عمرو موسى: عرفات كان «عفريتاً» وهاجسه الفرار من الوصايات

قال لـ«الشرق الأوسط» إن صدام والقذافي وعلي صالح ومبارك لم يصدقوا «حكاية الشرق الأوسط الجديد» (4 من 4)

TT

عمرو موسى: عرفات كان «عفريتاً» وهاجسه الفرار من الوصايات

عرفات مستقبلاً عمرو موسى عام 1993 (أ.ف.ب)
عرفات مستقبلاً عمرو موسى عام 1993 (أ.ف.ب)

في الحلقة الأخيرة من مقابلته مع «الشرق الأوسط»، وصف عمرو موسى، وزير الخارجية المصري الأسبق والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني بأنه «كان الذكاء بعينه». وقال إن العاهل الأردني الراحل الملك الحسين بن طلال كان «رباناً ماهراً في الإبحار بين الأنواء». وتوقف عند «زئبقية» ياسر عرفات الذي كان «يناور للإفلات من أي وصاية». وعبر عن إعجابه بتجربة وزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل، وتحدث بتقدير عن تجربة وزير الخارجية العراقي السابق هوشيار زيباري. ولم يخف موسى حبه لقصائد المتنبي وأغاني محمد عبد الوهاب. وهنا نص الحلقة:

عرفتَ الملك الحسن الثاني فماذا تقول عنه؟ أجاب: «هو الذكاء نفسه، تعريف الذكاء. تستمع وأنت تناقشه. تقول رأياً ثم يرد عليك وترى ماذا يقول وتنتبه. وأنا كنت منتبهاً جداً إلى ما يقول. وفي النهاية أستشف موافقته من عدم موافقته. ليس شرطاً أن يقول لك أنا موافق أو غير موافق، إنما أنت تستشف ذلك. حدث مثل ذلك في القمة العربية - الأفريقية أو القمة الأفريقية ودعوة الصحراء. ستقعد في القاهرة، وستدعو الصحراء إلى القاهرة؟ قال لي أنا غير موافق إطلاقاً وتقول للرئيس، أرجو تبلغ الرئيس أنني غير مرتاح ولا أريد أن نفتح أبواباً لا داعي لفتحها. واضح جداً. قلت له: يا جلالة الملك، نحن نعرض الآتي: أولاً مصر لن توجه الدعوة، ولكن سيوجهها الأمين العام لمنظمة الوحدة الأفريقية. ثانياً لن يستقبل الرئيس رسمياً هذا الوفد، لا في أثناء حضوره ولا في خلالها. أنا قلت رسمياً. هو لم تمر عليه، فقال لي: رسمياً. فقلت له: وهل يوجد أهم من رسمياً يا جلالة الملك؟ فضحك. وفعلاً هذا ما قمنا به، ولم يقل لا ولا نعم. أنا رسالتي، أرجو أن تصل إلى الرئيس شخصياً. هذا في الآخر. حصل هذا الكلام، ثم عاد هو إلى تأكيد رسالته: أنا غير مرتاح، إنما استمع ولم يعترض على الكلام الذي عرضته أنا في هذا الشأن».

الملك عبد الله الثاني مستقبلاً موسى عمرو موسى عام 2002 (أ.ف.ب)

وعرفت الملك حسين ونجله الملك عبد الله، ماذا تقول؟ أجاب: «الحقيقة أنا من المعجبين بالأردن وأحب الأردن، وأقدر القدرة الاستثنائية للملك حسين على المناورة وسط أنواء هائلة، وبحيث إنه جنب الأردن الكثير من الكوارث وفي الوقت نفسه خرج منها من دون إصابات أو من دون جروح. أرى أن الملك عبد الله شرب منه الكثير وورث عنه الكثير في هذا الشأن، وأنا أعتقد أن المجتمع الأردني الآن ومن وقت الملك حسين، مجتمع مرتب ومنظم. طبعاً هناك صعوبات سياسية، ونحن لا نتكلم في هذا لأننا جميعاً لدينا صعوبات من الفقر وغيره، ولكن نتحدث عن إدارة الأمور، ونحن نراها من الخارج ولا نراها من الداخل. إنما أنا أرى أن الأردن مُدار إدارة في غاية الذكاء رغم الصعوبات الضخمة جداً، داخلياً وجوارياً وعربياً وإقليمياً».

ياسر عرفات «مناور بارع»

هل تفتقد ياسر عرفات؟ قال: «أنا أترحم عليه؛ لأنه كان شخصية استثنائية، وشخصية كاريزمية، وشخصية عفريت كما نقول في مصر. أي تجده يقول ولا يقول، ويتواجد ولا يتواجد، ويوافق ولا يوافق، كله في الوقت نفسه. طبعاً، كان يترجم الوضع الفلسطيني، وهم مضطرون إلى أن يفعلوا كل شيء، وأن يكونوا عفاريت ليخدموا قضيتهم. ولا شك أنه كان رجلاً وطنياً، ولم يكن على استعداد لأن يكون عميلاً ولا خانعاً ولا خاضعاً لأي سلطة أخرى. هذا هو ياسر عرفات، وهذه ميزة كبيرة جداً فيه، وربما تكون عيباً أيضاً؛ لأن المسألة ليست مسألة أن تكون أو لا تكون. المسألة ليست أبيض أو أسود، أو ليس حتى في الوسط، يجب أن تكون جاهزاً لاحتمالات كثيرة. تتعامل مع هذه بصرامة وحسم، وتتعامل مع هذه بمرونة. هذه هي السياسة.

عرفات مستقبلاً عمرو موسى عام 1993 (أ.ف.ب)

لم يكن يتهرب فقط من الوصايات العربية، بل كان يتلاعب بها. وكان، كما قلت لك عفريت، يسمي زين العابدين بن علي زين الرجال، والرئيس المبارك حسني مبارك... وهكذا لكل واحد (زعيم) عنده (لقب) هدية».

كان ياسر عرفات مناوراً، هل تسببت هذه المناورات في حملات عنيفة ضده أو شتائم؟ قال: «نعم. إنما كانت الشتائم في غيابه كثيرة. هو كان يعلم بالأمر. عندما اجتمعنا في القاهرة، ووضعنا الخرائط لكي ننهي موضوع غزة، وكان ذلك مقدمة لعودة ياسر عرفات إلى الأراضي الفلسطينية عبر غزة. هذا كان بحدّ ذاته شيئاً إيجابياً، وكان يجب البناء عليه. كان الرئيس (مبارك) غاضباً جداً، وأظنه تمتم ببعض الكلمات عنه - ليست موجهة له - أن هذا شغل عيال. ياسر عرفات كان يشك في الإسرائيليين، وهو محق، إنما قبل أن نذهب يجب أن ننظر في هذه الأمور وندرسها ليكون الإخراج النهائي بهدوء.

ظل عرفات يناور وهو وقع وتحفظ. وهذا ما أزعج الرئيس مبارك قليلاً، ولكنني أقنعت الرئيس مبارك بأنه إذا قام بهذا الأمر فإن الجانب الآخر ليس فوق الشبهات.

كان هناك أعداء كثر لياسر عرفات خصوصاً بعد أحداث العراق والكويت بسبب موقف المنظمة، وهذا أحدث كثيراً من الاضطراب.

لم تكن الشتائم جزءاً من الدبلوماسية العربية. ربما برزت مع الانقلابات العسكرية، وكانت شتيمة الخيانة تتردد كثيراً.

قمة تونس الأصعب

سألته عن أصعب قمة عربية شارك فيها، فأجاب: «كلها كانت صعبة، إنما الصعوبة كانت في قمة تونس الأولى التي أجّلت سنة 2004، على ما أذكر. كانت القمة في تونس، وكانت هناك نزاعات، كان هناك نزاع كبير جداً، وأنا كنت جزءاً منه؛ إذ كانت هناك دعوة وُجهت إلى الجامعة العربية ليستضيف المعرض العالمي للكتاب في فرانكفورت الكتاب العربي كضيف شرف، وأنا قبلت، بصفتي أميناً عاماً للجامعة. من أحضر لي هذا الطلب؟ أحضره غسان سلامة. جاءني في المكتب في القاهرة وقال لي إن المسألة كذا وكذا، فقلت له: قل لهم أنا أقبل. أنا الأمين العام أقبل.

ذهبنا إلى وزراء الثقافة فقبلوا، ذهبنا إلى وزراء الخارجية فقالوا: هل الأمين العام صاحب قرار؟ قلت لهم: نعم صاحب قرار، وإذا كنتم معترضين فسأعرض الأمر على القمة، أقترح عرض الأمر على القمة. قامت الدنيا ولم تقعد. ضروري، وهذا موضوع خطير جداً وسأثيره في القمة. هذا وأمور أخرى، جعلت الرئيس زين العابدين بن علي - الله يرحمه - يؤجل القمة، يعطل القمة. هذه كانت أزمة كبيرة جداً جداً، ولم أكن قد التقيته منذ بدء اجتماعات وزراء الخارجية.

قرر ليس إلغاء القمة، إنما تأجيلها، والرؤساء على وصول، وكان بعضهم وصل. زين العابدين بن علي كان على حق، انعقاد القمة في هذا الجو المتوتر بسبب أمور كثيرة وبنود كثيرة (لم يتم التوافق عليها) لم يكن مناسباً؛ إذ كان الجو غير مريح. أبلغنا وزير الدولة الحبيب بن يحيى بالتأجيل، فحصلت صدمة ودهشة. ذهبت إلى الفندق فوجدت أن الرئيس بن علي استدعاني، فقال لي: ما رأيك؟ فقلت له: أنا مقدر لهذه الأسباب، إنما يا سيادة الرئيس لا بد من أن نحدد موعداً من الآن، ونحن في آخر مارس (آذار)، أعطنا إلى شهر مايو (أيار). فقال لي: وهو كذلك. وكان وصلني قبل ذلك تصريح بأن مسؤولاً مصرياً يقول إن مصر مستعدة لاستضافة القمة التي لم تعقد في تونس. قلت له: سأرى الأمور وأعود إلى سيادتك.

زين العابدين بن علي كاد يلغي القمة العربية في تونس (أ.ف.ب)

ذهبت إلى القاهرة. قبل أن أذهب تكلمت مع الدكتور زكريا عزمي وطلبت موعداً فورياً مع الرئيس لدى الوصول، ورد بأن الموعد غداً التاسعة صباحاً. قال لي أمين الرئاسة إن الرئيس عنده الوزير سعود الفيصل، ووزير الخارجية المصرية أحمد ماهر. فقلت له بلغ الرئيس بأنني وصلت، قال له فليتفضل. هم كانوا جالسين، دخلت وجلست. الأمير سعود على يمين الرئيس، ثم وزير خارجية مصر، وأنا جلست على الكرسي المواجه للرئيس. ماذا ستفعل يا عمرو في الموضوع؟ قلت له: يا سيادة الرئيس، الموضوع أولاً كان فيه تعقيدات فعلاً، ربما لم يكن القرار أفضل القرارات ولكن كانت هناك تعقيدات. هذا أولاً، وثانياً إنه دور تونس، وأنا تفاهمت مع الرئيس التونسي بأنه لا بد من أن نحدد موعداً، وأن يكون شهر مايو المقبل، وأن تعقد في تونس، وأن يكون ذلك رسالة من سيادتك له. فقال لي: والله لك حق، أرتاح لهذا.

جمعت سعود الفيصل وعمرو موسى علاقة ودية (أ.ف.ب)

وسعود الفيصل كأن نزلت عليه رحمة، سَعِد جداً. أنا الأمين العام أطالب بأن تعقد في تونس، والحقيقة أن الأمير سعود الفيصل جاء للغرض نفسه. رأى أن عقدها خارج تونس سيؤدي إلى أزمة مصرية - تونسية، وربما مغاربية. نحن لا نريد ذلك. وأنا نفسي - الأمين العام - جئت لأطلب أن تعقد في تونس. الأمين العام المصري يقول ضروري (أن تعقد في) تونس. وبالتالي، ذهبت في اليوم التالي إلى تونس، وأبلغته بهذا الكلام، وأنها ستعقد هنا في الشهر المقبل، ثم جلسنا نتحدث عن محمد عبد الوهاب معاً وهو شديد الإعجاب به ولديه كل شرائطه وأغنياته».

بماذا تشعر عندما تفكر بمصير معمر القذافي وصدام حسين وعلي عبد الله صالح وحسني مبارك وزين العابدين بن علي؟ أجاب: «الله يرحمهم، أخطأوا كثيراً، ولم يروا الزخم الآتي. الزخم الآتي كان واضحاً في الكلام عن شرق أوسط جديد. لو كان في العالم العربي حكم رشيد، في هذه الدول، لكانت الجماهير حمتهم. إنما الجماهير تعاطفت ونحن نحتاج إلى التغيير».

تجارب مع وزراء عرب

سألت موسى عن تجارب استوقفته لدى نظرائه العرب، فأجاب: «استوقفني كثيرون. الحقيقة أن الكثير من وزراء الخارجية العرب في ذلك الوقت كانوا متميزين وعالين في المهنية وفي احترام أنفسهم. ضروري أن أذكر أولاً الأمير سعود الفيصل، رحمة الله عليه، كان شخصية استثنائية، شخصية كبيرة وعالية المستوى، وقادراً على التفاهم وتقدير الأمور التقدير السليم. وكان حائزاً على ثقة الملك عبد الله، ما ينقله إليه يأخذه الملك بصفته الوضع الصادق تماماً، وبناء عليه يحلل ويتخذ قرارات. أحببت سعود جداً وأعتقد أننا تبادلنا هذا الشعور بالود، وكان هذا أحد الأسباب الرئيسية في نجاح الجامعة العربية في ذلك الوقت في إنشاء وإقامة زخم سياسي وراء القضية الفلسطينية، وراء الإصلاحات في الجامعة العربية، ووراء الطرح الجديد وحركية الجامعة العربية.

كان مؤيداً، أو أكثر من ذلك، دافع عندما كنت في بيروت أحاول باسم الجامعة العربية، جمع الأطياف المختلفة، وكان عندما يتكلم مع الأوروبيين، وأنا أعلم ذلك من أوروبا، أننا لأول مرة العرب مجتمعون في بيروت في شخص الأمين العام. كان مؤيداً تماماً، وفاهماً لهذا الأمر. عندما ذهبنا إلى الأمم المتحدة مرة واثنتين وثلاثاً، كان يتماشى معي. عندما أعقد اجتماعاً في أميركا اللاتينية مثلاً، قمة أميركا اللاتينية، وهو أمر ضروري أن تكون الجامعة حاضرة، كان يأتي. الحقيقة كان دائماً على نفس السرعة والتأييد، وكان مرتاحاً للطرح الجديد من الجامعة. وكان حاضراً.

أشير أيضاً إلى هوشيار زيباري، وزير خارجية العراق الأسبق. زيباري الوزير الكردي كان أكثر عروبة من كثيرين، والمصلحة العربية يعبر عنها بطريقة سليمة جداً، ويتدخل حينما يجب أن يتدخل لمنع توتر ما بين وزيرين أو ثلاثة أو الوزراء والأمين العام. كان، الحقيقة، شخصية إيجابية بكل معنى الكلمة.

عمرو موسى في مؤتمر صحافي مع هوشيار زيباري في بغداد (غيتي)

لا أريد أن أسترسل وأتحدث عن 22 وزير خارجية. أذكر أيضاً من الناس ذوي الحيثية في الحديث والقدرة على التواصل معك ومساعدتك، الحبيب بن يحيى، وزير خارجية تونس، ووزير دفاع تونس أيضاً. هذه شخصية سوية تماماً وممثل جيد للطرح العربي.

الشيخ صباح الأحمد كان في مستوى مختلف؛ لأنه كان في طريقه ليكون أمير دولة الكويت. كان وزير خارجية ورئيس وزراء. كان له ذكاء معين في قراءة الاجتماع العربي، قبل أن يقرأه شخص آخر، يستشف أن الاجتماع بهذا الشكل سيؤدي إلى أزمة بعد 10 دقائق أو ربع ساعة، فيتدخل في اللحظة المناسبة داعياً إلى التشاور وتعليق الاجتماع. لو استمر الاجتماع لكان الناس تضاربوا، فهو كان له دور فيه من الذكاء الذي يؤدي إلى تجنيب الاجتماعات العربية الكثير من الأزمات. الشيخ الصباح كان له دور، ودوره بصفته أميراً للكويت كبير جداً من دون شك.

وهناك آخرون قضوا، أو ما زالوا على قيد الحياة، منهم حمد بن جاسم من قطر. حمد بن جاسم تكتب فيه صفحات، من ذكائه وحركيته وكيف يتحرك مع الاحتفاظ بمكاسب معينة لقطر، إلا أنه مدرك أن هناك مكاسب يجب أن توزع على الآخرين، وإلا فسيأخذونها. كان ذكياً جداً.

لم يكن حمد بن جاسم متعباً بالنسبة لي. كنا نتكلم بصراحة: هذه المسألة أنا سأقف فيها، وهذه المسألة لن أقدر، هو كان يقول ذلك. وكان سعود الفيصل أيضاً يرتاح في التعامل معه. المسائل كانت مفتوحة وليست أن نقول كلاماً لا نقصده. حمد وسعود الفيصل وأنا، كنا نتحدث بهذه الطريقة فيما يتعلق بنا نحن الثلاثة.

أما يوسف بن علوي من عمان فهو شخصية صاحبة طريقة استثنائية. كان يجلس صامتاً، إن كان الموضوع رائقاً له يمشيه، وإن لم يكن رائقاً له يبقى صامتاً إلى أن نصل إلى النهاية، وعلى نهاية الاجتماع يتدخل تدخلاً ينفي ويدمر كل ما حصل من اتفاقات. كانت لديه هذه القدرة. أنا كنت أحياناً أرى الأمور تسير بشكل غير صحيح، فأتصور وأتخيل أن هذه المسألة سيوقفها أبو محمد؛ أي يوسف بن علوي، وقد يحدث. قدرات. كنا نعرف هذا. الأردن، أناس شطار. كان هناك أكثر من وزير خارجية شاطراً وفاهماً وليس فقط دفاعاً عن مصالح الأردن، بل الدور العربي وإصلاح هذا وإصلاح ذلك.

عبد الإله الخطيب واحد من الأسماء الجيدة ضمن وزراء الخارجية. وناصر جودة، والوزير الحالي أيمن الصفدي، جيد جداً ومتميز. مفيد في الإطار العربي، ويقدر أن يكلمك بصراحة، وتقدر أن تستند إليه وتعتمد عليه».

مبادرة السلام العربية

وهل كان تمرير مبادرة السلام العربية في قمة بيروت صعباً؟ يجيب: «لا. لأن الملك عبد الله كان وراءها، وكان من الصعب أن يُرفض للملك عبد الله شيء. كان هناك من حاول. ممثل ليبيا علي عبد السلام التريكي كان هو الوزير، وكان لديه تعليمات برفضها. الملك عبد الله استدعاه وقال له: لا يوجد اعتراض. حاضر. علي كان شاطراً، ونحن لماذا نعترض؟ نحن بدلاً من الاعتراض نصمت وتمر بالإجماع ثم نشرح تصويتنا وتحفظاتنا، وكانت تحصل مثل هذه الأمور».

وعن وزراء الخارجية على الصعيد الدولي قال: «لي أصدقاء كثيرون منهم. يأتي على ذهني فوراً هوبر فيدرين، وزير خارجية فرنسا، صديقي منذ كنا معاً وتعاونا كثيراً. جيمس بيكر الذي كان له برستيج معين وحضور معين. وأستطيع أن أنتقده أيضاً. وهناك أيضاً (البريطاني) جاك سترو، رجل مهم. ووزير خارجية ألماني من الخضر كان مهماً جداً. هناك وزراء خارجية لهم ثقل وأصحاب نظريات وفكر وسياسة.

سيرغي لافروف عرفته كثيراً، وامتدت علاقتنا حتى هذه اللحظة، وربما هو الأقل تحفظاً بشخصه عن وزراء الغرب. لديه الود والقدرة على اكتساب الصداقات، وأرى أن لافروف واحد من أهم وزراء الخارجية العالميين.

عرفت أيضاً هنري كيسنجر وتحدثت معه كثيراً، وفي موضوع القضية الفلسطينية بالذات، ولدي صور أخيرة عندما بدأ «يهكع»، وكان يسمع كلاماً وأظن أنه كان يحتفظ به ويتحدث به مع أصدقائه. هناك كلام يأتي من مصريين وغيرهم، وهو كلام مختلف عن الكلام الذي نتناقش به طوال الوقت، فعلاً أناس غير راضين عن السلوك الإسرائيلي، وغير فاهمين التأييد غير المشروط الآتي من أميركا، كان لديه هذا الأمر لكنه لم يكن، في سنواته الأخيرة أي آخر 10 إلى 15 سنة، مندرجاً جداً في موضوع الشرق الأوسط».

من قصة «مدينتين» إلى ديوان المتنبي

وعن الكتب التي أثرت فيه، قال: «هناك الكتب التي قرأتها وأنا صغير، الروايات التي كنا نتعلمها في المدارس، قصة (مدينتين)، وكيف يعرضون الحياة، ويعلموننا الإنجليزية، والمعلمون كانوا على درجة عالية من التعلم والثقافة، ويحاولون أن يأخذونا معهم إلى مستواهم. وهناك كتاب مترجم كيف تتغلب على القلق؟ وأنا أصبحت أؤمن بأن القلق عادة جيدة، ولا بد من أن تكون قلقاً وإلا انتهى بك الأمر».

وعن الشاعر الذي يحب، قال: «المتنبي، ولا أزال أقرأ أشعاره، وأحمد شوقي، ونزار (قباني) إلى حد ما، ولكنه ليس بمستواهما. كان حديث المتنبي مفتوحاً باستمرار. عبد الرحمن شلقم (وزير الخارجية الليبي الأسبق) كان لا يتحرك إلا ومعه المتنبي، وعندما يشعر بضيق يخرج ديوان المتنبي ويروح يقرأ حتى بصوت مرتفع. ماذا تفعل يا عبد الرحمن؟ مشغول، أقرأ المتنبي. وجان عبيد (وزير الخارجية اللبناني الأسبق) كان متبحراً في اللغة العربية، وكانت بيننا فعلاً أحاديث طويلة. متعة، متعة، في أن تستمع أو تردد شعر المتنبي. يا سلام. وأشعاره، أو جزء لا بأس به من أشعاره، وليس شرطاً أن يكون بيت شعر كاملاً، مجرد شطر منه لا نزال نردده جميعاً».

أحب عمرو موسى باكراً أغاني محمد عبد الوهاب ولا يزال. يقول: «شيء جميل جداً، خصوصاً عندما تستمع إليه في أغانيه غير التجارية، أغانيه التاريخية، شيء عظيم جداً جداً. أنا أستمع إلى عبد الوهاب وأم كلثوم وفيروز وعدد من مطربينا ومطرباتنا الشعبيين. مثلاً، أخونا صباح فخري، يا سلام عندما تستمع إلى أغانيه وتشاهد رقصاته. أنا أحب هذا المغني، وهذا الطرح العربي الجميل في الموسيقى والغناء، خصوصاً عندما يكون للغناء معنى. وهنا برعت أم كلثوم، وكذلك برع عبد الوهاب، وكذلك نزار قباني في الحب، وهو تخصص في هذا المجال، أما مجال الوطنيات والدينيات والفلسفة والحكم والذكريات فهو لهذين المطربين الكبيرين. ولا يمكن أن ننسى لفيروز القدس مثلاً».

قلت له: أنت أحببت مصر كثيراً، هل أنت عاتب عليها لسبب ما؟ أجاب: «أنا عاتب ليس على مصر بل من أجل مصر. كان يمكن أن تكون في وضع آخر تماماً لولا غياب الحكم الرشيد عنها لـ70 عاماً».

هل ترك فشلك في الانتخابات الرئاسية جرحاً لديك؟ يجيب: «أبداً، أبداً. وهذا شيء من أغرب ما يمكن. أنا مستغرب من نفسي، ربما أكون قد حمدت ربنا على ذلك. قبل الانتخابات أدركت أن القادم هم الإخوان المسلمون، ولكن كان من الصعب عليّ أن أنسحب، ومن ثم كنت مهيئاً، وعندما صدرت النتيجة عقدت مؤتمراً صحافياً وحضره كل الصحافيين الأجانب الموجودين. فقيل لو نجح ماذا كان سيحصل. مؤتمر صحافي حضره مائة صحافي، فلو نجح كم صحافي كان سيأتي؟ وقلت: أنا أحيي الحركة الديمقراطية وأهنئ الفائزين وأرجو أن نحافظ من الآن فصاعداً على المسار الديمقراطي. مرشحون آخرون عندما خسروا وقفوا في ميدان التحرير، وقالوا يجب إبدال النتيجة، وإن النتيجة ليست (الرئيس الأسبق محمد) مرسي بل فلان وفلان. دخلوا في مواضيع غير مقنعة وغير لطيفة. إنما أنا كان موقفي التهنئة للفائزين والتمنيات الطيبة لواحد منهما أن يفوز والتمنيات بأن الديمقراطية تسود، ومصر تجد طريقها إلى الأمام. الحمد لله ليست لدي مرارات. وعلى الأقل لا أتذكر شيئاً وأنت تسألني عنها»


مقالات ذات صلة

عمرو موسى: عاملني القذافي في البداية بوصفي جاسوساً أميركياً ثم تغيرت الأمور

خاص جانب من الصورة التذكارية لآخر قمة جمعت عمرو موسى بمعمر القذافي في سرت الليبية عام 2010 (أ.ف.ب) p-circle 08:37

عمرو موسى: عاملني القذافي في البداية بوصفي جاسوساً أميركياً ثم تغيرت الأمور

عمرو موسى يروي في الحلقة الثالثة من مقابلته مع «الشرق الأوسط» قصة لقاء أخير مع صدام حسين، وكيف كان القذافي صعباً ومتقلباً.

غسان شربل (القاهرة)
خاص حديث بين حسني مبارك وعمرو موسى خلال قمة للدول النامية في القاهرة عام 2000 (أ.ف.ب) p-circle 02:23

خاص عمرو موسى: مبارك كان وطنياً جداً وليس بالسوء الذي صُوّر به

عمرو موسى يرسم لـ«الشرق الأوسط» صورة عن قرب للرئيس المصري الراحل حسني مبارك العاشق للأناقة والنكات، ويروي كواليس لقائه بالأسد بعد اغتيال الحريري.

غسان شربل (القاهرة)
خاص عبد الناصر في حديقة منزله عام 1968 (غيتي) p-circle 02:28

خاص عمرو موسى: في 5 يونيو 1967 توقفت عن الإيمان بعبد الناصر

عمرو موسى يروي لـ«الشرق الأوسط» شهادته على التحولات العربية، من هزيمة 1967 إلى السلام مع إسرائيل. قلق على مستقبل مصر ويشدد على ضرورة «الحكم الرشيد».

غسان شربل (القاهرة)

حسم مواعيد الانتخابات الصومالية... بداية للحل أم اختبار للأزمة؟

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

حسم مواعيد الانتخابات الصومالية... بداية للحل أم اختبار للأزمة؟

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

زخم سياسي جديد في الصومال مع إعلان «لجنة الانتخابات» إجراء الاقتراع البرلماني والرئاسي في أبريل (نيسان) ومايو (أيار) المقبلين بنظام الانتخابات المباشرة، بعد نحو عامين على خلافات لم تحسمها وساطات غربية، بين الحكومة الفيدرالية وتحالف المعارضة الذي يضم مسؤولين بارزين سابقين.

ومن أبرز الخلافات بين الحكومة والمعارضة الانتخابات المباشرة، إذ تتمسك المعارضة بنظام المحاصصة القبلية في تقاسم المناصب السيادية، التي يجري فيها توزيع المقاعد على القبائل الأربع الرئيسية، في حين يُمنح «نصف مقعد» للمجموعات العرقية الصغيرة.

وأفادت «وكالة الأنباء الصومالية»، الجمعة، بـ«عقد الرئيس حسن شيخ محمود اجتماعاً مع الكتلة البرلمانية لحزب (العدالة والمساواة) الحاكم الممثلة في مجلسَي البرلمان الفيدرالي، لبحث سبل تعزيز التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية والتحضيرات الجارية لإجراء انتخابات مباشرة».

وأكد شيخ محمود خلال الاجتماع «التزام الدولة القاطع بالمسار الديمقراطي وعدم العودة إلى نظام الانتخابات غير المباشرة»، معرباً عن «انفتاح القيادة السياسية على المقترحات البناءة التي تسهم في بناء بيئة انتخابية قائمة على الإرادة الشعبية الحرة».

وأعلنت «اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات»، في بيان مساء الخميس، تحديد 15 أبريل المقبل موعداً لانتخابات البرلمان، و15 مايو لانتخاب رئيس البلاد. فيما يبدأ تسجيل المرشحين خلال الفترة من 1 إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ثم المرحلة التحضيرية لانتخابات البرلمان حتى 22 فبراير (شباط) 2027، بينما تنطلق الحملات الانتخابية البرلمانية في 21 يناير (كانون الثاني) 2027، والحملة الانتخابية للرئيس في 15 مارس (آذار) 2027، حسب قرار اللجنة.

ويرى عبد الولي جامع بري، المحلل والمؤسس المشارك لأكاديمية القيادة والشؤون العالمية الصومالية المعنية بالشؤون الدبلوماسية والسياسية ومقرها مقديشو، أن «تحديد موعد الانتخابات يمثل محطةً مهمةً في المسار السياسي الصومالي، لكن التحدي الحقيقي ليس إجراء الانتخابات في موعدها فقط، بل ضمان أن تكون نتائجها مقبولة وقابلة للتنفيذ على المستوى الوطني».

ويوضح أن «الانتخاب المباشر يمكن أن يعزز المواطنة والمساءلة، لكنه لن يحقق هذه الأهداف بصورة مستدامة ما لم يستند إلى توافق دستوري وسياسي، وإدارة انتخابية موثوقة، وأمن يسمح بمشاركة المواطنين، وضمانات تحمي التعددية السياسية».

موظفون حكوميون بالصومال خلال توزيع بطاقات الاقتراع في انتخابات محلية خلال ديسمبر 2025 (وكالة الأنباء الصومالية)

ولا يزال الخلاف والأزمة مع المعارضة على قائمة أولويات الحكومة، التي قالت، في بيان الخميس، إن «إعلان الجدول الزمني للانتخابات يمثل خطوة مفصلية نحو ترسيخ المسار الديمقراطي».

وذكّرت الشعب الصومالي وسائر الأطراف المعنية بأنها «عملت خلال الأشهر الـ18 الماضية على تهيئة أجواء التشاور والحوار، بهدف تمكين الأطراف الصومالية من التوصل إلى توافق بشأن القضايا المصيرية للبلاد، وفي مقدمتها العملية الانتخابية».

وأكدت الحكومة أن «المشاورات والمفاوضات ستتواصل»، مشددة على حرصها على «إنجاحها وتحقيق نتائج ملموسة تفضي إلى توافق واسع بين مختلف الأطراف».

ودعت الحكومة جميع الأطراف السياسية إلى «المشاركة في المشاورات بروح إيجابية ومسؤولية وطنية، والعمل المشترك من أجل إجراء انتخابات سلمية تعزز ثقة الشعب وترسخ مستقبل الدولة الصومالية».

وعقدت الرئاسة والحكومة في مقديشو جولات حوار عديدة مع المعارضة بدعم تركي وغربي للوصول إلى تفاهمات حول الخلافات دون الوصول إلى نتائج حاسمة.

ووفق عبد الولي جامع، فإن «الإعلان عن الانتخابات فرصة للحوار وإعادة بناء الثقة، لكنها قد تتحول إلى مصدر إضافي للخلاف إذا فُرضت قواعدها دون اتفاق سياسي واسع»، وأوضح أن أبرز نقاط الخلاف هي: «التعديلات الدستورية وصلاحيات المؤسسات ومدد ولاياتها، والنظام الانتخابي وتوزيع الدوائر والمقاعد، وضمانات النزاهة، وآليات فض النزاعات وقبول النتائج».


بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

جانب من إعادة الإعمار الذي شهدته مدينة بنغازي بعد دحر الإرهاب (القيادة العامة للجيش الوطني)
جانب من إعادة الإعمار الذي شهدته مدينة بنغازي بعد دحر الإرهاب (القيادة العامة للجيش الوطني)
TT

بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

جانب من إعادة الإعمار الذي شهدته مدينة بنغازي بعد دحر الإرهاب (القيادة العامة للجيش الوطني)
جانب من إعادة الإعمار الذي شهدته مدينة بنغازي بعد دحر الإرهاب (القيادة العامة للجيش الوطني)

تستعيد مدينة بنغازي الليبية ذكرى مواجهات دامية مع تنظيمات إرهابية اندلعت قبل 12 عاماً، وشكّلت نقطة تحول في مسار المواجهة معها في ليبيا.

في تلك الفترات، منحت المدينة الجيش، بقيادة المشير خليفة حفتر، «المشروعية والقوة» عبر ما عُرف بـ«شباب الأحياء»، في مشهد جسّد التحام السكان بالقوات المسلحة، ومهّد لدحر التنظيمات المتطرفة من المدينة، قبل امتداد المواجهات إلى مناطق أخرى.

* انتفاضة بنغازي

تعيش بنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية، هذه الأيام ذكرى التحام «الجيش الوطني» مع المواطنين لمواجهة عناصر محلية وأجنبية متطرفة، تدفقت على البلاد، وصفتها الحكومة آنذاك بأنها تحمل «أجندات شريرة معادية».

وخلال فترات المواجهة، سقط قتلى وجرحى، عسكريون ومدنيون، على يد هذه التنظيمات، وملأت رائحة الدم شوارع المدينة، وتركت آثار الحرب على بناياتها ومؤسساتها، قبل أن تتعافى لاحقاً.

القائد العام خليفة حفتر خلال افتتاح أحد المشاريع في بنغازي (القيادة العامة)

ويتذكر الكاتب والصحافي الليبي، عيسى عبد القيوم، جانباً من هذه الأجواء، بقوله: «عند الحديث عن تعافي بنغازي، ودخولها ماراثون الإعمار بقوة وسرعة مبهرة، لا بد أن نعود إلى نقطة البداية، التي تتمثل في انتفاضة بنغازي في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2014، والتحامها بالجيش القادم من تخومها».

ويضيف عبد القيوم، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»: «يومها منحت المدينة الجيش الوطني المشروعية والثقة؛ بل القوة، عبر تكوين ما عُرف بـ(شباب الأحياء)، تلك القوة التي انتفضت من الداخل، وطهرت عديداً من الأحياء من تمركزات لـ(الدواعش)».

تخليداً لهذه الجهود الشعبية والعسكرية، تحيي بنغازي ذكرى هذه المناسبة. وبهذا الخصوص، قال نائب القائد العام، الفريق أول صدام حفتر، إن «بنغازي سجّلت موقفاً تاريخياً في مواجهة الإرهاب والدفاع عن أمنها وكرامة أهلها».

وتحدث صدام، في بيان صحافي، مساء الخميس، عن «تلاحم إرادة المواطنين مع عزيمة القوات المسلحة في (معركة الكرامة)، التي قادها المشير حفتر، دفاعاً عن الوطن، وحق أبنائه في الأمن والاستقرار، واستعادة هيبة الدولة وسيادتها».

* معركة الكرامة

عن «معركة الكرامة» التي خاضها الجيش حينها بعدد قليل من جنوده و«شباب الأحياء»، يرى عبد القيوم أنها «تشكل ثورة حقيقية ذات شعارات وأهداف وطنية، نجح فيها تحالف الجيش مع التيار الوطني والشارع في فرض واقع جديد؛ انتهى بانتصار عظيم».

وقال عبد القيوم: «ما نشهده من تعافٍ سريع لبنغازي نابع من اقتناع الشارع بأنه شريك في المعركة؛ وبأنها كانت ذات أهداف تمس جوهر مستقبلها ومستقبل أولاده».

القائد العام خليفة حفتر خلال جولة ميدانية على عدد من مشاريع الإعمار في بنغازي في 30 يوليو الماضي (القيادة العامة)

وتشهد بنغازي حركة واسعة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب. ففي نهاية يوليو (تموز)، أجرى حفتر جولة ميدانية على عدد من مشاريع الإعمار، شملت منطقة الصابري ووسط البلاد وكورنيش بنغازي. وهي من المناطق التي شهدت جانباً من المواجهات مع التنظيمات المتطرفة.

وأكد صدام أن أمن ليبيا وسيادتها ووحدة أراضيها «مسؤولية وطنية لا تقبل المساومة؛ ومكافحة الإرهاب والتطرف ستظل التزاماً ثابتاً، تقتضي استدامته بناء دولة قوية بمؤسساتها، موحدة في قرارها، قادرة على حماية حدودها ومواطنيها وصون مقدراتها، وترسيخ سلطة القانون».

وتعهد صدام قائلاً: «مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على حماية ما تحقق، بل تتجاوز ذلك إلى ضمان ألا تعود بلادنا إلى دوامة الإرهاب والفوضى والانقسام»، وقال إن الأمن الذي «ضحّى من أجله رجالنا يجب أن يكون أساساً لسلام دائم، واستقرار يلمسه كل مواطن، ومستقبل يجد فيه شبابنا فرصاً أوسع للبناء والمشاركة».

وسبق أن شهدت مناطق عدة في بنغازي، من بينها الليثي والمساكن والصابري وشارع فينيسيا، اشتباكات عنيفة بين قوات الجيش المدعومة من شباب الأحياء، وجيوب من مقاتلي جماعة «أنصار الشريعة»، وعناصر ما يُعرف بـ«مجلس شورى ثوار بنغازي».

وفي أعقاب دحر «الإرهاب» في بنغازي، اتجهت قوات الجيش في مايو (أيار) 2018 إلى درنة (شمال شرقي ليبيا)، التي كانت في قبضة جماعات إرهابية منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011. وفي نهاية يونيو من العام نفسه، أعلن حفتر رسمياً تحرير درنة من الإرهابيين.

القائد العام خليفة حفتر ونجلاه صدام وبالقاسم خلال جولة على عدد من المشاريع في بنغازي في أبريل الماضي (القيادة العامة)

ويرى عبد الله الديباني، المحلل السياسي المقرب من «الجيش الوطني»، أنه «في 15 أكتوبر، تتجدد ذاكرة بنغازي الأبية لتستحضر ذلك اليوم الفارق، الذي أثبت فيه المواطن الليبي أن حب الوطن أقوى من كل قوى الإرهاب والظلام».

واستعاد الديباني، في إدراج له عبر «فيسبوك»، وقائع تلك المرحلة، وقال إن «التفاف الشعب حول جيشه الوطني جاء عقب تكالب الجماعات الإرهابية المتطرفة، التي سارعت لمبايعة (داعش)، وتدمير مقر الصاعقة في محاولة لكسر إرادة بنغازي، لكن المدينة انتفضت عن بكرة أبيها لتقول كلمتها: لا مكان للإرهاب بيننا».

وتستعد بنغازي، الجمعة، لاستضافة عرض عسكري للقوات الخاصة (الصاعقة) والمظلات بـ«الجيش الوطني»، بمناسبة ذكرى 15 أكتوبر، بحضور القائد العام، ونائبه صدام، إلى جانب مسؤولين وشخصيات رسمية ودبلوماسية دولية.


مصر: مطالب برلمانية بـ«تفعيل نصوص الدستور المعطّلة»

مجلس النواب المصري في جلسة سابقة (مجلس النواب المصري)
مجلس النواب المصري في جلسة سابقة (مجلس النواب المصري)
TT

مصر: مطالب برلمانية بـ«تفعيل نصوص الدستور المعطّلة»

مجلس النواب المصري في جلسة سابقة (مجلس النواب المصري)
مجلس النواب المصري في جلسة سابقة (مجلس النواب المصري)

استغل نواب في غرفتي البرلمان المصري (مجلسي النواب والشيوخ)، تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي حول «احترام الدستور وعدم المساس به» للدعوة إلى «تفعيل نصوص دستورية معطلة»، في انتظار قوانين تمهد لتطبيقها، بداية من إجراء انتخابات للمجالس المحلية، مروراً بإنشاء منظمة لمكافحة التمييز، وكذلك ضمان حرية تداول المعلومات.

ورغم أن الغرفة البرلمانية الأولى (مجلس النواب) هي الجهة المنوط بها إصدار مثل هذه التشريعات، فإن نواباً في المعارضة يرون أن الأغلبية البرلمانية المؤيدة للحكومة «لا تتحمس لمشاريع القوانين إلا لو قدمتها الحكومة»، مشيرين إلى أنهم قدموا بالفعل مشاريع قوانين في الالتزامات الدستورية المُعطلة، وفق نائبين من المعارضة تحدثت معهما «الشرق الأوسط».

وحازت تصريحات للرئيس المصري خلال الندوة التثقيفية الـ44 للقوات المسلحة، في 14 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، على تفاعل شعبي وسياسي واسع؛ إذ قال إن «للدولة المصرية دستوراً وافق عليه الشعب، ولن يمسه أحد».

وثمنت النائبة في مجلس الشيوخ (الغرفة البرلمانية الثانية) أميرة صابر، الجمعة، تصريحات السيسي، قائلة: «تمسكاً بما صرّح به الرئيس من أن الدستور لا يُمس، فإن الضرورة تقتضي تفعيل نصوصه المعطلة، وفي مقدمتها إصدار القوانين المنظمة لانتخابات المجالس المحلية، التي حظيت بتوافق سياسي واسع خلال الحوار الوطني، وإنشاء مفوضية مكافحة التمييز، وتفعيل قانون حرية تداول المعلومات».

وينص الدستور المصري الصادر في عام 2014، والذي عُدلت بعض مواده في عام 2019، على أن «ينظم القانون شروط وطريقة تعيين أو انتخاب المحافظين ورؤساء الوحدات الإدارية المحلية الأخرى، ويحدد اختصاصاتهم» في المادة «179»، واضعاً في المادة التالية «180» خطوطاً أساسية لانتخاب المجالس المحلية منها «تخصيص ربع المقاعد للشباب دون 35 عاماً، وربعها للمرأة، على ألا تقل نسبة تمثيل العمال والفلاحين عن 50 في المائة من إجمالي المقاعد، مع تمثيل مناسب للمسيحيين وذوي الإعاقة».

وشددت صابر، في بيان لها عبر صفحتها على «فيسبوك»، على أن «احترام الدستور لا يكون بعدم تعديله فحسب، بل بتطبيقه كاملاً، وإنفاذ أحكامه دون انتقائية»، داعية إلى «وضع جدول زمني معلن لإجراء انتخابات المجالس المحلية، وإصدار التشريعات اللازمة لتفعيل النصوص الدستورية المعطلة».

عضوة مجلس الشيوخ المصري أميرة صابر (صفحة النائبة على «فيسبوك»)

المطلب نفسه تبناه عضو مجلس الشيوخ رئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن حديث الرئيس عن عدم المساس بالدستور يجب أن يكون دافعاً لمزيد من الالتزام بأحكامه، والعمل على استكمال استحقاقاته.

وشدد الشهابي على أن «المجالس المحلية استحقاق دستوري بالغ الأهمية، وليست مجرد انتخابات يمكن تأجيلها دون أن تترتب على ذلك آثار في الحياة العامة؛ فالمحليات هي المجال الأقرب إلى المواطن، ومن خلالها تتعزز المشاركة الشعبية في إدارة الشؤون المحلية، وتتم متابعة أداء الأجهزة التنفيذية والرقابة عليها في حدود الاختصاصات الدستورية والقانونية، وتُطرح مشكلات المواطنين المتعلقة بالخدمات والمرافق والاحتياجات اليومية بصورة أكثر تنظيماً وفاعلية».

وسبق أن قدم عضو مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) عن حزب «العدل» المعارض، حسام الخشت، خلال دورة انعقاد البرلمان الماضية، مشروع قانون لانتخاب المجالس المحلية، معبراً لـ«الشرق الأوسط»، عن أمله في أن يدفع تصريح الرئيس السيسي الأخير المجلس إلى منح أولوية لمشاريع القوانين المكملة للدستور، ومتوقعاً أن يحدث ذلك.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «هذه المشاريع تمثل أهمية كبيرة لتهيئة الحياة السياسية المصرية لانتقال سلس للسلطة». وحول سبب عدم صدور مثل هذه القوانين حتى الآن قال: «جرت العادة أن يهتم المجلس بالمشاريع التي تقدمها الحكومة، رغم أنه من المفترض أن المجلس هو الجهة التشريعية التي تصدر القوانين دون الحاجة إلى أن تقدم الحكومة اقتراحات بها». ولفت إلى أن لجنة الإدارة المحلية في المجلس بدأت في جلسات استماع حول مشاريع «الإدارة المحلية».

وكانت الحكومة قد قدمت قبل أشهر عدة مشروع قانون لـ«الإدارة المحلية»، غير أن تصريحات صدرت عن وكيل لجنة التنمية المحلية في مجلس النواب، محمد عطية الفيومي، في أبريل (نيسان) الماضي، انتقد فيها المشروع الحكومي، ووصفه بأنه «قديم سبق أن قدمته الحكومة عام 2016، ولا يصلح للوقت الحالي»، معتبراً أن الخطوة بمنزلة «إجراء شكلي لائحي».

ترقب لانتخاب المجالس المحلية كهمزة وصل لحل أزمات المواطنين (محافظة الجيزة)

ويضم عضو مجلس النواب عن الحزب «المصري الديمقراطي» المعارض، فريدي البياضي، صوته إلى النواب السابقين في المطالبة بسرعة إصدار القوانين المُكملة للدستور المُعطلة حتى الآن، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن نواب الحزب تقدموا بمشروعي قانونين عن «حرية تداول المعلومات» و«مكافحة التمييز»، متمنياً أن تولي الأغلبية البرلمانية اهتماماً بهما جنباً إلى جنب مع «الإدارة المحلية».

وينص الدستور المصري في المادة «68» على أن «المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، والتظلم من رفض إعطائها، كما يحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمداً».

وكان البياضي عضواً في مجلس النواب الماضي (2021- 2026)، ثم أعيد انتخابه في البرلمان الحالي، مشيراً إلى أنه «في كلا البرلمانيين يتم التركيز والاهتمام بمشاريع القوانين التي تقدمها الحكومة، أما المشاريع التي تقدمها المعارضة، فقد تتم مناقشتها وخضوعها للدورة البرلمانية ثم إجهاضها من قبل الأغلبية».

وأضاف: «أتمنى ألا نضطر أن ننتظر توجيهاً مباشراً للرئيس حول إصدار هذه القوانين، خصوصاً مع تأكيده على أن مصر دولة مؤسسات، ومن ثم فالأولى استكمال مؤسساتها ومنها المجالس المحلية».