كل هؤلاء غنّوا لأم كلثوم… لكن تعويضها يبدو «مستحيلاً»

بعد مرور 50 عاماً على رحيلها

أم كلثوم قدمت حالة ممتدة في الغناء العربي (وزارة الثقافة المصرية)
أم كلثوم قدمت حالة ممتدة في الغناء العربي (وزارة الثقافة المصرية)
TT

كل هؤلاء غنّوا لأم كلثوم… لكن تعويضها يبدو «مستحيلاً»

أم كلثوم قدمت حالة ممتدة في الغناء العربي (وزارة الثقافة المصرية)
أم كلثوم قدمت حالة ممتدة في الغناء العربي (وزارة الثقافة المصرية)

بالتزامن مع استعادة ذكرى مرور نصف قرن على رحيل «كوكب الشرق» أم كلثوم (1898 - 1975)، وتنظيم عدد من الحفلات والندوات وإصدار الكتب التي تتحدث عن مسيرتها، تبرز الأصوات الغنائية التي قدمت أغاني أم كلثوم: أنغام وغادة رجب وريهام عبد الحكيم ومي فاروق ومروة ناجي وآمال ماهر وطاهر مصطفى وغيرهم كثير، لكن رغم كثرة عدد مَن تغنوا بأعمالها، يبدو تعويضها «مستحيلاً»، وفق نقاد ومتخصصين.

أم كلثوم قدمت أغانيها في العديد من الدول (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أكثر من فعالية وكتاب صدر هذا العام احتفاء بـ«سيدة الغناء العربي»، بعد تخصيص عام 2025 لتكريم ذكرى «أم كلثوم»، ونظمت دار الأوبرا المصرية عدة حفلات، لتقديم أغاني «الست» في الذكرى الخمسين لرحيلها، بمشاركة مطربات الأوبرا، من بينهنّ ريهام عبد الحكيم ومي فاروق، فيما تقام أمسية غنائية بمسرح قصر النيل، الخميس المقبل، تحت عنوان «صوت وصورة»، لتقديم سيرة ومسيرة «كوكب الشرق»، بالإضافة إلى عدد من أغانيها تقدمها المطربة مروة ناجي.

ويرى الناقد الفني المصري طارق الشناوي أنه «على الرغم من غناء كثير من المطربات لأعمال أم كلثوم، فإن الحالة التي قدمتها يستحيل تكرارها، بحسابات الزمن والاختيارات الفنية والتجدد والحضور الممتد»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أم كلثوم تجمع بين متناقضين لا يجتمعان عادة، الجمال والكمال، فغالباً ما ينطوي الجمال لكي يتحقق على شيء من النقصان، وهذا ضد الكمال»، وأوضح أن «أم كلثوم جمعت بين قوة الصوت الاستثنائية على مستوى العالم، وفي الوقت نفسه جمال الصوت، وهي عوامل لم تتوفر لمطربة أخرى».

جانب من أزياء أم كلثوم بمتحفها (تصوير:عبد الفتاح فرج)

ويعزي الشناوي تفرُّد «حالة أم كلثوم» إلى سمات في شخصيتها قائلاً: «هي فلاحة، متواضعة، شيخة بالمعنى الأدبي للكلمة، ثقفت نفسها بنفسها، واتسمت بقوة الشخصية، وحرصها على عدم التوقف عند زمن، وهو ما يتجلى في اختياراتها لكلمات الأغاني والألحان التي ما زالت حية بيننا حتى اليوم».

ومن الكتب التذكارية التي صدرت بمناسبة مرور نصف قرن على رحيل «كوكب الشرق»، كتاب «أم كلثوم: من الميلاد إلى الأسطورة» الصادر بالقاهرة، في فبراير (شباط) الماضي، للكاتب الصحافي والقاص حسن عبد الموجود، الذي أرجع استحالة تكرار «الحالة الفنية لأم كلثوم» إلى مجموعة عوامل، قائلاً: «حين أسمع أي مطربة تغني لأم كلثوم أدرك الفارق بين الهبة الإلهية والصوت الأرضي. إنها معجزة مصر والعرب بعد أن ذهب زمن المعجزات. ورغم إدراكها لقدراتها، فإنها لم تبخل على نفسها وعلينا بالبحث عن أفضل الشعراء والموسيقيين. أحاطت نفسها بأصحاب المواهب الفريدة، فضمنوا لها أن تبقى في مستوى القمة».

أم كلثوم مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر ( موقع الهيئة العامة للاستعلامات)

بدأت أم كلثوم إبراهيم البلتاجي المولودة في قرية بمحافظة الدقهلية (دلتا مصر) حياتها الفنية في صحبة والدها مؤذن المسجد والمنشد تغني الأناشيد والابتهالات والتواشيح في الأفراح، ثم انتقلت إلى القاهرة في عشرينات القرن الماضي؛ لتبدأ حياة جديدة بصحبة أسرتها، وعلى يد معلمَيْها الشيخين أبو العلا محمد وزكريا أحمد، اللذين أعجبا بصوتها وتحمّسا لها.

ويوضح عبد الموجود أنها «لم ترضَ بأنصاف القصائد والألحان، وحتى مع توفر أفضلها كانت تتدخل لتغير كلمة أو جملة أو نغمة أو مقاماً، كانت تُغضِب أفراد تختها، وبعضهم وصل به الحال إلى مقاطعتها، لكنهم كانوا يعودون إليها، مدركين أنها تبغي الكمال، ولا شيء غيره، وهكذا صارت كالماسة المضيئة، لا يخبو سحرها أبداً، ولو بعد ألف عام».

متحف أم كلثوم (صفحة المتحف على "فيسبوك")

ونجحت أم كلثوم في الحضور والتفوق على معاصريها باختياراتها الفنية، ورغم خوضها تجربة الأفلام الغنائية بالسينما بين عامي 1936 و1947 بتقديم 6 أفلام هي: «وداد»، و«نشيد الأمل»، و«دنانير»، و«عايدة»، و«سلامة»، و«فاطمة»، فإنها كرَّست حياتها للأغنية فقط، ولم تشارك بعد ذلك في السينما سوى بصوتها فقط، ومن بين هذه المشاركات أغاني فيلم «رابعة العدوية».

ويشير الناقد الموسيقي المصري، الدكتور بلال الشيخ، إلى أن القامات الكبيرة التي أحاطت بأم كلثوم من مؤلفين وملحنين، فضلاً عن الجمهور الذي كان له سَمْت مميز، كل هذا صنع حالة خاصة ارتبطت بـ«كوكب الشرق»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «يكاد يكون من المستحيل تكرار الحالة الفنية التي صنعتها أم كلثوم، لأسباب عدة: أهمها تغير الزمن، وتغير ذائقة الجمهور، واختلاف الوسائط التي يتم من خلالها تداول الأغاني»، وأضاف: «لدينا أصوات رائعة، مثل أنغام وشيرين ومي فاروق وآخرون غنوا لأم كلثوم، لكن إنتاج الأغنية الجديدة يصعب استقباله بالطريقة نفسها التي كان يتم بها استقبال أم كلثوم، فلا أحد يستطيع الثبات في حفل لأغنية مدتها ساعة ونصف الساعة مثلاً، وإن كان كاظم الساهر قد صنع حالة مميزة بتكريسه جزءاً من أعماله لغناء القصائد، وهو اللون الغنائي الذي تجلَّت فيه أم كلثوم، لكنه لم يستمر مقارنة بوهج أم كلثوم المتواصل حتى اليوم».

جنازة أم كلثوم يشيعها الآلاف (موقع الهيئة العامة للاستعلامات)

وقدمت أم كلثوم العديد من القصائد المغنَّاة، أشهرها «رباعيات الخيام» و«الأطلال» و«سلوا قلبي» و«قصة الأمس» و«ثورة الشك»، وحازت العديد من أوسمة التكريم والجوائز، من بينها جائزة الدولة التقديرية عام 1966، وتسلَّمتها من الرئيس جمال عبد الناصر، كما حصلت على عشرات الأوسمة من الدول العربية وبعض الدول الأجنبية، وأصدرت لها مصر جواز سفر دبلوماسياً تكريماً لها، ورحلت عن عالمنا عام 1975 في مشهد مهيب.


مقالات ذات صلة

تراجيديا شيرين عبد الوهاب المتكررة «تُصعّب» عودتها

يوميات الشرق الفنانة المصرية شيرين (إنستغرام)

تراجيديا شيرين عبد الوهاب المتكررة «تُصعّب» عودتها

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب لتتصدر الاهتمام، مع تكرار الأخبار التراجيدية أو الأزمات التي تتعرض لها، أحدثها ظهور مطالبات بالبحث عنها وإنقاذها.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق الفنانة اللبنانية فيروز (الوكالة الوطنية للإعلام)

فيروز تشارك في جنازة ابنها هلي بعد 6 أشهر من رحيل زياد الرحباني

ظهرت الفنانة اللبنانية الشهيرة فيروز، اليوم (السبت)، وهي تشارك في جنازة ابنها هلي، بعد أشهر قليلة على وفاة نجلها الأكبر، الموسيقي زياد الرحباني.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق رامي صبري في حفل بمهرجان الفسطاط الشتوي (صفحته على «فيسبوك»)

«مهرجان الفسطاط»... حفلات تجذب الجمهور لأكبر حدائق مصر

لم تمر فترة طويلة على تصريحات رئيس الوزراء المصري حول تطوير منطقة تلال الفسطاط (وسط القاهرة) لتشكل أكبر حديقة في الشرق الأوسط، إلا وتم تنظيم مهرجان غنائي بها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق صورة هلي مع زياد وفيروز من فيسبوك ريما الرحباني

فيروز تُفجع بموت ابنها هلي الرحباني

الفاجعة تضرب فيروز من جديد. «جارة القمر» غادرها ابنها هلي، بعد أشهر على وفاة شقيقه زياد الرحباني. الكوارث لا تأتي فرادى، وفيروز الفنانة الكبيرة، السنديانة…

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق علي الحجار يحتفي بالموسيقار سيد مكاوي (دار الأوبرا)

علي الحجار يستعيد روائع سيد مكاوي في «100سنة غنا»

حظي أوبريت «الليلة الكبيرة» بتفاعل لافت من جمهور الأوبرا خلال حفل «100 سنة غنا»، الذي خصصه الفنان علي الحجار، للاحتفاء بروائع الموسيقار الراحل سيد مكاوي.

انتصار دردير (القاهرة )

«هل أنت ميت؟»... تطبيق صيني للاطمئنان على من يعيشون بمفردهم

صورة للتطبيق نشرتها شركة «مون سكيب تكنولوجيز» المطورة له
صورة للتطبيق نشرتها شركة «مون سكيب تكنولوجيز» المطورة له
TT

«هل أنت ميت؟»... تطبيق صيني للاطمئنان على من يعيشون بمفردهم

صورة للتطبيق نشرتها شركة «مون سكيب تكنولوجيز» المطورة له
صورة للتطبيق نشرتها شركة «مون سكيب تكنولوجيز» المطورة له

انتشر في الصين على نطاق واسع تطبيق جديد يحمل اسماً مقلقاً، وهو «هل أنت ميت»، ويعتمد على فكرة بسيطة لكنها مثيرة للجدل، وهي دعم الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم والتأكد من عدم تعرضهم لأي خطر قد يودي بحياتهم.

وبحسب شبكة «بي بي سي» البريطانية، تعتمد فكرة التطبيق ببساطة على قيام المستخدم بفتحه كل يومين والضغط على زر يؤكد أنه ما زال على قيد الحياة. وإذا لم يفعل ذلك، فسيتصل التطبيق برقم أو خدمة طوارئ يحددها المستخدم لإبلاغها باحتمالية تعرضه للخطر.

وأُطلق التطبيق في مايو (أيار) من العام الماضي دون ضجة كبيرة، لكن الاهتمام به ازداد بشكل ملحوظ في الأسابيع الأخيرة، حيث قام العديد من الشباب الذين يعيشون بمفردهم في المدن الصينية بتحميله بأعداد هائلة.

وقد ساهم هذا في جعله التطبيق المدفوع الأكثر تحميلاً في البلاد.

وبحسب ما ذكرته صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية الرسمية، نقلاً عن مؤسسات بحثية، قد يصل عدد الأسر المكونة من شخص واحد في الصين إلى 200 مليون أسرة بحلول عام 2030.

وهؤلاء هم تحديداً من يستهدفهم التطبيق - الذي يصف نفسه بأنه «رفيق أمان... سواء كنت موظفاً يعمل بمفرده، أو طالباً يعيش بعيداً عن أهله، أو أي شخص يختار نمط حياة انفرادي».

وكتب أحد مستخدمي التطبيق على موقع التواصل الاجتماعي «ويبو»: «يحتاج كل من يعيش بمفرده في أي مرحلة من مراحل حياته إلى تطبيق كهذا، وكذلك الانطوائيون، والمصابون بالاكتئاب، والعاطلون عن العمل، وغيرهم ممن يمرون بظروف صعبة».

وقال مستخدم آخر: «هناك خوف من أن يموت الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم دون أن يلاحظهم أحد، دون أن يجدوا من يستغيثون به. أتساءل أحياناً، لو متُّ وحيداً، من سيأخذ جثتي؟».

ومن جهته، أشار مستخدم يدعى ويلسون هو، يبلغ من العمر 38 عاماً، إلى أنه يسكن على بُعد حوالي 100 كيلومتر من عائلته، وأن هذا هو السبب تحديداً الذي دفعه لتحميل التطبيق.

وقال: «أخشى أن أموت وحيداً في شقتي المستأجرة دون أن يعلم أحد. وقد جعلت والدتي جهة الاتصال في حالات الطوارئ».

يستهدف التطبيق الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم (رويترز)

انتقادات للاسم

وانتقد البعض اسم التطبيق غير المبهج، قائلين إن «تحميله قد يجلب النحس».

ودعا آخرون إلى تغييره إلى اسم أكثر إيجابية، مثل «هل أنت بخير؟» أو «كيف حالك؟».

ورغم أن نجاح هذا التطبيق يعود جزئياً إلى اسمه الجذاب، فإن الشركة المطورة له، «مون سكيب تكنولوجيز»، صرّحت بأنها تأخذ الانتقادات الموجهة للاسم الحالي بعين الاعتبار وتدرس إمكانية تغييره.

ويشير البعض إلى أن الاسم الحالي هو تلاعب لفظي باسم تطبيق توصيل طعام ناجح يُدعى «هل أنت جائع؟». ففي اللغة الصينية، يُنطق «سيليما» (هل أنت ميت؟) كما يُنطق اسم تطبيق الطعام «إيليما» (هل أنت جائع؟).

وانطلق التطبيق في البداية مجانياً، ثم انتقل إلى فئة التطبيقات المدفوعة، وإن كان بسعر زهيد يبلغ 8 يوان (1.15 دولار أميركي).

لا يُعرف الكثير عن مؤسسي تطبيق «هل أنت ميت؟»، لكنهم يقولون إنهم ثلاثة أشخاص وُلدوا بعد عام 1995، وقاموا بتطوير التطبيق من مدينة تشنغتشو مع فريق صغير.

وصرح الفريق بأنه يدرس فكرة منتج جديد مصمم خصيصاً لكبار السن في بلدٍ تتجاوز فيه نسبة من تزيد أعمارهم على 60 عاماً خُمس السكان.


موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)
يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)
TT

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)
يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)

هل ينبغي أن يدفع السياح الأجانب رسوماً أعلى لدخول المتاحف الممولة من الدولة مقارنة بالسكان المحليين؟ أم أن الفن يجب أن يكون متاحاً للجميع دون تمييز؟ هذا هو السؤال الذي فجّر جدلاً واسعاً في فرنسا، مع شروعها هذا الأسبوع في رفع أسعار الدخول لغير الأوروبيين إلى متحف «اللوفر»، في خطوة أثارت نقاشاً حول ما يُعرف بـ«التسعير المزدوج»، وفق تقرير نشرته «أسوشييتد برس».

وبدءاً من الأربعاء، سيتعين على أي زائر بالغ من خارج الاتحاد الأوروبي وآيسلندا وليختنشتاين والنرويج، دفع 32 يورو (37 دولاراً) لدخول متحف «اللوفر»، أي بزيادة قدرها 45 في المائة، فيما سيرفع قصر فرساي أسعاره بـ3 يوروهات.

وسيكون الأميركيون والبريطانيون والصينيون، وهم من بين أكثر الزوار الأجانب عدداً، من أبرز المتأثرين بهذه الزيادة، إلى جانب سياح قادمين من دول أفقر.

ولا توجد لهذه الخطوة الفرنسية سوابق كثيرة في أوروبا، لكنها أكثر شيوعاً في الدول النامية، حيث تختلف الرسوم في مواقع مثل ماتشو بيتشو في بيرو، أو تاج محل في الهند.

وندّدت نقابات العاملين في متحف «اللوفر» بالسياسة الجديدة، ووصفتها بأنها «صادمة على الصعيد الفلسفي والاجتماعي والإنساني»، ودعت إلى الإضراب احتجاجاً على هذا القرار، إلى جانب سلسلة من مطالب أخرى.

وتقول النقابات إن المجموعة الضخمة للمتحف، التي تضم نحو 500 ألف قطعة، من بينها أعمال كثيرة من مصر والشرق الأوسط أو أفريقيا، تحمل قيمة إنسانية عالمية.

وبينما ترفض النقابات مبدأ التسعير التمييزي من حيث المبدأ، فإنها تبدي أيضاً قلقاً لأسباب عملية، إذ سيُطلب من الموظفين التحقق من أوراق هوية الزوار.

وشبّه الأكاديمي الفرنسي باتريك بونسيه هذه الخطوة بسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي رفعت إدارته تكلفة زيارة السياح الأجانب للمتنزهات الوطنية الأميركية بمقدار 100 دولار بدءاً من 1 يناير (كانون الثاني).

وكتب بونسيه في صحيفة «لوموند» الشهر الماضي، أن السياسة الفرنسية «تعكس عودة النزعة القومية الصريحة، كما يحدث في أماكن أخرى من العالم».

«لسنا وحدنا من يدفع»

وتشمل زيادات الرسوم أيضاً مواقع سياحية فرنسية أخرى مملوكة للدولة، من بينها قصر شامبور في منطقة وادي اللوار، ودار الأوبرا الوطنية في باريس.

وبررت الحكومة هذه الزيادات بأسباب مالية، في إطار سعيها إلى جمع ما بين 20 و30 مليون يورو سنوياً، في وقت تتعرض فيه لضغوط لتعزيز الإيرادات وخفض الإنفاق.

وسيُخصص جزء من هذه الأموال لتمويل خطة ضخمة لتجديد متحف «اللوفر»، أعلنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون العام الماضي.

وتُقدَّر تكلفة المشروع بنحو مليار يورو، وقد وصفت النقابات وبعض نقاد الفن الخطة بأنها مُهدِرة للمال.

ومع ذلك، يتفق الجميع على أن حالة متحف اللوفر سيئة، خصوصاً بعد تسرب مياه حديث، ومشكلات هيكلية، وسرقة جريئة في وضح النهار وقعت في أكتوبر (تشرين الأول)، ما زاد من حدة القلق.

وقالت وزيرة الثقافة رشيدة داتي في نهاية عام 2024، عند إعلانها زيادات الأسعار: «أريد أن يدفع الزوار من خارج الاتحاد الأوروبي ثمناً أعلى لتذاكر الدخول، وأن تُخصص هذه الزيادة لتمويل تجديد تراثنا الوطني».

وأضافت: «ليس من المفترض أن يتحمل الفرنسيون وحدهم كل التكاليف».

استثناء أوروبي

ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا الخروج عن الأعراف الأوروبية من جانب الدولة الأكثر زيارة في القارة، سيدفع وجهات ثقافية أخرى إلى اعتماد النهج نفسه، أم لا.

ويُعدّ التسعير على أساس العمر أمراً شائعاً في أوروبا، إذ يُسمح لمن هم دون 18 عاماً بالدخول المجاني في مواقع مثل «الأكروبوليس» في أثينا، ومتحف «برادو» في مدريد، أو «الكولوسيوم» في روما، تشجيعاً لهم على الزيارة.

وسيظل متحف «اللوفر» مجانياً للقاصرين من جميع الدول، وللأوروبيين دون 26 عاماً.

وتوفر وجهات أخرى؛ مثل قصر «الدوجي» في البندقية، دخولاً مجانياً لسكان المدينة.

وتنتهج بريطانيا منذ زمن سياسة الإتاحة المجانية الشاملة للمجموعات الدائمة في متاحفها ومعارضها الوطنية.

لكن المدير السابق للمتحف البريطاني، مارك جونز، أيّد فرض رسوم في أحد آخر حواراته قبل مغادرته المنصب، وقال لصحيفة «صنداي تايمز» عام 2024: «سيكون من المنطقي أن نفرض رسوماً على الزوار القادمين من الخارج».

وأثار الاقتراح نقاشاً واسعاً، لكنه لم يُعتمد.

وفي ورقة بحثية نُشرت العام الماضي، عارضت وحدة السياسات الثقافية، وهي مركز أبحاث بريطاني معني بالمتاحف، هذا التوجه لأسباب عملية وفلسفية على حد سواء.

وخلص التقرير إلى أن الخطوة ستؤدي إلى تقليص أعداد الزوار، وإطالة أوقات الانتظار، وتقويض سياسة قائمة منذ قرون.

وأضاف: «تحتفظ بريطانيا بمجموعاتها الوطنية للعالم بأسره، لا لسكانها فقط».


إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة
TT

إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

ألغى منظمون أحد أهم مهرجانات الكتَاب في أستراليا اليوم (الثلاثاء) بعدما قاطع 180 مؤلفاً الحدث، واستقالت مديرته قائلة ​إنها لن تكون شريكة في إسكات مؤلفة فلسطينية، وتحذيرها من أن التحركات الرامية إلى حظر الاحتجاجات بعد حادث إطلاق النار الجماعي في سيدني تهدد حرية التعبير.

وقالت لويز أدلر، وهي ابنة أبوين من الناجين من المحرقة، اليوم الثلاثاء إنها استقالت من منصبها بمهرجان أسبوع اديليد للكتاب المقرر في فبراير (شباط) بعد قرار مجلس إدارة المهرجان إلغاء دعوة كاتبة أسترالية من أصل فلسطيني.

وقالت الروائية، والأكاديمية ‌الفلسطينية راندا عبد الفتاح ‌إن الإجراء «عمل مخزٍ وصارخ من العنصرية ‌المعادية ⁠للفلسطينيين ​ومن الرقابة»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأعلن ‌رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي اليوم (الثلاثاء) عن يوم حداد وطني في 22 يناير (كانون الثاني) لإحياء ذكرى مقتل 15 شخصاً في إطلاق نار الشهر الماضي خلال احتفال يهودي على شاطئ بونداي في سيدني.

وتقول الشرطة إن المسلحين المزعومين استلهما هجومهما من تنظيم «داعش» المتشدد. وأثار الحادث دعوات على مستوى البلاد للتصدي لمعاداة السامية، وتحركات حكومية على مستوى ⁠الولايات، والحكومة الاتحادية لتشديد قوانين خطاب الكراهية.

وأعلن مجلس إدارة المهرجان اليوم (الثلاثاء) أن ‌قراره في الأسبوع الماضي إلغاء دعوة راندا عبد الفتاح ‍باعتبار أن ظهورها في الفعالية الأدبية «بعد فترة وجيزة من حادثة بونداي» لا يراعي الحساسيات الثقافية، ‍جاء «احتراماً لمجتمع يعاني من ألم جراء هذه الكارثة». وأضاف المجلس في بيان «لكن القرار أدى إلى مزيد من الانقسام، ولذا نتقدم بخالص اعتذارنا».

وقال المجلس إن المهرجان لن يقام، وإن أعضاء مجلس الإدارة المتبقين سيتنحون عن ​مناصبهم.

وذكرت وسائل الإعلام الأسترالية أن رئيسة الوزراء النيوزيلندية السابقة جاسيندا أرديرن، والكاتبة البريطانية زادي سميث، والكاتبة الأسترالية كاثي ليت، ⁠والأميركي الحائز على جائزة بوليتزر بيرسيفال إيفرت، ووزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس، من بين المؤلفين الذين قالوا إنهم لن يشاركوا في المهرجان الذي سيقام في ولاية جنوب أستراليا الشهر المقبل.

واعتذر مجلس إدارة المهرجان اليوم الثلاثاء لراندا عبد الفتاح عن «الطريقة التي تم بها عرض القرار».

وجاء في البيان «لا يتعلق الأمر بالهوية، أو المعارضة، بل بتحول سريع ومستمر في الخطاب الوطني حول مدى حرية التعبير في أمتنا في أعقاب أسوأ هجوم إرهابي في تاريخ أستراليا».

وكانت أدلر قد كتبت في صحيفة «غارديان» في وقت سابق أن قرار المجلس «يضعف حرية ‌التعبير وينذر بأمة أقل حرية، حيث تحدد جماعات الضغط والضغوط السياسية من يحق له التحدث، ومن لا يحق له ذلك».