عمرو موسى: مبارك كان وطنياً جداً وليس بالسوء الذي صُوّر به

قال لـ«الشرق الأوسط» إن الرئيس المصري الراحل لم يحلم بالزعامة العربية (2 من 4)

TT

عمرو موسى: مبارك كان وطنياً جداً وليس بالسوء الذي صُوّر به

حديث بين حسني مبارك وعمرو موسى خلال قمة للدول النامية في القاهرة عام 2000 (أ.ف.ب)
حديث بين حسني مبارك وعمرو موسى خلال قمة للدول النامية في القاهرة عام 2000 (أ.ف.ب)

استوقف أداء الضابط حسني مبارك الرئيس جمال عبد الناصر وبعده الرئيس أنور السادات. انفتحت أمامه أبواب الصعود. لكن شروط التميز في المؤسسة العسكرية تختلف عنها في قصر الرئاسة، خصوصاً إذا طالت الإقامة فيه، وأطلق العمر سهامه على قدرات سيد القصر.

عاين المصريون مشهداً غير مسبوق. السيد الرئيس صانع المصائر يَمثُل متعباً ومريضاً أمام القضاة، وبات «قصره» وراء القضبان. كان باستطاعة مبارك النجاة من هذه المشاهد لكنه رفض دخول التاريخ هارباً إلى المنفى وحسم الأمر: «وُلدتُ على أرض مصر وعليها سأموت». ربما كان يعتقد أن من زيّن أكتافهم بالنجوم وصدورهم بالأوسمة سيبعدون كأس المَشاهد المؤلمة عن شفتيه لكنَّ ذلك لم يحدث. كان هدير الشارع واسعاً وعنيفاً، وكان الحل عدم اعتراض الموجة بل الالتفاف عليها.

لم يراود حلم الزعامة العربية مبارك وكان يرى أن «كل ده عك»، لافتاً إلى أنه ليس السادات أو عبد الناصر. وهو كان يقدِّر الأول ويحب الثاني. غياب حلم الزعامة لدى مبارك أثلج صدر معمر القذافي الذي رأى نفسه وريث عبد الناصر في الزعامة. والحقيقة أن مبارك كان «مكبَّر دماغه»، كما يقول عمرو موسى وزير الخارجية المصري السابق والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية.

أنور السادات وحسني مبارك على متن مروحية رئاسية عام 1977 (غيتي)

يرى موسى في الحلقة الثانية من مقابلته مع «الشرق الأوسط» أن السنوات العشر الأولى من القرن الحالي كانت كارثية في مصر. تقدَّم مبارك في السن، وفقد الاهتمام اليومي بإدارة البلاد، وبدأ الابتعاد عن اتخاذ أي قرارات تحتاج إلى جهد ومتابعة ومبادرات. ثم جاء موضوع التوريث الذي لم يكن موضع ترحيب من مسؤولين بارزين وإن ترددوا في المجاهرة بموقفهم.

سألت عمرو موسى عن علاقة مبارك بالسادات وعبد الناصر، فأجاب: «كان مبارك مؤمناً بأن ما قام به أنور السادات شيء سليم. وكان يحب جمال عبد الناصر جداً. عبد الناصر، ليس من اصطفاه، إنما كانت عينه عليه، وأنور السادات أيضاً كانت عينه عليه، ربما بالتفاهم بينهما. كانا يتكلمان عن الضباط، وكان لحسني مبارك نوع من التقدير، سواء عبد الناصر أو السادات. من المؤكد كان يحب عبد الناصر، وإنما كان يقدِّر أنور السادات».

مبارك وملف التوريث

هل كانت نهاية مبارك مؤلمة؟ وهل ظُلم؟ يجيب موسى: «نعم، طبعاً. لم يكن بالسوء الذي صُوّر للناس. هذا الرجل كان وطنياً جداً، ويعرف ماذا يفعل. لم يكن ساذجاً أبداً. ربما موضوع التوريث، وهذه كلمة سخيفة. موضوع احتمال أن يكون ابنه وريثه لم يكن مقبولاً من أحد. ليس هناك سبب يجعل أي أحد يقبل بمثل هذا. إخراج هذا الموضوع كان إخراجاً سيئاً جداً.

الغريب أن حسني مبارك لم يكن من أنصار هذا. لم يكن يريد أن يعرض ابنه لحكم مصر. وحكم مصر ليس مسألة بسيطة. هذه بلاد كبيرة جداً، ومعقدة جداً، والرئاسة تقتضي خبرة كبيرة جداً، وسلطة يستطيع بها أن يفرض رأيه وقيادته. هذه السلطة تعني أن الكل يؤدي لك سلاماً بمن فيهم الجيش، والمدنيون، والقضاة... المسألة ليست بسيطة. لم يكن هذا ممكناً أن يُفرَض على مصر.

مبارك في قاعة محكمة عام 2018 وخلفه نجله جمال (غيتي)

تسألني عن موقف عمر سليمان؟ لم يكن مؤيداً كثيراً. كان ضابطاً وأدّى سلاماً. لم تكن هناك تعليمات بالتوريث، كانت هناك حركة تؤيد التوريث. كلهم مجموعات من الشباب ومجموعات من بعض رجال الأعمال وغيره، وهو لم يكن منهم. إنما لم يعترض. لم يعترض. لا أظن أن أحداً من الحلقة الضيقة اعترض. أفضِّل ألا أجزم لأنني لم أكن من الحلقة الضيقة».

صانع سياسات أم منفذ؟

أوحى موسى أحياناً بأنه صانع سياسات وليس منفِّذ سياسات، فهل كانت جاذبيته سبب الحذر منه؟ قال: «أولاً، وزير الخارجية يجب أن يكون أحد صناع السياسات. في الظروف التي نحن فيها هناك المخابرات تعمل، وهناك مجلس الأمن القومي يعمل، ووزير الخارجية، وهو رئيس المؤسسة التي تتعامل مع السياسة الخارجية، له دور. وإذا كان مجرد منفذ فلن يكون له دور لا في تاريخ الدبلوماسية ولا في السياسة، ولا حتى الوزن المفروض أن يكون لدى وزير الخارجية في أن يبادر ويفكر ويتصرف بسرعة وليس محتاجاً في مواجهة أزمة صغيرة طرأت إلى أن يتصل بالتليفون ويسأل: ماذا أفعل؟ يجب أن يفعل.

حديث بين حسني مبارك وعمرو موسى خلال قمة للدول النامية في القاهرة عام 2000 (أ.ف.ب)

هذا كان في اعتقادي، إنما لا أستطيع أن أقول إنني كنت من صناع السياسة المصرية. إنما مؤكَّد أنا أسهمت في كثير من الخطوات السياسية والتفكير السياسي. ما الأولويات مثلاً؟ أولوية جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من السلاح النووي. هذا كان عمل الدبلوماسية المصرية التي كنت رئيسها، وكنت مصرّاً على هذا الأمر. ربما لم يكن هذا مقبولاً جداً من الرئيس، وانتهى الأمر إلى رأيه».

قصة الوساطة بين سوريا وتركيا

«موضوع، مثلاً، العلاقة السورية - التركية، هذا تحدثت فيه مع الرئيس شخصياً، وأذكر أنه كان مساءً، وكنت أذهب إلى مكتبي مساءً ساعتين أو ثلاثاً، وعندما كلَّمته قلت له إن هذا الوضع كبير وخطير، ولدينا فرصة أن نتدخل، لأن علاقتنا بالأتراك جيدة، وعلاقتنا بالسوريين جيدة، مَن غيرنا يمكنه أن يقوم بذلك؟ فجلس يفكر. قلت له: أنا مستعد أن أذهب غداً إلى الأتراك وأتكلم معهم وأرى ماذا يمكن أن نفعل بتدخل سيادتك شخصياً. فوافق، وذهبت فعلاً إلى تركيا ورتَّبت موعداً لزيارة الرئيس في اليوم التالي، وذهب والتقى الرئيس سليمان ديميريل وقال له: نعم يجب أن نعمل معاً، والأتراك مستعدون لمساندة مصر في وساطتها. وقرر الاثنان إرسالي في أثناء وجودنا في تركيا للقاء الرئيس الأسد.

لم أذهب وحدي. بعد قليل قال الرئيس سأذهب أنا وعمرو. ذهبنا معاً إلى مطار دمشق ووجدنا في استقبالنا الرئيس الأسد وعبد الحليم خدام وفاروق الشرع، ودخلنا إلى قاعة في المطار. الرئيس مبارك ووزير خارجيته، والرئيس الأسد ووزير خارجيته، ولم يُسمح لعبد الحليم خدام نائب الرئيس بالدخول. لم يكن موجوداً رغم مشاركته في الاستقبال. وقيل لي إنه غادر بسرعة غاضباً. تكلمنا في هذا الموضوع الذي جئنا من أجله ووجدنا أذناً صاغية، وأيضاً مقدِّرة.

كان الأتراك قد هدَّدوا بالتدخل عسكرياً في سوريا. هدَّدوا بذلك. هل (اتخذوا) القرار أم لا؟ لا أعرف. إنما نحن أسرعنا، كمصر، لنلحق الموضوع ونعطِّل هذا القرار، وكي لا ينتقل الكلام إلى فعل. فوّضت تركيا الرئيس مبارك وأنا للتحدث مع السوريين، وتقبَّل السوريون هذا وخلال أسبوع بدأت المفاوضات السورية - التركية.

حافظ الأسد وعمرو موسى خلال زيارة للأخير إلى دمشق عام 2000 (أ.ف.ب)

أحد الشروط التي وضعتها تركيا كانت خروج عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، من سوريا. نحن ذكرنا ذلك. قال (الرئيس مبارك) إن أوجلان يفعل كذا... وهو مقيم في سوريا وعنوانه كذا. هذا ما قاله ديميريل، وكرره الرئيس مبارك للأسد في الجلسة الرباعية. كان لدى الرئيس مبارك حس ساخر، فقال: إحنا عارفين عنوانه... وبدأ التفاوض، وانتهت صفحة من صفحات التوتر السوري - التركي في ذلك الوقت».

نصيحة للأسد بالانسحاب من لبنان

سألت عمرو موسى عمَّا إذا كان مبارك قد نصح بشار الأسد بالانسحاب من لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، فقال: «لست أدري، أنا كنت الأمين العام للجامعة العربية. أنا نصحت. أنا ذهبت أولاً. يومها كان المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الجامعة العربية سيجتمع في عدن باليمن، والأمين العام سيلحق (بهم). في هذا اليوم بالذات، كان اجتماع اللجنة التحضيرية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي. أنا اتخذت قراراً أن نجتمع في مدن عربية بما فيها الفاشر في السودان، أخذت مجلس الجامعة كله إلى هناك من أجل أن يشعر الناس بأن الجامعة لهم ومعهم. نحن أنتم، وأنتم نحن.

صباح ذلك اليوم، كان 14 فبراير (شباط) 2005، كنت أشاهد التلفزيون وسمعت أن هناك انفجاراً حصل لموكب رفيق الحريري. اتصلت بالرئيس علي عبد الله صالح وقلت له إنني لن أستطيع المجيء، فقال: لماذا؟ قلت له: حصل كذا وكذا. قال: الجنازة ستكون غداً. قلت له: يستحيل. هذا حدث ضخم جداً يا سيادة الرئيس، أنا أستأذنك، ولن أحضر. فقال لي: هل أذهب وألقي كلمة والأمين العام غير موجود؟ قلت له: الجامعة كلها موجودة، ونحن أمام حدث كبير جداً، أنا ذاهب الآن إلى لبنان.

ذهبت إلى بيروت، وأول شخص قابلته هناك كان وزير خارجية اليمن. ذهبت وتقبلت العزاء مع العائلة وبقيت يوماً واثنين. يوم الجنازة، كان الحديث عن الجيش السوري، وهذا ما كان ليحدث لولا (وجوده). قررت أن ألتقي الرئيس الأسد. طلبت من أحد مساعديَّ أن يطلب دمشق ويقول لهم إن الأمين العام يريد أن يزور الرئيس بأسرع ما يمكن. وقد كان. انتهت الجنازة، واستمررنا في استقبال المعزين وأذكر أنني التقيت وفداً عسكرياً أردنياً كأحد الذين يتلقون العزاء أيضاً. وجاء الرد من سوريا بأن آتي غداً الساعة كذا. الساعة كذا يعني خلال النهار، كي أتمكن من اللحاق بالطائرة المصرية التي تغادر مساءً من بيروت.

بشار الأسد مستقبلاً عمرو موسى في دمشق عام 2003 (أ.ف.ب)

ذهبت إلى دمشق. قلت: صباح الخير سيادة الرئيس، أنا آتٍ من لبنان، وهناك حديث عن مسؤولية الجيش السوري، ولا بد من سحب الجيش السوري، وإلخ. وأنا أنقل إليك هذا الكلام لأن مصلحتنا الآن أن نعالج الأمور بكل ما نستطيعه، وأنت الأساس يا سيادة الرئيس. فقال لي: انظر يا أخ عمرو، أنا أريدك أن تعرف أنني حينما توليت الحكم كان الجيش السوري في لبنان فوق الـ60 ألفاً، والآن 35 ألفاً. أنا سحبتهم، ومستعد أن أسحب الباقي لأنني لا أرى أن العلاقة السورية - اللبنانية تنبع من وجود الجيش السوري في لبنان وإنما من الاعتقاد المشترك بالمعيشة المشتركة، ولا يمكن لسوريا ولبنان العيش بمعزل، بعضهما عن بعض، وليست هناك حاجة للجيش السوري.

قلت له: أنت مستعد لسحب الجيش السوري؟ قال لي: نعم. قلت له: هل أستطيع أن أقول ذلك علناً للصحافة؟ قال لي: نعم. الذي كان موجوداً فاروق الشرع، لا أذكر إن كان عبد الحليم خدام موجوداً أم لا، لكن فاروق الشرع كان موجوداً مؤكداً. خرجنا وعدت إلى بيروت واستقللت الطائرة ورجعت إلى مصر. وعندما صعدت إلى السيارة في المطار، قلت للسائق أن يفتح «بي بي سي» وكانت (أخبارها) على (رأس) الساعة. فجأة أسمع خبراً يقول إن المتحدث الرسمي باسم الحكومة السورية كذَّب ما ذكره الأمين العام للجامعة العربية من أن الرئيس بشار الأسد قال إن سوريا على استعداد للانسحاب.

أنا جُننت. كيف ذلك؟ اتصلت بفاروق الشرع ونحن في السيارة، وقلت له: هذا الكلام لم يحصل يا فاروق، يا أبا مضر هذا لم يحصل، الذي حصل وأمامك أن الرئيس قال: نعم سوف أسحب القوات، وأعطاني حرية التصريح بذلك، ومن ثم أنا صرحت لأن الرئيس عندما سألته قال لي: نعم تستطيع أن تقول ذلك. قال لي: ماذا تريدنا أن نفعل؟ قلت له: أولاً تقول للرئيس هذا الكلام، لأنني بعد هذا التكذيب سأضطر إلى أن أرد، وسندخل في كلام خاص برفيق الحريري، وإلخ. نحن في غنى عن ذلك، أنا أريد أن يسحب هذا التكذيب. اتصل بالرئيس بشار الذي أعطى تعليمات لوزير الإعلام بأن يقول لي: أنت ماذا تريدنا أن نقول؟ لأن الرئيس قال: نعم أنا أعطيته ذلك، وهذا التكذيب ليس صحيحاً... وانتهى الأمر بسحب التكذيب وإعادة إذاعة تصريحي».

ثقل الحريري وراء اغتياله

سألته إن كان يعتقد اليوم أن الحريري اُغتيل على خط التماس الإقليمي فأجاب: «خط التماس الإقليمي كلمة عامة جداً، إنما هو اُغتيل لأنه كان أكبر من لبنان. كان شخصية عربية كبرى. يستطيع أن يلتقي رئيس الولايات المتحدة في أي وقت، ورئيس فرنسا في أي وقت وربما غيرهما. كان صاحب حيثية دولية وإقليمية وعربية وإسلامية ولبنانية. اجتمعت كلها في رفيق.

هم استكثروا على لبنان أن يكون لديه مثل هذا الزعيم، الذي يضيف إليه ثقلاً كبيراً جداً في الموازين الإقليمية.

ربما أيضاً، ربما، أن يكون في بدايات النزاع الشيعي - السني، وهو أمر مؤسف جداً، لأن رفيق كان سيمنع مثل هذا (النزاع) أو يعطي للسُّنة قوة كبرى في مثل هذا التنافس. أنا أقول ذلك لأننا هنا في مصر لسنا من أنصار الصراع السني - الشيعي. تعرف في التاريخ، إمبراطور إيران تزوج من أخت ملك مصر، والذي عقد القران شيخ الأزهر. ليست لدينا هذه التفرقة وهذه المشاعر حتى اللحظة. ليست لدينا. ربما يكون هذا أيضاً من ضمن ترتيبات هذا الصراع. الله أعلم. لو أردنا أن نحلل فإننا نستطيع أن نحلله بالطريقة التي نتحدث بها وأن نصل إلى قرار معين. إنه نعم كانت هناك قوى معينة تستفيد من اختفاء رفيق الحريري، ومن السهل أن تعدِّد هذه القوى. إنما الأمر ذهب ونحن لسنا مؤرخين».

عمرو موسى مع رفيق الحريري خلال زيارة الأخير للقاهرة عام 2004 (أ.ف.ب)

وهل اشتكى رفيق الحريري لك يوماً من تعامل سوريا معه؟ قال: «نعم، طبعاً. وذكر لي أن الضباط على الحدود يتعاملون معه تعاملاً غير لطيف، تعاملاً فظاً. اشتكى من هذا أو ذكر لي هذا.

لا أظن أن علاقته بالحكم في دمشق كانت جيدة، لكن هذا لا يعني ولا أقصد به اتهام سوريا بالضلوع في اغتياله، لأن هناك قوى أخرى تتنافى مع الحذر السوري المعروف في مثل هذه الأمور. فهم أكثر حذراً وذكاءً من أن يكونوا وراء العملية، خصوصاً أن هناك قوى أخرى لها مصلحة وتستطيع أن تقوم بهذه العملية».

سألت عمرو موسى إن كان العمل السياسي يؤدي إلى نوع من الإدمان، فقال: «نعم، طبعاً. أنت تسميه إدماناً، إنما أنا أسميه حياة. المرء، وليس نحن فقط في المجال السياسي أو الإعلامي، فالطبيب يعي حياته كطبيب، في الصباح وفي المساء، في عيادته وفي بيته. المهندس يفكر طوال الوقت. نحن كذلك. سمِّه إدماناً، ولكن أنا أسميه شيئاً طبيعياً جداً أن يعيش الإنسان مهنته من البداية إلى النهاية».

القادة وأعباء السياسة

قلت له إنني سمعت من الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح أنه لن يترشح في الانتخابات الرئاسية وإنه مشتاق لملاعبة أحفاده. سمعت الكلام نفسه من الرئيس عمر البشير، لكن كل منهما بقي في السلطة حتى واجه مصيره. هل صعب على المرء أن يخرج من الأضواء؟ أجاب: «أحياناً الخروج من الأضواء يُشعرك بالراحة، لأنك أمام الأضواء تصبح مسؤولاً عن كل شيء تقوله أو كل حركة تقوم بها. يجب أن ترتاح من هذا. هذا الشعور عند الكل، عند الجميع.

فيما يتعلق بالرئيس صالح، الله يرحمه، وكان شخصية ظريفة للغاية، قال لي هذا الكلام، وقال: يعني الواحد تعب. فقلت له: تعبت من ماذا يا سيادة الرئيس؟ فقال لي: تعبت من ماذا؟ طوال الوقت المرء يبدأ بمعالجة مشكلة سياسية، ومشكلة بين اثنين أو ثلاثة في عائلتك، ومشكلة بين ثلاثة أو أربعة من المرافقين لك، ومشكلة مع جيرانك، ومشكلة... راح يشرح. فقلت له: هذا أمر يجعل الذهن يقدح وينشط، وغير ذلك فإننا نُصاب بكسل وخمول... واستمررنا في هذا الكلام لأنه كان ظريفاً جداً، وحينها كانت إريتريا قد احتلت جزيرة يمنية، وكنت حينها الأمين العام، ذهبت إليه لأناقشه ونرى كيف نساعده. حكاية أحفاده، كان يلاعبهم وهو رئيس. والرئيس أحياناً يشعر بفراغ في لحظة ما. يقال في الإنجليزية: وحيد في القمة.

كان الرئيس مبارك، الله يرحمه، يسألني عندما نكون في لندن أو باريس: ماذا ستفعل اليوم؟ فأقول له: سأذهب لتناول العشاء في مطعم، وهو جميل جداً أحب أن أذهب إليه، والله يا سيادة الرئيس لو فكرت تتعشى في الخارج، فهو أمر جميل جداً، تفضل. فيقول لي: أنت تعرف من أجل أن تتفضل سيكون معي على الأقل 50 شخصاً يتفضلوا، الحرس والسائقون ورجال المباحث والمخابرات... لا، لا، أنا لا أقدر... تذكَّرني عندما تكون هناك.

حسني مبارك وعمرو موسى خلال لقاء تمهيدي للقمة العربية في 2008 (أ.ف.ب)

في واشنطن مثلاً، وكانت نهاية أسبوع، إذ كان دائماً يسافر السبت ويستريح الأحد ثم يعمل الاثنين، أنا كوزير خارجية كنت أذهب الخميس أو الجمعة من أجل ترتيب الاجتماعات. قال لي: ماذا ستفعل غداً؟ فقلت له: سأذهب للتسوق، أنا أحب التسوق في أميركا جداً. فقال: إلى أين ستذهب؟ فقلت له: توجد هنا أشيك محلات الدنيا يا سيادة الرئيس، وهو كان يحب الشياكة جداً. قال: حسناً. غادرت وما كدت أصل إلى الفندق، وهو كان في بيت الضيافة، حتى تلقيت اتصالاً من سكرتيره وقال لي إن الرئيس سيخرج غداً للتسوق، أنت وهو. وفعلاً ذهبنا معاً للتسوق، والحرس لم يصحبوه، وإنما كانوا على أبعاد مختلفة. دخلناً محلاً، وطلبت من البائع أن يقفل الباب، فدُهش قليلاً، فقلت له: هل تعرف مَن هذا؟ هذا فلان، والحرس في الخارج. نحن نحتاج على الأقل إلى نصف ساعة. وكان مرتاحاً جداً، خلع الحذاء وخلع السترة وراح يلف على ربطة العنق هذه وهذا القميص... كان في منتهى السعادة لفترة قاربت على الساعة. نسي (مَن يكون)... ما رأيك بهذا القميص؟ وهذا يُظهر لك إلى أي حد يكون فيه الرؤساء في وضع يبعث على الملل، ليس مللاً من السلطة، إنما في الحياة نفسها. ولذلك، السلوى الكبيرة للرئيس مبارك، الله يرحمه، كان حفيده. سلوى كبيرة جداً تشغله عن، أو على الأقل تفتح له أبواباً من الحنان غير موجودة في أسلوب الحكم أو بناء الحكم.

أنور السادات وحسني مبارك في زيارة لمدينة الإسماعيلية عام 1977 (غيتي)

الرئيس أنور السادات كان يحب مشاهدة فيلم أميركي كل يوم، كما يقال وكُتب ونُشر، وأكثر الأفلام الأميركية التي كانت تريحه أفلام رعاة البقر الذي يجري بعضهم وراء بعض. ليس هناك موضوع، إنما أناس يجري بعضهم وراء بعض ويطلقون رصاصاً... فكان يتسلى جداً بهذا الأمر، في اليوم يُمضي ساعة أو اثنتين. ربما لم يكن منتبهاً إليها (الأفلام) كثيراً إنما (كان) يفكر، وهكذا... وهناك رؤساء يقرأون كثيراً، ورؤساء يتجولون كثيراً، وهكذا».

مبارك أحب الأناقة والمزاح

وهل كان مبارك يهتم بأناقته الشخصية؟ أجاب: «نعم. هذه مسألة يبدو أن فيها إحساساً أو جينات معينة يولَد المرء بها. كان يعرف ماذا يلبس مع ماذا، وكان يقدِّر الأناقة جداً، وهو كانت عنده نظرة في الناس، وغالباً ما كان على حق في هذا. لو رأى شخصاً مبهدلاً (غير منتظم في ملابسه) يظن أو يعتقد فوراً أن هذا الرجل ربما يكون أيضاً غير منتظم في فكره، وكثيراً ما كان يوفَّق في هذا، ليس على أساس الأناقة إنما في الترتيب. ويسأل أسئلة بسيطة والإجابات عنها يأخذها في اعتباره أيضاً: نبيه. إجابة طريفة. إجابة ذكية. إجابة سخيفة... من هذا النوع.

كان مصرياً تماماً، أي يحب القفشات والسخرية ويسمع النكتة ويضحك بنشاط كبير جداً وبصوت مرتفع عندما تُذكَر له، ومعه مجموعة من الظرفاء، ثم فجأة يعود الرئيس. كان يستيقظ باكراً ويجلس في كشك لطيف في الحديقة ويقرأ الجرائد وما يرسَل إليه من الأجهزة من أخبار وأنباء ويأخذ وقته، وبعدما ينتهي يكون في الصورة بالنسبة إلى أمور كثيرة جداً. هذا لم يُنشَر كثيراً عن حسني مبارك الشخص، إنما له أمور تختص به هو نفسه منها الأناقة».

مَن كان يحب مِنَ الزعماء العرب؟ قال: «ملوك السعودية. كان على علاقة طيبة جداً بالأسرة السعودية، وبكثير من أمراء وشيوخ الخليج. كان على علاقة طيبة بحافظ الأسد، وعلى علاقة طيبة بالقذافي. درجة العلاقة الطيبة مختلفة هنا وهناك، إنما كان قادراً على أن يتعامل مع الكل: أهل المغرب وشمال أفريقيا. أهل الخليج. أهل الهلال الخصيب. وهنا فوارق ما بين هؤلاء وأولئك، احتفظ بعلاقات جيدة جداً معهم، مما سهَّل عليه الحكم وسهَّل عليه أن يقود مصر واحتياجاتها وظروفها وسط هذه الأنواء».

حسني مبارك في خيمة معمر القذافي عام 1992 (غيتي)

وعن نقاط ضعف حسني مبارك، قال: «نقطة الضعف ليست فيه هو شخصياً. كلنا فينا نقاط ضعف، وليس من المنصوح به أن أتحدث عن نقاط الضعف بالنسبة إلى رئيس انتقل إلى رحمة الله، إنما نقطة الضعف كانت نقطة الضعف المصرية، وهي أننا أخطأنا كثيراً في عدم بناء مصر الاقتصادية مع هذه الثروة الهائلة في مصر؛ مساحةً، وجواً، وبحاراً تحيط بها من كل جانب، ونهراً يسري فيها بنشاط كبير من الجنوب إلى الشمال، وصحراء مليئة بالثروات، وأناساً متعلمين كثيرين جداً، قادرين على الإنتاج وعلى الأداء الطيب. كل هذا لم يوضع في بوتقة واحدة لتُنتج منتجاً جيداً متميزاً يقدَّر على المستوى الإقليمي والعالمي. نحن أخطأنا في هذا، من دون أي كلام. وهو ما أسميه بالحكم الرشيد. وأرى أننا أخطأنا في غياب الحكم الرشيد لسنوات طويلة تربو على 70 سنة».


مقالات ذات صلة

عمرو موسى: عرفات كان «عفريتاً» وهاجسه الفرار من الوصايات

خاص عرفات مستقبلاً عمرو موسى عام 1993 (أ.ف.ب) p-circle 03:53

عمرو موسى: عرفات كان «عفريتاً» وهاجسه الفرار من الوصايات

في الحلقة الأخيرة من مقابلته مع «الشرق الأوسط»، يشارك عمرو موسى لمحات عن قادة ووزراء عرب عمل معهم.

غسان شربل (القاهرة)
خاص جانب من الصورة التذكارية لآخر قمة جمعت عمرو موسى بمعمر القذافي في سرت الليبية عام 2010 (أ.ف.ب) p-circle 08:37

خاص عمرو موسى: عاملني القذافي في البداية بوصفي جاسوساً أميركياً ثم تغيرت الأمور

عمرو موسى يروي في الحلقة الثالثة من مقابلته مع «الشرق الأوسط» قصة لقاء أخير مع صدام حسين، وكيف كان القذافي صعباً ومتقلباً.

غسان شربل (القاهرة)
خاص عبد الناصر في حديقة منزله عام 1968 (غيتي) p-circle 02:28

خاص عمرو موسى: في 5 يونيو 1967 توقفت عن الإيمان بعبد الناصر

عمرو موسى يروي لـ«الشرق الأوسط» شهادته على التحولات العربية، من هزيمة 1967 إلى السلام مع إسرائيل. قلق على مستقبل مصر ويشدد على ضرورة «الحكم الرشيد».

غسان شربل (القاهرة)

فرق الإنقاذ الجزائرية تعلن العثور على الطفل الذي سقط في بئر ميتاً

فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
TT

فرق الإنقاذ الجزائرية تعلن العثور على الطفل الذي سقط في بئر ميتاً

فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)

أعلنت الحماية المدنية الجزائرية، السبت، أن فرق الإنقاذ عثرت على الطفل أيوب البالغ 10 سنوات ميتاً، بعد جهود مضنية بُذلت لإخراجه من بئر ارتوازية جافة وقع فيها قبل 4 أيام في ولاية البيّض بجنوب غربي البلاد.

وجاء في بيان للحماية المدنية: «تبعاً لعملية إنقاذ طفل سقط في بئر ارتوازية جافة بالمكان المسمى قرية الركنة بلدية غسول بولاية البيّض، تم العثور على مكان الطفل، وانتشاله متوفى، رحمة الله عليه».

وكان الطفل قد سقط داخل البئر، يوم الأربعاء الماضي، في قرية الركن الواقعة بين الطريقين الوطنيين رقم 107 و47 بولاية البيّض، قبل أن تتدخل فرق الحماية المدنية لبدء عملية إنقاذ معقدة بسبب ضيق البئر وعمقه.

ويبلغ عمق البئر نحو 80 متراً، فيما لا يتجاوز قطره 40 سنتيمتراً، ما جعل الوصول إلى الطفل وانتشاله مهمة بالغة الصعوبة، واستدعى تسخير إمكانيات بشرية ومادية كبيرة، بمشاركة السلطات المحلية ومختلف الهيئات.

وبعد أيام من عمليات الحفر والبحث، تمكنت فرق الإنقاذ من تحديد موقع الطفل داخل البئر، قبل انتشاله، لتؤكد الحماية المدنية لاحقاً وفاته.


«تكايا» أم درمان... مطابخ خيرية تتحول إلى شريان حياة

صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)
صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)
TT

«تكايا» أم درمان... مطابخ خيرية تتحول إلى شريان حياة

صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)
صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)

تحولت «التكايا»، وهي مطابخ خيرية تديرها مبادرات تطوعية لتقديم الطعام إلى المحتاجين والمتضررين من الحرب في السودان، إلى شريان حياة لآلاف الأسر التي فقدت مصادر دخلها، وأصبحت عاجزة عن تأمين وجباتها اليومية في ظل الغلاء، وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

وفي مدينة أم درمان، يجد نازحون وسكان أنهكتهم الحرب في هذه المطابخ ملاذاً للحصول على ما تيسر من الطعام، بعدما بات شراء الاحتياجات الأساسية يفوق قدرة كثير من الأسر، نتيجة تدنّي الدخول، وتعطل النشاط الاقتصادي، وارتفاع تكاليف المعيشة، لكن المبادرات التي تسد جانباً من الفجوة الغذائية باتت تواجه بدورها نقصاً حاداً في التمويل وارتفاعاً في تكاليف التشغيل؛ ما يجعل استمرارها مرهوناً بتبرعات فاعلي الخير ودعم الجهات المانحة، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر التي تعتمد عليها للحصول على وجبة يومية.

أوضاع معيشية قاسية

يقول الصادق صديق، المشرف على إحدى التكايا، إن مبادرته انطلقت في يونيو (حزيران) 2023 بقدر واحدة من «البليلة العدسية»، وهي وجبة شعبية تُعد من العدس، تم توزيعها على الجيران والمارة، قبل أن يقوم بإضافة قدر أخرى من الفول، بمساعدة بعض المتبرعين. ومع التعريف بأنشطة التكية عبر منصات التواصل الاجتماعي، اتسعت تدريجياً دائرة الداعمين.

مجموعة من الشباب يساعدون في توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

ويضيف صديق لـ«الشرق الأوسط» أن التكية وسّعت أنشطتها مع استمرار الحرب وتفاقم الاحتياجات الإنسانية، وأصبحت تُعد يومياً نحو 20 قدراً كبيرة من الطعام للنازحين والمتضررين في أم درمان، يستفيد منها قرابة 5 آلاف شخص، ينتمون إلى نحو 700 أسرة. ويشير إلى أن نقص التمويل تسبب في توقف التكية عن العمل مرات عدة، لكنها كانت تستأنف نشاطها في كل مرة لتلبية احتياجات الأسر، فضلاً عن توفير وجبات إفطار لطلاب المدارس.

وعلى الرغم من عودة أعداد من النازحين إلى مناطقهم بعد استعادة الجيش السيطرة على الخرطوم، لا تزال الأوضاع المعيشية لكثير من الأسر بالغة الصعوبة. ويؤكد صديق أن «استمرار عمل التكية أصبح ضرورة لا غنى عنها».

ويعاني ملايين السودانيين تداعيات الحرب المستمرة، في ظل تراجع الدخول وتعطل قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة، بينما دفعت الأزمة نحو نصف سكان البلاد إلى دائرة الاحتياج إلى المساعدات الإنسانية، وفق تقديرات أممية.

معاناة مستمرة

من بين المستفيدين أم سترة حامد، وهي امرأة ستينية نزحت من مدينة النهود بولاية غرب كردفان. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «وصلت إلى أم درمان برفقة أطفالي الأيتام بعد رحلة طويلة وشاقة عانينا خلالها كثيراً، وأعيش حالياً في ظروف معيشية بالغة الصعوبة». وتضيف: «لا أملك مصدراً ثابتاً للدخل، ولا أستطيع توفير ما يكفي من الطعام لأطفالي؛ لذلك نعتمد بصورة أساسية على الوجبات التي تقدمها التكية. بالنسبة إلينا، لا تمثل هذه الوجبات مجرد مساعدة، بل وسيلة للبقاء على قيد الحياة في هذه الظروف القاسية».

ولا تختلف معاناة فاطمة يوسف، وهي أم لسبع بنات، كثيراً عن ذلك. وتقول: «نزحت من غرب كردفان برفقة بناتي السبع، وغادرنا منزلنا بالملابس التي كنا نرتديها فقط، وسط ظروف لا إنسانية. ومنذ وصولنا، نواجه صعوبة شديدة في توفير أبسط متطلبات الحياة، وفي مقدمتها الطعام». وتضيف: «وضعنا المعيشي صعب للغاية، ولا نملك ما يكفي لإطعام بناتي. أعتمد على التكية في الحصول على الوجبات، وقد تسلمت اليوم حصتنا من حساء العدس، لكنني لا أمتلك حتى خبزاً جافاً يمكننا تناوله معه».

النازحة فاطمة يوسف تنتظر توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

بدوره، يقول الهادي البدوي، وهو أحد المستفيدين، إن التكايا وقفت إلى جانب السكان منذ اندلاع الحرب، وتحولت بالنسبة إلى كثير من الأسر إلى مصدر أساسي للطعام مع التدهور المتواصل في الأوضاع المعيشية. ويضيف: «كنت أعتمد على الأعمال اليومية الحرة لتوفير احتياجات أسرتي، لكن الحرب وما خلفته من أوضاع كارثية أدتا إلى تراجع فرص العمل بصورة كبيرة، وأصبحت أقضي أياماً كثيرة من دون عمل أو دخل». ويتابع: «الأوضاع المعيشية متردية للغاية؛ ولذلك أصبحت الوجبات التي تقدمها التكايا سنداً حقيقياً للأسر التي فقدت مصادر دخلها، ولم تعد قادرة على توفير الطعام لأفرادها».

أزمة جوع متفاقمة

في وقت تتراجع فيه قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، تظل التكايا شاهدة على وجه آخر للحرب؛ إذ أصبحت أسر كانت تعتمد على عملها ودخلها في توفير الطعام تنتظر وجبة تقدمها مبادرة خيرية. ومع اتساع دائرة المحتاجين وارتفاع أسعار المواد الغذائية، تواجه هذه المطابخ بدورها خطر التوقف بسبب شح التمويل، وصعوبة توفير مستلزمات الطهي بصورة منتظمة.

صفوف طويلة من المستفيدين من التكية (الشرق الأوسط)

وفي بلد أنهكت الحرب اقتصاده، وأثقلت كاهل مواطنيه، لم تعد وجبة الطعام بالنسبة إلى كثير من الأسر أمراً يمكن عده من المسلَّمات، بل تحولت إلى معركة يومية من أجل البقاء، بينما تحاول التكايا، بإمكاناتها المحدودة، سد جزء من الفجوة المتزايدة. وكان برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة قد حذر، في أحدث تحديث لعملياته الإنسانية في السودان خلال أغسطس (آب) الماضي، من أن البلاد لا تزال تواجه أكبر أزمة جوع في العالم، بينما يهدد النقص الحاد في التمويل قدرة المنظمات الإنسانية على مواصلة عمليات الإغاثة، وسط استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية في مختلف أنحاء البلاد. وذكر البرنامج أن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يعانون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل استمرار النزاع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتعطل الإنتاج الزراعي، والارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية.


عودة الروح إلى جامعة بنغازي الليبية عقب إعادة إعمارها

حفتر خلال افتتاح جامعة بنغازي (إعلام الجيش الوطني الليبي)
حفتر خلال افتتاح جامعة بنغازي (إعلام الجيش الوطني الليبي)
TT

عودة الروح إلى جامعة بنغازي الليبية عقب إعادة إعمارها

حفتر خلال افتتاح جامعة بنغازي (إعلام الجيش الوطني الليبي)
حفتر خلال افتتاح جامعة بنغازي (إعلام الجيش الوطني الليبي)

طوت جامعة بنغازي في شرق ليبيا صفحة آثار سنوات الحرب، التي امتدت إلى حرمها الجامعي، وأعادت فتح أبوابها بعد استكمال المرحلة النهائية من مشروع إعادة إعمارها وتأهيل مرافقها.

هذه الخطوة رآها مراقبون إعادة إلى واحد من أقدم الصروح التعليمية في البلاد دوره الأكاديمي، بعد أضرار لحقت به خلال المعارك، التي شهدتها المدينة بين «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، وتنظيم «داعش»، ومجموعات متطرفة بين عامَي 2014 و2016.

ومع استكمال أعمال إعادة التأهيل، افتتح حفتر في وقت متأخر، الجمعة، المرحلة النهائية من مشروع إعادة إعمار الجامعة، في احتفال حضره رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، إلى جانب مسؤولين وأكاديميين.

واستعادت كلمات المشاركين في الاحتفال جانباً من ذاكرة الحرب، التي وصلت إلى الجامعة، حيث أشار حفتر إلى أن توقفها لسنوات طويلة ترك جرحاً في ذاكرة المدينة، بينما ربط ما شهدته بنغازي خلال تلك المرحلة بالمعارك، التي خاضتها قواته ضد الجماعات المسلحة.

حفل افتتاح جامعة بنغازي في شرق ليبيا بعد إعادة الإعمار مساء الجمعة (إعلام الجيش الوطني الليبي)

من جهته، حرص عقيلة صالح على التذكير بالأضرار التي لحقت بالمنشآت التعليمية خلال النزاع، مؤكداً أن المنشآت التعليمية تُعدُّ من الأعيان المدنية المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا يجوز استهدافها أو استخدامها لأغراض عسكرية في أثناء النزاعات المسلحة.

وأسهب صالح في الحديث عمّا تعرَّضت له الجامعة خلال سنوات القتال من قذائف وألغام وأعمال تخريب، طالت قاعاتها ومكتباتها ومكاتبها ومرافقها وحدائقها، في حين وصف رئيس «صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا»، بلقاسم حفتر، عودة الجامعة بأنها بداية جديدة بعد سنوات من الأضرار التي خلفتها الحرب.

ولا ينسى أكاديميون وطلاب آثار الحرب التي بدأت تطال جامعة بنغازي في منطقة قاريونس منذ مايو (أيار) 2014، مع تصاعد المواجهات المسلحة في المدينة بين قوات الجيش الوطني والجماعات المتطرفة. وفي يونيو (حزيران) من العام نفسه، أصابت صواريخ أُطلقت خلال القتال عدداً من مباني الجامعة، وألحقت أضراراً بفصول ومعامل ومرافق تدريبية.

وتصاعدت المواجهات حول الحرم الجامعي في أكتوبر (تشرين الأول) 2014، مع استمرار القتال بين قوات حفتر ومقاتلي «مجلس شورى ثوار بنغازي» و«داعش»، وتشكيلات مسلحة أخرى. ومع امتداد المعارك، تعرَّضت أجزاء من الجامعة لأضرار إضافية، بينما استُخدمت بعض مرافقها خلال العمليات العسكرية.

وفي عام 2015، اتسعت رقعة الأضرار التي لحقت بالحرم الجامعي، قبل أن تعلن القوات التابعة لحفتر في 17 أبريل (نيسان) 2016 السيطرة على الجامعة، بعد معارك مع «داعش» وتشكيلات مسلحة أخرى. وأعقبت ذلك عمليات لإزالة الألغام وتأمين المباني، تمهيداً لاستئناف النشاط الجامعي.

ويرى المحلل السياسي الليبي، عمر بوسعيدة، أن استحضار تجربة الحرب في لحظة احتفال الجامعة بإعادة تأهيلها «لا يعني بالضرورة التوقف عند الماضي»، عادّاً أنه «يمكن أن يُشكِّل جزءاً من ذاكرة المدينة وتجربتها مع العنف المسلح، خصوصاً أن انتهاء المعارك لا يعني بالضرورة زوال آثارها الاجتماعية والسياسية».

ويقول بوسعيدة لـ«الشرق الأوسط» إن تذكّر تلك المرحلة يمكن أن يسهم في تعزيز الوعي بمخاطر عودة الجماعات المتطرفة، عادّاً أن المجتمعات التي مرت بتجارب عنيفة تحتاج إلى الاحتفاظ بذاكرتها، مع تحويلها من تجربة مؤلمة إلى درس يساعد على تجنب تكرارها.

وقبل نحو 3 أعوام، انطلق مشروع إعادة إعمار بنغازي، وشمل جامعة بنغازي بوصفها أحد المرافق الرئيسية في المدينة. وتضمنت أعمال المشروع إعادة تأهيل مرافق أكاديمية وحيوية وتاريخية، إلى جانب تطوير أجزاء من الحرم الجامعي.

وشملت أعمال التأهيل تنفيذ الطرق الداخلية، وتطوير المباني الأكاديمية والقاعات الدراسية، إلى جانب أعمال التجهيز والتأثيث، ورفع جاهزية عدد من مرافق الحرم الجامعي، بما يسمح باستعادة النشاط الأكاديمي في بيئة أكثر ملاءمة.

جامعة بنغازي في شرق ليبيا بعد إعادة الإعمار (إعلام الجيش الوطني الليبي)

وتحظى جامعة بنغازي بمكانة بارزة في تاريخ التعليم العالي الليبي، إذ تعود نشأتها إلى 15 ديسمبر (كانون الأول) 1955، عندما صدر قانون إنشاء «الجامعة الليبية» في بنغازي. وافتُتحت الجامعة رسمياً في 22 يناير (كانون الثاني) 1956، وبدأت الدراسة في اليوم التالي بكلية الآداب والتربية، التي استقبلت 31 طالباً، بحسب الموقع الرسمي للجامعة.

وفي أغسطس (آب) 1973، تغيَّر اسم الجامعة إلى «جامعة بنغازي»، ثم انتقلت في عام 1974 من مقرها القديم داخل المدينة إلى مقرها الحالي في منطقة قاريونس. وفي عام 1976 تغيَّر اسمها إلى «جامعة قاريونس»، قبل أن يعود اسم «جامعة بنغازي» إليها في 17 فبراير (شباط) 2011، بالتزامن مع إعادة ضم الكليات الطبية إليها.

وبعودة الدراسة إلى مبانيها التي أُعيد تأهيلها، تستعيد جامعة بنغازي جزءاً من دورها الذي امتد لأكثر من 7 عقود، بينما تبقى آثار الحرب جزءاً من تاريخ المكان وذاكرة المدينة.