تحالف «صمود» يؤكد استحالة الحل العسكري في السودان

دعا في رؤية سياسية جديدة إلى تفكيك حزب البشير


حمدوك يتوسط قيادات مدنية خلال مؤتمر سابق في لندن (الشرق الأوسط)
حمدوك يتوسط قيادات مدنية خلال مؤتمر سابق في لندن (الشرق الأوسط)
TT

تحالف «صمود» يؤكد استحالة الحل العسكري في السودان


حمدوك يتوسط قيادات مدنية خلال مؤتمر سابق في لندن (الشرق الأوسط)
حمدوك يتوسط قيادات مدنية خلال مؤتمر سابق في لندن (الشرق الأوسط)

دعا التحالف المدني الديمقراطي (صمود) في السودان، الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، إلى الوقف الفوري للحرب عبر التفاوض، مؤكداً استحالة الحلول العسكرية، وجدد دعوته إلى تفكيك نظام «الإنقاذ» السابق الذي كان يتزعمه الرئيس المخلوع عمر البشير، وأيضاً حظر حزبه «المؤتمر الوطني»، وإعادة بناء وهيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية، وتكوين حكومة مدنية انتقالية تحكم البلاد لمدة خمس سنوات، وتعد لانتخابات حرة نزيهة. كما وعد التحالف بتقديم رؤيته للقوى السياسية والمدنية للتشاور حول مشروع وطني متوافق عليه.

وأعلن «صمود» إكمال إعداد وثيقة رؤية سياسية لإنهاء الحروب واستعادة تأسيس الدولة المدنية، معلناً عزمه على تقديمها للقوى السياسية والمجموعات النسوية والشبابية والمدنية كافة، من أجل التوافق على رؤية موحدة تُخرج البلاد من أزماتها.

وجاء في الوثيقة، التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، أنّ النزاع في السودان لا يمكن حله عسكرياً مهما طال أمده، وأنّ الخيار الوحيد لوضع حدٍّ للمعاناة وحفظ وحدة البلاد يتمثل في الإنهاء الفوري للحرب، وإطلاق عملية سلام شاملة ذات مصداقية يقودها السودانيون، تؤدي إلى حل سياسي يعالج جذور الأزمة، بمحاورها الإنسانية ووقف إطلاق النار، وابتداع مسار سياسي مدني.

وتوقعت «صمود» أن تفضي العملية المزمع إطلاقها إلى وقف دائم لإطلاق النار، وتوقيع اتفاق سلام شامل، والانتقال إلى ترتيبات دستورية انتقالية تقوم على توافق عريض، وتستعيد «ثورة ديسمبر» في مسار الانتقال المدني الديمقراطي، وإعادة بناء وتأسيس منظومة أمنية وعسكرية موحدة، مهنية، وقومية، لا تتدخل في السياسة والاقتصاد.

بناء نظام عدالة

نازحون سودانيون في مخيم تديره «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» ببلدة القلابات السودانية الحدودية مع إثيوبيا خلال نوفمبر 2024 (أ.ف.ب)

وشدّدت الوثيقة على أهمية بناء نظام عدالة، يحاسب الانتهاكات وينصف الضحايا، وتشكيل سلطة مدنية انتقالية بصلاحيات كاملة لتصفية آثار الحرب، وإعادة الإعمار، وقيادة البلاد إلى انتخابات ديمقراطية نزيهة. وبحسب الرؤية، فإنّ العملية السلمية يجب أن تستند إلى معايير واضحة، وأطراف معروفة ومحددة، تتمثل في القوى السياسية، وحركات الكفاح المسلح، والمجتمع المدني، والمهنيين، والنقابات، ولجان المقاومة، على أن تكون مدعومة ببُعد شعبي يشارك فيه أصحاب المصلحة.

وأكدت الوثيقة على رفض أي مساعٍ لما سمّته «إغراق العملية السياسية بواجهات مصنوعة ومزيّفة»، كما رفضت مكافأة حزب «المؤتمر الوطني» والحركة الإسلامية وواجهاتهما على إشعال الحرب والعمل على استمرارها، مؤكدة وجوب محاسبتهما. ووضعت الرؤية توصيفاً لمستويات الحكم الانتقالي بأن يكون «اتحادي، إقليمي، محلي»، يدير البلاد خلال فترة انتقالية مدتها خمس سنوات تنتهي بانتخابات عامة، تعقبها فترة تأسيسية ثانية مدتها خمس سنوات تقودها الحكومة المنتخبة.

وتتمثل مهام الحكومة الانتقالية في استدامة وقف إطلاق النار، وتنفيذ ترتيبات أمنية تشمل بناء وتأسيس المنظومة الأمنية والعسكرية، وجمع السلاح، وفرض سيادة حكم القانون، وتحقيق الاستجابة الإنسانية، وإعمار ما دمرته الحرب، وإطلاق عملية عدالة انتقالية ومصالحة وطنية، تتضمن كشف الحقائق، ومحاسبة الجناة، وجبر الضرر، وضمان عدم الإفلات من العقاب، والنهوض بالاقتصاد الوطني، ووقف تدهوره، ومكافحة الفساد.

وتشمل مهام الانتقال، وفقاً للرؤية، إصلاح مؤسسات الدولة المدنية والقضائية، وضمان استقلاليتها وكفاءتها، وتفكيك أدوات القمع، ومواجهة ما ترتّب على انقلاب أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وتهيئة المناخ للحوار الوطني الجاد، وصياغة دستور دائم يعكس تطلعات المواطنين في دولة مدنية ديمقراطية.

تفكيك نظام البشير

الرئيس السابق عمر البشير في القفص أثناء محاكمته بعد إطاحته في 2019 (فيسبوك)

وشددت الرؤية على تفكيك نظام البشير، وحظر النشاط السياسي لحزب المؤتمر الوطني «المحلول» وواجهاته، وحظر تمثيله في مؤسسات الحكم والمفوضيات، ومنع إعادة تسجيله أو تسجيل جمعياته ومنظماته وواجهاته، على أن تؤول أمواله وأسهمه، سواء المسجلة باسمه أو بأسماء أي من واجهاته، إلى وزارة المالية.

وتعمل حكومة الانتقال على إعداد البلاد لإقامة انتخابات حرة نزيهة، من خلال إنشاء مفوضية انتخابات مستقلة، وإعداد سجل انتخابي شفاف، وضمان الحريات السياسية والإعلامية، وتعزيز الحوار مع المجتمع الدولي عبر سياسة خارجية متوازنة تستطيع حشد الدعم الإقليمي والدولي لصالح السلام والتحول المدني.

ونصّت الرؤية على أسس ومبادئ لإنهاء الحروب، وإعادة تأسيس الدولة السودانية، وتحقيق وحدة البلاد وسيادتها على أراضيها ومواردها ومجالها الجوي والبحري، وأن يكون الشعب مصدر السلطات خلال المرحلة الانتقالية، دون مشاركة العسكريين في الحكم، وبناء دولة مدنية، تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان والمعتقدات، وتعتمد المواطنة أساساً للحقوق والواجبات دون تمييز ديني، أو جهوي، أو اجتماعي، أو اقتصادي، أو بسبب الإعاقة.

كما حددت الرؤية شكل الحكم بـ«نظام فيدرالي» يعترف بحقوق الأقاليم في إدارة شؤونها السياسية والاقتصادية والثقافية، وضمان حقوقها في المشاركة العادلة في جميع مستويات السلطة، مع اعتماد مبدأ التقاسم العادل للموارد، بما يحقق التوازن، ويستجيب للتنوع والمظالم التاريخية، ويكرّس العدالة والمساواة والحكم الرشيد، ويؤسس لمنظومة أمنية وعسكرية مبنية على الأسس المهنية القومية والمعايير الدولية، وتحقق استقلالية مؤسسات الدولة.

سياسة خارجية متوازنة

رئيس الوزراء السوداني الجديد يؤدي اليمين الدستورية أمام البرهان (سونا)

وخارجياً، دعت الوثيقة إلى انتهاج سياسة خارجية متوازنة، تراعي مصالح البلاد، وتدعم السلم والأمن الإقليمي والدولي، وتنأى عن التدخل في شؤون الغير، وتقوم على مبدأ حسن الجوار، وتحارب الإرهاب والتطرف والجرائم العابرة للحدود، والهجرة غير الشرعية.

ووصفت الرؤية الحرب بأنها «حرب وجودية» تهدد وحدة البلاد وتفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة، وقد تسببت في كارثة إنسانية غير مسبوقة، مشيرة إلى أنها تهدف في جوهرها إلى «تصفية ثورة ديسمبر»/كانون الأول، وقطع الطريق أمام أي مسار لتحول مدني ديمقراطي يحقق أهداف الثورة في الحرية والسلام والعدالة.

وأوضحت أنّ ضرورة وقف القتال تكمن في اعتماد حلول سلمية مستدامة تعالج أسباب الحروب وتضمد آثارها، وتستعيد نهضة البلاد عبر مشروع جامع يستكمل مسار التغيير، ويؤسس لدولة العدل والمواطنة والديمقراطية. وأكد تحالف «صمود» رفضه ترك البلاد رهينة للفوضى والتشظي، مشيراً إلى أنه سيخوض «المعركة المصيرية» بطرح رؤيته بصفتها إطاراً سياسياً استراتيجياً للقوى السياسية والمجتمعية.


مقالات ذات صلة

«الجنائية الدولية» تراجع اتهامات لأحد المتهمين بجرائم في دارفور

شمال افريقيا عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)

«الجنائية الدولية» تراجع اتهامات لأحد المتهمين بجرائم في دارفور

تعقد المحكمة الجنائية الدولية في 21 يوليو (تموز) الحالي جلسة علنية تنظر خلالها طلب مكتب المدعي العام سحب تهم موجهة إلى أحد المتهمين بجرائم حرب في دارفور

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا مزارع سوداني يحمل صمغاً عربياً (رويترز-أرشيفية)

الأمم المتحدة: تجارة الصمغ العربي في السودان تسهم باستمرار الحرب الأهلية

دعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الأربعاء، الدول والشركات والأطراف المرتبطة بصناعة الصمغ العربي في السودان إلى الالتزام بالقانون الدولي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا البرهان يترأس اجتماعاً سابقاً لـ«مجلس الأمن والدفاع» (إعلام مجلس السيادة)

«مجلس الأمن والدفاع» السوداني يقر بـ«مسار تفاوضي» بوساطة دولية

اعترف «مجلس الأمن والدفاع» السوداني بوجود «مسار تفاوضي» تتعامل معه السلطات رسمياً، بعد ساعات من تداول تسريبات بشأن مقترح أميركي بهدنة 90 يوماً...

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عامل يشغِّل آلة لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين بشمال السودان يوم 7 مايو 2026 (أ.ب)

عقوبات أوروبية على ذهب السودان المُستغل في تمويل الحرب

أعلن الاتحاد الأوروبي أنه فرض عقوبات جديدة على السودان تستهدف تجارة الذهب لديه، التي قال الاتحاد ‌إنها ‌تُستغل في ‌تمويل ⁠الصراع العسكري الدائر ⁠في البلاد.

«الشرق الأوسط» (لندن – الخرطوم)
شمال افريقيا من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)

«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

يواصل آلاف السودانيين البحث عن أبنائهم وأقاربهم الذين فُقدوا منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع»...

وجدان طلحة (الخرطوم)

رئيس الوزراء الفرنسي يصل المغرب في زيارة لتعزيز الشراكة بين البلدين

رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط  (ا.ف.ب)
رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط (ا.ف.ب)
TT

رئيس الوزراء الفرنسي يصل المغرب في زيارة لتعزيز الشراكة بين البلدين

رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط  (ا.ف.ب)
رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط (ا.ف.ب)

وصل رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إلى الرباط، ليل الأربعاء، لمناسبة انعقاد اجتماع وزاري رفيع المستوى يهدف إلى تعزيز الشراكة بين البلدين، قبل زيارة مرتقبة للملك محمد السادس لباريس.

وجاء لوكورنو برفقة 12 وزيرا من بينهم وزير الخارجية جان نويل بارو، ووزير الداخلية لوران نونيز، واستقبلهم في مطار الرباط سلا رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش وعدد من أعضاء حكومته.

وسيجتمع الطرفان الخميس في إطار الدورة الخامسة عشرة للاجتماع بين حكومتي البلدين، وهو الأول من نوعه منذ العام 2019.

وأفاد بيان لرئاسة الوزراء المغربية الأربعاء بأن ذلك يأتي «تكريسا للشراكة الاستثنائية الوطيدة التي تجمع المغرب وفرنسا، بقيادة قائدي البلدين».

ويرتقب أن تتوج هذه القمة بتوقيع حوالى 15 اتفاق تعاون في مجالات الاقتصاد والأمن والدفاع والهجرة، وفق ما أفاد مصدر دبلوماسي.

وأشار المصدر إلى أن هذه الاتفاقات تتضمن مشاريع في قطاعات الطيران المدني والدفاع والنقل السككي والمياه والكهرباء والتعاون الثقافي.

وسجّلت العلاقات بين فرنسا والمغرب تحسنا ملحوظا، منذ اعتراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالسيادة المغربية على منطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها في صيف 2024.

وكان ماكرون استُقبل بحفاوة بالغة في الرباط خلال زيارة رسمية استمرت ثلاثة أيام في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، أنهت ثلاث سنوات من التوترات التي غذّتها خصوصا شبهات بالتجسس وأزمة تأشيرات. واختُتمت هذه الزيارة بتوقيع عدد كبير من الاتفاقات.

والثلاثاء جدد الملك محمد السادس في برقية تهنئة للرئيس إيمانويل ماكرون لمناسبة العيد الوطني لبلاده، تأكيد «حرص المملكة المغربية على مواصلة العمل مع فرنسا بنفس روح الصداقة والثقة والالتزام، والارتقاء بشراكتهما الاستثنائية المعززة إلى مرتبة مثالية».

ومنذ اعتراف الولايات المتحدة بسيادته على الصحراء الغربية أواخر العام 2020، راهن المغرب على انتزاع موقف مماثل من فرنسا حليفته التقليدية والعضو الدائم في مجلس الأمن، في مقابل تعزيز التعاون الاقتصادي معها.

ويرتقب أن يقوم العاهل المغربي بزيارة دولة لفرنسا من أجل توقيع «معاهدة مغربية فرنسية»، وفق ما أعلن وزيرا خارجية البلدين في مايو (أيار) في الرباط، من دون تحديد موعد هذه الزيارة.

وتراهن فرنسا على تقوية علاقاتها مع المغرب، لا سيما في ما يخص الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي، بعدما تخلت عن سعيها للحفاظ على التوازن التقليدي في علاقتها المغاربية بين الرباط والجزائر.


50 قتيلاً ومفقوداً في انقلاب قارب مهاجرين قبالة سواحل ليبيا

مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
TT

50 قتيلاً ومفقوداً في انقلاب قارب مهاجرين قبالة سواحل ليبيا

مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)

انقلب قارب يحمل نحو 60 مهاجراً، بينهم نساء وأطفال، وكان متجهاً إلى الشواطئ الأوروبية، قبالة سواحل شرق ليبيا في أحدث مأساة بحرية. وقالت السلطات إن ما لا يقل عن 50 شخصاً ماتوا أو فُقدوا، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ووقع الحادث يوم الثلاثاء بالقرب من جزيرة البردعة قبالة مدينة طبرق الساحلية، وفقاً لسلطات خفر السواحل في شرق ليبيا، وتمكن 10 ناجين من السباحة إلى الجزيرة لإنقاذ أنفسهم. وقال خفر السواحل إن البحث عن آخرين مستمر.

وهذه أحدث مأساة تقع قبالة سواحل ليبيا، وهي إحدى نقاط الانطلاق الرئيسية للمهاجرين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط والوصول إلى الشواطئ الأوروبية من أجل حياة أفضل هناك. وفي الشهر الماضي أدى غرق سفينة قبالة سواحل شرق ليبيا إلى مقتل أو فقدان 51 مهاجراً.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة إنه تم تسجيل مقتل أو فقدان أكثر من 800 مهاجر في طريق وسط البحر المتوسط في الفترة من أول يناير (كانون الثاني) وحتى 16 مايو (أيار) من هذا العام. وأضافت أن العام الماضي شهد مقتل أو فقدان أكثر من 1300 مهاجر على هذا الطريق.


«الجنائية الدولية» تراجع اتهامات لأحد المتهمين بجرائم في دارفور

عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
TT

«الجنائية الدولية» تراجع اتهامات لأحد المتهمين بجرائم في دارفور

عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)

تعقد المحكمة الجنائية الدولية في 21 يوليو (تموز) الحالي جلسة علنية للنظر في طلب قدمه مكتب المدعي العام لسحب الاتهامات الموجهة إلى المواطن السوداني عبد الله بندة أبكر نورين، أحد المتهمين بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور، في خطوة قد تنهي إحدى أقدم القضايا المنظورة أمام المحكمة.

وقالت المحكمة، في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني، إن الدائرة الابتدائية الرابعة ستعقد الجلسة عند الساعة الثانية والنصف بعد الظهر بتوقيت لاهاي، للاستماع إلى ملاحظات الادعاء والدفاع والمشاركين بشأن طلب سحب الاتهامات، على أن تُبث الجلسة عبر الموقع الإلكتروني للمحكمة.

وتتعلق القضية بالهجوم الذي وقع في 29 سبتمبر (أيلول) 2007 على موقع قوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي (أميد) في بلدة حسكنيتة بولاية شمال دارفور، وأسفر عن مقتل 12 من أفراد القوة، وإصابة ثمانية آخرين بجروح خطيرة. وكان بندة قد مثل طوعاً أمام المحكمة في يونيو (حزيران) 2010، قبل أن تؤكد الدائرة التمهيدية الأولى التهم الموجهة إليه في 7 مارس (آذار) 2011 وتحيله إلى المحاكمة، ثم تغيب عن جلسات المحكمة، فأصدرت الدائرة الابتدائية الرابعة مذكرة توقيف بحقه في 11 سبتمبر 2014، وظلت القضية معلقة لعدم مثوله أمام المحكمة التي لا تجري محاكمة غيابية.

الادعاء يطلب إسقاط التهم

وأعلن مكتب المدعي العام، الثلاثاء، أنه طلب الإذن بسحب ثلاث تهم بارتكاب جرائم حرب ضد عبد الله بندة، وأنه خلص إلى أن الأدلة لم تعد توفر «أسباباً جوهرية» للاعتقاد بمسؤوليته الجنائية عن الجرائم المنسوبة إليه. وقال مكتب المدعي العام إنه تقدم بطلب سحب الاتهامات في 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وظل سرياً؛ تنفيذاً لأوامر الدائرة، قبل أن ترفع السرية عن الوثائق ويعلن عنه هذا الأسبوع.

أرجع قراره إلى التدهور الكبير الذي أصاب الأدلة بمرور الزمن، واستنفاد جميع مسارات التحقيق، وتعذر الوصول إلى عدد من الشهود أو امتناعهم عن التعاون، إلى جانب وجود مشكلات تتعلق بمصداقية بعض الشهود الرئيسيين، وظهور أدلة جديدة تصبّ في مصلحة المتهم. وأضاف: «مرور أكثر من عقد على تأكيد التهم، ووصول التحقيقات إلى مراحلها النهائية، يجعلان من غير المرجح أن تؤدي أي تحريات إضافية إلى تغيير هذا التقييم».

وأرجع مكتب المدعي العام قراره إلى ما أسماه «تقييم موضوعي للأدلة»، والتزاماً بعد المضي إلى المحاكمة إلا عندما تتوافر أدلة كافية، مشيراً إلى أن سحب التهم – حال موافقة المحكمة عليه - سينهي قضية بندة، من دون أن يمنع الادعاء من إعادة توجيه الاتهامات مستقبلاً إذا ظهرت أدلة جديدة.

وقالت نائبة المدعي العام، نزهة خان، إن مكتبها يدرك أثر القرار على الضحايا الذين انتظروا العدالة لسنوات، بيد أنه ملتزم بضمان عدم إحالة أي قضية للمحاكمة إلا إذا استند إلى أدلة كافية.

نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهة خان (أ.ف.ب)

وتابعت: «طلب سحب التهم يخص بندة وحده، ولا يؤثر على القضايا الأخرى المتعلقة بجرائم دارفور، أو على التحقيقات التي يجريها مكتب الادعاء بشأن الجرائم المرتكبة خلال الحرب الحالية في السودان».

ويأتي طلب سحب التهم في حين لا يزال بندة حاضراً على الساحة العسكرية في السودان، فبعد اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) 2023، انضم إلى القوة المشتركة التابعة للحركات المسلحة الموقّعة على اتفاق جوبا، والمتحالفة حالياً مع الجيش. وذكرت صحيفة «سودان تربيون» أنه وصل إلى مدينة الفاشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 على رأس قوة عسكرية، وأعلن انضمامه للقتال إلى جانب الجيش، قبل أن يشارك لاحقاً في العمليات العسكرية التي خاضتها القوة المشتركة في إقليم دارفور. وحسب الصحيفة، فإن بندة تعرض لإصابات بالغة خلال هجوم شنته «قوات الدعم السريع» على منطقة المالحة بشمال دارفور في مارس 2025، ونُقل إلى مصر لتلقي العلاج، ثم عاد بعدها إلى أم درمان.

ويجئ طلب سحب التهم في ظل التعقيدات التي واجهت أحد أقدم ملفات المحكمة الجنائية الدولية بشأن دارفور، في وقت يواصل فيه مكتب المدعي العام تحقيقاته في الجرائم المرتكبة بإقليم دارفور، منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

وأحال مجلس الأمن الدولي قضية دارفور للمحكمة الجنائية الدولية في 2005، بموجب القرار 1593، لتصبح أول قضية تحال إلى المحكمة بقرار من المجلس. وتبعاً لذلك؛ أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق عدد من المسؤولين السودانيين، بينهم الرئيس السابق عمر حسن أحمد البشير، الذي صدرت بحقه مذكرتا توقيف، الأولى في 4 مارس 2009 بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والأخرى في 12 يوليو 2010 بتهمة الإبادة الجماعية. وأصدرت المحكمة كذلك أوامر قبض بحق وزير الدولة بوزارة الداخلية أحمد محمد هارون وقتها في أبريل 2007، ووزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين في الأول من مارس 2012، إضافة إلى عبد الله بندة.

ورفضت حكومة الرئيس عمر البشير طوال فترة حكمها الاعتراف باختصاص المحكمة أو تسليم أي من المطلوبين، رغم مطالبة مجلس الأمن الدولي والمحكمة الجنائية الدولية بذلك بصورة متكررة.

وبعد سقوط نظام البشير في 11 أبريل 2019، أعلنت الحكومة الانتقالية استعدادها للتعاون مع المحكمة، ونص اتفاق جوبا للسلام الموقّع في أكتوبر 2020 على التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، كما وافق مجلس الوزراء في أغسطس (آب) 2021 على مشروع قانون للانضمام إلى نظام روما الأساسي، وأعلن مسؤولون التزامهم بتسليم المطلوبين، لكن تلك التعهدات لم تنفذ حتى انقلاب 25 أكتوبر 2021.

علي كوشيب خلال جلسة النطق بالحكم حيث أدين بجرائم حرب في دارفور 9 ديسمبر (أ.ف.ب)

ولا يزال مصير تنفيذ أوامر القبض الصادرة بحقهم المطلوبين من الجنائية الدولية معلقاً، وتخفي السلطات مكان وجودهم، علماً أن البشير يقيم في مكان ما بشمال البلاد.

ويعد علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم «علي كوشيب»، أول وآخر متهم في قضية دارفور مثل أمام المحكمة الجنائية الدولية، فقد سلم الرجل نفسه للمحكمة في يونيو 2020، وأدانته الدائرة الابتدائية الأولى في 6 أكتوبر 2025 بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، وحكمت عليه في 9 ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالسجن لمدة عشرين عاماً.

وتعدّ إدانة كوشيب أول إدانة تصدرها المحكمة في قضايا دارفور منذ إحالة الملف إليها قبل أكثر من عشرين عاماً، ويظل الحكم الصادر بحقه قابلاً للاستئناف. أما بحر إدريس أبو قردة، الذي شغل منصب وزير الصحة بعد توقيعه اتفاقية سلام مع حكومة البشير، فقد مثُل طوعاً أمام المحكمة عام 2009 في القضية نفسها المتعلقة بهجوم حسكنيتة، ورفضت الدائرة التمهيدية اعتماد التهم بحقه، لتنتهي الإجراءات القضائية في مواجهته دون إحالته إلى المحاكمة.