عن الخيال السهل وانحسار التحفة

دان براون
دان براون
TT

عن الخيال السهل وانحسار التحفة

دان براون
دان براون

أضحت الصفوف الطويلة من القراء الجدد، المنتظرة لتوقيع كاتب غير معروف في الأوساط النقدية والأكاديمية، مشاهد متكررة في أكثر من معرض للكتاب في الوطن العربي، الذي لم يحظ فيه كاتب يوماً بهذه الشهرة. وبمراجعة بعض هذه النصوص الروائية، يمكن الوقوف على حقيقة أنها تقف عند تقاطع سرد المغامرات والسفر، والخيال العلمي والعجائبي؛ مع التزامها بقاعدة تخييلية وأسلوبية تضعها بشكل مبدئي ضمن ما يمكن تسميته «الأدب السهل». ظاهرة يمكن أن نجد لها امتدادات في تنامي أروقة فنية انحازت بشكل كلي لفن اللوحة، مع شرط أن تكون «تزيينية» ولا تخلو من نعومة. اختيار لم تخف السينما انحيازها له منذ البداية، بإنجاز مجاورة مسترسلة بين أفلام السهرة والأفلام الروائية ذات العمق الإشكالي.

باولو كويلو

بينما على الصعيد العالمي، وفي حفلات توقيع روائيين من عيار «دان براون» أو«باولو كويلو» ممن يوصفون عادة بالجماهيريين، وهم طبعاً من روائيي الدرجة الثالثة، بات حجز النسخ مسبقاً ودفع ثمنها ببطاقات الائتمان على الشبكة أمراً مألوفاً، إنها إحدى ملامح تحول كتابة الرواية إلى عتبة للثراء الفاحش، بعد بيع ملايين النسخ منها، وتحويلها إلى فيلم سينمائي أو مسلسل تليفزيوني. وبتعبير أدق هي إحدى صفات تحول الرواية إلى «سلعة»، في مجتمعات استهلاكية تحدد فيها قيمة الأشياء بأرقام مبيعاتها. لهذا لم يكن غريباً أن تلتجئ المطابع في العواصم الغربية الكبرى المنتجة للروايات إلى طحن فائض الإنتاج بعد انتهاء الموسم الثقافي، لتخلي الرفوف للإصدارات الجديدة. إنها العواصم نفسها التي تحتضن أسواق الأعمال الفنية ومزاداتها، حيث تمتزج رغائب امتلاك التحف الجميلة والذخائر الغالية، بمآرب المضاربة وغسل الأموال والتهرب الضريبي، ويبدو الاستثمار في ذخائر تاريخ الفن جنباً إلى جنب مع الاستثمار في الذهب والنفط والعملات.

كتاب جون بورغر عن بيكاسو

ويخيل إليّ أن أحد الأسباب الرئيسية لذيوع الرواية ورواج أنواعها وانتشارها، ليس أنها تحقق مآرب انقلابية عظيمة على الأمد البعيد، كأن تساهم في تغيير العالم حولنا مثلاً، أو تحسن معارفنا بالمجتمع والتاريخ، وبالمدن والحضارات، وبالنفس البشرية؛ أو لأنها تساهم بشكل ما في تطوير استعمالات اللغة ومفرداتها ومجازاتها، ولكن لأن نصوصها الجذابة والآسرة تملأ فجوات حياتنا اليومية. وبتعبير أكثر دقة، فإن الرواية مهيمنة لأنها تحسن تبديد وقتنا القاتل، الذي لا ندري ما نفعل به، وتملأ ما لا يُملأ من لحظات الوجود، خارج مطحنة التواصل مع الآخرين. تلك الوظيفة التي سرعان ما تحولت إلى قيمة تباع وتحقق ثروات طائلة، تماماً مثلما أن وظيفة اللوحة أو المنحوتة الفنية اليوم هي تزيين القصور والمؤسسات السيادية والمتاحف، قبل أن تكون أسلوباً أو علامة أو مجازاً.

والظاهر أن علاقة القراء بالنصوص الروائية، ونظرتهم للوحات والأفلام، وما سواها من أعمال بصرية تتجلى بوصفها تأرجحاً محيراً بين صعقة الانجذاب العابر، ولوعات الصداقة الدائمة، القائمة على جدل لافت بين الاعتقاد في جوهر القيمة، والنفور من الأسلوب المنهك؛ وغير خاف أن الانجذاب الأولي الخالب يتصل في معظمه بظواهر فنية رائجة، تبيع ملايين النسخ في شهور، ثم تدريجياً تنمحي من الوجود، كما قد تتصل بأفلام سيئة السمعة، تتألق كنيازك سرعان ما تنطفئ، بينما لا تعقد جل النصوص الخالدة صفقة متعة على عجل، ففي طبيعة أعمال من قبيل «موت إيفان إليتش» لتولستوي، و«أوليس» لجيمس جويس، و«الموت في البندقية» لتوماس مان، لعبة تطويع للصور والدلالات، وسعي لاعج لفهم المخفي بإيحاءات كثيفة من المفردات والتخييل، وبتعبير ماريو بارغاس يوسا فبعد قراءتها وإعادة قراءتها: «ينتابنا دائماً شعور مربك بأن أمراً ملغزاً قد بقي في النص بعيداً عن المتناول، حتى بعد قراءته بتأن أكثر. ثمة خلفية قاتمة وعنيفة، شبه منفّرة». وسرعان ما تسلمنا جولات القراءة المجهدة، والمستمرة في الزمن، إلى أحاسيس ملتبسة، بعيدة عن دوائر السحر، ومن ثم فإن تلك الأعمال البالغة العمق والمتقنة الصيغة قد لا تعجبنا.

الروائية لعبد الله العروي، من «الغربة واليتيم

في نقاش جمعني قبل سنوات بأحد الروائيين العرب عن الأعمال الروائية لعبد الله العروي، من «الغربة واليتيم» إلى «غيلة» مروراً بـ«الفريق» و«أوراق» ونصوص أخرى، قال إن أعماله تتضمن نزعة عقلانية ظاهرة، وجرعة من التجريد المربك، وهندسة بناء صارمة، كل هذا يجعلها روايات جيدة، لكنها لا تعجبه، لا يتحمل المضي في قراءتها حتى النهاية. لم يفاجئني الرأي، فثمة عدد كبير من الروائيين ومن النصوص الروائية التي لا تعجب من ينتسبون إلى حقل الكتابة الروائية، وبالأحرى القراء العاديون، لكنها تصنف تحفاً روائية. في هذه النقطة تحديداً أجدني دوماً حائراً في تفسير منبع الخلل المولد للثنائية المتضمنة لتعارض ملحوظ، القيمة الثابتة والفشل في إغواء القارئ والاستحواذ عليه، ويمكن أن تكون رواية «المسخ» لكافكا نموذجاً على هذا التعارض المحيرّ، نص لم أستطع لسنوات تقبله مقروناً بكل تلك الأوصاف المبجلة من قبل مؤرخي الرواية، قبل أن تنعقد في لحظة ما صداقة وثيقة معه، جعلته مرجعاً دائماً في تقييمي للروايات المختصرة للكون بتكثيف خيالي باهر.

والحق أنه بإعمال النظر في هذا التأرجح بين الفتنة والصداقة، في تداول الأعمال الإبداعية، يمكن أن نتمثل الظاهرة بصرف النظر عن وجود خلل ما، وذلك من منطلق التمييز بين مبدأ اللذة ومبدأ القيمة، بين المتعة الحرة المؤقتة وشرط الإضافة الأصيلة، ففي منظومة تاريخ الأدب والفنون وُضع «الانطباع» في مقام ثانوي، قياساً إلى التحليل، الذي يكشف ما لا يعلن، وما يستعصي التقاطه بيسر من جوهر صامد أمام عتي الزمن، وما نسعى لإدراكه بتأهيل العين والذهن.

هل الصمود مناقض للذة؟ أعتقد ذلك، لأن من قواعد اللذة الانطفاء، والانتقال إلى لذات موعودة أخرى، بينما القيمة مقرونة بمكابدة المعنى. يحلو لي هنا أن أستحضر سعي تاريخ الفن إلى إنصاف القيمة، بعد لحظة البدايات المرزئة التي عاشها رموز عديدون، لم يكن لهم حظ، «رونوار» أو «بيكاسو» للنهل من فتن العيش، أستحضر «رابرانت» و«فان غوخ» و«سيزان» ممن سعت أسواق الفن بعد وفاتهم بعقود إلى ترجمة قيمتهم في أرقام فلكية، في الآن ذاته الذي قد تجد فيه أعمالاً لهم غير قابلة للتداول الجماهيري بوصفها صوراً خالبة.

في كتاب «الستارة» يتحدث ميلان كونديرا عن رواية فيلدينغ «توم جونس» الممتدة في 18جزءاً، واستعمل مفردات هجائية لـ«استبدادية القصة»، التي تستحوذ على الأذهان، وتسحر، وتسرع إيقاع المتابعة للوصول إلى الأسطر الأخيرة، بينما تشكل الحرية جوهر النثر الروائي، المناقض لمبدأ اللذة، حيث اختراق قواعد القصة باستطرادات مشرعة على الآراء والتأملات ينغص لعبة «حكي ما جرى للشخصيات». وفي هذا السياق يمكن استيعاب أعداد كثيرة من الدراسات النقدية التي جعلت من مهامها نقض علامات أدبية وفنية من سيرفانتس إلى بيكاسو، ومن نجيب محفوظ إلى فلليني. تحاليل تتأرجح، في الغالب الأعم، بين نقض قاعدة اللذة وتقويض جوهر القيمة.

وفي كتاب جون بورغر عن بيكاسو، عبر أزيد من ثلاثمائة صفحة، يسعى الناقد الماركسي البريطاني إلى إعادة تركيب أسطورة الفنان العالمي، انطلاقاً من سياقات تكوين شخصيته ومعالم فنه، وسياقات عبوره درجات التأثير، كانت القيمة هي شاغله، حيث عدّ، في أهم مفصل بالكتاب، أن بيكاسو انتهى بما هو «قضية وثورة ومعلم مع انتهاء الحرب العالمية الثانية»، ولم تعُدْ ثمة قيمة جديدة في منتجه، إلا ما اصطنعه نقاد الفن، والمستثمرون في أعماله، ممن كان الإعجاب الموروث والمؤبد حافزهم لإعادة إنتاج الأسطورة.


مقالات ذات صلة

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

ثقافة وفنون  منيرة العيدان

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل...

ميرزا الخويلدي (الكويت)
ثقافة وفنون يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً

إلهام بلحاج
ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».