«أسبوع القاهرة للصورة»: حين تستعيد عدسة الكاميرا سحر الأبيض والأسود

26 معرضاً تضمّ 5 آلاف بورتريه لفنانين وزعماء... ومأساة غزة

«العندليب» في صور نادرة من أفلامه (أسبوع القاهرة للصورة)
«العندليب» في صور نادرة من أفلامه (أسبوع القاهرة للصورة)
TT

«أسبوع القاهرة للصورة»: حين تستعيد عدسة الكاميرا سحر الأبيض والأسود

«العندليب» في صور نادرة من أفلامه (أسبوع القاهرة للصورة)
«العندليب» في صور نادرة من أفلامه (أسبوع القاهرة للصورة)

بحكايات من الزمن الماضي تتقاطع مع وجوه وقصص مُعاصرة، يتجلَّى سحر الأبيض والأسود في «أسبوع القاهرة للصورة»، الذي يضمّ 26 معرضاً تحتوي على نحو 5 آلاف صورة متنوّعة لفنانين وزعماء سياسيين وبورتريهات لشخصيات عابرة، إلى جانب صور ومعارض متعدّدة تُضيء على مأساة غزة.

ويحتفي الأسبوع الفوتوغرافي بعدد من الزعماء المصريين، على رأسهم عبد الناصر والسادات، كما يكرّم الفنانين أم كلثوم، وفاتن حمامة، وعبد الحليم حافظ، وعمرو دياب، إلى جانب ملصقات مسلسلات حديثة ومعارض فردية لمصوّرين تعكس ملامح زمنها من خلال الملابس والوجوه وتسريحات الشَّعر.

ويُقام «أسبوع القاهرة للصورة» في دورته الرابعة، بمشاركة عدد من المصوّرين المحترفين المحلّيين والدوليين، إلى جانب مؤسّسات مرموقة مثل «غيتي»، و«وورلد برس فوتو»، و«ناشونال جيوغرافيك إيماج»، وتستمرّ فعالياته حتى 18 مايو (أيار) الحالي.

فاتن حمامة في زيارة الجنود من مُصابي الحرب (أسبوع القاهرة للصورة)

يُقام الحدث في منطقة وسط القاهرة بزخمها الفنّي والمعماري، وتحديداً في سينما «راديو» العائدة إلى ثلاثينات القرن الماضي، وتمتدّ معارضه للمرّة الأولى لتشمل 14 موقعاً داخل العاصمة؛ وذلك من تنظيم مؤسّسة «فوتوبيا» برئاسة مروة أبو ليلة، علماً بأنه يُقام كل عامين بشراكات متنوّعة، أبرزها مع الاتحاد الأوروبي و«يونيك»، وقد شهد منذ افتتاحه إقبالاً لافتاً من جمهور الشباب من هواة التصوير وعشاقه.

وتتحدَّث مؤسِّسة «الأسبوع»، مروة أبو ليلة، عن تطوّر الحدث عبر دوراته الأربع، قائلة: «شهد (أسبوع القاهرة للصورة) توسُّعاً كبيراً وزيادة واضحة في عدد المشاركين. هذا العام، استضفنا نخبة من كبار المصوّرين العالميين، وقدَّمنا معارض للمرّة الأولى في التجمُّع الخامس، إلى جانب معرض لأحدث معدّات التصوير. كل دورة تحمل بصمتها وتجاربها الخاصة».

سيدة الغناء العربي خلال دعمها للجنود عقب نكسة 1967 (أسبوع القاهرة للصورة)

وتُولي الدورة الحالية اهتماماً خاصاً بالقضية الفلسطينية، فتوضح مروة أبو ليلة لـ«الشرق الأوسط»: «نقدّم معرضاً مميّزاً للفنان الفلسطيني نضال رحمي، إلى جانب معرض (غزة) الذي يضم أعمالاً استثنائية لمصوّرين من القطاع، وتُعرض فيه أيضاً جدارية كبيرة تضم أسماء المصوّرين الذين استشهدوا خلال الحرب وصُورهم».

ولا يقتصر الأسبوع على المعارض، وإنما يقدّم ورشات عمل متخصِّصة في فنون التصوير، ويوفّر فرصاً للمصوّرين من مختلف المحافظات المصرية لحضور الفعاليات مع التكفُّل بإقامتهم في القاهرة، إيماناً من القائمين عليه بأهمية دعم المواهب الشابة وربطها بمجتمع المصوّرين محلّياً ودولياً.

وتتنوَّع المعارض المُشاركة، منها معرض «صاحبة الجلالة»، الذي يضم أعمالاً لـ46 مصوّراً صحافياً ترصد لحظات محورية في التاريخ المصري، مثل جنازة الرئيس جمال عبد الناصر، واغتيال الرئيس أنور السادات، مع الإضاءة على إسهامات أم كلثوم في دعم المجهود الحربي، وزيارة فاتن حمامة لمُصابي نكسة 1967.

في حين يستعرض معرض «الديناصور» أكثر من 30 صورة من أرشيف المصور العراقي - الأميركي ياسر علوان، التُقطت بعدسته منذ إقامته في مصر، حتى وفاته عام 2022، ويتداخل فيها مع التراث المصري بصرياً وروحياً.

وتُعرَض في «التهجير» أعمال عدد كبير من المصوّرين الحائزين على جوائز «وورلد برس فوتو»، بتنظيم مشترك بين الأخيرة و«فوتوبيا»، وبدعم من السفارة الهولندية، إذ توثّق الصور قصصاً إنسانية للهجرة من مناطق النزاع، وتأثير تغيّر المناخ، ورحلات البشر نحو الأمان.

«نافذة الألم» للمصوّر الفلسطيني محمود أبو حمدة في غزة (أسبوع القاهرة للصورة)

أما معرض «صندوق المزيكا»، فيقدّم تجربة بصرية لتاريخ الموسيقى في الشرق الأوسط من أربعينات القرن الماضي حتى اليوم؛ ويشارك فيه قسم من الجامعة الأميركية بالقاهرة بصور نادرة لعبد الحليم حافظ ولقطات من أفلامه، وتصدح خلاله أغنيات من العندليب حتى عمرو دياب.

ويفتح معرض «موسم من مسلسلنا» نافذة على فنّ ملصقات الأعمال الدرامية، إذ يُعاد تصوير هذه الملصقات بعدسة المصوّرَيْن أحمد هيمن وعائشة الشبراوي بأسلوب بصري فريد وألوان غير تقليدية، ما يرفع البوستر إلى مستوى السرد المستقل، إذ يتجاوز الإشارة إلى الدراما إلى الغوص في مضمونها.

في هذا السياق، تقول منسّقة المعرض، هبة المعاذ، لـ«الشرق الأوسط»: «نحتفي بالبوستر بوصفه أول ما يجذب انتباه الجمهور، وهو عنصر محوري في تشكيل انطباعه عن العمل. لذلك نبحث وراء الكواليس لالتقاط لحظة البوستر، ونولي اهتماماً خاصاً لتصويره في مواقع خارجية تنبض بالحياة، مثل ملصق مسلسل (تحت الوصاية) لمنى زكي، ومسلسل (إخواتي)».

وتعرض نرمين هلال، في معرضها «وتيكو»، مجموعة من أعمالها الفوتوغرافية المركَّبة التي تمزج بين التصوير والتقنيات المستوحاة من الرسم. وتتناول في المعرض موضوعات الهوية والإدراك من خلال إعادة تخيُّل الصور وتحويلها إلى لوحات غنية بالرموز والدلالات البصرية.

زحف الجماهير في وداع الرئيس جمال عبد الناصر (تصوير: أحمد عبد العزيز)

وإلى جانب المعارض الجماعية، يضمّ «أسبوع القاهرة للصورة» عدداً من المعارض الفردية لمصوّرين بارزين، من بينهم المصوٍّرة الفلسطينية راندا شعث، التي تقدّم معرض «القاهرة 90» تحت شعار «اكتشاف المشهد»، وكذلك معرض «شيء من السحر» لمدير التصوير عبد السلام موسى، بتنسيق المخرجة هالة القوصي. كما تُشارك المصوِّرة كوكلا رفعت بمعرض «أولاد النيل»، الذي صوّرته في أسوان، بالإضافة إلى معرض المصوِّر الأرمني فان ليو المتخصّص في فن البورتريه، والذي يُعدّ أرشيفه توثيقاً بصرياً لتاريخ الفنانين المصريين.


مقالات ذات صلة

«تحت سماء واحدة»... فسحة لفناني الجنوب اللبناني في بيروت

يوميات الشرق شجرة من حياة مُستعادة (الشرق الأوسط)

«تحت سماء واحدة»... فسحة لفناني الجنوب اللبناني في بيروت

يبقى الفنّ قادراً على وَصْل الناس وحماية الرابط بينهم حين تتبدّل الأمكنة وتضيق الخيارات...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)

كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

تحت عنوان «الإسكندرية... هوية وثقافة عبر الزمن»، نظم المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية أول معرض أثري مؤقت له منذ إعادة افتتاحه.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)

محمد سهيل يُعيد رسم معنى الاكتمال

عالم مكتظّ بأجساد ناقصة، لكنه ليس عالماً مستسلِماً للنقص.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ماهر عطّار وموريال واكد في معرض «خارج الإطار» للمصوّرين الناشئين (أرت ديستريكت)

بين البترون وبيروت... الفنّ التصويري والتشكيلي في تحية ومبادرة

المبادرة وُلدت من مبدأ بسيط: «إذا كنتَ لا تستطيع أن تزورنا، فنحن نزورك»...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «الأبد هو الآن» يربط الحضارة بالفنون المعاصرة (لوحة من النسخة الماضية فيسبوك)

فنانات عالميات يتصدرن النسخة السادسة من «الأبد هو الآن»

يتعامل معرض «الأبد هو الآن» مع هضبة الجيزة بوصفها موقعاً أثرياً ومشهداً ثقافياً حياً يواصل إلهام البحث الفني والخيال المعاصر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

شبح «لوكربي» يستيقظ في دراما «نتفليكس»... مَن هو صانع القنابل مروان خريسات؟

مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)
مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)
TT

شبح «لوكربي» يستيقظ في دراما «نتفليكس»... مَن هو صانع القنابل مروان خريسات؟

مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)
مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)

في دهاليز عمليات الفصائل الفلسطينية وحروب الظلِّ الاستخباراتية التي طبعت عقدَي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، يبرز اسم مروان خريسات بوصفه من أكثر الشخصيات غموضاً وإثارةً للجدل.

الرجل الذي ارتبط اسمه بـ«هندسة الموت المحمول جواً»، ووُصف في أدبيات أجهزة الاستخبارات الغربية بـ«صانع القنابل البارع» لصالح «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» - القيادة العامة بقيادة أحمد جبريل.

مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)

طوال عقود، ظلَّ خريسات لغزاً متحرِّكاً بين العواصم العالمية، اعتقلته ألمانيا الغربية ثم أطلقت سراحه في ظروف غامضة، وطارده «الموساد» الإسرائيلي، قبل أن ينتهي به المطاف مكفَّناً بأسراره في العاصمة الأردنية عمان، حيث تُوفي عن عمر ناهز الـ70 عاماً.

بين سردية «الفدائي» الذي سخَّر مهاراته الكهربائية لمواجهة الاحتلال، واتهامات الغرب له بالمسؤولية عن كوارث جوية هزَّت ضمير العالم، تنكشف فصول قصة مروان خريسات، الرجل الذي رحل وبقيت بصماته الافتراضية تلاحق ملف «قضية لوكربي» الشهيرة، ليعود اسمه بقوة مؤخراً إلى واجهة النقاشات العالمية مع تسليط الدراما الوثائقية الحديثة على «نتفليكس» الضوء على خفايا تلك الحقبة.

صورة لمروان خريسات وهو في سن 13 ربيعا يعمل على أجهزة الراديو واللاسلكي (من حسابه على «فيسبوك»)

العقل الإلكتروني في معسكرات «القيادة العامة»

بدأت الحكاية من التفاصيل التقنية الدقيقة، فخريسات، الذي كان كهربائياً وفنياً بارعاً في نشأته، انخرط مبكراً في العمل المسلح انطلاقاً من خلفيته القومية. ومع صعود الفصائل الراديكالية الفلسطينية، وجد مكانه الطبيعي داخل «الجبهة الشعبية» - القيادة العامة، التي انشقت عن الجبهة الأم، وركزت على العمليات العسكرية النوعية والعابرة للحدود.

أحمد جبريل الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» - القيادة العامة (رويترز)

أدرك أحمد جبريل الذي وُلد في قرية في قضاء يافا في عام 1938، وأسَّس فصيله في عام 1968 إثر انشقاقه عن «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، مبكراً عبقرية خريسات في التعامل مع الدوائر الكهربائية والمتفجرات البلاستيكية الحديثة آنذاك مثل الـ«سي 4» والـ«سيمنتكس».

لم يكن خريسات مقاتلاً في الخطوط الأمامية، بل كان يعتكف في مختبرات سرية مجهزة، يبتكر فيها أجهزة تفجير بالغة التعقيد تعتمد على الضغط الجوي أو المؤقتات الرقمية، مما جعل اختراقاته الأمنية تمثل كابوساً لأجهزة الأمن في مطارات العالم.

من طائرة «إل عال» إلى شراك الاستخبارات الألمانية

لم تكن مهارات مروان خريسات وليدة الصدفة في ثمانينات القرن الماضي، بل صُقلت في مختبرات حروب الظل الباكرة، وتحديداً في صيف عام 1972. في العاصمة الإيطالية روما، وضعت «القيادة العامة» تكتيكاً بالوجدان البشري، حيث استُغلت فتاتان بريطانيَّتان عبر خدعة عاطفية لتمرير جهاز «غراموفون» منزلي بوصفه هدية وداع قبل صعودهما على متن طائرة «إل عال» المتجهة إلى تل أبيب. داخل أحشاء ذلك الجهاز الموسيقي، زرع خريسات أولى بصماته التكنولوجية المرعبة: عبوة من المتفجرات البلاستيكية الشديدة تعمل بمؤقت الضغط الجوي (Barometric Trigger).

صُمِّم الجهاز لينفجر تلقائياً حين تبلغ الطائرة ارتفاعاً شاهقاً فوق البحر الأبيض المتوسط، ليُدفَن الحطام والأدلة معاً في أعماق المياه.

ورغم أنَّ الانفجار وقع بالفعل بعد الإقلاع بنحو 20 دقيقة محْدثاً فجوة هائلة، فإنَّ إصرار أمن المطار على شحن الجهاز في مقصورة الأمتعة السفلية بدلاً من كابينة الركاب، مَصَّ صدمة العبوة وأتاح لقائد الطائرة الهبوط اضطرارياً بسلام في روما.

صورة لجهاز راديو من حساب مروان خريسات على (فيسبوك)

كانت تلك الحادثة جرس الإنذار الأول لأجهزة الاستخبارات الدولية، التي أدركت آنذاك أنَّها تواجه عقلاً هندسياً قادراً على تحويل الأجهزة المنزلية البسيطة إلى كمائن موت ذكية تخترق جدران المطارات.

لكن الذروة الأمنية التي كادت تنهي مسيرته مبكراً حدثت في خريف عام 1988 في ألمانيا الغربية. في إطار ما عُرفت استخباراتياً بعملية «أوراق الخريف (Operation Autumn Leaves)»، نجحت السلطات الألمانية في اختراق خلية تابعة لـ«القيادة العامة» في مدينة فرانكفورت يقودها حافظ دلقموني.

أوقعت الشرطة الألمانية بخريسات ومعه سيارة مفخخة بمتفجرات مخبأة داخل أجهزة راديو وكاسيت من طراز «توشيبا بومبيت».

صورة لجهاز راديو من حساب مروان خريسات على (فيسبوك)

كانت تلك الأجهزة مصمَّمة ومعدلة بعناية فائقة لتنفجر تلقائياً عند بلوغ الطائرة ارتفاعاً جوياً معيناً بفعل تغير الضغط. غير أنَّ المثير للدهشة، والذي فتح باب التكهنات على مصراعيه، هو قيام السلطات الألمانية بإطلاق سراح خريسات بعد أيام وجيزة من توقيفه، وسط تقارير وشكوك استخباراتية غربية لاحقة تلمّح إلى أنَّه ربما كان يعمل «عميلاً مزدوجاً» يمرر معلومات حساسة للأمن الأردني والأميركي أو أطراف أخرى.

شبح «لوكربي» يعود عبر شاشة «نتفليكس»

في الـ21 من ديسمبر (كانون الأول) 1988، تفتتت طائرة «بان أم» الرحلة 103 فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية، مودية بحياة 270 شخصاً.

تشابهت التقارير الفنية للحادث بشكل مذهل مع الابتكارات التي ضُبطت بحوزة خريسات في ألمانيا قبل شهرين، فالقنبلة كانت مخبأة أيضاً في جهاز كاسيت «توشيبا».

مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)

ورغم أنَّ المسار القضائي الدولي أدان لاحقاً الليبي عبد الباسط المقرحي، فإنَّ اسم خريسات لم يغب عن التحقيقات قط.

ومؤخراً، أعادت الذاكرة الجمعية العالمية نبش ملفاته مع عرض المسلسل الدرامي الوثائقي الضخم «The Bombing of Pan Am 103» (تفجير رحلة بان أم 103) المُنْتَج بالتعاون بين هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ومنصة «نتفليكس».

الطائرة بعد سقوطها في بلدة لوكربي الاسكوتلندية (أ.ف.ب)

المسلسل الذي ركَّز بشكل جاد ودقيق على تفاصيل التحقيقات الجنائية والملاحقات الاستخباراتية المشتركة بين الاسكوتلنديِّين ومكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، أعاد تسليط الضوء على فرضية «الخيط الإيراني - الفلسطيني»؛ حيث ظهرت الإشارة إلى مروان خريسات في سياق «العثور على شظايا الراديو المفخخ» ومقارنتها بالقنابل التي صمَّمها خريسات وصودرت في ألمانيا.

أعاد هذا الطرح الدرامي الجدل القديم إلى نقطة الصفر: هل كان خريسات هو الصانع الحقيقي والفعلي للقنبلة التي انفجرت فوق اسكوتلندا؟

الملف السري تحت وسادة الزوجة

عاش خريسات عقوده الأخيرة خلف جدران الصمت المطبق في منزله بضواحي العاصمة الأردنية عمان، رافضاً الحديث لوسائل الإعلام الغربية التي كانت تحاول ملاحقته.

وفي سنواته الأخيرة، بدأ عبر فضاء الإنترنت ينشر مذكرات ووثائق تهاجم بعض القيادات الفلسطينية، متفاخراً أحياناً بضرباته السابقة ضد مصالح إسرائيل.

بعد وفاته، عادت الإثارة لترافق اسمه مجدداً، حيث خرجت ابنته، سها خريسات، في تصريحات صحافية لوسائل إعلام بريطانية لتفجِّر مفاجأةً مدويةً.
أكدت الابنة في مقابلة حصرية أجرتها مع صحيفة «ذا ميرور» البريطانية عام 2018 بالتزامن مع الذكرى الـ30 لتفجير طائرة لوكربي، أنَّ والدها لم تكن له يد في دماء ضحايا لوكربي، لكنه ترك قبل رحيله «ملفاً سرياً كبيراً ومستندات وتسجيلات» تحتفظ بها والدتها (زوجته)، توثق بالدليل القاطع أنَّ أحمد جبريل الذي توفي في دمشق عن عمر ناهز 83 عاماً، نفَّذ عملية لوكربي بناءً على صفقة مالية ضخمة ومباشرة مع الحكومة الإيرانية.

رحل مروان خريسات، صانع القنابل الذي حيَّر أجهزة الأمن في قارتين، تاركاً خلفه إرثاً غامضاً يمزج بين دقة الإلكترونيات وصراعات المحاور السياسية، ليبقى اسماً عصياً على النسيان تلاحقه وثائق المخابرات وترصد تاريخه شاشات الدراما العالمية.


رفعا سجادة عمرها 70 عاماً... فكانت المفاجأة تحت أقدامهما

ما اشترياه لم يكن تماماً ما ظنّا أنهما اشترياه (غيتي)
ما اشترياه لم يكن تماماً ما ظنّا أنهما اشترياه (غيتي)
TT

رفعا سجادة عمرها 70 عاماً... فكانت المفاجأة تحت أقدامهما

ما اشترياه لم يكن تماماً ما ظنّا أنهما اشترياه (غيتي)
ما اشترياه لم يكن تماماً ما ظنّا أنهما اشترياه (غيتي)

أُصيب زوجان اشتريا منزلاً في لندن يعود إلى خمسينات القرن الماضي ويحتاج إلى ترميم، بذهول كبير بعدما رفعا السجاد القديم واكتشفا تحته مفاجأة لم يتوقَّعا العثور عليها.

وقد يكون شراء منزل يحتاج إلى الترميم والإصلاح مجازفة، وإنما العائد قد يكون كبيراً عند العثور على شيء مميّز مخبأ فيه. وهذا ما حدث مع زوجين أنفقا مدّخراتهما على منزل في لندن يعود إلى خمسينات القرن الماضي، أملاً في تحويله إلى بيت أحلامهما.

ووفق موقع «ماي لندن»، وصف مالكا المنزل، اللذان اشتريا العقار أواخر العام الماضي، بأنه «أسوأ منزل في أفضل شارع». وإنما جهود الترميم حملت لهما مفاجأة أخيراً، عندما رفعا السجاد وعثرا على أرضية أصلية من خشب الباركيه كانت مخبّأة تحته.

وكشف جو براون، الذي يملك العقار مع شريكته، أنه لاحظ أرضية غرفة المعيشة قبل أشهر، لكنهما لم يكتشفا إلا أخيراً أنّ هذه الأرضية التاريخية تمتدّ عبر الطابق الأرضي بأكمله. وقال جو: «لم تكن لدينا أي فكرة عن ذلك عندما اشترينا المنزل».

ويوثّق الزوجان أعمال الترميم والإصلاح عبر حسابهما في «إنستغرام»، وقد شاركا مقطعاً مصوّراً يُظهرهما وهما يرفعان زاوية من السجاد ليكشفا الأرضية الخشبية المخبّأة تحته.

وعلّق الزوجان على المنشور قائلَيْن: «لا نصدّق ما كان مخبأً تحت هذه السجادات التي يعود عهدها إلى 70 عاماً»، وأضافا: «لا نصدّق كيف يمكن أيّ شخص أن يرغب في تغطية هذه الأرضيات وإخفائها».

وحصد المنشور 1100 إعجاب وكمّاً كبيراً من التعليقات المشيدة بالاكتشاف، إذ اتفق كثيرون على أنّ الأرضية الأصلية تبدو ساحرة. وكتبت إحدى المتابعات: «يا للروعة! التحوّل المقبل سيكون مذهلاً حقاً».

وعلَّقت متابعة أخرى: «ما أروع هذه الأرضية! أشعر بالغيرة؛ إذ كنت آمل في العثور على أرضية أصلية مماثلة في منزلي الذي يعود إلى العصر الإدواردي، ولكن من دون جدوى».

وقال متابع ثالث: «أحببتُ حقيقة احتفاظهما بها، ولا أفهم سبب لجوء الملَّاك السابقين إلى إخفائها». بينما اكتفى متابع رابع بالقول: «إنها قمة في الروعة والجمال».

خطط المنزل

ورغم أنّ هذا الاكتشاف كان مثيراً، فإنّ الزوجين لا يزالان يواجهان عملاً شاقاً إذا أرادا إعادة الأرضية إلى سابق عهدها.

ومن المقرَّر أن يتولّى متخصص في ترميم الأرضيات تقييم حالة الباركيه، في حين لم يستقرَّ الزوجان بعد على الشكل النهائي الذي يرغبان في أن تكون عليه الأرضية بعد التجديد.


اختفى 100 عام... ثعلب الماء يفاجئ نيويورك بعودته

عاد إلى ماء لم يعد كما تركه أسلافه (قسم التعليم في جمعية حماية الحياة البرّية)
عاد إلى ماء لم يعد كما تركه أسلافه (قسم التعليم في جمعية حماية الحياة البرّية)
TT

اختفى 100 عام... ثعلب الماء يفاجئ نيويورك بعودته

عاد إلى ماء لم يعد كما تركه أسلافه (قسم التعليم في جمعية حماية الحياة البرّية)
عاد إلى ماء لم يعد كما تركه أسلافه (قسم التعليم في جمعية حماية الحياة البرّية)

أظهرت صورة التُقطت في أوائل يونيو (حزيران) الحيوان وهو يبحث عن الغذاء في المجرى المائي، في أول ظهور له منذ أوائل القرن العشرين، ممّا يؤشّر إلى تعافيه البيئي.

رُصد ثعلب الماء في نهر برونكس للمرّة الأولى منذ أكثر من 100 عام، في علامة جديدة على أنّ المجاري المائية في نيويورك، التي كانت ملوَّثة سابقاً، تستعيد جزءاً من عافيتها وصحتها البيئية.

والتقطت كاميرا تعمل بالحركة صورة لثعلب مياه الأنهر في أميركا الشمالية، وهو يبحث عن الطعام بالقرب من الأعشاب والغطاء النباتي في نهر برونكس، وهو مجرى مائي يمر عبر حيّ برونكس في نيويورك ويصبُّ في النهر الشرقي.

وذكرت «الغارديان» أنّ الصورة التي التقطتها في يونيو (حزيران) كاميرا آر. جيه. هوكينز، وهو عالم في حديقة حيوان برونكس التابعة لجمعية حفظ الحياة البرّية، تُعدّ أول مشاهدة موثَّقة لثعلب الماء في هذا النهر منذ أوائل القرن الـ20، وفق الجمعية.

وقال هوكينز: «عندما راجعتُ الصور للمرّة الأولى، لم أستطع تصديق ما كنت أراه؛ إذ كان إدراك أن هذا قد يكون أول ثعلب ماء يُوثق في حيّ برونكس منذ أجيال. وهذا يوضح أهمية رصد الحياة البرّية على المدى الطويل وجدوى جهود التعافي البيئي».

وتنتشر ثعالب الماء في أنحاء أميركا الشمالية، وكانت وافرة في مجاري نيويورك المائية، وإنما اختفت جراء تلوث المياه المتفشّي وفقدان الموائل الطبيعية والصيد الجائر للحصول على فرائها.

وجرى التعامل مع نهر برونكس، على وجه الخصوص، على أنه مجرى مفتوح لمياه الصرف الصحي ومكبّ للنفايات مع التوسُّع الصناعي السريع في نيويورك، بالتزامن مع تحوّل المدينة إلى قوة اقتصادية كبرى في القرنين الـ19 والـ20.

وألقت المصانع والمسالخ المواد الكيميائية والزيوت ودماء الحيوانات مباشرةً في المياه، بالإضافة إلى تسرُّب مياه الصرف الصحي غير المعالَجة إلى المجرى المائي. وتعرَّض النهر لمزيد من الانتهاكات مع تحوّله إلى ما يشبه مجمَّعاً للنفايات والقمامة، إذ دأب السكان على إلقاء الإطارات القديمة والأجهزة الكهربائية وغيرها من المواد غير المرغوب فيها.

وأدّى ذلك إلى تدمير الحياة البرّية المحلّية والقضاء عليها، وإنما الجهود الحثيثة لحماية البيئة والقوانين التشريعية، مثل «قانون المياه النظيفة»، أسهمت في السنوات الأخيرة في إنعاش نهر برونكس واستعادة عافيته، إلى حدّ عودة أنواع أخرى وظهورها مجدداً، مثل المحار.

وعام 2007، عادت ثعالب الماء إلى النهر للمرّة الأولى منذ أكثر من 200 عام، وفق حديقة الحيوان. ويشير ظهور ثعلب الماء إلى أنّ هذا المجرى المائي، وهو النهر العذب الوحيد في مدينة نيويورك، يواصل التعافي من عقود من التلوث.

ورغم أنّ رصد ثعلب ماء واحد لا يؤكد وجود مجموعة أكبر مستقرّة هناك، فإنه أمر مشجِّع، نظراً إلى أنّ ثعالب الماء تتطلَّب مياهاً نظيفة وأسماكاً وفيرة.

وتُعد ثعالب الماء كائنات لعوبة وصيادين مهرة، إذ يصل طولها إلى 5 أقدام، وتتميَّز بذيل عضلي يشكل 40 في المائة من أجسادها. وعندما تشعر بالخوف، يمكنها إطلاق صرخة يُسمع صداها على بُعد ميل ونصف الميل.

وقال مدير حديقة حيوان برونكس، كريغ بايبر: «ثمة لحظات في جهود حماية البيئة تذكّرنا بالسبب الذي يمنح هذا العمل أهميته، وهذه اللحظة إحداها».

وأضاف: «بفضل تحالف واسع من الشركاء في القطاعين العام والخاص، يمكننا الاحتفال بعودة ثعلب الماء نتيجة عقود من أعمال الترميم والاستعادة لتوفير مياه أكثر نقاءً وموئل أكثر صحة. وهو إنجاز وانتصار لكل من الحياة البرّية والبشر على السواء».