تجربة «الاقتراب من الموت» الاستثنائية... «طاقة رائعة وسلام مبهج» للروح

ممثل أميركي يروي لحظات «نهاية حياته»

تجربة «الاقتراب من الموت» الاستثنائية... «طاقة رائعة وسلام مبهج» للروح
TT

تجربة «الاقتراب من الموت» الاستثنائية... «طاقة رائعة وسلام مبهج» للروح

تجربة «الاقتراب من الموت» الاستثنائية... «طاقة رائعة وسلام مبهج» للروح

قبل أكثر من عامين بقليل، صدمت كاسحة ثلوج وزنها سبعة أطنان الممثل جيريمي رينر. وفي مذكراته الجديدة، كتب أنه بينما كان على وشك الموت، شهد تجربة استثنائية، كما كتبت ماغي أستور(*).

جيريمي رينر

على وشك الموت

تمكن رينر من رؤية حياته بأكملها دفعة واحدة، وشعر بـ«سلام مُبهج» وارتباط بالعالم. كما رأى عائلته وأصدقاءه مصطفين أمامه، يُلحّون عليه ألا يتخلى عنهم. وكتب: «ما شعرت به هو طاقة، طاقة دائمة باستمرار، جميلة ورائعة. لم يكن هناك زمان ولا مكان ولا فضاء، ولا شيء يُرى، سوى نوع من الرؤية الكهربائية ثنائية الاتجاه، مصنوعة من خيوط من تلك الطاقة التي لا تُصدّق، مثل خطوط المصابيح الخلفية للسيارات التي صُوّرت بكاميرا تصوير ذات فاصل زمني».

شعور بالسلام وغياب الزمن

وما وصفه رينر بأنه «تجربة كلاسيكية لتجارب الاقتراب من الموت»، وهو المصطلح الذي يستخدمه الباحثون لمثل هذه الأحداث، كما قال الدكتور جيفري لونغ، مؤسس مؤسسة أبحاث تجارب الاقتراب من الموت Near-Death Experience Research Foundation.

جمعت مؤسسة لونغ أكثر من 4 آلاف قصة مشابهة لقصة رينر. وقد روى بعض الأشخاص الذين اقتربوا من الموت شعوراً بالطاقة والسلام وغياب الزمن، كما فعل رينر. كما وصف البعض مشاهدة أجسادهم من الأعلى، والتحرك عبر نفق نحو نور، بل وحتى لقاء الرب.

وربما يكون عموم الجمهور على دراية بهذه الأحداث من خلال نوع من المذكرات التي تقدم تجارب الاقتراب من الموت كدليل على وجود حياة بعد الموت في الأديان السماوية. ولكن تم الإبلاغ عنها في مختلف البلدان والفئات السكانية والأديان، وكذلك من قبل الملحدين. وكانت موضوعاً للبحث العلمي لعقود.

تقدير للحياة أكثر بعد تجربة اقتراب الموت

لا يوجد إجماع علمي حول أسباب تجارب الاقتراب من الموت. ولكن مهما كان سببها، فإنها يمكن أن تغير حياة الناس. يفقد البعض كل خوف من الموت؛ ويغير آخرون مساراتهم المهنية أو يتركون علاقاتهم. يبدو أن ردود الفعل تجاه تجارب الاقتراب من الموت تفوق ما لاحظه الباحثون لدى الأشخاص الذين كادوا يموتون دون أن يمروا بهذه التجربة.

بالنسبة لهؤلاء الأشخاص، «عادةً ما يكون الأمر أشبه بـ: نعم، لقد كدتَ تموت، لذا تصبح أكثر تقديراً للحياة»، كما قالت مارييتا بيليفانوفا، الأستاذة المساعدة في الطب النفسي وعلوم السلوك العصبي بكلية الطب بجامعة فيرجينيا، قسم الدراسات الإدراكية، والتي تبحث في تجارب الاقتراب من الموت.

لكن بيليفانوفا أضافت: «التغيرات التي نراها لدى هؤلاء الأشخاص الذين كادوا يموتون دون أن يمروا بتجربة الاقتراب من الموت تكون أكثر دقة، ولا تستمر لفترة طويلة».

لماذا تحدث هذه التجارب؟

تصعب دراسة تجارب الاقتراب من الموت لأن الإصابات والأمراض الكارثية التي قد تؤدي إليها لا تُخضع لتجارب مُحكمة. لكن علماء الأعصاب طرحوا مجموعة من النظريات حول أسبابها، ويعتقد الكثيرون أن هذه التجارب تنبع من سلسلة معقدة من العمليات العصبية والفسيولوجية.

تدفق النواقل العصبية

في ورقة بحثية نُشرت في مارس (آذار) الماضي، اقترح سبعة باحثين تفسيراً يربط تجارب الاقتراب من الموت بتدفق مواد كيميائية في الدماغ تُسمى النواقل العصبية، وتنشيط مستقبلات محددة في الدماغ تُنتج شعوراً بالهدوء والصور الحية. كما تفترض الورقة البحثية أن تجارب الاقتراب من الموت قد تحدث عندما يمر الأشخاص شبه الواعين بجوانب من نوم حركة العين السريعة، وهي الفترة التي تحدث فيها الأحلام الأكثر قوة وتعقيداً.

تتضمن نظريات علماء آخرين نظرية تتعلق بنفس المستقبلات العصبية التي تُسهّل تأثيرات الكيتامين. (دواء مخدر). وتشير أخرى إلى أن جوانب من تجارب الاقتراب من الموت قد تنشأ من خلل في منطقة الدماغ المسؤولة عن دمج المشاهد والأصوات والحركة وإحساسنا الفطري بمكان وجودنا في تجربة حسية واحدة.

رؤية الجسد من منظور أعلى

وقد يفسر هذا أحد أكثر جوانب تجارب الاقتراب من الموت غرابة: إذ يقول بعض الناس لاحقاً إنهم راقبوا أجسادهم من الأعلى، وإنهم قادرون على وصف تفاصيل ما كان يحدث حولهم، والتي يبدو أنهم لا ينبغي أن يكونوا قادرين على معرفتها.

وأشار الدكتور كيفن نيلسون، أستاذ علم الأعصاب بجامعة كنتاكي ومؤلف الدراسة الجديدة، إلى أن الناس قد يكونون قادرين على السمع حتى في حالة عدم الاستجابة ظاهرياً، وأن عيون المرضى غالباً ما تكون مفتوحة أثناء جهود الإنعاش (الطبي).

لذا، قد يستقبلون الرؤية والصوت في الوقت الفعلي، ولكن نظراً لاضطراب أدمغتهم بسبب نقص تدفق الدم، فإنهم يتذكرونها على أنها قادمة من منظور أعلى من أجسادهم.

كل تجربة إنسانية لا تحدث خارج الدماغ

يعتقد بعض الباحثين - وعدد كبير ممن خاضوا تجارب الاقتراب من الموت - أن أياً من التفسيرات العلمية المقترحة لا يُمكنه تفسير جميع العناصر، وأن هذه التجارب هي لقاءات حقيقية مع الحياة الآخرة.

وتُعتبر هذه الفكرة غير محبذة لكثير من علماء الأعصاب الذين يؤمنون بأن الوعي ينبع من الدماغ.

وقال نيلسون: «كثيراً ما يختلط الأمر بين الإيمان والعلم حول هذا الموضوع، ويرجع ذلك جزئياً إلى قيمته العاطفية العميقة». لكنه أضاف: «لا يوجد دليل علمي على إمكانية خوض تجربة إنسانية خارج الدماغ».

لكن لونغ، الذي تدرب ومارس الطب في مجال علاج الأورام بالإشعاع، يعتقد أن وعي الناس يغادر أجسادهم أثناء تجارب الاقتراب من الموت بطريقة لا يستطيع علم الأعصاب تفسيرها. وهو مُقتنع تماماً بأن العلم لا يستطيع تفسير دقة وتفاصيل ما يتذكره المرضى من رؤيتهم وسماعهم من خارج أجسادهم.

وتعتقد بيهليفانوفا وزملاؤها في معهد جامعة فرجينيا أيضاً أن هذه التجارب قد تنطوي على فصل حقيقي بين الوعي والدماغ، مع أنها لم تستبعد إمكانية وجود تفسيرات عصبية أو فسيولوجية.

عدم الاستخفاف بتجارب الاقتراب من الموت

درس الدكتور بروس جريسون، الأستاذ الفخري في الطب النفسي وعلوم السلوك العصبي في ذلك المعهد، تجارب الاقتراب من الموت لمدة 50 عاماً. وفي الوقت الحالي، يركز بشكل رئيسي ليس على الأسباب، بل على كيفية مساعدة الأطباء بشكل أفضل الأشخاص الذين يمرون بهذه التجارب على استيعاب ما مروا به.

قال جريسون إن الأطباء والممرضين يميلون إلى أن يكونوا أول من يصف لهم المرضى تجاربهم، على أمل «فهمها من منظور مختلف». وفي بعض الأحيان، يستجيب هؤلاء الأطباء باستخفاف.

وقال: «بالنسبة لجميع من مروا بتجارب الاقتراب من الموت تقريباً، يعتبرون هذا الأمر من أهم الأمور، إن لم يكن أهمها، التي حدثت في حياتهم على الإطلاق. وبينما قد يبدو الأمر غير ذي أهمية للعاملين في مجال الرعاية الصحية، فإنه ليس كذلك على الإطلاق بالنسبة للشخص الذي مر بهذه التجارب».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

موجة محمومة لابتكار حلول طبية بالذكاء الاصطناعي

علوم موجة محمومة لابتكار حلول طبية بالذكاء الاصطناعي

موجة محمومة لابتكار حلول طبية بالذكاء الاصطناعي

انعدام العمق الطبي للأدوات الذكية يدعو إلى التأني والتقدير السليم في توظيفه

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم 1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي

هل يعرف الذكاء الاصطناعي جينات العرب؟

يتجه الطب العالمي اليوم نحو مرحلة جديدة تُعرف باسم «الطب الدقيق» (Precision Medicine)، حيث لا تستند القرارات الطبية إلى التشخيص وحده،

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
علوم مستقبلات الهيستامين في الدماغ تلعب دورا في الاستجابة للمشاعر

خريطة جينية تكشف دوراً خفياً لـ«الهيستامين» في الصحة النفسية

لطالما ارتبط «الهيستامين» في أذهان الناس بالحساسية والعطاس، لكن دراسة علمية حديثة كشفت أنه قد يكون أحد المفاتيح المهمة لفهم كيفية عمل الدماغ البشري.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك غالباً ما يوصف ألم القلب بأنه شعور بالضغط أو الثقل في منتصف الصدر وقد يمتد إلى الذراع اليسرى أو الفك أو الرقبة أو الظهر (بيكسباي)

تعرّف على الفرق بين ألم القلب وألم العضلات

قد يساعد التمييز بين ألم القلب وألم العضلات في فهم سبب ألم الصدر لكن استمرار الألم أو ترافقه مع أعراض مقلقة يستوجب تدخلاً طبياً عاجلاً

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك يأمل الباحثون أن يؤدي فهم هذه الخلايا الجديدة إلى تقريب العلماء من هدف طال انتظاره يتمثل في التوصل إلى علاج شافٍ لفيروس نقص المناعة البشرية (بيكسباي)

اكتشاف خلايا جديدة يختبئ فيها فيروس نقص المناعة البشرية

كشفت دراسة صينية عن نوع جديد من الخلايا المناعية المتحوّلة التي تؤوي فيروس نقص المناعة البشرية كامناً، ما قد يساعد في تطوير علاجات تستهدف خزاناته الفيروسية.

«الشرق الأوسط» (بكين)

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي
TT

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

تشغل ليلى إبراهيم في «غوغل ديب مايند» منصباً لم يكن موجوداً من قبل: رئيسة قسم الاستعداد للذكاء الاصطناعي، حيث تُركز على كيفية إعداد العالم للتطور السريع للذكاء الاصطناعي. وهي تُساعد الحكومات على التفكير في السياسات، وتُعزز فهم الجمهور للذكاء الاصطناعي، وتعمل على ضمان استخدام «جوجل» للذكاء الاصطناعي بمسؤولية.

وتقول ليلى إبراهيم، التي شغلت سابقاً منصب الرئيس التنفيذي للعمليات في «ديب مايند» لمدة ثماني سنوات تقريباً: «أتمنى لو كان المزيد من الناس يُجرون هذا النوع من الحوارات، لأنني أعتقد أن لدينا القدرة على التأثير في كيفية تشكيل هذا المجال».

تحسين الوعي بالذكاء الاصطناعي

يتضمن جزء من العمل تحسين الوعي بالذكاء الاصطناعي. تقول: «إن كنت لا تستخدمه، فلن تُتاح لك الفرصة لاتخاذ قرارات مدروسة بشأن المجالات التي تشعر فيها بالراحة عند استخدامه أو عدم استخدامه، أو كيفية تطوير الأمور».

وتتساءل: «كيف يمكننا أن نُساعد المعلمين على الشعور بالراحة عند التعامل مع البرمجة وإنشاء أدوات لفصولهم الدراسية؟»، و«كيف نتعاون مع صانعي السياسات لفهم الذكاء الاصطناعي؟».

تمارين ميدانية في سنغافورة

وفي وقت سابق من هذا العام، قاد فريقها تمريناً تمثيلياً مع مسؤولين في سنغافورة، لمساعدتهم على دراسة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُعيد تشكيل اكتشاف الأمراض، وما قد يعنيه ذلك لإصلاح نظام الرعاية الصحية أو الحاجة إلى مؤسسات علمية جديدة. في هذا التمرين، المشابه لأعمال الشركة في أماكن أخرى.

وقد اقترح المسؤولون بعض السياسات، ثم درسوا كيف يمكن أن يتغير المشهد بعد عامين، ما قد يُحفز تغييرات إضافية في السياسات. كما يعمل فريقها مع الحكومات لتقييم كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي الفاعل على الوظائف، وأين قد تكون هناك حاجة إلى إعادة تأهيل المهارات.

وتقول: «نحن نعرف إلى أين تتجه التكنولوجيا، لذا يمكننا التعامل مع هذه المحادثات بطريقة أكثر تعاوناً، مدركين أن التكنولوجيا لم تصل بعد، ولكن ما الذي نحتاج إلى فعله للاستعداد لما هو قادم؟

* مجلة «فاست كومباني».


الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران
TT

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

تُفكّر إليزابيث مينور منذ سنوات في مخاطر الذكاء الاصطناعي، وتحديداً الأسلحة ذاتية التشغيل. ومينور هي رئيسة قسم السياسات في «أوقفوا الروبوتات القاتلة»، وهو تحالف تأسس عام 2012 لضمان احتفاظ البشر بالسيطرة على التكنولوجيا في أوقات الحرب. وقد نما هذا التحالف ليُمثّل أكثر من 300 منظمة في أكثر من 70 دولة، بما في ذلك «هيومن رايتس ووتش» ومنظمة العفو الدولية، كما كتبت ريبيكا هايلويل(*).

خرق أطر القانون الدولي

تُوضّح مينور قائلةً: «هذا أمرٌ يُهمّ العالم أجمع، لذا يجب أن يكون هناك تفاوض في إطار القانون الدولي. لا يزال القانون الدولي مُهماً، حتى وإن كان مُعرّضاً للهجمات في الوقت الراهن، وله قيودٌ تُحدّد كيفية رسم حدود ما هو مُتاح في العالم».

تسعى مينور ومنظمة «أوقفوا الروبوتات القاتلة» إلى استخدام القانون الدولي بوصفه أداةً في مكافحة انتشار أسلحة الذكاء الاصطناعي. ويتضمن جزء كبير من عملها حضور اجتماعات في الأمم المتحدة، في كل من نيويورك وجنيف. وتسعى المنظمة إلى إبرام معاهدة دولية يمكن لجميع الدول التوقيع عليها للحد من استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل، على غرار اتفاقيات نزع السلاح والحد من التسلح التي أبرمها المجتمع الدولي بالفعل.

استخدام إسرائيل وأميركا للذكاء الاصطناعي

وقد ازداد عمل منظمة «أوقفوا الروبوتات القاتلة» أهميةً مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في ساحات المعارك. وتشير مينور إلى بعض الأمثلة من النزاعات الأخيرة، بما في ذلك استخدام إسرائيل لتقنية تحديد الأهداف خلال الحرب على غزة، واستناد الولايات المتحدة إلى نظام «كلود» في عمليتها للقبض على نيكولاس مادورو وفي الحرب على إيران.

وتوضح مينور قائلةً: «خلال العقد الماضي فقط، شهدنا تسارعاً هائلاً في محاولات تطوير هذه الأدوات ودمجها في استخدامها في ساحات المعارك». لقد رأينا دولاً أكثر تُعلن أن هذا النوع من الحرب «الثورية» مرغوب فيه وضروري، بدلاً من اعتباره أمراً خطيراً لا ترغب أبداً في خوضه.

* مجلة «فاست كومباني».


«طائرات روبوتية مسيّرة قاتلة»... سجلت أولى الضحايا

الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
TT

«طائرات روبوتية مسيّرة قاتلة»... سجلت أولى الضحايا

الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة

أفاد مسؤول رفيع المستوى في قطاع الصناعات الدفاعية الأوكرانية لمجلة «نيو ساينتست» بأن اختباراً أُجري قبل عامين على طائرات مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل، مُصممة لتدمير أي شيء في منطقة محددة، أسفر عن وقوع إصابات مؤكدة.

مسيرات روبوتية قاتلة

شمل الاختبار الذي أُجري لمرة واحدة، 10 طائرات مسيّرة من طراز «تيرميناتور Terminator» (المُدمر) تعمل بالذكاء الاصطناعي على خط المواجهة في الحرب الأوكرانية. وقُتل جنود روس، كما كتب ماثيو سباركس (*). ويقول ألكسندر كوخانوفسكي، المشرف على تصنيع الطائرات المسيّرة: «لقد جربنا ذلك. إنه اختبار، ولم نُطبّقه على نطاق أوسع».

وقد أُجري الاختبار قبل عامين، وشمل طائرات مسيّرة رباعية المراوح مُبرمجة للطيران باتجاه خط المواجهة، وقطع مسافة تتراوح بين 3 و5 كيلومترات خلال نحو 10 دقائق، ثم تفعيل «وضع تيرميناتور»، حيث يقوم نموذج الذكاء الاصطناعي بالبحث عن الأهداف واعتراضها.

إبادة شاملة

ويضيف كوخانوفسكي: «نطلقها ببساطة، ونعلم أن كل شيء سيُباد. كل ما يُعثر عليه في هذه المنطقة سيُباد». ويضيف: «لا يوجد أي اتصال بالطائرة المسيّرة على الإطلاق، لا يمكنك رؤية الفيديو، لا شيء... وكل من تراه سيُقتل».

ولعدم وجود أي وسيلة لمعرفة ما رصدته الطائرات المسيّرة الآلية أو ما استهدفته، أُرسلت طائرات مسيّرة يقودها طيارون بشريون إلى المنطقة لاحقاً للتحقق من النتائج يدوياً. ويشير كوخانوفسكي إلى أن الضحايا كانوا «جنديين وشاحنة واحدة». وبينما لا يوجد تسجيل للطائرات المسيّرة الآلية وهي تهاجم هذه الأهداف، فقد استُنتج أنها قتلتهم.

ويقول كوخانوفسكي إنه نُفذ بواسطة وحدة عسكرية، لم يُكشف عن اسمها، بالقرب من مدينتي باخموت وتشاسيف يار، كجزء من هجوم مضاد أوكراني. ولم ترد وزارة الدفاع الأوكرانية على أسئلة حول الاختبار أو الموقف القانوني الحالي بشأن استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل.

ذكاء اصطناعي مستقل عن البشر

يُعدّ استخدام الذكاء الاصطناعي شائعاً في الجيوش حول العالم، حيث يُساعد في اختيار الأهداف من بين كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية، وأتمتة بعض وظائف الأسلحة، إلا أن العنصر البشري يبقى حاضراً في مرحلة ما. ويُعتبر اعتراف كوخانوفسكي أقوى دليل حتى الآن على وقوع حالة وفاة في معركة نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي وحده.

وفقاً لمصادر في شركات الدفاع فإن الحكومة الأوكرانية تحظر حالياً استخدام الذكاء الاصطناعي في المرحلة النهائية من اعتراض الأهداف، على الرغم من استخدامه في أجزاء كثيرة من العملية بواسطة العديد من الأجهزة حتى تلك المرحلة. ويقول كوخانوفسكي إن الحكومة تُدرك القدرات المتنامية للذكاء الاصطناعي، وأنها تُجري محادثات مع شركات الدفاع حول إمكانية تخفيف القواعد.

وكانت تقارير قد أشارت في عام 2023 إلى أن طائرات هجومية أوكرانية مُسيّرة مُجهزة بالذكاء الاصطناعي كانت تعثر على أهداف وتهاجمها دون مساعدة بشرية، ولكنها كانت تُستخدم ضد مركبات مثل الدبابات، وليس ضد المشاة. ولم يتم تأكيد وقوع أي إصابات بشرية في ذلك الوقت.

مسيَّرة كارغو التركية

دعوات لحظر النظم القاتلة ذاتية التشغيل

رغم عدم وجود حظر دولي رسمي على الأسلحة ذاتية التشغيل القادرة على القتل دون تدخل بشري، فقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى فرض حظر، مصرحاً العام الماضي بأنه «لا مكان لأنظمة الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل في عالمنا». وأشارت الأمم المتحدة إلى وجود مخاوف من أن تنتهك هذه الأسلحة القوانين الدولية الإنسانية وقوانين حقوق الإنسان، وذلك بإقصاء العنصر البشري عن العمليات العسكرية. كما يُوجد خطر من أن ترتكب الأنظمة ذاتية التشغيل أخطاءً، سواء بمهاجمة جنود من الجانب نفسه أو مدنيين.

وتعمل معظم الجيوش على تطوير أجهزة تُؤتمت جزءاً على الأقل من عملية مهاجمة الأهداف، إذ تمتلك الولايات المتحدة برمجيات تجمع وتحلل كميات هائلة من البيانات المتنوعة، وتختار أهدافاً في ساحة المعركة يمكن استهدافها بطائرات مسيرة. ولكن، نظرياً، يتطلب ذلك تأكيداً بشرياً. وقد وردت مزاعم بأن الولايات المتحدة تُطور أيضاً ما يُسمى بطائرات «حارس المرمى Goalkeeper» المسيرة، وطائرات «ويبلش Whiplash» البحرية المسيرة، القادرة على تحديد أهدافها وتدميرها.

مسيرات تركية قاتلة

وكان تقرير للأمم المتحدة قد صدر عام 2021، أشار إلى احتمال استخدام طائرة «كارغ -2» Kargu-2 رباعية المراوح، من إنتاج شركة تركية، في هجمات ذاتية على البشر في العام السابق. ولم يُفصّل التقرير مصدر هذه الادعاءات أو ما إذا كان قد سقط قتلى أو جرحى، لكنه رجّح أن حكومة «الوفاق الوطني» الليبية استخدمت هذه الطائرات المسيّرة ضد قوات حفتر المنسحبة.

أنظمة أميركية

وصرح الرائد دانيلو بولوجوخنو، وهو شخصية بارزة في فوج الأنظمة غير المأهولة الحادي والعشرين التابع للفيلق الثالث بالجيش الأوكراني، الذي لم يكن على علم بالتجربة أو مشاركاً فيها، لمجلة «نيو ساينتست» بأن جنوده يستخدمون أنظمة تحكم شبه ذاتية، لكن يبقى هناك عنصر بشري في عملية التحكم.

ويضيف بولوجوخنو: «تستطيع هذه الأنظمة والمنصات المسيّرة تحديد الأهداف وتتبعها تلقائياً، فضلاً عن توجيه نفسها ذاتياً خلال الأمتار الأخيرة من الاقتراب، ما يُسهّل عمل المشغلين. مع ذلك، لا نستخدم أنظمة مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل تقوم باختيار الأهداف ومهاجمتها بشكل مستقل دون أي تدخل بشري».

هل نريد مجتمعاً يقتل الآخرين.. دون تدخل بشري؟

وتقول مارياروزاريا تاديو الباحثة في جامعة أكسفورد، إن القتل باستخدام الذكاء الاصطناعي يسلب كرامة الجندي، ويُعفي المهاجم من المسؤولية، ويجب حظره. وتضيف: «الأمر ليس مجرد مشكلة، بل هو أمر مروع. هل نريد أن نكون مجتمعاً يقتل الآخرين، ويسمح لحكومته بقتل الآخرين، دون تدخل بشري؟».

طائرات اعتراضية ذاتية التشغيل

يقول كوخانوفسكي إن مشروع «المُدمر» لم يتقدم منذ تجربته، بسبب القوانين الأوكرانية. وهو الآن الرئيس التنفيذي لشركة «أيرو سنتر» لصناعة الطائرات المسيّرة - التي يقول إنها لم تشارك في التجربة لأنها لم تكن قد أُنشئت آنذاك - وهي شركة أوكرانية تعمل على تطوير طائرات اعتراضية ذاتية التشغيل. صُممت هذه الطائرات لاستهداف مسيرات «شاهد» الروسية الانتحارية القادمة وإسقاطها قبل وصولها إلى مناطق مكتظة بالمدنيين أو بنى تحتية حيوية.

سيتألف نظام «أليتا» التابع للشركة من 16 منصة إطلاق، مُجهزة بـ64 طائرة مسيّرة. سيكون النظام جاهزاً بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وقادراً على رصد الطائرات المسيّرة القادمة، والإقلاع تلقائياً، والتحرك نحو الهدف بسرعة 450 كيلومتراً في الساعة، لإسقاط أي شيء بدءاً من الطائرات المسيّرة الصغيرة وصولاً إلى المروحيات.

لكن القوانين الأوكرانية الحالية تمنع التشغيل الذاتي الكامل، وتُلزم بشرياً بالتحقق من الأهداف في المراحل النهائية للاعتراض. حتى في هذه الحالة، لن تحتاج مجموعة الطائرات المسيّرة الـ 64 بأكملها إلا إلى مُشغّلين بشريين فقط، ما يعني تقليصاً كبيراً في عدد الأفراد.

* مجلة «نيو ساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».