توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

المخرج السوري تُوّج بجائزة «ثاني أفضل وثائقي» في «برلين السينمائي»

توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
TT

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس»، الذي حصد المركز الثاني في تصويت الجمهور لأفضل «فيلم وثائقي» بمهرجان «برلين السينمائي الدولي»، بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي، بل رحلة شخصية بدأت منذ اللحظة التي خرج فيها من السجن؛ تلك اللحظة التي ظنّ فيها أن الحكاية انتهت، ليكتشف أن الحكاية الحقيقية لم تبدأ بعد، ففكرة الفيلم، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، وُلدت من شعور داخلي ملحّ بالرغبة في البوح وتحويل التجربة من جرح صامت إلى شهادة حيّة.

منذ خروجه، كان يفكر في طريقة يروي بها ما يحدث داخل السجون السورية، لكنه لم يشأ أن يكون فيلمه مجرد استعراض للعذابات؛ فالألم حاضر، وثقيل، ولا يحتاج إلى مزيد من الإثبات، ما كان يشغله أكثر تلك المساحات الخفية التي لا يراها أحد: لحظات التضامن، ونوبات الضحك الخاطفة، والحكايات التي كان المعتقلون يخترعونها كي ينجوا بأرواحهم... كان يريد أن يتحدث عن المقاومة بمعناها الإنساني؛ عن الحب في قلب القسوة، عن الأمان الذي يُصنع من لا شيء.

الفيلم عُرض لأول مرة في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

بدأ المخرج السوري المقيم في بلجيكا منذ سنوات العمل فعلياً على فيلمه الحاصل على تمويل من «البحر الأحمر» عام 2022، عبر خطة تستهدف أن يُصوَّر الفيلم في استوديو ببلجيكا، عبر بناء ديكورات تحاكي الزنازين والممرات، لكن التحضيرات انقلبت رأساً على عقب مع سقوط النظام السوري، فوجد صابوني نفسه أمام خيار لم يكن في الحسبان؛ العودة إلى المكان الحقيقي.

لم يكن القرار سهلاً كما يصفه، لكنه شعر بأن اللحظة تاريخية، وأن التصوير داخل سجن «صيدنايا» نفسه سيمنح الفيلم صدقاً لا يمكن اصطناعه، وفي البداية كان قد اختار شخصيات تعيش في أوروبا، وبدأ العمل معها بالفعل، غير أن ظروف اللجوء حالت دون عودتهم إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

اضطر توفيق صابوني إلى البحث من جديد، أجرى لقاءات مطولة مع نحو 25 معتقلاً سابقاً، يستمع إلى حكاياتهم، لا ليبحث عن الأشد مأساوية، بل عن الأكبر قدرة على الحكي... لم يكن يريد نسخاً متشابهة من الألم، بل شخصيات متباينة في طباعها وحضورها؛ مَن يتكلم بهدوء، مَن ينفعل... مَن يتردد قبل أن يفتح ذاكرته، في النهاية استقر على 4، شكّلوا العمود الفقري للفيلم، لكل منهم طريقته في استعادة الماضي.

العودة إلى السجن كانت أصعب اختبار، يصف صابوني اللحظة الأولى لدخوله المكان بصفته شخصاً حراً بأنها مواجهة مباشرة مع ذاته؛ الجدران نفسها، الرائحة نفسها، الممرات الضيقة التي حفظ تفاصيلها عن ظهر قلب... في البداية طغى الشعور بالرهبة، ثم بدأ يتحول تدريجاً إلى إحساس مختلف أقرب إلى الانتصار الشخصي.

وثق الفيلم جانباً من معاناة السجناء (إدارة المهرجان)

لم يكن، كما يؤكد، انتصاراً على نظام أو على سلطة، بل على المكان ذاته، على الذكرى التي حاولت أن تكسره... أن يعود إليه واقفاً، بكاميرا، وبفريق عمل، كان الأمر بالنسبة إليه استعادة لكرامته المسلوبة، فخلال التصوير، لم تكن الصعوبة في إعادة تمثيل التفاصيل القاسية بقدر ما كانت في حماية الحالة النفسية للمشاركين.

الحديث عمّن رحلوا؛ عن الذين ماتوا تحت التعذيب أو اختفوا، كان يفتح أبواباً مؤلمة، فكان عليه أن يوازن بين حاجته إلى الصدق، وواجبه في عدم الدفع بهم إلى إعادة عيش الصدمة كاملة؛ لذا تحوّل موقع التصوير إلى مساحة إنصات طويلة، وإلى عملية شفاء جماعية أكثر من أنه عمل فني، كما يصفه.

أما مسألة التمويل، فكانت رحلة أخرى من الصبر. يؤكد توفيق صابوني أن جمع الميزانية استغرق أكثر من عامين، ففي كل مرحلة تمويل كان عليه أن يعيد كتابة المعالجة، وأن يشرح رؤيته من جديد، ولم يكن من السهل إقناع جهات الإنتاج بفيلم يدور في سجن، ويعتمد على الذاكرة وإعادة التمثيل، لكن إصراره على أن الحكاية تستحق أن تُروى هو ما أبقى المشروع حياً حتى نهاية 2024، حين اكتمل التمويل وبدأ التصوير فعلياً، ليخرج الفيلم بإنتاج بلجيكي - فرنسي - سعودي.

الملصق الترويجي للفيلم (إدارة مهرجان برلين)

خلال العمل تراكمت المواد المصورة حتى تجاوزت 100 ساعة، كان بإمكانه أن يصنع أجزاء عدة، أو سلسلة كاملة، فالمادة غنية والقصص كثيرة، لكنه، كما يؤكد، اختار أن يكون الفيلم شهادة واحدة، مكثفة، أشبه بوثيقة لا تتكرر، فبالنسبة إليه، هذه الحكاية تُروى مرة واحدة، بهذا الشكل، وبهذا الصدق.

الفيلم صادم دون شك، وفق مخرجه الذي يشير إلى أنه لم يرد أن يكون صدمة متواصلة، ففي غرفة المونتاج، سعى إلى إيجاد توازن دقيق بين مشاهد العنف وقصص الأمل، وكان يدرك أن المشاهد لا يستطيع تحمّل 90 دقيقة من الألم الخالص، لذلك؛ أفسح المجال للحظات الضوء... حكايات عن الخيال الذي كان يحميهم؛ عن الأغاني التي كانوا يهمسون بها، وعن الأحلام الصغيرة التي أبقتهم أحياء... هذا التوازن، كما يراه، هو ما منح الفيلم قدرته على الاستمرار في ذهن المتفرج.


مقالات ذات صلة

في «أسبوع سينما الصمّ»... أفلام بلغة الإشارة في بيروت

يوميات الشرق يعدّ إسطنبولي الفنون الدامجة ضرورة لجميع اللبنانيين (الجهة المنظمة)

في «أسبوع سينما الصمّ»... أفلام بلغة الإشارة في بيروت

يُنظَّم هذا النوع من المهرجانات من خلال اتصالات مباشرة بين الجهة المنظِّمة والجمعيات التي تهتم بالصمّ والمكفوفين.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق خافيير بارديم وفيكتوريا لوينغو في «المحبوبة» (ملف مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في «مهرجان كان»: فيلمان في واحد... كلاهما رائع

هو فيلم عن تصوير فيلم، كما كانت حالة عدد من الأفلام السابقة.

محمد رُضا (كان)
يوميات الشرق المخرج كوينتان دوبيو وفريق فيلم «فيليب الممتلئ» في مهرجان «كان» الـ79 (رويترز)

وودي هارلسون لـ«الشرق الأوسط»: عشقي للسينما الأوروبية دفعني إلى التمثيل فيها

السعودية ترفع حوافز تصوير الأفلام إلى 60 في المائة لدعم الإنتاج المحلي وجذب المشروعات العالمية.

محمد رُضا (كان)
يوميات الشرق يهدف برنامج «الاسترداد المالي المحدّث» إلى تعزيز نمو قطاع الإنتاج السينمائي (هيئة الأفلام)

السعودية: رفع نسبة الحوافز السينمائية إلى 60 %

أعلنت هيئة الأفلام السعودية عن برنامج «الاسترداد المالي المحدّث»، الذي تضمن رفع نسبة الحوافز لتصل إلى 60 % من المصروفات المؤهلة، وتطوير آليات التقييم.

«الشرق الأوسط» (كان)
سينما «المؤامرة الفينيقية» للمخرج ويس أندرسون (فوكاس فيتشرز)

جوائز «كان» تُمنح لـ«سينما المؤلف» أكثر من سواها

تشهد الدورة 79 من مهرجان «كان» هذا العام طرح عدة موضوعات ساخنة على بساط البحث، من بينها النقد الجاهز بأن المسابقة لا تتضمن توازناً بين أفلام المخرجين الذكور...

محمد رُضا (كان)

بين فيلين غاضبين… نهاية مأساوية لسائحة في الهند

موظفون يُطعمون الأفيال قبل نقلها للمشاركة في موكب يقام كجزء من مهرجان سنوي بجنوب الهند (أ.ب)
موظفون يُطعمون الأفيال قبل نقلها للمشاركة في موكب يقام كجزء من مهرجان سنوي بجنوب الهند (أ.ب)
TT

بين فيلين غاضبين… نهاية مأساوية لسائحة في الهند

موظفون يُطعمون الأفيال قبل نقلها للمشاركة في موكب يقام كجزء من مهرجان سنوي بجنوب الهند (أ.ب)
موظفون يُطعمون الأفيال قبل نقلها للمشاركة في موكب يقام كجزء من مهرجان سنوي بجنوب الهند (أ.ب)

تُعدّ التفاعلات المباشرة بين البشر والحيوانات البرية في المواقع السياحية من أبرز عوامل الجذب للزوار، لكنها في الوقت نفسه تنطوي على مخاطر حقيقية قد تتحول في لحظات إلى حوادث مأساوية. وفي حادثة صادمة شهدتها الهند، تحولت تجربة سياحية عادية إلى كارثة إنسانية، أعادت تسليط الضوء على حدود السلامة الواجب الالتزام بها عند الاقتراب من الحيوانات، مهما بدت مدرّبة أو أليفة.

لقيت سائحة مصرعها دهساً تحت أقدام فيلين في ولاية كارناتاكا جنوب الهند، بعد أن اشتبك الفيلان في عراك مفاجئ، ما دفع السلطات إلى فرض قيود أكثر صرامة على مدى قرب الزوار من الحيوانات البرية وتفاعلهم معها، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

ووقعت الضحية، وهي امرأة تبلغ من العمر 33 عاماً من مدينة تشيناي، ضحيةً لحادثة دهس في أثناء وقوفها قرب النهر برفقة زوار آخرين، حيث كانوا يشاهدون استحمام فيلين في مخيم دوباري للأفيال بمنطقة كوداغو في كارناتاكا.

وأفاد مسؤولون في المخيم لوسائل الإعلام المحلية بأن الفيلين المدرّبين، «كانشان» و«مارثاندا»، دخلا في شجار مفاجئ، وخلال العراك سقط أحدهما في الماء، ما أدى إلى سقوط المرأة وغرقها وسط الفوضى.

وقد تم توثيق الحادثة بمقطع فيديو أظهر المرأة وهي تحاول النجاة في المياه الضحلة، حيث بدت في حالة صراع للبقاء، محاولة النهوض مراراً، بينما كان أحد الفيلين يدوسها، في حين واصل الفيل الآخر هجومه خلال الاشتباك.

وامتلأت أرجاء المخيم بصرخات الحاضرين، في مشهد من الذعر الشديد، حيث بدت محاولات سائس الفيل لفض النزاع غير مجدية، إذ استمر أحد الفيلين في دفع الآخر أرضاً باستخدام خرطومه بشكل متكرر.

وفي الوقت الذي انتهت فيه الحادثة بشكل مأساوي، نجا زوج المرأة وطفلها بأعجوبة من الحادث دون إصابات.

وأثار الحادث حالة من الذعر بين السياح في هذا المخيم الشهير، الذي يستقبل يومياً أعداداً كبيرة من الزوار الراغبين في مشاهدة جلسات استحمام الأفيال، وإطعامها، والتقاط الصور التذكارية معها.

كما أثار مقطع الفيديو المتداول موجة غضب واسعة، حيث انتقد كثيرون الاكتظاظ الشديد بالقرب من الحيوانات، والسماح للسياح بالاقتراب منها دون ضوابط كافية تضمن سلامتهم.

من جانبه، وصف وزير الغابات والبيئة في ولاية كارناتاكا، إيشوار بي خاندري، الحادث بأنه «صادم»، معلناً عن فرض قواعد أكثر صرامة في مثل هذه المواقع.

وأكد أن الحادث يُعد مأساة غير متوقعة، مشيراً إلى أنه تم إصدار أوامر بإجراء تحقيق مفصل لكشف ملابساته، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرار مثل هذه الحوادث في المستقبل.

وفي إطار الإجراءات الجديدة، وجّه الوزير بضرورة عدم السماح للسياح بمشاهدة استحمام الأفيال إلا من مسافة لا تقل عن 30 متراً في جميع مخيمات الأفيال في الولاية.

كما طُلب من السلطات حظر التقاط صور السيلفي أو الصور الفوتوغرافية بالقرب من الأفيال، إضافة إلى منع لمس خراطيمها أو إطعامها أو تحميمها، في محاولة للحد من المخاطر وضمان سلامة الزوار.


احتفاء مصري بمرور ربع قرن على تدشين متحفي أم كلثوم وعبد الوهاب

من مقتنيات متحف أم كلثوم (متحف أم كلثوم)
من مقتنيات متحف أم كلثوم (متحف أم كلثوم)
TT

احتفاء مصري بمرور ربع قرن على تدشين متحفي أم كلثوم وعبد الوهاب

من مقتنيات متحف أم كلثوم (متحف أم كلثوم)
من مقتنيات متحف أم كلثوم (متحف أم كلثوم)

احتفى بيت المعمار المصري بمرور ربع قرن على تدشين متحفي أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، ضمن احتفالات وزارة الثقافة المصرية باليوم العالمي للمتاحف، حيث نظم صندوق التنمية الثقافية، أمسية بعنوان «رحلة فكرية داخل المتحفين» بسينما مركز الإبداع الفني بساحة دار الأوبرا المصرية.

وفي حوار بين المعماري حمدي السطوحي والمعماري أكرم المجدوب، مصممي المتحفين، تناولا خلال الأمسية فلسفة العرض المتحفي، وكيف يتحول المتحف من مساحة لحفظ المقتنيات إلى تجربة إنسانية تعيد تشكيل الذاكرة الفنية بصرياً ووجدانياً، وفق بيان لصندوق التنمية الثقافية.

وكانت فكرة «الرحلة» أساس التجربتين، وفق ما أكد المعماريان. بحيث ينتقل الزائر عبر مسارات زمنية وإنسانية تستعيد محطات التكوين الفني لكل من أم كلثوم وعبد الوهاب، من خلال الوثائق الأصلية والمقتنيات الشخصية والأفلام والتسجيلات النادرة، إلى جانب توظيف تقنيات عرض متقدمة وقت إنشاء المشروعين.

وحول تجربة متحف أم كلثوم تحدث المعماري أكرم المجدوب عنها باعتبارها محاولة لاستحضار الأثر الإنساني والاجتماعي لصوت كوكب الشرق. وقال إن «المتحف لم يكن معنياً فقط بعرض المقتنيات، بل بإعادة إنتاج الحالة الشعورية المرتبطة بها داخل الوجدان المصري».

جانب من الأمسية حول المتحفين (وزارة الثقافة المصرية)

وبدأ الإعداد لإنشاء متحف أم كلثوم منذ عام 1998، واختارت اللجنة المعنية بإنشاء المتحف أحد المباني الملحقة بقصر المانسترلي في جزيرة الروضة (وسط القاهرة) ويضم المتحف مقتنيات متنوعة لـ«كوكب الشرق» من بينها مقتنيات شخصية مثل الملابس والإكسسوارات والحقائب والأحذية، ومقتنيات فنية مثل عود ونوت موسيقية وتسجيلات نادرة وأفلام، ومقتنيات وثائقية تمثلت في خطابات بين الراحلة ورجالات عصرها من سياسيين وقادة وشخصيات عامة، بالإضافة إلى صور نادرة وكتابات بخط يدها.

من جانبه، أوضح المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية، أن «متحف محمد عبد الوهاب تأسس على فكرة (تجميد ومضات زمنية) توثق تاريخ عبد الوهاب الإنساني والفني، وتنقل الزائر في رحلة عبر الزمن إلى عالم تجمد مع لحظة الوفاة، بينما يظل نتاجه الفني حاضراً يحيط بنا».

ويضيف السطوحي لـ«الشرق الأوسط» أن «المتحفين يوثقان لاثنين من كبار المبدعين اللذين كان لهما تأثير فني ومجتمعي كبير في المجتمع والوجدان المصري، ومن ثم كان الهدف أن نوثق الجوانب الاجتماعية والشخصية والفنية لهما، فهذان القطبان اللذان كونا لقاء السحاب تم إنشاء متحفيهما في وقت متقارب واخترناهما للاحتفال باليوم العالمي للمتاحف، ولذلك تواصلت مع المعماري أكرم المجدوب لتقديم رحلة فكرية داخل المتحفين ونعرض تجربة هي أقرب لإقامة حوار بين جوانب تاريخ الرمزين الفنيين الكبيرين أم كلثوم وعبد الوهاب».

متحف محمد عبد الوهاب في معهد الموسيقى العربية (وزارة الثقافة المصرية)

وافتتح المتحف الذي يضم مقتنيات الموسيقار محمد عبد الوهاب (1902 -1991) بمبنى معهد الموسيقى العربية الأثري التابع لدار الأوبرا المصرية، عام 2002، ويقدم المتحف سرداً لمسيرة «موسيقار الأجيال»، عبر عرض مقتنياته الشخصية وتوثيق رحلته الفنية في إطار يجمع بين العمق التاريخي والبعد الإنساني.

ويضم المتحف مجموعة من مقتنيات عبد الوهاب التي أهدتها أسرته لوزارة الثقافة، ومن أبرزها: العود الخاص به، قطع نادرة من أثاث منزله الأصلي بما يشمل غرفة مكتبه، جائزة الأسطوانة البلاتينية، مايكروفون التسجيل القديم، الأوسمة والنياشين والجوائز الرسمية من مصر وخارجها، بالإضافة إلى صور نادرة ومخطوطات لألحانه بخط يده.

ولفت السطوحي إلى أن «كل متحف كانت له تحديات مختلفة لكن على الرغم من تصميمهما قبل 25 سنة فإنهما يلقيان استحساناً من الزائرين حتى اليوم، وهو ما ينعكس على تساؤل البعض مع التطور التكنولوجي ووسائل العرض والدراسات الخاصة بالمتاحف، فهل نحتاج أن نقوم بمراجعة للسيناريو المتحفي؟»، وللإجابة عن هذا التساؤل يقول: «سنجد أن سيناريو العرض متماسك ومرتبط جداً بالشخصية، وليس مرتبطاً بعامل الزمن، فقد نحتاج فقط لإضافة بعض العناصر التكنولوجية في وسائل العرض الخاصة بالمواد السمعية والبصرية وهو ما حدث على مدى السنوات الماضية».

وعَدّ المتحفين من النماذج الملهمة والمعبرة عن الدور الحقيقي للمتحف، «فهو ليس مجرد مكان أحفظ فيه مقتنيات شخصية كأنها مجمدة، ولكنهما يأخذان الزائر في رحلة نستطيع التعرف خلالها على قيمة المبدعين وكيف كانا شخصيتين ملهمتين»، على حد تعبيره.


الحوت الأحدب يسجل رقماً قياسياً جديداً لأطول رحلة

قارن الباحثون عشرات الآلاف من صور ذيول الحيتان (مؤسسة باسيفيك وول فونديشين)
قارن الباحثون عشرات الآلاف من صور ذيول الحيتان (مؤسسة باسيفيك وول فونديشين)
TT

الحوت الأحدب يسجل رقماً قياسياً جديداً لأطول رحلة

قارن الباحثون عشرات الآلاف من صور ذيول الحيتان (مؤسسة باسيفيك وول فونديشين)
قارن الباحثون عشرات الآلاف من صور ذيول الحيتان (مؤسسة باسيفيك وول فونديشين)

وثّق فريق دولي من العلماء، وللمرة الأولى، رحلة للحيتان من نوع الحوت الأحدب بين مناطق تكاثرها في كوينزلاند شرق القارة الأسترالية والبرازيل في قارة أميركا الجنوبية، التي قطعت خلالها أكثر من 14 ألف كيلومتر في المحيط المفتوح.

وسجّلت هذه النتائج أرقاماً قياسية جديدة لأطول المسافات التي تم رصدها وتوثيقها بين مشاهدات الحيتان من نوع الحوت الأحدب منفردة في أي مكان في العالم.

ووفق الدراسة التي نُشرت، الثلاثاء، في مجلة «رويال سوسايتي أوبن ساينس»، فإنه من خلال مقارنة عشرات الآلاف من صور ذيول الحيتان، المعروفة أيضاً باسم «الزعانف الذيلية»، حدّد الفريق البحثي حوتين تم تصويرهما في كل من شرق أستراليا والبرازيل، حيث تم تصوير أحد الحيتان لأول مرة في خليج هيرفي، كوينزلاند في أستراليا، عام 2007، وشوهد مجدداً في المنطقة نفسها عام 2013 قبل أن يظهر قبالة سواحل ساو باولو، البرازيل، عام 2019.

ويفصل بين منطقتي التكاثر هاتين مسافة بحرية لا تقل عن 14 ألفاً و200 كيلو متر، أي ما يعادل تقريباً المسافة بين مدينتي سيدني الأسترالية ولندن الأوروبية.

برامج طويلة

وقالت ستيفاني ستاك، طالبة الدكتوراه في جامعة غريفيث الأسترالية، والمؤلفة المشاركة في الدراسة: «لا يمكن تحقيق اكتشافات مثل هذه إلا بفضل الاستثمار في برامج بحثية طويلة الأمد تمتد لعقود، وكذلك بفضل التعاون الدولي بين المراكز البحثية المختلفة».

وأضافت في بيان، الثلاثاء: «تم تصوير هذه الحيتان على مدى عقود، من قِبل أشخاص مختلفين، في مناطق متقابلة من العالم، يفصل بينها محيطان مختلفان، ومع ذلك تمكّنا من ربط رحلتها».

البداية والنهاية

ونظراً لتوثيق نقطتي بداية ونهاية رحلة الحوت فقط، فإن المسار الفعلي الذي سلكه أحد الحوتين، ومن ثمّ المسافة الحقيقية التي قطعها سباحةً، لا يزال مجهولاً.

أما الحوت الآخر، فقد تم تصويره لأول مرة عام 2003 في بنك أبرولوس، وهو الموطن الرئيسي لتكاثر الحيتان الحدباء في البرازيل قبالة سواحل باهيا، ضمن مجموعة كبيرة صاخبة تضم 9 حيتان بالغة. وبعد 22 عاماً، في سبتمبر (أيلول) 2025، رُصد الحوت الأحدب وحيداً في خليج هيرفي بأستراليا، قاطعاً مسافة تزيد على 15 ألف كيلومتر، مسجلاً بذلك أطول مسافة موثقة على الإطلاق بين رصدين للحوت الأحدب.

واستندت الدراسة إلى نحو 20 ألف صورة عالية الجودة لذيل الحوت، جُمعت بين 1984 و2025 من شرق أستراليا وأميركا اللاتينية، ساهم بها علماء ومواطنون عبر أحد المنصات الإلكترونية العالمية. وباستخدام خوارزمية آلية للتعرف على الصور، ثم التحقق من كل تطابق محتمل بالعين المجردة، حيث عثر الفريق على الحوتين الأحدبين اللذين صُوّرا في المنطقتين.

مشاركة المواطنين

وقالت الدكتورة كريستينا كاسترو، الباحثة الرئيسية من مؤسسة «باسيفيك وول فونديشين»: «يُبرز هذا النوع من الأبحاث أهمية مشاركة المواطنين في البحث العلمي»، مضيفة: «تُسهم كل صورة في فهمنا لبيولوجيا الحيتان، وفي هذه الحالة، ساعدت في الكشف عن واحد من أكثر التحركات تفرداً على الإطلاق».

في حين علقت ستاك بالقول: «على الرغم من ندرة هذه الحالات، فإن التبادلات العلمية مهمة لصحة مجموعات الحيتان على المدى الطويل».

وأضافت: «يمكن أن تُساعد الحيتان التي تنتقل بين مناطق التكاثر البعيدة في الحفاظ على التنوع الجيني بين المجموعات».

وشدد الفريق البحثي على أن هذه النتائج تدعم أيضاً ما يُطلق عليه العلماء فرضية «تبادل المحيط الجنوبي»: وهي فكرة تفيد بأن الحيتان الحدباء من مجموعات تكاثر مختلفة قد تلتقي في مناطق تغذية مشتركة، وأن بعض الأفراد يسلكون مسار هجرة مختلفاً للعودة إلى ديارهم، لينتهي بهم المطاف، وربما لبقية حياتهم، في منطقة تكاثر جديدة تماماً.