياسات الإنفاق المعاكسة للتقلبات الدورية، مع بذل مزيد من الجهود لتنويع قاعدة إيرادات المالية العامة، وتعزيز القدرة على المرونة وتنويع مصادر الدخل. وتُشيد الكوقلي بتجربة سلطنة عمان: «تُقدم سلطنة عمان مثالاً جيداً على قدرة السياسات المالية الجادة على تحقيق نتائج إيجابية في فترة زمنية قصيرة».

وتُلخص قائلة: «تُعد سياسة المالية العامة الذكية ذات الاستثمارات المستهدفة والإدارة المالية الجيدة أمراً بالغ الأهمية لدول مجلس التعاون الخليجي، لتعزيز الإنتاج في القطاع غير النفطي، والحفاظ على قدرتها على الصمود في وجه التقلبات الاقتصادية العالمية. لا تقتصر سياسة المالية العامة الذكية والمستدامة على إدارة مخاطر اليوم فحسب؛ بل تتعلق بخلق فرص الغد من أجل مستقبل أكثر إشراقاً للأجيال القادمة».

الإنفاق الرشيد وتنويع الإيرادات

بناءً على التقرير، تُقدم الكوقلي توصيات واضحة لدول مجلس التعاون الخليجي؛ خصوصاً خلال هذه الفترة من عدم اليقين: «تُبرز قدرة دول مجلس التعاون الخليجي على التعامل مع التقلبات العالمية مع تعزيز التنويع الاقتصادي التزامها القوي بتحقيق الازدهار طويل الأجل. يوصي هذا التقرير بأن تعطي دول مجلس التعاون الخليجي الأولوية لسياسات مالية متوازنة، مع النظر إلى جانبي الإنفاق والإيرادات».

وتُضيف: «يدعو التقرير إلى تبني سياسات إنفاقٍ رشيدة، أي أن يُولي صانعو السياسات اهتماماً؛ لا لمستويات الإنفاق فحسب؛ بل أيضاً لنوع الإنفاق العام وتعظيم الإنفاق المُعزِّز للنمو. كما ينبغي أن تكون السياسة المالية مُعاكسة للدورة الاقتصادية، بحيث تتوسع خلال فترات الركود الاقتصادي، وتُعزَّز خلال فترات الرواج. ومع ذلك، ينبغي النظر إلى السياسة المالية كمجموعة من السياسات المُكمّلة بعضها لبعض، من حيث الإنفاق والإيرادات، وذلك لتحسين كفاءة الإنفاق، وتوسيع قاعدة الإيرادات، والحفاظ على الانضباط في إدارة المكاسب غير المتوقعة».

وعن خفض الإنفاق، توضح الكوقلي: «لا ينبغي أن يكون خفض الإنفاق هو الحل الوحيد. الأهم هو الإنفاق الذكي الذي يعزز النمو المستدام ويساهم في التنويع».

السعودية: نمو مستمر

تتطرق الكوقلي إلى الآفاق الاقتصادية للمملكة العربية السعودية؛ حيث «من المتوقع أن يستمر النمو الاقتصادي في التحسن بعد تسجيله 1.3 في المائة عام 2023، ليرتفع إلى 2.8 في المائة عام 2025، في حين يتوقع أن يبلغ متوسطاً قدره 4.6 في المائة في 2026- 2027. كما يتوقع أن يؤدي الإلغاء التدريجي لتخفيضات الإنتاج الطوعية التي أقرتها (أوبك بلس) إلى زيادة نمو إجمالي الناتج المحلي النفطي إلى 6.7 في المائة عام 2026 و6.1 في المائة عام 2027».

العاصمة الرياض (أ.ف.ب)

وتُتابع: «في الوقت نفسه، يتوقع أن يستمر الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في الارتفاع على نحو مطرد بنسبة 3.6 في المائة في المتوسط، بين عامي 2025 و2027؛ حيث تسعى المملكة إلى استكمال تنفيذ برنامج التنويع الاقتصادي في إطار (رؤية 2030)».

ولفتت إلى أنه «بغض النظر عن الأرقام، فقد تابعنا تحول الاقتصاد السعودي بعيداً عن النفط، وهو ما شكّل حجر الزاوية في (رؤية 2030). وكما ذكرنا، ساهمت القطاعات غير النفطية بشكل كبير في مرونة الاقتصاد، ولا سيما في أوقات تقلب أسعار النفط أو انخفاض إنتاجه. ويزداد التركيز الآن على وجود إطار اقتصادي كلي مناسب، وعلى جذب رأس المال الخاص، ولا سيما الاستثمار الأجنبي المباشر، وعلى تعزيز ريادة الأعمال والابتكارات. وهذه كلها تطورات إيجابية. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات؛ إذ لا تزال عائدات النفط المصدر الأكبر للإيرادات العامة، كما أن الصادرات غير متنوعة بما يكفي».

وتُؤكد على فعالية «رؤية 2030» في تعزيز النمو في القطاع غير النفطي: «أثبتت (رؤية المملكة 2030) أنها حافز قوي لنمو القطاع غير النفطي. ومنذ إطلاق (رؤية 2030)، ارتفعت حصة القطاعات غير النفطية في إجمالي الناتج المحلي للسعودية ارتفاعاً كبيراً، من 45.4 في المائة إلى 54.8 في المائة، مما يدل على إحراز تقدم ملموس نحو تنويع النشاط الاقتصادي».

وتُضيف: «كما دفعت (رؤية المملكة 2030) بإصلاحات هيكلية تهدف إلى إعادة تشكيل المؤسسات، وتعزيز البنية التحتية الرقمية، وزيادة الفرص المتاحة للشباب والنساء. وتعمل المملكة أيضاً على تهيئة بيئة تعزز الابتكار وريادة الأعمال والاستدامة. وتعكس هذه المبادرات الطموحات الوطنية والعالمية من حيث نطاقها. ونحن في البنك الدولي نفخر بدعم تلك الجهود لتحقيق التحول الاقتصادي من خلال شراكتنا الاستراتيجية مع المملكة».

نجاح عُمان في ضبط المالية العامة

وحول تجربة سلطنة عمان الواردة في تقرير البنك الدولي، تُشير الكوقلي إلى أنها «تمكنت من تحقيق تحوّل في ماليتها العامة بفضل التزامها الجاد بخطة مالية متوسطة الأجل. هدفت الخطة إلى خفض العجز المالي في فترة زمنية قصيرة، وهو هدف تجاوزته عُمان من خلال مزيج من تنويع الإيرادات وإصلاحات كفاءة الإنفاق».

مسقط عاصمة سلطنة عمان (البنك الدولي)

وتُشدد على أن «الإنجاز الرئيسي يتمثل في نجاحها في خفض الدين العام من نحو 68 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020 إلى 35 في المائة في عام 2024، باستخدام عائدات النفط. وهذا يُظهر قدرة الدولة على الالتزام بالانضباط المالي والاستخدام الاستراتيجي لعائدات النفط لتحسين الاستدامة على المدى الطويل».


مقالات ذات صلة

اضطرابات هرمز تضغط على اقتصاد البحرين... والأنشطة غير النفطية تواصل النمو

الاقتصاد صورة جوية لجانب من أفق العاصمة البحرينية المنامة (رويترز)

اضطرابات هرمز تضغط على اقتصاد البحرين... والأنشطة غير النفطية تواصل النمو

تراجع اقتصاد البحرين 3.8 في المائة خلال الربع الأول بفعل هبوط الأنشطة النفطية 37.2 في المائة، بينما واصلت الأنشطة غير النفطية النمو بنسبة 2.2 في المائة...

«الشرق الأوسط» (المنامة )
الاقتصاد مستثمران يتابعان تحركات الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)

الأسهم الخليجية مستقرة في التعاملات المبكرة وسط تراجع أسعار النفط

تباين أداء أسواق الأسهم الخليجية في التعاملات المبكرة اليوم (الأربعاء)، متأثرة بتراجع أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف عند مدخل المجلس (موقع المجلس)

خاص مصادر: زيارة قاليباف إلى بغداد لم تحقق «كامل أهدافها»

أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال زيارته إلى بغداد، دعم بلاده وضع إطار قانوني ينظم السلاح ويجعله تحت إمرة رئيس الحكومة علي الزيدي.

حمزة مصطفى (بغداد)
العالم العربي جانب من العاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)

ارتياح في مصر بعد تطمينات رسمية باستقرار أوضاع العمالة في الإمارات

بعد أيام من تداول أنباء عبر منصات التواصل الاجتماعي عن استغناء جماعي عن العمالة المصرية في الإمارات خرجت القاهرة وأبوظبي بتصريحات رسمية تنفي صحة هذه المزاعم

محمد عجم (القاهرة)
خاص أحد مشاريع الطاقة الشمسية في الجوف شمال السعودية (واس)

خاص الخليج يهيئ بنيته التحتية لاستقطاب رؤوس الأموال الطويلة الأجل

تستعرض السعودية والخليج فرصاً استثمارية واعدة في الطاقة المتجددة والبنية الرقمية، مع توجه متزايد نحو تمويل المشاريع بالشراكة مع القطاع الخاص.

عبير حمدي (الرياض)

الاقتصاد السويدي يتسارع وثقة المستهلكين تتعافى

مشاة في أحد الشوارع التجارية بالعاصمة السويدية استوكهولم (إ.ب.أ)
مشاة في أحد الشوارع التجارية بالعاصمة السويدية استوكهولم (إ.ب.أ)
TT

الاقتصاد السويدي يتسارع وثقة المستهلكين تتعافى

مشاة في أحد الشوارع التجارية بالعاصمة السويدية استوكهولم (إ.ب.أ)
مشاة في أحد الشوارع التجارية بالعاصمة السويدية استوكهولم (إ.ب.أ)

سجل الاقتصاد السويدي نمواً أقوى من المتوقع خلال الربع الثاني من 2026، مدعوماً بانتعاش الاستثمار والصادرات وإنفاق الأسر، في مؤشر على تحسن زخم النشاط الاقتصادي بالتزامن مع تعافي ثقة المستهلكين قبل أسابيع من الانتخابات العامة.

وأظهرت البيانات النهائية الصادرة عن مكتب الإحصاء السويدي، الجمعة، ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.6 في المائة مقارنة بالربع السابق، متجاوزاً توقعات اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم بنمو قدره 1.4 في المائة.

وعلى أساس سنوي، نما الاقتصاد 3.3 في المائة، مقابل توقعات بلغت 2.5 في المائة، ما يعكس اتساع نطاق التعافي بدلاً من اعتماده على قطاع واحد.

وقال مكتب الإحصاء إن الربع الثاني شهد «زيادة واسعة النطاق» في الناتج المحلي الإجمالي، مع مساهمات كبيرة من تكوين رأس المال الثابت الإجمالي والصادرات والإنفاق الاستهلاكي للأسر.

وتقدم بيانات الطلب المحلي إشارات إيجابية بشأن استدامة النمو. فقد ارتفع استهلاك الأسر 0.9 في المائة مقارنة بالربع السابق، بينما قفز إجمالي تكوين رأس المال الثابت 3.5 في المائة، في إشارة إلى تحسن شهية الشركات للاستثمار.

كما ارتفع الدخل الحقيقي المتاح للأسر بنسبة 1 في المائة على أساس سنوي، وهو تطور من شأنه دعم الإنفاق الاستهلاكي إذا استمر خلال النصف الثاني من العام.

وجاءت مؤشرات الثقة لتضيف زخماً إلى الصورة الاقتصادية. فقد أظهر مسح منفصل أجراه المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية «NIER» ارتفاع ثقة المستهلكين للشهر الرابع على التوالي، وعودتها إلى مستوياتها الطبيعية للمرة الأولى منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

وأوضح المعهد أن التحسن جاء نتيجة نظرة أكثر إيجابية إلى أداء الاقتصاد السويدي خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وكذلك إلى آفاقه خلال العام المقبل.

وتكتسب الأرقام بعداً سياسياً مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في 13 سبتمبر (أيلول)، في وقت تتراجع فيه الحكومة في استطلاعات الرأي. وبينما لا تضمن قوة البيانات الاقتصادية تحولاً في المزاج الانتخابي، فإن عودة النمو وتحسن القوة الشرائية وثقة الأسر توفر للحكومة مؤشرات إيجابية في مرحلة سياسية حساسة.


اليابان توازن بين التضخم والديون ومصالح الين

مشاة يحتمون بالمظلات من الشمس الحارقة في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
مشاة يحتمون بالمظلات من الشمس الحارقة في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

اليابان توازن بين التضخم والديون ومصالح الين

مشاة يحتمون بالمظلات من الشمس الحارقة في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
مشاة يحتمون بالمظلات من الشمس الحارقة في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

تدخل اليابان مرحلة دقيقة في إدارة سياستها الاقتصادية، مع تلاقي ثلاثة تحديات في وقت واحد، هي ارتفاع التضخم بما يعزز احتمالات رفع أسعار الفائدة، وضعف الين الذي يبقي خطر التدخل في سوق العملات قائماً، واتساع الإنفاق الحكومي الذي يضع استدامة الدين العام تحت المجهر. وفي قلب هذه المعادلة، تسعى حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي إلى إظهار قدر من الانضباط المالي عبر تحديد سقف لإصدار السندات الجديدة في موازنة السنة المالية 2027، من دون التخلي عن خططها لدعم الأسر والنمو.

وقالت تاكايتشي إن الحكومة تستهدف إبقاء إصدار السندات الحكومية الجديدة عند نحو 40 تريليون ين (251 مليار دولار) في موازنة السنة المالية 2027، في وقت يتوقع أن تتجاوز فيه طلبات الإنفاق المقدمة من الوزارات والهيئات الحكومية 130 تريليون ين، مسجلة مستوى قياسياً للعام الرابع على التوالي.

واستشهدت تاكايتشي بتجربة موازنة 2025، عندما ساعد ارتفاع الإيرادات الضريبية في استيعاب جزء من الإنفاق الإضافي، ما أتاح إبقاء إصدار السندات الجديدة عند نحو 40 تريليون ين. وقالت: «سنواصل اتباع النهج نفسه في المستقبل». لكن الرقم المستهدف لا يمثل بالضرورة تشديداً مالياً. فإصدار 40 تريليون ين سيكون أعلى بكثير من الديون الجديدة المخطط لها في موازنة السنة المالية الحالية 2026، والبالغة 32.7 تريليون ين.

وقال تورو سوهيرو، كبير الاقتصاديين في «دايوا سيكيوريتيز»، إنه إذا كانت تاكايتشي تستهدف مستوى قريباً من 40.3 تريليون ين، المسجل بعد موازنة 2025، فقد يُنظر إلى سياستها باعتبارها «توسعية إلى حد ما». وتزداد أهمية هذه المسألة مع اعتزام الحكومة نقل بعض أوجه الإنفاق التي كانت تمول تقليدياً عبر موازنات تكميلية إلى الموازنة الأساسية، وهو ما سيرفع حجم الإنفاق المعلن منذ البداية، لكنه قد يجعل الصورة المالية أكثر وضوحاً.

يضاف إلى ذلك مشروع تاكايتشي لخفض ضريبة الاستهلاك على المواد الغذائية بهدف تخفيف أعباء ارتفاع تكاليف المعيشة. ومن المتوقع أن يؤدي الخفض إلى خسارة إيرادات تقدر بنحو 5 تريليونات ين سنوياً، ما يزيد الضغوط على الحكومة لتحديد مصدر تمويل دائم.

وأثارت تاكايتشي احتمال استخدام جزء من احتياطات النقد الأجنبي اليابانية، التي تبلغ نحو 1.3 تريليون دولار، لتمويل الخفض الضريبي. لكن هذه الاحتياطات تمثل أيضاً خط دفاع مهماً أمام تقلبات سوق الصرف، خصوصاً بعد التدخل الأخير لدعم الين.وتبرز هنا الحلقة الثانية في المشهد الاقتصادي الياباني. فقد أعلنت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما أنها ستشارك الأسبوع المقبل في اجتماع قادة المالية لمجموعة العشرين في آشفيل بولاية كارولاينا الشمالية، وسط تركيز الأسواق على احتمال اجتماعها بوزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بعد التدخل المنسق في سوق العملات الشهر الماضي.

وكان الين قد هبط قرب 164 يناً للدولار، وهو أدنى مستوى له في أربعة عقود، قبل أن يقفز إلى 155.20 ين عقب الإعلان عن التحرك المشترك. وبلغ نحو 155.41 ين للدولار الجمعة.

وأكدت كاتاياما أن البيان المشترك بشأن التدخل «كان قوياً للغاية ولا يزال سارياً»، في إشارة إلى أن طوكيو لا تزال مستعدة للتعامل مع التحركات المفرطة في العملة.

لكن الدفاع عن الين لا يعتمد على التدخل وحده. فالمسار الأكثر استدامة قد يأتي من بنك اليابان نفسه، بعدما أظهرت أحدث بيانات التضخم اتساع الضغوط السعرية، ما عزز توقعات رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول). وارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي في طوكيو 1.8 في المائة على أساس سنوي خلال أغسطس (آب)، متجاوزاً توقعات السوق البالغة 1.7 في المائة، ومقترباً من هدف بنك اليابان البالغ 2 في المائة.

الأكثر أهمية أن المؤشر الذي يستبعد الأغذية الطازجة والوقود، والذي يراقبه البنك باعتباره مقياساً أفضل للتضخم الأساسي، تسارع إلى 2 في المائة من 1.8 في المائة في يوليو (تموز). ويشير ذلك إلى أن ارتفاع الأسعار لم يعد مقتصراً على الطاقة أو بعض السلع المتقلبة، بل أصبح أكثر انتشاراً.كما بلغ تضخم أسعار الجملة 7.2 في المائة في يوليو، وسط ضغوط مرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة والصراع في الشرق الأوسط، ما يثير مخاوف من انتقال هذه الزيادات تدريجياً إلى المستهلكين. وقال ماساتو كويكي، كبير الاقتصاديين في «سومبو إنستيتيوت بلس»، إن ارتفاع تكاليف الطاقة قد يؤدي إلى موجة ثانية من زيادات الأسعار، مضيفاً أنه «لا يوجد سبب يذكر لانتظار بنك اليابان حتى أكتوبر».وبعد رفع سعر الفائدة إلى 1 في المائة في يونيو (حزيران)، وهو أعلى مستوى منذ 31 عاماً، أبقى البنك سياسته دون تغيير في يوليو، لكنه شدد لهجته تجاه مخاطر التضخم. ويتوقع معظم المشاركين في السوق الآن رفع الفائدة إلى 1.25 في المائة خلال اجتماع 17 و18 سبتمبر.كما أشارت مصادر إلى أن البنك قد يفكر في تسريع وتيرة التشديد لاحقاً مقارنة بنمط رفع الفائدة مرتين تقريباً سنوياً منذ بدء تطبيع السياسة النقدية في 2024. وهذا الاحتمال يربط الملفات الثلاثة ببعضها البعض. فرفع الفائدة يمكن أن يدعم الين ويحد من التضخم المستورد، لكنه في الوقت نفسه يرفع تكلفة خدمة الدين الحكومي الهائل ويزيد حساسية الأسواق تجاه أي توسع إضافي في إصدار السندات. لذلك ستكون مشاركة محافظ بنك اليابان كازو أويدا المتوقعة في اجتماعات مجموعة العشرين محط اهتمام كبير. فالأسواق ستبحث عن أي إشارة إلى أن بيانات التضخم الأخيرة حسمت النقاش لمصلحة رفع الفائدة في سبتمبر، وكذلك عن موقف طوكيو وواشنطن من تحركات الين.وتجد حكومة تاكايتشي نفسها بالتالي أمام توازن شديد الحساسية: تريد خفض الضرائب ودعم الأسر والاستثمار، لكنها تحتاج إلى كبح إصدار الديون؛ وتريد يناً أقوى لتخفيف التضخم المستورد، لكن تشديد السياسة النقدية يرفع تكاليف الاقتراض الحكومي.وستكون الأسابيع المقبلة اختباراً لقدرة طوكيو على تنسيق هذه السياسات. فإذا رفع بنك اليابان الفائدة ودعم الين، بالتزامن مع تقديم الحكومة خطة مقنعة لضبط الاقتراض وتمويل التخفيضات الضريبية، فقد تستعيد السياسة الاقتصادية قدراً من المصداقية. أما إذا اتسع الإنفاق واستمر ضعف العملة والتضخم في الوقت نفسه، فقد تتحول معركة تكلفة المعيشة سريعاً إلى معركة أكثر تعقيداً حول الدين والفائدة واستقرار سوق السندات.


الرقائق تضغط على الأسهم الصينية واليوان يستقر

شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
TT

الرقائق تضغط على الأسهم الصينية واليوان يستقر

شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)

أنهت الأسهم الصينية تعاملات الجمعة على تراجع بقيادة شركات أشباه الموصلات والتكنولوجيا الحيوية، في وقت أثارت فيه الطروحات العامة الأولية الضخمة مخاوف بشأن سحب السيولة من السوق، بينما حافظ اليوان على استقراره قرب أقوى مستوياته أمام الدولار في ثلاث سنوات ونصف السنة، وسط ترقب لمسار السياسة النقدية الأميركية.

وانخفض مؤشر شنغهاي المركب 0.1 في المائة، بينما خسر مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية 0.5 في المائة. وفي المقابل، تمكنت أسهم هونغ كونغ من تحقيق مكاسب محدودة، إذ ارتفع مؤشر «هانغ سينغ» 0.1 في المائة مستفيداً من الأداء الإيجابي الذي سجلته «وول ستريت» في الجلسة السابقة.

وكانت شركات الرقائق بين أبرز مصادر الضغط على السوق الصينية بعد انتعاشها في منتصف الأسبوع، رغم استمرار الزخم العالمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي. وجاء ذلك في مفارقة مع الأسواق الأميركية، حيث تفوق مؤشر «ناسداك» بعدما قدمت «إنفيديا» توقعات قوية للإيرادات عززت الاعتقاد بأن دورة الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي لا تزال تمتلك مساحة كبيرة للنمو.

وتراجعت أيضاً أسهم شركات التكنولوجيا الحيوية الصينية، بينما حققت أسهم السلع الأساسية مكاسب، وارتفعت شركات العقارات رغم استمرار المؤشرات التي تظهر تدهور أوضاع القطاع. وترتبط الضغوط على الأسهم الصينية جزئياً بمخاوف السيولة، خصوصاً بعد سلسلة من الاكتتابات العامة الضخمة، ومن بينها طرح شركة صناعة الرقائق «سي إكس إم تي»، إذ يخشى المستثمرون أن تؤدي عمليات جمع رؤوس الأموال الكبيرة إلى امتصاص السيولة المتاحة للأسهم المدرجة بالفعل.

وقالت «مورغان ستانلي» إن معنويات المستثمرين تجاه أسهم الفئة «أ» الصينية ضعفت مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية. ومع ذلك، لا يزال البنك يرى مجالاً لتحسن ديناميكيات السوق مع انحسار فائض المعروض من الأسهم واستعادة رهانات الذكاء الاصطناعي العالمية زخمها.

وتظل أزمة العقارات عاملاً رئيسياً في الصورة الاقتصادية والاستثمارية. وترى «مورغان ستانلي» أن استمرار التراجع العقاري يمثل أحد أهم أسباب ما تصفه بالتعافي الاقتصادي على شكل حرف «K» اللاتيني، حيث تحقق بعض القطاعات المتقدمة والتصديرية نمواً قوياً، بينما تبقى قطاعات مرتبطة بالطلب المحلي تحت الضغط.

وأضاف البنك أن أي إخفاق جديد في تحقيق أهداف النمو قد يزيد احتمالات تقديم بكين إجراءات دعم إضافية خلال الخريف، وهو سيناريو يمكن أن يوفر أرضية لانتعاش الأسهم إذا تأكد. وفي سوق العملات، استقر اليوان قرب أعلى مستوياته منذ فبراير (شباط) 2023، مع تحول الأنظار إلى إشارات السياسة النقدية الأميركية الصادرة من اجتماعات «جاكسون هول».

وجرى تداول اليوان في السوق المحلية حول 6.7211 يوان للدولار، بينما حدد بنك الشعب الصيني السعر الاسترشادي للعملة عند 6.7811 يوان للدولار.

ويرى وي هي، المحلل لدى «غافيكال دراغونوميكس»، أن البنك المركزي الصيني أصبح أكثر حذراً، وأن اليوان قد لا يشهد تحركات كبيرة خلال الأشهر المقبلة. وأشار إلى وجود دلائل على أن السلطات لا ترغب في السماح بارتفاع سريع للعملة حتى في حال استمرار ضعف الدولار، مرجحاً أن يكون أي صعود إضافي تدريجياً.

وتخدم هذه السياسة الاقتصاد الصيني من زاويتين؛ فهي تحد من التقلبات المالية، وفي الوقت نفسه تمنع ارتفاع اليوان بسرعة قد تضر القدرة التنافسية للمصدرين، خصوصاً في وقت يعتمد فيه جزء من النمو الصناعي على الطلب الخارجي.

وهكذا تدخل الأسواق الصينية المرحلة المقبلة أمام ثلاثة عوامل متشابكة: السيولة التي تختبرها الاكتتابات الضخمة، وأزمة العقارات التي لا تزال تثقل الطلب المحلي، والمسار العالمي لأسهم الذكاء الاصطناعي. وبينما يمنح استقرار اليوان المستثمرين قدراً من الاطمئنان، فإن استعادة الأسهم لزخمها ستعتمد على قدرة بكين على دعم الاقتصاد دون إثارة اختلالات جديدة، وعلى عودة السيولة إلى قطاعات التكنولوجيا التي قادت جانباً كبيراً من الصعود السابق.