هل يطيح التدخل الأميركي المحتمل في الصراع الإسرائيلي الإيراني بأسواق المال العالمية؟

متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

هل يطيح التدخل الأميركي المحتمل في الصراع الإسرائيلي الإيراني بأسواق المال العالمية؟

متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

قد تشهد الأسواق المالية موجة بيع مفاجئة إذا هاجم الجيش الأميركي إيران، حيث حذر خبراء اقتصاديون من أن الارتفاع الكبير في أسعار النفط قد يُلحق الضرر بالاقتصاد العالمي المُثقل أصلاً برسوم الرئيس دونالد ترمب الجمركية.

وانخفضت أسعار النفط بنحو 2 في المائة يوم الأربعاء، حيث قيّم المستثمرون احتمال انقطاع الإمدادات نتيجة الصراع الإسرائيلي الإيراني واحتمال التدخل الأميركي المباشر. ولا يزال سعر النفط الخام مرتفعاً بنحو 9 في المائة منذ أن شنت إسرائيل هجمات على إيران يوم الجمعة الماضي في محاولة لشل قدرتها على إنتاج أسلحة نووية.

مع تداول مؤشرات الأسهم الأميركية الرئيسية بالقرب من مستويات قياسية مرتفعة على الرغم من حالة عدم اليقين بشأن سياسة ترمب التجارية، يخشى بعض المستثمرين أن تكون الأسهم عرضة بشكل خاص لمصادر عدم اليقين العالمي الإضافية، وفق «رويترز».

سعر سهم مؤشر داكس الألماني في بورصة فرنكفورت (رويترز)

وصرح تشاك كارلسون، الرئيس التنفيذي لشركة «هورايزون» للخدمات الاستثمارية، بأن الأسهم الأميركية قد تشهد انخفاضاً في البداية إذا أمر ترمب الجيش الأميركي بالتدخل بشكل أكبر في الصراع الإسرائيلي الإيراني، إلا أن تصعيداً أسرع قد يُنهي الوضع في وقت أقرب.

وقال كارلسون: «أتوقع أن يكون رد الفعل الأولي هو (هذا سيئ). أعتقد أنه سيُفاقم الأمور بشكل أسرع».

جاء انخفاض أسعار النفط الخام يوم الأربعاء، إلى جانب ارتفاع طفيف بنسبة 0.3 في المائة في مؤشر ستاندرد آند بورز 500، بعد أن رفض ترمب الإجابة عن أسئلة الصحافيين حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تخطط لضرب إيران، لكنه قال إن إيران اقترحت الحضور لإجراء محادثات في البيت الأبيض. ومما زاد من حالة عدم اليقين، رفض المرشد الإيراني علي خامنئي طلب ترمب بالاستسلام غير المشروط.

وانخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية مع تزايد الطلب على الملاذ الآمن بسبب المخاوف بشأن الحرب في إيران. كما أفادت «رويترز» بأن الجيش الأميركي يعزز وجوده في المنطقة، ما أثار تكهنات حول تدخل أميركي يخشى المستثمرون أن يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع في منطقة ذات موارد طاقة وسلاسل إمداد وبنية تحتية حيوية.

متعاملون يعملون في بورصة لندن للمعادن (رويترز)

ونظراً لأن المستثمرين يعتبرون الدولار ملاذاً آمناً، فقد ارتفع بنحو 1 في المائة مقابل كل من الين الياباني والفرنك السويسري منذ يوم الخميس الماضي. يوم الأربعاء، أخذت العملة الأميركية قسطاً من الراحة، حيث انخفضت بشكل طفيف مقابل الين والفرنك.

وصرّح بيتر كارديلو، كبير اقتصاديي السوق في «سبارتان كابيتال سيكيوريتيز» في نيويورك: «لا أعتقد شخصياً أننا سننضم إلى هذه الحرب. أعتقد أن ترمب سيبذل قصارى جهده لتجنبها. ولكن إذا لم يكن من الممكن تجنبها، فسيكون ذلك في البداية سلبياً على الأسواق». وأضاف: «سيرتفع سعر الذهب بشدة. ومن المرجح أن تنخفض العائدات، ومن المرجح أن يرتفع الدولار».

وحذر «باركليز» من أن أسعار النفط الخام قد ترتفع إلى 85 دولاراً للبرميل إذا انخفضت الصادرات الإيرانية إلى النصف، وأن الأسعار قد ترتفع بنحو 100 دولار في أسوأ سيناريو محتمل لانفجار أوسع نطاقاً. وكان سعر خام برنت قد بلغ آخر مرة نحو 76 دولاراً.

وحذّر اقتصاديون في «سيتي غروب» في مذكرة، يوم الأربعاء، من أن ارتفاع أسعار النفط بشكل ملموس «سيُشكّل صدمة سلبية في العرض للاقتصاد العالمي، ما يُخفّض النمو ويُعزّز التضخم، ما يُشكّل تحديات إضافية للبنوك المركزية التي تُحاول بالفعل التغلّب على مخاطر الرسوم الجمركية».

وقال كارلسون إن اتخاذ ترمب «موقفاً أكثر حزماً» لن يكون مفاجئاً للسوق، إذ سيُخفّف من أي رد فعل سلبي على أسعار الأصول، مُضيفاً أنه لا يزال غير مقتنع بأن الولايات المتحدة ستُؤدّي دوراً أكبر.

وتشير التداولات على موقع بولي ماركت للمراهنات إلى توقع بنسبة 63 في المائة «بعمل عسكري أميركي ضد إيران قبل يوليو (تموز)»، بانخفاض عن نسبة 82 في المائة يوم الثلاثاء، لكنها لا تزال أعلى من نسبة 35 في المائة قبل بدء الصراع يوم الجمعة الماضي.

وارتفع مؤشر قطاع الطاقة في ستاندرد آند بورز 500 بأكثر من 2 في المائة في الجلسات الأربع الماضية، مدعوماً بارتفاع بنسبة 3.8 في المائة في سهم «إكسون موبيل» وارتفاع بنسبة 5 في المائة في سهم «فالرو إنرجي». يُقارن ذلك بانخفاضٍ بنسبة 0.7 في المائة في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 خلال الفترة نفسها، ما يعكس مخاوف المستثمرين بشأن تأثير ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد، وتزايد حالة عدم اليقين العالمي الناتجة عن الصراع.

قلق الرسوم

تأتي الاضطرابات في الشرق الأوسط في الوقت الذي يشعر فيه المستثمرون بالقلق بالفعل بشأن تأثير رسوم ترمب الجمركية على الاقتصاد العالمي. خفّض البنك الدولي الأسبوع الماضي توقعاته للنمو العالمي لعام 2025 بنسبة أربعة أعشار نقطة مئوية إلى 2.3 في المائة، قائلاً إن الرسوم الجمركية المرتفعة وتزايد حالة عدم اليقين يُشكّلان «عقبة كبيرة» لجميع الاقتصادات تقريباً.

يظهر رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول على شاشة تلفزيونية بينما يعمل المتداولون في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

وحققت أسهم الدفاع، التي ارتفعت بالفعل بفضل الصراع الروسي مع أوكرانيا، مكاسب متواضعة منذ أن شنّت إسرائيل هجماتها. ووصل مؤشر ستاندرد آند بورز 500 للفضاء والدفاع إلى مستويات قياسية مرتفعة في أوائل الأسبوع الماضي، تتويجاً لانتعاشٍ تجاوز 30 في المائة من الخسائر التي تكبّدها في أعقاب إعلانات ترمب عن رسوم «يوم التحرير» في 2 أبريل (نيسان). حتى بعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي الأخيرة، لا يزال مؤشر ستاندرد آند بورز 500 منخفضاً بنسبة 2 في المائة فقط عن أعلى مستوى إغلاق قياسي له في فبراير (شباط).

يقول عثمان علي، الرئيس المشارك العالمي لشركة «كوانتيتاتيف» في مؤتمر للمستثمرين يوم الأربعاء: «يريد المستثمرون تجاوز هذا الوضع، وإلى أن نجد أسباباً للاعتقاد بأن هذا سيكون صراعاً إقليمياً أوسع نطاقاً، مع احتمال تورط الولايات المتحدة واحتمال كبير للتصعيد، سنرى السوق تتجاهل هذا الأمر قدر الإمكان».


مقالات ذات صلة

الحرب والدين والذكاء الاصطناعي تختبر صمود الاقتصاد العالمي في بانكوك

تقرير إخباري شخص يقف بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين قبيل انعقاد الاجتماع في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (رويترز)

الحرب والدين والذكاء الاصطناعي تختبر صمود الاقتصاد العالمي في بانكوك

يدخل صناع السياسات المالية والنقدية أسبوع اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك وسط اقتصاد عالمي تمكّن حتى الآن من امتصاص جانب كبير من صدمة الحرب.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

خاص من أمن الإمدادات إلى الذكاء الاصطناعي... قضايا تجمع قادة الطاقة العالميين في الرياض

تتجه أنظار قطاع الطاقة العالمي إلى الرياض اعتباراً من يوم الأحد، مع انطلاق أسبوع من الاجتماعات الوزارية، والفعاليات الدولية.

هلا صغبيني (الرياض)
شؤون إقليمية أعلن «حزب العمال الكردستاني» يوم 26 أكتوبر 2025 سحب 25 مسلحاً من تركيا في خطوة لتأكيد إنهاء النزاع المسلح (رويترز)

«الكردستاني» يسحب جميع مسلحيه من تركيا لتحفيز خطوات «السلام»

أعلن «حزب العمال الكردستاني» سحب جميع مسلحيه من تركيا ومناطق قريبة منها؛ «للقضاء على أي ذريعة» لحكومتها للتباطؤ في تنفيذ «القانون الإطاري» للسلام...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد رجل يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)

أسهم الخليج تتراجع وسط تصاعد هجمات الناقلات في مضيق هرمز

تراجعت أسواق الأسهم الخليجية في التعاملات المبكرة، الخميس، مع بلوغ الهجمات على ناقلات النفط في مضيق هرمز أعلى مستوياتها منذ بدء الحرب.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شخص أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر «نيكي» الياباني في طوكيو (أ.ب)

ديون الذكاء الاصطناعي تضغط على أسواق السندات والأسهم الآسيوية

تراجعت الأسهم الآسيوية، الخميس، في وقت تتزايد فيه الضغوط على أسواق السندات السيادية مع اتجاه شركات تكنولوجيا كبرى إلى الاقتراض بمليارات الدولارات.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

منتدى الطاقة الدولي: أمن الإمدادات يتطلب ضمان وصول الطاقة للمستهلكين

الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)
الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

منتدى الطاقة الدولي: أمن الإمدادات يتطلب ضمان وصول الطاقة للمستهلكين

الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)
الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)

أكد الأمين العام لمنتدى الطاقة الدولي، جاسم الشيراوي، أن أمن الإمدادات يمثل أولوية في ظل تنامي الطلب العالمي على الطاقة، مدفوعاً بالنمو السكاني والتوسع الصناعي والاحتياجات المتزايدة لمراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مشدداً على أن التحدي لا يقتصر على إنتاج الطاقة؛ بل يشمل أيضاً ضمان إيصالها إلى المستهلكين بصورة موثوقة.

وأشاد الشيراوي -في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض- باستضافة السعودية فعاليات «أسبوع الطاقة»، الذي انطلقت أعماله بالاجتماع الوزاري للمنتدى، موضحاً أن هذه الاجتماعات تتيح تعزيز الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، وبحث سبل ضمان أمن الإمدادات في ظل المتغيرات التي يشهدها قطاع الطاقة.

وقال إن المنتدى يضم نحو 70 دولة تمثل معظم الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، إلى جانب مجلس استشاري للصناعة يتيح إشراك الشركات في الحوار بين الحكومات، بما يساعد على تقريب وجهات النظر بين أطراف القطاع، وبحث التحديات المرتبطة بتوفير الطاقة.

وأضاف أن نمو السكان واحتياجات الصناعة، إلى جانب الطلب الجديد الذي يفرضه التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، تزيد أهمية ضمان توفُّر الإمدادات، وقدرة البنية التحتية على نقلها إلى المستهلكين.

وأكد أن أمن الطاقة لا يرتبط بقدرة الدول على الإنتاج فحسب؛ بل يتطلب أيضاً ضمان وصول الإمدادات إلى وجهاتها لتلبية احتياجات الاقتصادات والصناعات.


رئيس مجلس البترول العالمي لـ«الشرق الأوسط»: أمن الإمدادات يعود إلى صدارة الأولويات

رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)
رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)
TT

رئيس مجلس البترول العالمي لـ«الشرق الأوسط»: أمن الإمدادات يعود إلى صدارة الأولويات

رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)
رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)

قال رئيس مجلس البترول العالمي، بيدرو ميراس، إن أمن الإمدادات عاد إلى صدارة أولويات قطاع الطاقة العالمي مع تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية، مؤكداً أن المنظومة العالمية أصبحت أكثر قدرة على الصمود أمام صدمات الإمدادات مقارنة بما كانت عليه قبل بضع سنوات، رغم انعكاس الاضطرابات على الأسعار.

تأتي تصريحات ميراس لـ«الشرق الأوسط»، على هامش أعمال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي المنعقد في الرياض على هامش أسبوع الطاقة في الرياض، الذي يمتد من 11 إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول)، وتتصدّره أعمال المؤتمر الخامس والعشرين للطاقة، إلى جانب اجتماعات وزارية دولية تبحث أمن الإمدادات ومستقبل منظومة الطاقة.

وتستضيف الرياض اليوم الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، بمشاركة وزراء ومسؤولين في قطاع الطاقة، تحت شعار «أمن الطاقة والأهداف المشتركة في عصر جديد». ويركز الاجتماع على تعزيز استقرار الأسواق، وتنسيق الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، ودعم الاستثمارات، وتحسين شفافية بيانات الطاقة، في وقت تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية والتحديات التي تواجه سلاسل الإمداد.

وأوضح ميراس أن التطورات التي شهدها العالم خلال السنوات القليلة الماضية أعادت أمن الإمدادات إلى صدارة الأولويات، مشدداً على أهمية مواصلة تنمية القطاع مع الحفاظ على التوازن بين الركائز الثلاث، التي وصفها بأنها متساوية في الأهمية.

صورة عامة من مكان انعقاد الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (الشرق الأوسط)

وفي حديثه عن اضطرابات الإمدادات، أوضح ميراس أن القطاع واجه تحديات في مناطق مختلفة من العالم، وليس في المنطقة وحدها، لافتاً إلى أن قطاع الطاقة يمتلك خبرة في التعامل مع مثل هذه الظروف.

وقال إن الاضطرابات الحالية ربما كانت ستترك أثراً أكبر على الأسواق في الماضي، لكن المنظومة العالمية أصبحت اليوم أكثر قدرة على الصمود مقارنة بما كانت عليه قبل بضع سنوات، رغم ارتفاع الأسعار.

وأضاف أن التعامل مع هذه التحديات يظل ممكناً، مستشهداً بتجارب سابقة كانت آثارها أشد وطأة، وداعياً إلى الحفاظ على الثقة بقدرة القطاع على تجاوز الاضطرابات.


«نماءات أرامكو»... 5 أعوام من التوطين الصناعي وتعزيز التنويع الاقتصادي في السعودية

عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
TT

«نماءات أرامكو»... 5 أعوام من التوطين الصناعي وتعزيز التنويع الاقتصادي في السعودية

عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)

توسّع «أرامكو السعودية» استثماراتها في الصناعات والخدمات المرتبطة بأعمالها الأساسية عبر برنامج «نماءات أرامكو»، الذي استقطب استثمارات تقارب 216 مليار ريال (58 مليار دولار)، وأسهم في تأسيس 58 شركة جديدة منذ إطلاقه في عام 2021، وفق معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط». ويعكس البرنامج توجّه الشركة إلى بناء شراكات صناعية محلية وعالمية، تستهدف توطين التصنيع والتقنيات المتقدمة، وتعزيز سلاسل الإمداد، فيما بلغ إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي نحو 103 مليارات ريال (27.4 مليار دولار).

و«نماءات أرامكو» هو برنامج للاستثمارات الصناعية والشراكات الاستراتيجية، أطلقته الشركة السعودية بهدف جذب الشركات المحلية والعالمية للاستثمار في المملكة، وتطوير الصناعات المحلية، وخلق فرص عمل للسعوديين، ودعم تنويع الاقتصاد بما يتماشى مع «رؤية 2030».

وعلى مدى الأعوام الخمسة الماضية، أسهم برنامج «نماءات أرامكو» في ترسيخ دور الشركة في التميّز والابتكار والتخطيط الاستراتيجي، والانتقال من نجاح إلى آخر، مستفيداً من المزايا الفريدة التي تقدمها الشركة في الجوانب التقنية والتجارية والتنفيذية.

ورسمت هذه الأعوام الخمسة علامة فارقة، تمثلت في تحويل الأفكار المبدعة والواعدة في مجال الأعمال إلى فرص استثمارية ملموسة على أرض الواقع، لتحوّل بذلك ما كان حلماً بالأمس إلى مشروعات صناعية ناجحة اليوم لمستقبل مزدهر ومستدام.

المهندس أمين الناصر الرئيس وكبير الإداريين التنفيذيين لشركة «أرامكو» يتحدث إلى شركاء البرنامج «نماءات» (واس)

حديث الأرقام

ووفق معلومات تحصّلت عليها «الشرق الأوسط»، نجح «نماءات أرامكو» في تجسيد نقطة الالتقاء بين الطموح والتنفيذ الميداني؛ حيث أسهم البرنامج في إطلاق 58 شركة جديدة عاملة، وجذب استثمارات بما يقارب 216 مليار ريال (58 مليار دولار).

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل بلغ إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي نحو 103 مليارات ريال (27.4 مليار دولار)، وهو ما يعكس الدور المحوري للبرنامج في تعزيز الاقتصاد المحلي، وتوطين القدرات الصناعية الرئيسية، وخلق فرص وظيفية لأبناء وبنات الوطن.

منظومة متكاملة

ويعدّ «نماءات أرامكو» أداة فاعلة لـ«أرامكو السعودية» في بناء شراكات استثمارية صناعية؛ حيث ينصب التركيز الاستراتيجي للبرنامج على خلق القيمة من خلال 3 محاور رئيسية، وهي: المرونة التشغيلية لـ«أرامكو السعودية»، والمرونة التقنية، والصناعات المتنوعة الجديدة، وذلك مع الإسهام الفعّال في تحقيق مستهدفات الرؤية الوطنية الطموحة.

ويهدف البرنامج إلى تمكين الشركات الوطنية، وإيجاد القيمة من خلال منظومة الشركة، وذلك في 4 مجالات رئيسية: التصنيع، والخدمات الصناعية، والرقمنة، والاستدامة.

وظهر أثر البرنامج في تمكين الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتعاون الوثيق مع شركاء عالميين ومحليين، وساعد ذلك في استحداث فرص استثمارية واسعة النطاق، وتأسيس شركات رائدة، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة، ما عزّز مرونة سلسلة الإمداد واستدامتها.

كما أن العديد من هذه الاستثمارات مدعومة من قبل برامج المملكة التحفيزية التي تمكّن الشركات من رفع معدل استثماراتها المحلية. وبدورها، أتاحت تلك المبادرات فرصاً جديدة لشركاء الاستثمار الصناعي عبر تمكينهم من المشاركة في الاستفادة من فرص النمو بالشركة على المدى البعيد.

توقيع شركة «أرامكو» مع إحدى الشركات الفرنسية ضمن برنامج «نماءات أرامكو» (أرامكو)

الخدمات الصناعية

ونجح برنامج «نماءات أرامكو» منذ إطلاقه في تحقيق إنجازات بارزة في المجالات الأربعة التي يعمل فيها، وأسهم في تشكيل مستقبل توطين الصناعة والتنويع الاقتصادي بالمملكة، ففي قطاع التصنيع، دعم البرنامج التصنيع المحلي لكابلات الطاقة البحرية عالية الجهد، وتصنيع الأوعية ذات الجدران السميكة، وأنابيب الفولاذ المقاوم، ما أتاح توطين القدرات التصنيعية الاستراتيجية والحيوية.

ويعمل البرنامج كذلك على إنشاء مركز عالمي متطور في المملكة، يتخصص في استصلاح المعادن بتقنيات حديثة، وتصنيع محفزات التكرير المتقدمة.

وتضع هذه المبادرة الاستراتيجية المملكة في موقع إقليمي ومركزي رائد في مجال استعادة الموارد المستدامة، والإنتاج الصناعي عالي القيمة، وحلول الطاقة النظيفة، ما يدفع عجلة النمو الاقتصادي، ويُعزز التزام المملكة باقتصاد أكثر استدامة ومسؤولية بيئية.

وفي قطاع الخدمات الصناعية، دعم برنامج «نماءات أرامكو» توطين منشأة صب وتشكيل المعادن، ما ساعد في دعم التصنيع الوطني لمنتجات بالغة الأهمية، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد الصناعية.

وأسهم البرنامج في تطوير شركات الهندسة والمشتريات والإنشاءات الوطنية، وزيادة قدراتها على تنفيذ مشروعات موثوقة وتنافسية في الأسواق داخل وخارج المملكة.

الرقمنة والاستدامة

وواصل برنامج «نماءات أرامكو» جهوده في التنمية الوطنية من خلال تنفيذ مبادرات رئيسية في مجال الرقمنة، ومن أبرز هذه المبادرات: توطين التقنيات الرقمية المتقدمة، مثل تأسيس شركة وطنية لخدمات تقنية المعلومات؛ تهدف إلى تقديم حلول متكاملة في تطوير البرمجيات والاستشارات والدعم الفني، لتلبية المتطلبات التقنية لمختلف القطاعات، وشركة الاتصالات الموحدة، بوصفها خدمة «زوم»، وأكثر من 7 شركات في المركز الرقمي في مدينة الملك سلمان للطاقة (سبارك)، مثل «هانيوي» و«إيمرسون» وغيرها.

وكان للبرنامج إسهاماته الواضحة في مجال الاستدامة، مثل مشروع توطين إنتاج الزجاج المتخصص. ودعم شركة «زجاج غارديان» عبر المشروع المشترك «غلف غارد»، لتوسيع نطاق تصنيع الزجاج المتخصص في المملكة.

ويركز هذا المشروع على الزجاج المعماري عالي الأداء، بما يدعم الطلب الإقليمي المتزايد على المباني الموفِّرة للطاقة. وشمل التعاون إضافة خطوط إنتاج جديدة للزجاج المسطح المصقول، وخطوط معالجة الزجاج في مدينة الجبيل الصناعية، ما عزّز سلسلة الإمداد المحلية بمنتجات متطورة، وحقّق مكتسبات ذات قيمة في مجال التوطين التقني.

ملامح المستقبل

وبعد كل هذه النجاحات التي تحققت، يمضي برنامج «نماءات أرامكو» نحو المرحلة المقبلة، وفي أولوياته تطوير الفرص الصناعية الاستراتيجية التي تُعزز منظومة «أرامكو السعودية»، بالتوازي مع تسريع التحول الصناعي في المملكة، والسعي نحو مزيد من الابتكار، ودعم الصناعة المحلية، وتنويع الاقتصاد، وتشجيع الطموح والأفكار الواعدة، وتعزيز بناء سلاسل إمداد مرنة، وتوطين التقنيات الحيوية والمتقدمة.

ويستمر في جذب مزيد من الشركاء العالميين للإسهام في إنشاء قدرات صناعية جديدة، إلى جانب توسيع نطاق إنشاء القدرات الرقمية والتصنيعية المتقدمة، وتسريع تبنّي الحلول الصناعية والرقمية في القطاعات الناشئة، ليكون البرنامج جزءاً من قصة نجاح أكبر، تحكي عن الإنجازات في قطاعات الطاقة والصناعة والابتكار في المملكة والمنطقة.