عمرو موسى: مبارك كان وطنياً جداً وليس بالسوء الذي صُوّر به

قال لـ«الشرق الأوسط» إن الرئيس المصري الراحل لم يحلم بالزعامة العربية (2 من 4)

TT

عمرو موسى: مبارك كان وطنياً جداً وليس بالسوء الذي صُوّر به

حديث بين حسني مبارك وعمرو موسى خلال قمة للدول النامية في القاهرة عام 2000 (أ.ف.ب)
حديث بين حسني مبارك وعمرو موسى خلال قمة للدول النامية في القاهرة عام 2000 (أ.ف.ب)

استوقف أداء الضابط حسني مبارك الرئيس جمال عبد الناصر وبعده الرئيس أنور السادات. انفتحت أمامه أبواب الصعود. لكن شروط التميز في المؤسسة العسكرية تختلف عنها في قصر الرئاسة، خصوصاً إذا طالت الإقامة فيه، وأطلق العمر سهامه على قدرات سيد القصر.

عاين المصريون مشهداً غير مسبوق. السيد الرئيس صانع المصائر يَمثُل متعباً ومريضاً أمام القضاة، وبات «قصره» وراء القضبان. كان باستطاعة مبارك النجاة من هذه المشاهد لكنه رفض دخول التاريخ هارباً إلى المنفى وحسم الأمر: «وُلدتُ على أرض مصر وعليها سأموت». ربما كان يعتقد أن من زيّن أكتافهم بالنجوم وصدورهم بالأوسمة سيبعدون كأس المَشاهد المؤلمة عن شفتيه لكنَّ ذلك لم يحدث. كان هدير الشارع واسعاً وعنيفاً، وكان الحل عدم اعتراض الموجة بل الالتفاف عليها.

لم يراود حلم الزعامة العربية مبارك وكان يرى أن «كل ده عك»، لافتاً إلى أنه ليس السادات أو عبد الناصر. وهو كان يقدِّر الأول ويحب الثاني. غياب حلم الزعامة لدى مبارك أثلج صدر معمر القذافي الذي رأى نفسه وريث عبد الناصر في الزعامة. والحقيقة أن مبارك كان «مكبَّر دماغه»، كما يقول عمرو موسى وزير الخارجية المصري السابق والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية.

أنور السادات وحسني مبارك على متن مروحية رئاسية عام 1977 (غيتي)

يرى موسى في الحلقة الثانية من مقابلته مع «الشرق الأوسط» أن السنوات العشر الأولى من القرن الحالي كانت كارثية في مصر. تقدَّم مبارك في السن، وفقد الاهتمام اليومي بإدارة البلاد، وبدأ الابتعاد عن اتخاذ أي قرارات تحتاج إلى جهد ومتابعة ومبادرات. ثم جاء موضوع التوريث الذي لم يكن موضع ترحيب من مسؤولين بارزين وإن ترددوا في المجاهرة بموقفهم.

سألت عمرو موسى عن علاقة مبارك بالسادات وعبد الناصر، فأجاب: «كان مبارك مؤمناً بأن ما قام به أنور السادات شيء سليم. وكان يحب جمال عبد الناصر جداً. عبد الناصر، ليس من اصطفاه، إنما كانت عينه عليه، وأنور السادات أيضاً كانت عينه عليه، ربما بالتفاهم بينهما. كانا يتكلمان عن الضباط، وكان لحسني مبارك نوع من التقدير، سواء عبد الناصر أو السادات. من المؤكد كان يحب عبد الناصر، وإنما كان يقدِّر أنور السادات».

مبارك وملف التوريث

هل كانت نهاية مبارك مؤلمة؟ وهل ظُلم؟ يجيب موسى: «نعم، طبعاً. لم يكن بالسوء الذي صُوّر للناس. هذا الرجل كان وطنياً جداً، ويعرف ماذا يفعل. لم يكن ساذجاً أبداً. ربما موضوع التوريث، وهذه كلمة سخيفة. موضوع احتمال أن يكون ابنه وريثه لم يكن مقبولاً من أحد. ليس هناك سبب يجعل أي أحد يقبل بمثل هذا. إخراج هذا الموضوع كان إخراجاً سيئاً جداً.

الغريب أن حسني مبارك لم يكن من أنصار هذا. لم يكن يريد أن يعرض ابنه لحكم مصر. وحكم مصر ليس مسألة بسيطة. هذه بلاد كبيرة جداً، ومعقدة جداً، والرئاسة تقتضي خبرة كبيرة جداً، وسلطة يستطيع بها أن يفرض رأيه وقيادته. هذه السلطة تعني أن الكل يؤدي لك سلاماً بمن فيهم الجيش، والمدنيون، والقضاة... المسألة ليست بسيطة. لم يكن هذا ممكناً أن يُفرَض على مصر.

مبارك في قاعة محكمة عام 2018 وخلفه نجله جمال (غيتي)

تسألني عن موقف عمر سليمان؟ لم يكن مؤيداً كثيراً. كان ضابطاً وأدّى سلاماً. لم تكن هناك تعليمات بالتوريث، كانت هناك حركة تؤيد التوريث. كلهم مجموعات من الشباب ومجموعات من بعض رجال الأعمال وغيره، وهو لم يكن منهم. إنما لم يعترض. لم يعترض. لا أظن أن أحداً من الحلقة الضيقة اعترض. أفضِّل ألا أجزم لأنني لم أكن من الحلقة الضيقة».

صانع سياسات أم منفذ؟

أوحى موسى أحياناً بأنه صانع سياسات وليس منفِّذ سياسات، فهل كانت جاذبيته سبب الحذر منه؟ قال: «أولاً، وزير الخارجية يجب أن يكون أحد صناع السياسات. في الظروف التي نحن فيها هناك المخابرات تعمل، وهناك مجلس الأمن القومي يعمل، ووزير الخارجية، وهو رئيس المؤسسة التي تتعامل مع السياسة الخارجية، له دور. وإذا كان مجرد منفذ فلن يكون له دور لا في تاريخ الدبلوماسية ولا في السياسة، ولا حتى الوزن المفروض أن يكون لدى وزير الخارجية في أن يبادر ويفكر ويتصرف بسرعة وليس محتاجاً في مواجهة أزمة صغيرة طرأت إلى أن يتصل بالتليفون ويسأل: ماذا أفعل؟ يجب أن يفعل.

حديث بين حسني مبارك وعمرو موسى خلال قمة للدول النامية في القاهرة عام 2000 (أ.ف.ب)

هذا كان في اعتقادي، إنما لا أستطيع أن أقول إنني كنت من صناع السياسة المصرية. إنما مؤكَّد أنا أسهمت في كثير من الخطوات السياسية والتفكير السياسي. ما الأولويات مثلاً؟ أولوية جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من السلاح النووي. هذا كان عمل الدبلوماسية المصرية التي كنت رئيسها، وكنت مصرّاً على هذا الأمر. ربما لم يكن هذا مقبولاً جداً من الرئيس، وانتهى الأمر إلى رأيه».

قصة الوساطة بين سوريا وتركيا

«موضوع، مثلاً، العلاقة السورية - التركية، هذا تحدثت فيه مع الرئيس شخصياً، وأذكر أنه كان مساءً، وكنت أذهب إلى مكتبي مساءً ساعتين أو ثلاثاً، وعندما كلَّمته قلت له إن هذا الوضع كبير وخطير، ولدينا فرصة أن نتدخل، لأن علاقتنا بالأتراك جيدة، وعلاقتنا بالسوريين جيدة، مَن غيرنا يمكنه أن يقوم بذلك؟ فجلس يفكر. قلت له: أنا مستعد أن أذهب غداً إلى الأتراك وأتكلم معهم وأرى ماذا يمكن أن نفعل بتدخل سيادتك شخصياً. فوافق، وذهبت فعلاً إلى تركيا ورتَّبت موعداً لزيارة الرئيس في اليوم التالي، وذهب والتقى الرئيس سليمان ديميريل وقال له: نعم يجب أن نعمل معاً، والأتراك مستعدون لمساندة مصر في وساطتها. وقرر الاثنان إرسالي في أثناء وجودنا في تركيا للقاء الرئيس الأسد.

لم أذهب وحدي. بعد قليل قال الرئيس سأذهب أنا وعمرو. ذهبنا معاً إلى مطار دمشق ووجدنا في استقبالنا الرئيس الأسد وعبد الحليم خدام وفاروق الشرع، ودخلنا إلى قاعة في المطار. الرئيس مبارك ووزير خارجيته، والرئيس الأسد ووزير خارجيته، ولم يُسمح لعبد الحليم خدام نائب الرئيس بالدخول. لم يكن موجوداً رغم مشاركته في الاستقبال. وقيل لي إنه غادر بسرعة غاضباً. تكلمنا في هذا الموضوع الذي جئنا من أجله ووجدنا أذناً صاغية، وأيضاً مقدِّرة.

كان الأتراك قد هدَّدوا بالتدخل عسكرياً في سوريا. هدَّدوا بذلك. هل (اتخذوا) القرار أم لا؟ لا أعرف. إنما نحن أسرعنا، كمصر، لنلحق الموضوع ونعطِّل هذا القرار، وكي لا ينتقل الكلام إلى فعل. فوّضت تركيا الرئيس مبارك وأنا للتحدث مع السوريين، وتقبَّل السوريون هذا وخلال أسبوع بدأت المفاوضات السورية - التركية.

حافظ الأسد وعمرو موسى خلال زيارة للأخير إلى دمشق عام 2000 (أ.ف.ب)

أحد الشروط التي وضعتها تركيا كانت خروج عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، من سوريا. نحن ذكرنا ذلك. قال (الرئيس مبارك) إن أوجلان يفعل كذا... وهو مقيم في سوريا وعنوانه كذا. هذا ما قاله ديميريل، وكرره الرئيس مبارك للأسد في الجلسة الرباعية. كان لدى الرئيس مبارك حس ساخر، فقال: إحنا عارفين عنوانه... وبدأ التفاوض، وانتهت صفحة من صفحات التوتر السوري - التركي في ذلك الوقت».

نصيحة للأسد بالانسحاب من لبنان

سألت عمرو موسى عمَّا إذا كان مبارك قد نصح بشار الأسد بالانسحاب من لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، فقال: «لست أدري، أنا كنت الأمين العام للجامعة العربية. أنا نصحت. أنا ذهبت أولاً. يومها كان المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الجامعة العربية سيجتمع في عدن باليمن، والأمين العام سيلحق (بهم). في هذا اليوم بالذات، كان اجتماع اللجنة التحضيرية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي. أنا اتخذت قراراً أن نجتمع في مدن عربية بما فيها الفاشر في السودان، أخذت مجلس الجامعة كله إلى هناك من أجل أن يشعر الناس بأن الجامعة لهم ومعهم. نحن أنتم، وأنتم نحن.

صباح ذلك اليوم، كان 14 فبراير (شباط) 2005، كنت أشاهد التلفزيون وسمعت أن هناك انفجاراً حصل لموكب رفيق الحريري. اتصلت بالرئيس علي عبد الله صالح وقلت له إنني لن أستطيع المجيء، فقال: لماذا؟ قلت له: حصل كذا وكذا. قال: الجنازة ستكون غداً. قلت له: يستحيل. هذا حدث ضخم جداً يا سيادة الرئيس، أنا أستأذنك، ولن أحضر. فقال لي: هل أذهب وألقي كلمة والأمين العام غير موجود؟ قلت له: الجامعة كلها موجودة، ونحن أمام حدث كبير جداً، أنا ذاهب الآن إلى لبنان.

ذهبت إلى بيروت، وأول شخص قابلته هناك كان وزير خارجية اليمن. ذهبت وتقبلت العزاء مع العائلة وبقيت يوماً واثنين. يوم الجنازة، كان الحديث عن الجيش السوري، وهذا ما كان ليحدث لولا (وجوده). قررت أن ألتقي الرئيس الأسد. طلبت من أحد مساعديَّ أن يطلب دمشق ويقول لهم إن الأمين العام يريد أن يزور الرئيس بأسرع ما يمكن. وقد كان. انتهت الجنازة، واستمررنا في استقبال المعزين وأذكر أنني التقيت وفداً عسكرياً أردنياً كأحد الذين يتلقون العزاء أيضاً. وجاء الرد من سوريا بأن آتي غداً الساعة كذا. الساعة كذا يعني خلال النهار، كي أتمكن من اللحاق بالطائرة المصرية التي تغادر مساءً من بيروت.

بشار الأسد مستقبلاً عمرو موسى في دمشق عام 2003 (أ.ف.ب)

ذهبت إلى دمشق. قلت: صباح الخير سيادة الرئيس، أنا آتٍ من لبنان، وهناك حديث عن مسؤولية الجيش السوري، ولا بد من سحب الجيش السوري، وإلخ. وأنا أنقل إليك هذا الكلام لأن مصلحتنا الآن أن نعالج الأمور بكل ما نستطيعه، وأنت الأساس يا سيادة الرئيس. فقال لي: انظر يا أخ عمرو، أنا أريدك أن تعرف أنني حينما توليت الحكم كان الجيش السوري في لبنان فوق الـ60 ألفاً، والآن 35 ألفاً. أنا سحبتهم، ومستعد أن أسحب الباقي لأنني لا أرى أن العلاقة السورية - اللبنانية تنبع من وجود الجيش السوري في لبنان وإنما من الاعتقاد المشترك بالمعيشة المشتركة، ولا يمكن لسوريا ولبنان العيش بمعزل، بعضهما عن بعض، وليست هناك حاجة للجيش السوري.

قلت له: أنت مستعد لسحب الجيش السوري؟ قال لي: نعم. قلت له: هل أستطيع أن أقول ذلك علناً للصحافة؟ قال لي: نعم. الذي كان موجوداً فاروق الشرع، لا أذكر إن كان عبد الحليم خدام موجوداً أم لا، لكن فاروق الشرع كان موجوداً مؤكداً. خرجنا وعدت إلى بيروت واستقللت الطائرة ورجعت إلى مصر. وعندما صعدت إلى السيارة في المطار، قلت للسائق أن يفتح «بي بي سي» وكانت (أخبارها) على (رأس) الساعة. فجأة أسمع خبراً يقول إن المتحدث الرسمي باسم الحكومة السورية كذَّب ما ذكره الأمين العام للجامعة العربية من أن الرئيس بشار الأسد قال إن سوريا على استعداد للانسحاب.

أنا جُننت. كيف ذلك؟ اتصلت بفاروق الشرع ونحن في السيارة، وقلت له: هذا الكلام لم يحصل يا فاروق، يا أبا مضر هذا لم يحصل، الذي حصل وأمامك أن الرئيس قال: نعم سوف أسحب القوات، وأعطاني حرية التصريح بذلك، ومن ثم أنا صرحت لأن الرئيس عندما سألته قال لي: نعم تستطيع أن تقول ذلك. قال لي: ماذا تريدنا أن نفعل؟ قلت له: أولاً تقول للرئيس هذا الكلام، لأنني بعد هذا التكذيب سأضطر إلى أن أرد، وسندخل في كلام خاص برفيق الحريري، وإلخ. نحن في غنى عن ذلك، أنا أريد أن يسحب هذا التكذيب. اتصل بالرئيس بشار الذي أعطى تعليمات لوزير الإعلام بأن يقول لي: أنت ماذا تريدنا أن نقول؟ لأن الرئيس قال: نعم أنا أعطيته ذلك، وهذا التكذيب ليس صحيحاً... وانتهى الأمر بسحب التكذيب وإعادة إذاعة تصريحي».

ثقل الحريري وراء اغتياله

سألته إن كان يعتقد اليوم أن الحريري اُغتيل على خط التماس الإقليمي فأجاب: «خط التماس الإقليمي كلمة عامة جداً، إنما هو اُغتيل لأنه كان أكبر من لبنان. كان شخصية عربية كبرى. يستطيع أن يلتقي رئيس الولايات المتحدة في أي وقت، ورئيس فرنسا في أي وقت وربما غيرهما. كان صاحب حيثية دولية وإقليمية وعربية وإسلامية ولبنانية. اجتمعت كلها في رفيق.

هم استكثروا على لبنان أن يكون لديه مثل هذا الزعيم، الذي يضيف إليه ثقلاً كبيراً جداً في الموازين الإقليمية.

ربما أيضاً، ربما، أن يكون في بدايات النزاع الشيعي - السني، وهو أمر مؤسف جداً، لأن رفيق كان سيمنع مثل هذا (النزاع) أو يعطي للسُّنة قوة كبرى في مثل هذا التنافس. أنا أقول ذلك لأننا هنا في مصر لسنا من أنصار الصراع السني - الشيعي. تعرف في التاريخ، إمبراطور إيران تزوج من أخت ملك مصر، والذي عقد القران شيخ الأزهر. ليست لدينا هذه التفرقة وهذه المشاعر حتى اللحظة. ليست لدينا. ربما يكون هذا أيضاً من ضمن ترتيبات هذا الصراع. الله أعلم. لو أردنا أن نحلل فإننا نستطيع أن نحلله بالطريقة التي نتحدث بها وأن نصل إلى قرار معين. إنه نعم كانت هناك قوى معينة تستفيد من اختفاء رفيق الحريري، ومن السهل أن تعدِّد هذه القوى. إنما الأمر ذهب ونحن لسنا مؤرخين».

عمرو موسى مع رفيق الحريري خلال زيارة الأخير للقاهرة عام 2004 (أ.ف.ب)

وهل اشتكى رفيق الحريري لك يوماً من تعامل سوريا معه؟ قال: «نعم، طبعاً. وذكر لي أن الضباط على الحدود يتعاملون معه تعاملاً غير لطيف، تعاملاً فظاً. اشتكى من هذا أو ذكر لي هذا.

لا أظن أن علاقته بالحكم في دمشق كانت جيدة، لكن هذا لا يعني ولا أقصد به اتهام سوريا بالضلوع في اغتياله، لأن هناك قوى أخرى تتنافى مع الحذر السوري المعروف في مثل هذه الأمور. فهم أكثر حذراً وذكاءً من أن يكونوا وراء العملية، خصوصاً أن هناك قوى أخرى لها مصلحة وتستطيع أن تقوم بهذه العملية».

سألت عمرو موسى إن كان العمل السياسي يؤدي إلى نوع من الإدمان، فقال: «نعم، طبعاً. أنت تسميه إدماناً، إنما أنا أسميه حياة. المرء، وليس نحن فقط في المجال السياسي أو الإعلامي، فالطبيب يعي حياته كطبيب، في الصباح وفي المساء، في عيادته وفي بيته. المهندس يفكر طوال الوقت. نحن كذلك. سمِّه إدماناً، ولكن أنا أسميه شيئاً طبيعياً جداً أن يعيش الإنسان مهنته من البداية إلى النهاية».

القادة وأعباء السياسة

قلت له إنني سمعت من الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح أنه لن يترشح في الانتخابات الرئاسية وإنه مشتاق لملاعبة أحفاده. سمعت الكلام نفسه من الرئيس عمر البشير، لكن كل منهما بقي في السلطة حتى واجه مصيره. هل صعب على المرء أن يخرج من الأضواء؟ أجاب: «أحياناً الخروج من الأضواء يُشعرك بالراحة، لأنك أمام الأضواء تصبح مسؤولاً عن كل شيء تقوله أو كل حركة تقوم بها. يجب أن ترتاح من هذا. هذا الشعور عند الكل، عند الجميع.

فيما يتعلق بالرئيس صالح، الله يرحمه، وكان شخصية ظريفة للغاية، قال لي هذا الكلام، وقال: يعني الواحد تعب. فقلت له: تعبت من ماذا يا سيادة الرئيس؟ فقال لي: تعبت من ماذا؟ طوال الوقت المرء يبدأ بمعالجة مشكلة سياسية، ومشكلة بين اثنين أو ثلاثة في عائلتك، ومشكلة بين ثلاثة أو أربعة من المرافقين لك، ومشكلة مع جيرانك، ومشكلة... راح يشرح. فقلت له: هذا أمر يجعل الذهن يقدح وينشط، وغير ذلك فإننا نُصاب بكسل وخمول... واستمررنا في هذا الكلام لأنه كان ظريفاً جداً، وحينها كانت إريتريا قد احتلت جزيرة يمنية، وكنت حينها الأمين العام، ذهبت إليه لأناقشه ونرى كيف نساعده. حكاية أحفاده، كان يلاعبهم وهو رئيس. والرئيس أحياناً يشعر بفراغ في لحظة ما. يقال في الإنجليزية: وحيد في القمة.

كان الرئيس مبارك، الله يرحمه، يسألني عندما نكون في لندن أو باريس: ماذا ستفعل اليوم؟ فأقول له: سأذهب لتناول العشاء في مطعم، وهو جميل جداً أحب أن أذهب إليه، والله يا سيادة الرئيس لو فكرت تتعشى في الخارج، فهو أمر جميل جداً، تفضل. فيقول لي: أنت تعرف من أجل أن تتفضل سيكون معي على الأقل 50 شخصاً يتفضلوا، الحرس والسائقون ورجال المباحث والمخابرات... لا، لا، أنا لا أقدر... تذكَّرني عندما تكون هناك.

حسني مبارك وعمرو موسى خلال لقاء تمهيدي للقمة العربية في 2008 (أ.ف.ب)

في واشنطن مثلاً، وكانت نهاية أسبوع، إذ كان دائماً يسافر السبت ويستريح الأحد ثم يعمل الاثنين، أنا كوزير خارجية كنت أذهب الخميس أو الجمعة من أجل ترتيب الاجتماعات. قال لي: ماذا ستفعل غداً؟ فقلت له: سأذهب للتسوق، أنا أحب التسوق في أميركا جداً. فقال: إلى أين ستذهب؟ فقلت له: توجد هنا أشيك محلات الدنيا يا سيادة الرئيس، وهو كان يحب الشياكة جداً. قال: حسناً. غادرت وما كدت أصل إلى الفندق، وهو كان في بيت الضيافة، حتى تلقيت اتصالاً من سكرتيره وقال لي إن الرئيس سيخرج غداً للتسوق، أنت وهو. وفعلاً ذهبنا معاً للتسوق، والحرس لم يصحبوه، وإنما كانوا على أبعاد مختلفة. دخلناً محلاً، وطلبت من البائع أن يقفل الباب، فدُهش قليلاً، فقلت له: هل تعرف مَن هذا؟ هذا فلان، والحرس في الخارج. نحن نحتاج على الأقل إلى نصف ساعة. وكان مرتاحاً جداً، خلع الحذاء وخلع السترة وراح يلف على ربطة العنق هذه وهذا القميص... كان في منتهى السعادة لفترة قاربت على الساعة. نسي (مَن يكون)... ما رأيك بهذا القميص؟ وهذا يُظهر لك إلى أي حد يكون فيه الرؤساء في وضع يبعث على الملل، ليس مللاً من السلطة، إنما في الحياة نفسها. ولذلك، السلوى الكبيرة للرئيس مبارك، الله يرحمه، كان حفيده. سلوى كبيرة جداً تشغله عن، أو على الأقل تفتح له أبواباً من الحنان غير موجودة في أسلوب الحكم أو بناء الحكم.

أنور السادات وحسني مبارك في زيارة لمدينة الإسماعيلية عام 1977 (غيتي)

الرئيس أنور السادات كان يحب مشاهدة فيلم أميركي كل يوم، كما يقال وكُتب ونُشر، وأكثر الأفلام الأميركية التي كانت تريحه أفلام رعاة البقر الذي يجري بعضهم وراء بعض. ليس هناك موضوع، إنما أناس يجري بعضهم وراء بعض ويطلقون رصاصاً... فكان يتسلى جداً بهذا الأمر، في اليوم يُمضي ساعة أو اثنتين. ربما لم يكن منتبهاً إليها (الأفلام) كثيراً إنما (كان) يفكر، وهكذا... وهناك رؤساء يقرأون كثيراً، ورؤساء يتجولون كثيراً، وهكذا».

مبارك أحب الأناقة والمزاح

وهل كان مبارك يهتم بأناقته الشخصية؟ أجاب: «نعم. هذه مسألة يبدو أن فيها إحساساً أو جينات معينة يولَد المرء بها. كان يعرف ماذا يلبس مع ماذا، وكان يقدِّر الأناقة جداً، وهو كانت عنده نظرة في الناس، وغالباً ما كان على حق في هذا. لو رأى شخصاً مبهدلاً (غير منتظم في ملابسه) يظن أو يعتقد فوراً أن هذا الرجل ربما يكون أيضاً غير منتظم في فكره، وكثيراً ما كان يوفَّق في هذا، ليس على أساس الأناقة إنما في الترتيب. ويسأل أسئلة بسيطة والإجابات عنها يأخذها في اعتباره أيضاً: نبيه. إجابة طريفة. إجابة ذكية. إجابة سخيفة... من هذا النوع.

كان مصرياً تماماً، أي يحب القفشات والسخرية ويسمع النكتة ويضحك بنشاط كبير جداً وبصوت مرتفع عندما تُذكَر له، ومعه مجموعة من الظرفاء، ثم فجأة يعود الرئيس. كان يستيقظ باكراً ويجلس في كشك لطيف في الحديقة ويقرأ الجرائد وما يرسَل إليه من الأجهزة من أخبار وأنباء ويأخذ وقته، وبعدما ينتهي يكون في الصورة بالنسبة إلى أمور كثيرة جداً. هذا لم يُنشَر كثيراً عن حسني مبارك الشخص، إنما له أمور تختص به هو نفسه منها الأناقة».

مَن كان يحب مِنَ الزعماء العرب؟ قال: «ملوك السعودية. كان على علاقة طيبة جداً بالأسرة السعودية، وبكثير من أمراء وشيوخ الخليج. كان على علاقة طيبة بحافظ الأسد، وعلى علاقة طيبة بالقذافي. درجة العلاقة الطيبة مختلفة هنا وهناك، إنما كان قادراً على أن يتعامل مع الكل: أهل المغرب وشمال أفريقيا. أهل الخليج. أهل الهلال الخصيب. وهنا فوارق ما بين هؤلاء وأولئك، احتفظ بعلاقات جيدة جداً معهم، مما سهَّل عليه الحكم وسهَّل عليه أن يقود مصر واحتياجاتها وظروفها وسط هذه الأنواء».

حسني مبارك في خيمة معمر القذافي عام 1992 (غيتي)

وعن نقاط ضعف حسني مبارك، قال: «نقطة الضعف ليست فيه هو شخصياً. كلنا فينا نقاط ضعف، وليس من المنصوح به أن أتحدث عن نقاط الضعف بالنسبة إلى رئيس انتقل إلى رحمة الله، إنما نقطة الضعف كانت نقطة الضعف المصرية، وهي أننا أخطأنا كثيراً في عدم بناء مصر الاقتصادية مع هذه الثروة الهائلة في مصر؛ مساحةً، وجواً، وبحاراً تحيط بها من كل جانب، ونهراً يسري فيها بنشاط كبير من الجنوب إلى الشمال، وصحراء مليئة بالثروات، وأناساً متعلمين كثيرين جداً، قادرين على الإنتاج وعلى الأداء الطيب. كل هذا لم يوضع في بوتقة واحدة لتُنتج منتجاً جيداً متميزاً يقدَّر على المستوى الإقليمي والعالمي. نحن أخطأنا في هذا، من دون أي كلام. وهو ما أسميه بالحكم الرشيد. وأرى أننا أخطأنا في غياب الحكم الرشيد لسنوات طويلة تربو على 70 سنة».


مقالات ذات صلة

عمرو موسى: عرفات كان «عفريتاً» وهاجسه الفرار من الوصايات

خاص عرفات مستقبلاً عمرو موسى عام 1993 (أ.ف.ب) p-circle 03:53

عمرو موسى: عرفات كان «عفريتاً» وهاجسه الفرار من الوصايات

في الحلقة الأخيرة من مقابلته مع «الشرق الأوسط»، يشارك عمرو موسى لمحات عن قادة ووزراء عرب عمل معهم.

غسان شربل (القاهرة)
خاص جانب من الصورة التذكارية لآخر قمة جمعت عمرو موسى بمعمر القذافي في سرت الليبية عام 2010 (أ.ف.ب) p-circle 08:37

خاص عمرو موسى: عاملني القذافي في البداية بوصفي جاسوساً أميركياً ثم تغيرت الأمور

عمرو موسى يروي في الحلقة الثالثة من مقابلته مع «الشرق الأوسط» قصة لقاء أخير مع صدام حسين، وكيف كان القذافي صعباً ومتقلباً.

غسان شربل (القاهرة)
خاص عبد الناصر في حديقة منزله عام 1968 (غيتي) p-circle 02:28

خاص عمرو موسى: في 5 يونيو 1967 توقفت عن الإيمان بعبد الناصر

عمرو موسى يروي لـ«الشرق الأوسط» شهادته على التحولات العربية، من هزيمة 1967 إلى السلام مع إسرائيل. قلق على مستقبل مصر ويشدد على ضرورة «الحكم الرشيد».

غسان شربل (القاهرة)

الحكومة المصرية تستعد لسيناريوهات مختلفة في «حرب إيران»

رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مجلس الوزراء الخميس (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مجلس الوزراء الخميس (مجلس الوزراء)
TT

الحكومة المصرية تستعد لسيناريوهات مختلفة في «حرب إيران»

رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مجلس الوزراء الخميس (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مجلس الوزراء الخميس (مجلس الوزراء)

وسط تحديات في المنطقة بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، أكدت الحكومة المصرية استعدادها لمختلف السيناريوهات المتوقعة، خاصة في ظل «استمرار الضغوط على أسواق الطاقة والتدفقات المالية».

وأشار رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الخميس، إلى أن الإجراءات التي اتخذتها حكومته منذ اندلاع الحرب «أسهمت بشكل واضح في الحفاظ على استقرار الاقتصاد الوطني».

ودلّل على ذلك بقوله إن بعض التقديرات الدولية «تحدثت في بداية الأزمة أن مصر ستكون ضمن أكثر الدول تأثراً؛ إلا أن التقييمات الأحدث تعكس تحسناً نسبياً في وضع الاقتصاد المصري، ليصنف ضمن الدول متوسطة التأثر، وهو ما يرتبط بسرعة الاستجابة واتخاذ قرارات حاسمة في توقيت مناسب».

وقررت الحكومة إجراءات استثنائية لمدة شهر بداية من 28 مارس (آذار) الماضي بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها «تخفيض الإضاءة على مختلف الطرق، وفي مقار المصالح الحكومية»، والعمل عن بُعد يوم الأحد أسبوعياً، وترشيد نفقات السفر خارج البلاد إلا للضرورة القصوى، والإغلاق المبكر للمحال التجارية والمقاهي في التاسعة مساءً، قبل تمديده ساعتين للحادية عشرة.

وتحدث مدبولي خلال اجتماع «مجلس الوزراء»، الخميس، عن المشهد السياسي الراهن في المنطقة، واصفاً المرحلة الحالية بأنها «تتسم بقدر كبير من عدم اليقين».

وقال: «لا تزال مسارات التصعيد والتهدئة قائمة في آنٍ واحد، بما يجعل من الصعب الجزم باتجاه التطورات خلال الفترة المقبلة».

وأضاف أن حكومته تتعامل مع هذه المرحلة الحالية باعتبارها «مرحلة انتقالية غير مستقرة». وتابع بقوله: «إذا نظرنا فقط لما شهده الأسبوع الماضي، سنجد أن هناك تذبذباً واضحاً في معنويات الأسواق التي انتقلت من حالة تشاؤم شديد إلى تفاؤل سريع، ثم عادت إلى الترقب، وهو ما يؤكد أن المشهد لا يزال في حالة عدم استقرار».

مصريون وأجانب أمام مطعم مغلق في وسط القاهرة الشهر الحالي (أ.ف.ب)

وكان وزير الكهرباء والطاقة المتجددة المصري، محمود عصمت، قد ذكر قبل أيام أن تطبيق الإجراءات الحكومية المتعلقة بمواعيد إغلاق المحال التجارية والإنارة في المباني الحكومية وإعلانات الطرق وغيرها، قد «حقق وفراً خلال الأسبوع الأول في استهلاك الكهرباء بلغ 18 ألف ميغاواط في الساعة، ووفراً في الوقود بلغ 3.5 مليون متر مكعب»، مضيفاً أن الوفر الذي تحقق في يوم العمل عن بُعد «بلغ 4700 ميغاواط في الساعة للكهرباء، و980 ألف متر مكعب للوقود».

التعامل مع الصدمات

أشار رئيس الوزراء المصري، الخميس، إلى ما أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في الآونة الأخيرة، أن «مصر تُعد نموذجاً في اتخاذ الإجراءات السليمة وقت الأزمات»، وقال إن الاقتصاد المصري أصبح في وضع أفضل يتيح له التعامل مع الصدمات، ويعزز من فرص دعم البرنامج التمويلي القائم.

وتحدث مدبولي أيضاً خلال اجتماع «مجلس الوزراء» عن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة «استمرار العمل على تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وتعزيز كفاءة الأسواق، مع ضرورة استخدام الدولة لكل آليات ضبط السوق لتفادي غلاء الأسعار أو المضاربات».

ويشكو مصريون من ارتفاعات متصاعدة في أسعار عديد من السلع. وأشار الأربعاء «مرصد الأسعار اليومي» بجمعية «مواطنون ضد الغلاء لحماية المستهلك»، وهي جمعية أهلية، إلى استمرار ارتفاع أسعار معظم السلع الأساسية. يأتي هذا في وقت واصل فيه الدولار الأميركي الانخفاض في مصر، مسجلاً نحو 51.8 جنيه بعدما حام حول 54 دولاراً لأيام.

مواطنون مصريون يشكون من استمرار تصاعد أسعار السلع والمحروقات (الشرق الأوسط)

وأصدر مدبولي، الخميس، قراراً بتشكيل واختصاصات «المجموعة الوزارية الاقتصادية»، التي تقرر أن «تجتمع بشكل دوري أسبوعياً وكلما دعت الحاجة إلى ذلك برئاسة رئيس الوزراء، ولها أن تدعو من تراه من ذوي الخبرة والمتخصصين للمشاركة في اجتماعاتها».

ووفق إفادة لـ«الهيئة العامة للرقابة المالية»، نص القرار على أن تُشكَّل المجموعة الوزارية الاقتصادية من نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ومحافظ البنك المركزي المصري، ووزراء المالية، والتموين والتجارة الداخلية، والاستثمار والتجارة الخارجية، والتخطيط والتنمية الاقتصادية، والصناعة، ورئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للرقابة المالية.

و«هيئة الرقابة المالية» هي الجهة المسؤولة عن تنظيم ومراقبة الأسواق والأنشطة المالية غير المصرفية في مصر، وقد أُنشئت لتحل محل ثلاث هيئات رقابية، هي الهيئة المصرية للرقابة على التأمين، والهيئة العامة لسوق المال، والهيئة العامة لشؤون التمويل العقاري، بالإضافة إلى الإشراف على أنشطة التأجير التمويلي والتخصيم.

«المجموعة الاقتصادية»

ويقول الخبير الاقتصادي المصري مصطفى بدرة إن «المجموعة الاقتصادية» تتابع أو تمارس السياسات الخاصة بالسياسة المالية والنقدية، ومطابقتها وفقاً للظروف العالمية وقدرتها على التوافق المجتمعي، مضيفاً: «مثلاً عندما يتخذ وزير المالية المصري بعض الإجراءات، سواء كانت سياسات جمركية أو مالية، وتُعرض على مجلس الوزراء من أجل التعرف على أثرها، يتم عرضها على (المجموعة الاقتصادية) لإبداء رأيها وتوصياتها».

الحكومة المصرية تؤكد الحفاظ على بقاء المخزون الاستراتيجي من السلع عند مستوياته الحالية الآمنة (وزارة التموين)

وارتفع معدل التضخم السنوي للحضر في مارس الماضي إلى 15.2 في المائة مقابل 13.4 في المائة في فبراير (شباط)، وفق ما أعلنه «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء».

وطبقت الحكومة المصرية الشهر الماضي زيادة في أسعار الوقود والغاز بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، تلتها زيادة في أسعار الكهرباء على الأنشطة التجارية والمنازل.

وكان مدبولي قد ترأس اجتماعاً لـ«المجموعة الوزارية الاقتصادية» بتشكيلها السابق في نهاية مارس الماضي، وقال حينها المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء محمد الحمصاني إن الاجتماع شهد «التأكيد على استمرار التنسيق بين الوزارات والجهات المعنية لضمان الحفاظ على استقرار الأسواق، وبقاء المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية عند مستوياته الحالية الآمنة».


«عقاقير مغشوشة» تهدد سوق الدواء المصرية

الأدوية المغشوشة تهدد سوق الدواء المصرية (هيئة الدواء المصرية)
الأدوية المغشوشة تهدد سوق الدواء المصرية (هيئة الدواء المصرية)
TT

«عقاقير مغشوشة» تهدد سوق الدواء المصرية

الأدوية المغشوشة تهدد سوق الدواء المصرية (هيئة الدواء المصرية)
الأدوية المغشوشة تهدد سوق الدواء المصرية (هيئة الدواء المصرية)

كثفّت هيئة الدواء المصرية إجراءاتها لضبط الأدوية المغشوشة خلال الأيام الماضية، وسط مخاوف من اتساع تداول العقاقير عبر منصات وجهات غير رسمية تلعب على وتر حاجة المواطنين لشراء أدوية زهيدة الثمن بعيداً عن الصيدليات، وذلك تزامناً مع مطالب بعض منتجي الدواء بزيادة الأسعار لمجاراة ارتفاع تكاليف الإنتاج.

وحذرت «هيئة الدواء» في بيان لها، الخميس، من مستحضرَين دوائيين؛ أحدهما قالت إنه «مغشوش»، والآخر «غير مطابق للمواصفات»، مع التشديد على وقف تداولهما وسحبهما من الأسواق. وقررت الهيئة وقف تداول وضبط وتحريز العبوات المخالفة، مع التأكيد على ضرورة الرجوع إليها في حال وجود أي شكوك أو استفسارات.

وقبل أيام، تمكنت فرق التفتيش الصيدلي التابعة للهيئة المصرية في سبع محافظات من ضبط مصنع ومخازن غير مرخصة تُستخدم في ترويج مستحضرات دوائية وتجميلية مجهولة المصدر، كما ضبطت صيدلية غير مرخصة تعمل في أحد المستشفيات الخاصة.

وفي محافظة الغربية، بوسط دلتا النيل، ضبطت الهيئة قرابة 60 ألف عبوة من أصناف مختلفة الشكل والحجم، تنوعت ما بين أقراص وأشربة وكريمات، مدون عليها خصائص علاجية دون فواتير ومجهولة المصدر، إلى جانب ضبط نحو خمسة آلاف كيلوغرام من المواد الخام (شكائر بودرة وعبوات كحول) المستخدمة في عملية التصنيع دون فواتير ومجهولة المصدر.

أوقات الأزمات

وتهدد «العقاقير المغشوشة» سوق الدواء المصرية، وفق ما قال متخصصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، مشيرين إلى أنها تشكل خطراً على حياة المرضى، وقد يتزايد الاتجار فيها في أوقات الأزمات التي يشعر فيها مصنعوها أن هناك صعوبات في الحصول على أدوية بعينها مع أزمات سلاسل الإمداد الدولية، وارتفاع أسعار تكاليف الإنتاج.

وأشار المتخصصون أيضاً إلى مطالب بعض المنتجين برفع الأسعار لحماية المرضى جراء نقص أنواع بعينها أو تداولها في إطار غير شرعي، ما يخلق «سوقاً سوداء»، ويسهم في زيادة مبيعات الدواء عبر الإنترنت.

وتضم مصر بنية تحتية قوية في القطاع الدوائي، حيث يوجد نحو 180 مصنعاً للأدوية مرخصاً حتى أواخر عام 2025، بالإضافة إلى أكثر من 150 مصنعاً للمستلزمات الطبية ومستحضرات التجميل. ويبلغ عدد المخازن والموزعين للأدوية نحو 1600، بينما يتجاوز عدد الصيدليات المرخصة 71 ألف صيدلية، وفقاً لبيانات رسمية.

ولا توجد إحصاءات رسمية بحجم الأدوية المغشوشة المتداولة، غير أن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن حجمها في أفريقيا يصل إلى 30 في المائة من حجم الدواء، وأن حجم الأدوية المغشوشة حول العالم يتراوح ما بين 10 إلى 30 في المائة، وتؤدي إلى وفاة ما يقرب من 2000 شخص يومياً.

منظومة «التتبع الدوائي»

يقول رئيس شعبة الأدوية في الغرفة التجارية بالقاهرة، علي عوف، إن نسب الغش الدوائي تتفاوت حول العالم حسب قوة رقابة الهيئات الحكومية، وإن مصر تتعرض لهذا النوع من الغش الذي يحقق أرباحاً طائلة وسريعة، ويستهدف تحديداً الأدوية باهظة الثمن والأكثر مبيعاً.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن انتشار ماكينات تساعد على ضغط وكبس منتجات الأدوية وتعبئتها في علب طبق الأصل يُعد سبباً في سهولة الغش، خاصة أنها تكون داخل مصانع غير مرخصة وقد تكون داخل بنايات سكنية، كما يتم تخرين تلك الأدوية في مخازن غير مرخصة، بعيداً عن أعين الجهات الرقابية.

ويتم اكتشاف الأدوية المغشوشة إما من خلال معامل التحليل التابعة لهيئة الدواء المصرية، والتي تقوم بالتفتيش على المخازن والصيدليات وتتلقى بشكل مستمر معلومات عن وجود مخازن أو صيدليات غير مرخصة، وإما من خلال شركات الأدوية الأصلية التي تكتشف وجود غش في المستحضرات الخاصة بها.

هيئة الدواء المصرية تنشط لمواجهة عقاقير مغشوشة (هيئة الدواء)

والاثنين الماضي، أكدت هيئة الدواء المصرية أن مكافحة الأدوية المغشوشة تأتي على رأس أولوياتها، وأنها تعتمد على منظومة رقابية متكاملة تبدأ من تسجيل الدواء، مروراً بمراحل التصنيع والتوزيع، وحتى وصوله إلى المريض، بما يضمن إحكام السيطرة على سوق الدواء، ومنع تسرب أي مستحضرات غير مطابقة.

وقالت إنها تطبق «منظومة التتبع الدوائي»، والتي تقوم على تخصيص «كود» لكل عبوة دواء، يتيح تتبعها في جميع مراحل التداول، ما يسهم في التأكد من مصدر الدواء، ومنع تداول العبوات المجهولة أو غير المسجلة، وسرعة سحب العبوات المغشوشة حال اكتشافها.

مطالبات بتغليظ العقوبات

ويؤكد مستشار غرفة الأدوية باتحاد الصناعات المصرية، محمد البهي، أن عمليات الغش في الأدوية تنشط في أوقات الأزمات التي يلوح فيها شح في سلاسل الإمداد أو نقص عقاقير بعينها.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن بعض «الغشاشين» يستغلون الأدوية منتهية الصلاحية، ويدونون عليها تواريخ جديدة مقلدة، وأن هذا التقليد آخذ في الانتشار، مع إتاحة الصين توريد ماكينات للأفراد دون توفر ضوابط الشراء للشركات التي تعتمدها دول الاتحاد الأوروبي.

وفي رأيه، تتمثل المشكلة الأكبر في وجود مخازن دواء غير مرخصة تعمل في توزيع الأدوية المغشوشة، وهو ما يتطلب الحيطة والحذر من جانب الصيدليات والحرص على عدم التعامل مع أي مخازن مجهولة الهوية. وشدد على ضرورة تغليظ عقوبات الغش الدوائي؛ لأنه قد تترتب عليه حالات وفاة.

ويرى البهي أن زيادة أسعار الدواء المصري قد تكون في مصلحة المريض نتيجة للفوارق الكبيرة في الأسعار بين المنتجات المحلية والمستوردة، مضيفاً: «سيكون من المهم توفير الدواء، خاصة مع وجود مؤشرات تدل على فوارق في تكاليف المواد الخام والإنتاج».

وفي الآونة الأخيرة، قال «المركز المصري للحق في الدواء» إن شركات الأدوية تواصل ضغوطها على الحكومة، ممثلة في هيئة الدواء، لزيادة الأسعار مع تأثر سلاسل الإمداد؛ بسبب تأخر حركة السفن نتيجة حرب إيران وارتفاع تكاليف التأمين.


انقسام مصري متصاعد إزاء ملف الوافدين

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
TT

انقسام مصري متصاعد إزاء ملف الوافدين

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

شهدت مواقع التواصل الاجتماعي انقساماً متصاعداً إزاء تعامل الحكومة المصرية مع «ملف الوافدين»، تزامناً مع بروز مخالفات ارتكبها أجانب في مصر خلال الفترة الأخيرة.

وألقت الجهات الأمنية المصرية، مساء الأربعاء، القبض على أشخاص، قالت إنهم يحملون جنسية إحدى الدول -دون توضيح هويتهم- بعد انتشار مقطع مصور على منصات التواصل يُظهر قيامهم بحركات استعراضية والرقص ملوّحين بأسلحة بيضاء.

وأوضحت وزارة الداخلية في بيان أن المتهمين أقروا بارتكاب الواقعة في أحد شوارع القاهرة خلال احتفالهم بأعياد الربيع، مشيرةً إلى أنه تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم.

جاء هذا بعد أسبوع من واقعة أخرى في محافظة أسوان بجنوب مصر، حيث ضبطت أجهزة الأمن أشخاصاً يحملون جنسية إحدى الدول -دون الإفصاح عن هويتهم- بعد تداول مقطع يصور مشاجرة استخدم أطرافها الأسلحة البيضاء لخلافات مالية بينهم، دون أن يؤدي الحادث إلى إصابات.

«التمكين الاقتصادي»

وانقسمت «تدوينات» المصريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي بين مدافعين عن إجراءات حكومية من شأنها «تمكين الوافدين اقتصادياً» لكي يتمكنوا من العيش خلال فترة إقامتهم المؤقتة، وآخرين يرون أن الوافدين تحولوا إلى «قنبلة موقوتة اقتصادياً وأمنياً»، وأن الأمر يتطلب ترحيل من يخالفون الإقامات وتحفيز عودتهم الطوعية إلى بلادهم.

ودخل إعلاميون على خط الجدال في برامجهم وعبر منصات التواصل الاجتماعي، وتطرقوا إلى الأزمات الاقتصادية التي تعانيها مصر مع ارتفاع فاتورة استيراد الغذاء والطاقة في وقت تُطرح مبادرات لدمج اللاجئين في برامج اقتصادية.

كما تضمنت التدوينات اتهامات للحكومة بأنها تساعد على دمج أشخاص قد يشكّلون خطورة أمنية، وذلك بعد بروز الحوادث الأخيرة، فيما التزمت الجهات الحكومية الصمت مكتفيةً بالتوضيحات التي أصدرتها مؤسسة «حياة كريمة» بشأن طبيعة برامجها لدعم الفئات الوافدة.

وقالت المؤسسة، التي تعمل في مشروعات مجتمعية وتنموية عديدة وتعتمد في جزء من مواردها على تبرعات منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، إن البرامج المخصصة لدعم الفئات الوافدة داخل مصر ممولة بالكامل من منح دولية مخصصة «دون أي مساس بموارد أو تبرعات المصريين، مع الالتزام بالفصل التام بين الحسابات وفق أعلى معايير الحوكمة، بما يُسهم في دعم جهود الدولة المصرية وتخفيف الأعباء عنها».

لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)

تحقيق «الانضباط»

مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، اللواء أشرف أمين، أكد أن الحكومة تتابع بشكل مكثف أي وقائع فردية تصدر عن الوافدين، وأنها تتعامل معها بحسم بما يسهم في تحقيق «حالة من الانضباط» بالمناطق التي يوجدون فيها.

وتابع: «بالتوازي مع ذلك، هناك مراجعة مستمرة لملف الوافدين والتعامل مع مخالفي الإقامات، وهو ما انعكس على تراجع أعداد المخالفين بصورة كبيرة خلال الفترة الماضية».

وأضاف في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»: «الأجهزة الأمنية ترفع درجات اليقظة مع التوترات الراهنة في المنطقة، ووفقاً لما تشهده طبيعة الصراعات في دول الجوار. وهناك إجراءات مشددة لدخول الوافدين عبر الطرق الشرعية التي تكون في حالات عديدة بحاجة إلى موافقات أمنية مسبقة».

ورَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. ولا يوجد إحصاء رسمي معلن بأعداد المُرحَّلين حتى الآن.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، وهو ما يكلّفها أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، وفق تقديرات حكومية مصرية.

أزمة اقتصادية ضاغطة

وانعكست الحملات الأمنية للتدقيق في أوضاع الوافدين، وكذلك الخطابات المناوئة لهم من جانب بعض المصريين، على أعداد السودانيين العائدين إلى بلادهم.

وحسب تصريح صحافي أدلى به الشهر الماضي العميد مبارك داوود سليمان، مدير معبر أرقين الواقع على الحدود المصرية - السودانية، والمشرف على المعابر، فإن «المعبر يشهد زيادة مستمرة في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن».

وسبق أن اتخذت الحكومة المصرية إجراءات لتشجيع الوافدين على العودة لبلادهم، بدايةً من توفير قطارات تتجه أسبوعياً من القاهرة إلى أسوان لنقل آلاف السودانيين الراغبين في العودة الطوعية، مروراً بإعفاء أقرانهم السوريين من غرامات الإقامة خلال الفترة من يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) من العام الماضي؛ كما توجهت إلى السودانيين المغادرين بقرار مماثل حتى مارس (آذار) الماضي.

ويرى الباحث في شؤون الهجرة ومؤسس «مركز الجنوب لحقوق الإنسان»، وجدي عبد العزيز، أن الانقسام بشأن أوضاع الوافدين في مصر آخذ في التصاعد نتيجة الأزمة الاقتصادية الحالية مع تداعيات حرب إيران وتراجع قيمة العملة المحلية؛ مشيراً إلى أن هذا أمر يحدث في كثير من دول العالم خلال الأزمات الاقتصادية الضاغطة.

ولفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الخطاب الحكومي في مصر، والذي يشير إلى تمتع الوافدين بالخدمات الحكومية من مياه وكهرباء وتعليم وغيرها، يمكن أن يعزز من الانقسامات بشأن آليات التعامل معهم في ظل أزمات معيشية يعانيها قطاع واسع من المصريين، كما أن الجدل يمكن أن توظفه الحكومة المصرية لمناشدة المجتمع الدولي تقاسم أعباء استقبال اللاجئين من دول الصراعات.