عمرو موسى: مبارك كان وطنياً جداً وليس بالسوء الذي صُوّر به

قال لـ«الشرق الأوسط» إن الرئيس المصري الراحل لم يحلم بالزعامة العربية (2 من 4)

TT

عمرو موسى: مبارك كان وطنياً جداً وليس بالسوء الذي صُوّر به

حديث بين حسني مبارك وعمرو موسى خلال قمة للدول النامية في القاهرة عام 2000 (أ.ف.ب)
حديث بين حسني مبارك وعمرو موسى خلال قمة للدول النامية في القاهرة عام 2000 (أ.ف.ب)

استوقف أداء الضابط حسني مبارك الرئيس جمال عبد الناصر وبعده الرئيس أنور السادات. انفتحت أمامه أبواب الصعود. لكن شروط التميز في المؤسسة العسكرية تختلف عنها في قصر الرئاسة، خصوصاً إذا طالت الإقامة فيه، وأطلق العمر سهامه على قدرات سيد القصر.

عاين المصريون مشهداً غير مسبوق. السيد الرئيس صانع المصائر يَمثُل متعباً ومريضاً أمام القضاة، وبات «قصره» وراء القضبان. كان باستطاعة مبارك النجاة من هذه المشاهد لكنه رفض دخول التاريخ هارباً إلى المنفى وحسم الأمر: «وُلدتُ على أرض مصر وعليها سأموت». ربما كان يعتقد أن من زيّن أكتافهم بالنجوم وصدورهم بالأوسمة سيبعدون كأس المَشاهد المؤلمة عن شفتيه لكنَّ ذلك لم يحدث. كان هدير الشارع واسعاً وعنيفاً، وكان الحل عدم اعتراض الموجة بل الالتفاف عليها.

لم يراود حلم الزعامة العربية مبارك وكان يرى أن «كل ده عك»، لافتاً إلى أنه ليس السادات أو عبد الناصر. وهو كان يقدِّر الأول ويحب الثاني. غياب حلم الزعامة لدى مبارك أثلج صدر معمر القذافي الذي رأى نفسه وريث عبد الناصر في الزعامة. والحقيقة أن مبارك كان «مكبَّر دماغه»، كما يقول عمرو موسى وزير الخارجية المصري السابق والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية.

أنور السادات وحسني مبارك على متن مروحية رئاسية عام 1977 (غيتي)

يرى موسى في الحلقة الثانية من مقابلته مع «الشرق الأوسط» أن السنوات العشر الأولى من القرن الحالي كانت كارثية في مصر. تقدَّم مبارك في السن، وفقد الاهتمام اليومي بإدارة البلاد، وبدأ الابتعاد عن اتخاذ أي قرارات تحتاج إلى جهد ومتابعة ومبادرات. ثم جاء موضوع التوريث الذي لم يكن موضع ترحيب من مسؤولين بارزين وإن ترددوا في المجاهرة بموقفهم.

سألت عمرو موسى عن علاقة مبارك بالسادات وعبد الناصر، فأجاب: «كان مبارك مؤمناً بأن ما قام به أنور السادات شيء سليم. وكان يحب جمال عبد الناصر جداً. عبد الناصر، ليس من اصطفاه، إنما كانت عينه عليه، وأنور السادات أيضاً كانت عينه عليه، ربما بالتفاهم بينهما. كانا يتكلمان عن الضباط، وكان لحسني مبارك نوع من التقدير، سواء عبد الناصر أو السادات. من المؤكد كان يحب عبد الناصر، وإنما كان يقدِّر أنور السادات».

مبارك وملف التوريث

هل كانت نهاية مبارك مؤلمة؟ وهل ظُلم؟ يجيب موسى: «نعم، طبعاً. لم يكن بالسوء الذي صُوّر للناس. هذا الرجل كان وطنياً جداً، ويعرف ماذا يفعل. لم يكن ساذجاً أبداً. ربما موضوع التوريث، وهذه كلمة سخيفة. موضوع احتمال أن يكون ابنه وريثه لم يكن مقبولاً من أحد. ليس هناك سبب يجعل أي أحد يقبل بمثل هذا. إخراج هذا الموضوع كان إخراجاً سيئاً جداً.

الغريب أن حسني مبارك لم يكن من أنصار هذا. لم يكن يريد أن يعرض ابنه لحكم مصر. وحكم مصر ليس مسألة بسيطة. هذه بلاد كبيرة جداً، ومعقدة جداً، والرئاسة تقتضي خبرة كبيرة جداً، وسلطة يستطيع بها أن يفرض رأيه وقيادته. هذه السلطة تعني أن الكل يؤدي لك سلاماً بمن فيهم الجيش، والمدنيون، والقضاة... المسألة ليست بسيطة. لم يكن هذا ممكناً أن يُفرَض على مصر.

مبارك في قاعة محكمة عام 2018 وخلفه نجله جمال (غيتي)

تسألني عن موقف عمر سليمان؟ لم يكن مؤيداً كثيراً. كان ضابطاً وأدّى سلاماً. لم تكن هناك تعليمات بالتوريث، كانت هناك حركة تؤيد التوريث. كلهم مجموعات من الشباب ومجموعات من بعض رجال الأعمال وغيره، وهو لم يكن منهم. إنما لم يعترض. لم يعترض. لا أظن أن أحداً من الحلقة الضيقة اعترض. أفضِّل ألا أجزم لأنني لم أكن من الحلقة الضيقة».

صانع سياسات أم منفذ؟

أوحى موسى أحياناً بأنه صانع سياسات وليس منفِّذ سياسات، فهل كانت جاذبيته سبب الحذر منه؟ قال: «أولاً، وزير الخارجية يجب أن يكون أحد صناع السياسات. في الظروف التي نحن فيها هناك المخابرات تعمل، وهناك مجلس الأمن القومي يعمل، ووزير الخارجية، وهو رئيس المؤسسة التي تتعامل مع السياسة الخارجية، له دور. وإذا كان مجرد منفذ فلن يكون له دور لا في تاريخ الدبلوماسية ولا في السياسة، ولا حتى الوزن المفروض أن يكون لدى وزير الخارجية في أن يبادر ويفكر ويتصرف بسرعة وليس محتاجاً في مواجهة أزمة صغيرة طرأت إلى أن يتصل بالتليفون ويسأل: ماذا أفعل؟ يجب أن يفعل.

حديث بين حسني مبارك وعمرو موسى خلال قمة للدول النامية في القاهرة عام 2000 (أ.ف.ب)

هذا كان في اعتقادي، إنما لا أستطيع أن أقول إنني كنت من صناع السياسة المصرية. إنما مؤكَّد أنا أسهمت في كثير من الخطوات السياسية والتفكير السياسي. ما الأولويات مثلاً؟ أولوية جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من السلاح النووي. هذا كان عمل الدبلوماسية المصرية التي كنت رئيسها، وكنت مصرّاً على هذا الأمر. ربما لم يكن هذا مقبولاً جداً من الرئيس، وانتهى الأمر إلى رأيه».

قصة الوساطة بين سوريا وتركيا

«موضوع، مثلاً، العلاقة السورية - التركية، هذا تحدثت فيه مع الرئيس شخصياً، وأذكر أنه كان مساءً، وكنت أذهب إلى مكتبي مساءً ساعتين أو ثلاثاً، وعندما كلَّمته قلت له إن هذا الوضع كبير وخطير، ولدينا فرصة أن نتدخل، لأن علاقتنا بالأتراك جيدة، وعلاقتنا بالسوريين جيدة، مَن غيرنا يمكنه أن يقوم بذلك؟ فجلس يفكر. قلت له: أنا مستعد أن أذهب غداً إلى الأتراك وأتكلم معهم وأرى ماذا يمكن أن نفعل بتدخل سيادتك شخصياً. فوافق، وذهبت فعلاً إلى تركيا ورتَّبت موعداً لزيارة الرئيس في اليوم التالي، وذهب والتقى الرئيس سليمان ديميريل وقال له: نعم يجب أن نعمل معاً، والأتراك مستعدون لمساندة مصر في وساطتها. وقرر الاثنان إرسالي في أثناء وجودنا في تركيا للقاء الرئيس الأسد.

لم أذهب وحدي. بعد قليل قال الرئيس سأذهب أنا وعمرو. ذهبنا معاً إلى مطار دمشق ووجدنا في استقبالنا الرئيس الأسد وعبد الحليم خدام وفاروق الشرع، ودخلنا إلى قاعة في المطار. الرئيس مبارك ووزير خارجيته، والرئيس الأسد ووزير خارجيته، ولم يُسمح لعبد الحليم خدام نائب الرئيس بالدخول. لم يكن موجوداً رغم مشاركته في الاستقبال. وقيل لي إنه غادر بسرعة غاضباً. تكلمنا في هذا الموضوع الذي جئنا من أجله ووجدنا أذناً صاغية، وأيضاً مقدِّرة.

كان الأتراك قد هدَّدوا بالتدخل عسكرياً في سوريا. هدَّدوا بذلك. هل (اتخذوا) القرار أم لا؟ لا أعرف. إنما نحن أسرعنا، كمصر، لنلحق الموضوع ونعطِّل هذا القرار، وكي لا ينتقل الكلام إلى فعل. فوّضت تركيا الرئيس مبارك وأنا للتحدث مع السوريين، وتقبَّل السوريون هذا وخلال أسبوع بدأت المفاوضات السورية - التركية.

حافظ الأسد وعمرو موسى خلال زيارة للأخير إلى دمشق عام 2000 (أ.ف.ب)

أحد الشروط التي وضعتها تركيا كانت خروج عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، من سوريا. نحن ذكرنا ذلك. قال (الرئيس مبارك) إن أوجلان يفعل كذا... وهو مقيم في سوريا وعنوانه كذا. هذا ما قاله ديميريل، وكرره الرئيس مبارك للأسد في الجلسة الرباعية. كان لدى الرئيس مبارك حس ساخر، فقال: إحنا عارفين عنوانه... وبدأ التفاوض، وانتهت صفحة من صفحات التوتر السوري - التركي في ذلك الوقت».

نصيحة للأسد بالانسحاب من لبنان

سألت عمرو موسى عمَّا إذا كان مبارك قد نصح بشار الأسد بالانسحاب من لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، فقال: «لست أدري، أنا كنت الأمين العام للجامعة العربية. أنا نصحت. أنا ذهبت أولاً. يومها كان المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الجامعة العربية سيجتمع في عدن باليمن، والأمين العام سيلحق (بهم). في هذا اليوم بالذات، كان اجتماع اللجنة التحضيرية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي. أنا اتخذت قراراً أن نجتمع في مدن عربية بما فيها الفاشر في السودان، أخذت مجلس الجامعة كله إلى هناك من أجل أن يشعر الناس بأن الجامعة لهم ومعهم. نحن أنتم، وأنتم نحن.

صباح ذلك اليوم، كان 14 فبراير (شباط) 2005، كنت أشاهد التلفزيون وسمعت أن هناك انفجاراً حصل لموكب رفيق الحريري. اتصلت بالرئيس علي عبد الله صالح وقلت له إنني لن أستطيع المجيء، فقال: لماذا؟ قلت له: حصل كذا وكذا. قال: الجنازة ستكون غداً. قلت له: يستحيل. هذا حدث ضخم جداً يا سيادة الرئيس، أنا أستأذنك، ولن أحضر. فقال لي: هل أذهب وألقي كلمة والأمين العام غير موجود؟ قلت له: الجامعة كلها موجودة، ونحن أمام حدث كبير جداً، أنا ذاهب الآن إلى لبنان.

ذهبت إلى بيروت، وأول شخص قابلته هناك كان وزير خارجية اليمن. ذهبت وتقبلت العزاء مع العائلة وبقيت يوماً واثنين. يوم الجنازة، كان الحديث عن الجيش السوري، وهذا ما كان ليحدث لولا (وجوده). قررت أن ألتقي الرئيس الأسد. طلبت من أحد مساعديَّ أن يطلب دمشق ويقول لهم إن الأمين العام يريد أن يزور الرئيس بأسرع ما يمكن. وقد كان. انتهت الجنازة، واستمررنا في استقبال المعزين وأذكر أنني التقيت وفداً عسكرياً أردنياً كأحد الذين يتلقون العزاء أيضاً. وجاء الرد من سوريا بأن آتي غداً الساعة كذا. الساعة كذا يعني خلال النهار، كي أتمكن من اللحاق بالطائرة المصرية التي تغادر مساءً من بيروت.

بشار الأسد مستقبلاً عمرو موسى في دمشق عام 2003 (أ.ف.ب)

ذهبت إلى دمشق. قلت: صباح الخير سيادة الرئيس، أنا آتٍ من لبنان، وهناك حديث عن مسؤولية الجيش السوري، ولا بد من سحب الجيش السوري، وإلخ. وأنا أنقل إليك هذا الكلام لأن مصلحتنا الآن أن نعالج الأمور بكل ما نستطيعه، وأنت الأساس يا سيادة الرئيس. فقال لي: انظر يا أخ عمرو، أنا أريدك أن تعرف أنني حينما توليت الحكم كان الجيش السوري في لبنان فوق الـ60 ألفاً، والآن 35 ألفاً. أنا سحبتهم، ومستعد أن أسحب الباقي لأنني لا أرى أن العلاقة السورية - اللبنانية تنبع من وجود الجيش السوري في لبنان وإنما من الاعتقاد المشترك بالمعيشة المشتركة، ولا يمكن لسوريا ولبنان العيش بمعزل، بعضهما عن بعض، وليست هناك حاجة للجيش السوري.

قلت له: أنت مستعد لسحب الجيش السوري؟ قال لي: نعم. قلت له: هل أستطيع أن أقول ذلك علناً للصحافة؟ قال لي: نعم. الذي كان موجوداً فاروق الشرع، لا أذكر إن كان عبد الحليم خدام موجوداً أم لا، لكن فاروق الشرع كان موجوداً مؤكداً. خرجنا وعدت إلى بيروت واستقللت الطائرة ورجعت إلى مصر. وعندما صعدت إلى السيارة في المطار، قلت للسائق أن يفتح «بي بي سي» وكانت (أخبارها) على (رأس) الساعة. فجأة أسمع خبراً يقول إن المتحدث الرسمي باسم الحكومة السورية كذَّب ما ذكره الأمين العام للجامعة العربية من أن الرئيس بشار الأسد قال إن سوريا على استعداد للانسحاب.

أنا جُننت. كيف ذلك؟ اتصلت بفاروق الشرع ونحن في السيارة، وقلت له: هذا الكلام لم يحصل يا فاروق، يا أبا مضر هذا لم يحصل، الذي حصل وأمامك أن الرئيس قال: نعم سوف أسحب القوات، وأعطاني حرية التصريح بذلك، ومن ثم أنا صرحت لأن الرئيس عندما سألته قال لي: نعم تستطيع أن تقول ذلك. قال لي: ماذا تريدنا أن نفعل؟ قلت له: أولاً تقول للرئيس هذا الكلام، لأنني بعد هذا التكذيب سأضطر إلى أن أرد، وسندخل في كلام خاص برفيق الحريري، وإلخ. نحن في غنى عن ذلك، أنا أريد أن يسحب هذا التكذيب. اتصل بالرئيس بشار الذي أعطى تعليمات لوزير الإعلام بأن يقول لي: أنت ماذا تريدنا أن نقول؟ لأن الرئيس قال: نعم أنا أعطيته ذلك، وهذا التكذيب ليس صحيحاً... وانتهى الأمر بسحب التكذيب وإعادة إذاعة تصريحي».

ثقل الحريري وراء اغتياله

سألته إن كان يعتقد اليوم أن الحريري اُغتيل على خط التماس الإقليمي فأجاب: «خط التماس الإقليمي كلمة عامة جداً، إنما هو اُغتيل لأنه كان أكبر من لبنان. كان شخصية عربية كبرى. يستطيع أن يلتقي رئيس الولايات المتحدة في أي وقت، ورئيس فرنسا في أي وقت وربما غيرهما. كان صاحب حيثية دولية وإقليمية وعربية وإسلامية ولبنانية. اجتمعت كلها في رفيق.

هم استكثروا على لبنان أن يكون لديه مثل هذا الزعيم، الذي يضيف إليه ثقلاً كبيراً جداً في الموازين الإقليمية.

ربما أيضاً، ربما، أن يكون في بدايات النزاع الشيعي - السني، وهو أمر مؤسف جداً، لأن رفيق كان سيمنع مثل هذا (النزاع) أو يعطي للسُّنة قوة كبرى في مثل هذا التنافس. أنا أقول ذلك لأننا هنا في مصر لسنا من أنصار الصراع السني - الشيعي. تعرف في التاريخ، إمبراطور إيران تزوج من أخت ملك مصر، والذي عقد القران شيخ الأزهر. ليست لدينا هذه التفرقة وهذه المشاعر حتى اللحظة. ليست لدينا. ربما يكون هذا أيضاً من ضمن ترتيبات هذا الصراع. الله أعلم. لو أردنا أن نحلل فإننا نستطيع أن نحلله بالطريقة التي نتحدث بها وأن نصل إلى قرار معين. إنه نعم كانت هناك قوى معينة تستفيد من اختفاء رفيق الحريري، ومن السهل أن تعدِّد هذه القوى. إنما الأمر ذهب ونحن لسنا مؤرخين».

عمرو موسى مع رفيق الحريري خلال زيارة الأخير للقاهرة عام 2004 (أ.ف.ب)

وهل اشتكى رفيق الحريري لك يوماً من تعامل سوريا معه؟ قال: «نعم، طبعاً. وذكر لي أن الضباط على الحدود يتعاملون معه تعاملاً غير لطيف، تعاملاً فظاً. اشتكى من هذا أو ذكر لي هذا.

لا أظن أن علاقته بالحكم في دمشق كانت جيدة، لكن هذا لا يعني ولا أقصد به اتهام سوريا بالضلوع في اغتياله، لأن هناك قوى أخرى تتنافى مع الحذر السوري المعروف في مثل هذه الأمور. فهم أكثر حذراً وذكاءً من أن يكونوا وراء العملية، خصوصاً أن هناك قوى أخرى لها مصلحة وتستطيع أن تقوم بهذه العملية».

سألت عمرو موسى إن كان العمل السياسي يؤدي إلى نوع من الإدمان، فقال: «نعم، طبعاً. أنت تسميه إدماناً، إنما أنا أسميه حياة. المرء، وليس نحن فقط في المجال السياسي أو الإعلامي، فالطبيب يعي حياته كطبيب، في الصباح وفي المساء، في عيادته وفي بيته. المهندس يفكر طوال الوقت. نحن كذلك. سمِّه إدماناً، ولكن أنا أسميه شيئاً طبيعياً جداً أن يعيش الإنسان مهنته من البداية إلى النهاية».

القادة وأعباء السياسة

قلت له إنني سمعت من الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح أنه لن يترشح في الانتخابات الرئاسية وإنه مشتاق لملاعبة أحفاده. سمعت الكلام نفسه من الرئيس عمر البشير، لكن كل منهما بقي في السلطة حتى واجه مصيره. هل صعب على المرء أن يخرج من الأضواء؟ أجاب: «أحياناً الخروج من الأضواء يُشعرك بالراحة، لأنك أمام الأضواء تصبح مسؤولاً عن كل شيء تقوله أو كل حركة تقوم بها. يجب أن ترتاح من هذا. هذا الشعور عند الكل، عند الجميع.

فيما يتعلق بالرئيس صالح، الله يرحمه، وكان شخصية ظريفة للغاية، قال لي هذا الكلام، وقال: يعني الواحد تعب. فقلت له: تعبت من ماذا يا سيادة الرئيس؟ فقال لي: تعبت من ماذا؟ طوال الوقت المرء يبدأ بمعالجة مشكلة سياسية، ومشكلة بين اثنين أو ثلاثة في عائلتك، ومشكلة بين ثلاثة أو أربعة من المرافقين لك، ومشكلة مع جيرانك، ومشكلة... راح يشرح. فقلت له: هذا أمر يجعل الذهن يقدح وينشط، وغير ذلك فإننا نُصاب بكسل وخمول... واستمررنا في هذا الكلام لأنه كان ظريفاً جداً، وحينها كانت إريتريا قد احتلت جزيرة يمنية، وكنت حينها الأمين العام، ذهبت إليه لأناقشه ونرى كيف نساعده. حكاية أحفاده، كان يلاعبهم وهو رئيس. والرئيس أحياناً يشعر بفراغ في لحظة ما. يقال في الإنجليزية: وحيد في القمة.

كان الرئيس مبارك، الله يرحمه، يسألني عندما نكون في لندن أو باريس: ماذا ستفعل اليوم؟ فأقول له: سأذهب لتناول العشاء في مطعم، وهو جميل جداً أحب أن أذهب إليه، والله يا سيادة الرئيس لو فكرت تتعشى في الخارج، فهو أمر جميل جداً، تفضل. فيقول لي: أنت تعرف من أجل أن تتفضل سيكون معي على الأقل 50 شخصاً يتفضلوا، الحرس والسائقون ورجال المباحث والمخابرات... لا، لا، أنا لا أقدر... تذكَّرني عندما تكون هناك.

حسني مبارك وعمرو موسى خلال لقاء تمهيدي للقمة العربية في 2008 (أ.ف.ب)

في واشنطن مثلاً، وكانت نهاية أسبوع، إذ كان دائماً يسافر السبت ويستريح الأحد ثم يعمل الاثنين، أنا كوزير خارجية كنت أذهب الخميس أو الجمعة من أجل ترتيب الاجتماعات. قال لي: ماذا ستفعل غداً؟ فقلت له: سأذهب للتسوق، أنا أحب التسوق في أميركا جداً. فقال: إلى أين ستذهب؟ فقلت له: توجد هنا أشيك محلات الدنيا يا سيادة الرئيس، وهو كان يحب الشياكة جداً. قال: حسناً. غادرت وما كدت أصل إلى الفندق، وهو كان في بيت الضيافة، حتى تلقيت اتصالاً من سكرتيره وقال لي إن الرئيس سيخرج غداً للتسوق، أنت وهو. وفعلاً ذهبنا معاً للتسوق، والحرس لم يصحبوه، وإنما كانوا على أبعاد مختلفة. دخلناً محلاً، وطلبت من البائع أن يقفل الباب، فدُهش قليلاً، فقلت له: هل تعرف مَن هذا؟ هذا فلان، والحرس في الخارج. نحن نحتاج على الأقل إلى نصف ساعة. وكان مرتاحاً جداً، خلع الحذاء وخلع السترة وراح يلف على ربطة العنق هذه وهذا القميص... كان في منتهى السعادة لفترة قاربت على الساعة. نسي (مَن يكون)... ما رأيك بهذا القميص؟ وهذا يُظهر لك إلى أي حد يكون فيه الرؤساء في وضع يبعث على الملل، ليس مللاً من السلطة، إنما في الحياة نفسها. ولذلك، السلوى الكبيرة للرئيس مبارك، الله يرحمه، كان حفيده. سلوى كبيرة جداً تشغله عن، أو على الأقل تفتح له أبواباً من الحنان غير موجودة في أسلوب الحكم أو بناء الحكم.

أنور السادات وحسني مبارك في زيارة لمدينة الإسماعيلية عام 1977 (غيتي)

الرئيس أنور السادات كان يحب مشاهدة فيلم أميركي كل يوم، كما يقال وكُتب ونُشر، وأكثر الأفلام الأميركية التي كانت تريحه أفلام رعاة البقر الذي يجري بعضهم وراء بعض. ليس هناك موضوع، إنما أناس يجري بعضهم وراء بعض ويطلقون رصاصاً... فكان يتسلى جداً بهذا الأمر، في اليوم يُمضي ساعة أو اثنتين. ربما لم يكن منتبهاً إليها (الأفلام) كثيراً إنما (كان) يفكر، وهكذا... وهناك رؤساء يقرأون كثيراً، ورؤساء يتجولون كثيراً، وهكذا».

مبارك أحب الأناقة والمزاح

وهل كان مبارك يهتم بأناقته الشخصية؟ أجاب: «نعم. هذه مسألة يبدو أن فيها إحساساً أو جينات معينة يولَد المرء بها. كان يعرف ماذا يلبس مع ماذا، وكان يقدِّر الأناقة جداً، وهو كانت عنده نظرة في الناس، وغالباً ما كان على حق في هذا. لو رأى شخصاً مبهدلاً (غير منتظم في ملابسه) يظن أو يعتقد فوراً أن هذا الرجل ربما يكون أيضاً غير منتظم في فكره، وكثيراً ما كان يوفَّق في هذا، ليس على أساس الأناقة إنما في الترتيب. ويسأل أسئلة بسيطة والإجابات عنها يأخذها في اعتباره أيضاً: نبيه. إجابة طريفة. إجابة ذكية. إجابة سخيفة... من هذا النوع.

كان مصرياً تماماً، أي يحب القفشات والسخرية ويسمع النكتة ويضحك بنشاط كبير جداً وبصوت مرتفع عندما تُذكَر له، ومعه مجموعة من الظرفاء، ثم فجأة يعود الرئيس. كان يستيقظ باكراً ويجلس في كشك لطيف في الحديقة ويقرأ الجرائد وما يرسَل إليه من الأجهزة من أخبار وأنباء ويأخذ وقته، وبعدما ينتهي يكون في الصورة بالنسبة إلى أمور كثيرة جداً. هذا لم يُنشَر كثيراً عن حسني مبارك الشخص، إنما له أمور تختص به هو نفسه منها الأناقة».

مَن كان يحب مِنَ الزعماء العرب؟ قال: «ملوك السعودية. كان على علاقة طيبة جداً بالأسرة السعودية، وبكثير من أمراء وشيوخ الخليج. كان على علاقة طيبة بحافظ الأسد، وعلى علاقة طيبة بالقذافي. درجة العلاقة الطيبة مختلفة هنا وهناك، إنما كان قادراً على أن يتعامل مع الكل: أهل المغرب وشمال أفريقيا. أهل الخليج. أهل الهلال الخصيب. وهنا فوارق ما بين هؤلاء وأولئك، احتفظ بعلاقات جيدة جداً معهم، مما سهَّل عليه الحكم وسهَّل عليه أن يقود مصر واحتياجاتها وظروفها وسط هذه الأنواء».

حسني مبارك في خيمة معمر القذافي عام 1992 (غيتي)

وعن نقاط ضعف حسني مبارك، قال: «نقطة الضعف ليست فيه هو شخصياً. كلنا فينا نقاط ضعف، وليس من المنصوح به أن أتحدث عن نقاط الضعف بالنسبة إلى رئيس انتقل إلى رحمة الله، إنما نقطة الضعف كانت نقطة الضعف المصرية، وهي أننا أخطأنا كثيراً في عدم بناء مصر الاقتصادية مع هذه الثروة الهائلة في مصر؛ مساحةً، وجواً، وبحاراً تحيط بها من كل جانب، ونهراً يسري فيها بنشاط كبير من الجنوب إلى الشمال، وصحراء مليئة بالثروات، وأناساً متعلمين كثيرين جداً، قادرين على الإنتاج وعلى الأداء الطيب. كل هذا لم يوضع في بوتقة واحدة لتُنتج منتجاً جيداً متميزاً يقدَّر على المستوى الإقليمي والعالمي. نحن أخطأنا في هذا، من دون أي كلام. وهو ما أسميه بالحكم الرشيد. وأرى أننا أخطأنا في غياب الحكم الرشيد لسنوات طويلة تربو على 70 سنة».


مقالات ذات صلة

عمرو موسى: عرفات كان «عفريتاً» وهاجسه الفرار من الوصايات

خاص عرفات مستقبلاً عمرو موسى عام 1993 (أ.ف.ب) p-circle 03:53

عمرو موسى: عرفات كان «عفريتاً» وهاجسه الفرار من الوصايات

في الحلقة الأخيرة من مقابلته مع «الشرق الأوسط»، يشارك عمرو موسى لمحات عن قادة ووزراء عرب عمل معهم.

غسان شربل (القاهرة)
خاص جانب من الصورة التذكارية لآخر قمة جمعت عمرو موسى بمعمر القذافي في سرت الليبية عام 2010 (أ.ف.ب) p-circle 08:37

خاص عمرو موسى: عاملني القذافي في البداية بوصفي جاسوساً أميركياً ثم تغيرت الأمور

عمرو موسى يروي في الحلقة الثالثة من مقابلته مع «الشرق الأوسط» قصة لقاء أخير مع صدام حسين، وكيف كان القذافي صعباً ومتقلباً.

غسان شربل (القاهرة)
خاص عبد الناصر في حديقة منزله عام 1968 (غيتي) p-circle 02:28

خاص عمرو موسى: في 5 يونيو 1967 توقفت عن الإيمان بعبد الناصر

عمرو موسى يروي لـ«الشرق الأوسط» شهادته على التحولات العربية، من هزيمة 1967 إلى السلام مع إسرائيل. قلق على مستقبل مصر ويشدد على ضرورة «الحكم الرشيد».

غسان شربل (القاهرة)

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
TT

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

انطلقت تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات، في ظل اضطرابات بمضيق هرمز من جراء حرب إيران.

هذه التحركات الأميركية تجاه أسمرة يراها خبراء بالشؤون الأفريقية والأميركية، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، محاولة لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر، وسط مخاوف من تهديدات قد تطول مضيق باب المندب، وما قد يترتب عليها من تداعيات سلبية لاقتصاد العالم.

وتعتزم الولايات المتحدة الشروع في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، التي تمتد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 700 ميل، بعد 5 سنوات من فرضها عام 2021 بسبب نزاع أسمرة وأديس أبابا. وهذه التحركات يقودها حالياً كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإعادة ضبط العلاقات مع إريتريا، التي تسيطر على موقع جيوسياسي بالغ الأهمية على البحر الأحمر، في وقت تهدد فيه إيران، عبر جماعة الحوثي، حليفتها باليمن، بخنق ممر بحري حيوي ثانٍ (مضيق باب المندب)، وذلك على خلفية الحرب مع الولايات المتحدة، وفق ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مصادر مطلعة، الخميس.

ترى مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، السفيرة منى عمر، أن الموقع الاستراتيجي المتميز الذي تتمتع به إريتريا على البحر الأحمر سبب رئيسي وراء رغبة أميركا في التقارب، خاصة في ظل توترات حرب إيران، بهدف تأمين قطعها البحرية الأميركية الموجودة هناك، ودعم نفوذها بتلك المنطقة التي تعج بالقواعد العسكرية.

من جهتها، تؤكد الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، أن توقيت هذا التحرك الأميركي يأتي لفرض نفوذ في ممر البحر الأحمر كمنطقة استراتيجية متنازع عليها، خاصة مع عسكرة طرق التجارة، وطموحات روسيا على طول الساحل. «ومن ثم لم تعد موانئ إريتريا أصولاً هامشية، بل أصبحت نقاط ارتكاز محتملة في بنية أمنية أوسع، تعيد واشنطن تقييمها مجبرة، خاصة أنه ليست هناك بدائل مناسبة، فيما لا تزال جيبوتي جارة أسمرة تعاني من وجود عسكري أجنبي مكثف، بما في ذلك الوجود الصيني»، وفق تسوكرمان.

بدوره، يوضح الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، أن السياسة الأميركية تجاه إريتريا تشهد تحولاً لافتاً، بهدف تعزيز حضورها في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، في ظل تطورات حرب إيران، واحتمال تحرك الحوثيين بالمضيق، واحتواء تنامي نفوذ قوى منافسة، مثل روسيا والصين، وتبني مقاربة براغماتية توازن بين القيم السياسية والمصالح الأمنية.

وكان مسعد بولس قد التقى، الاثنين الماضي، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، وأبلغه أن واشنطن تعتزم البدء قريباً في رفع العقوبات عن إريتريا، فيما أفادت الصحيفة الأميركية «وول ستريت جورنال» بأن «مصر تلعب دوراً في تسهيل الحوار بين الولايات المتحدة وإريتريا».

وتعتقد عمر أن «الموقف المصري يأتي في إطار المساعدة في رفع العقوبات المفروضة على الحليفة إريتريا، وليس دعم الوجود العسكري المباشر». بينما ترى تسوكرمان أن «مصر ستمضي في هذه الوساطة، حيث إن للقاهرة مصلحة في الحد من النفوذ الإثيوبي في كل من حوضي النيل والبحر الأحمر».

ويقول كلني إن الدور المصري مهم في هذا السياق لاعتبارات عديدة، منها امتلاكها علاقات متوازنة مع إريتريا، وتدشينها تحالفاً مع أسمرة ومقديشو، وكذا ارتباط أمنها القومي المباشر بأمن البحر الأحمر، ورغبتها في الحفاظ على توازنات إقليمية مستقرة، بخلاف إدراكها أن أي فراغ استراتيجي في المنطقة قد تستغله قوى منافسة، ما يعزز من دافعها للانخراط في تسهيل هذا التقارب.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بالقاهرة في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن «خطة إعادة ضبط العلاقات مع إريتريا سبقت اندلاع الحرب على إيران».

وكان بولس قد عقد اجتماعاً خاصاً مع أفورقي في القاهرة أواخر العام الماضي، وسبقه لقاء مع وزير الخارجية الإريتري، عثمان صالح محمد في سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحسب الصحيفة. وجاءت تلك اللقاءات بعد سنوات من قيام وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 ضد أربعة كيانات رسمية إريترية بسبب المشاركة في دعم إثيوبيا ضد إقليم تيغراي وقتها، ومنها الجبهة الشعبية من أجل الديمقراطية والعدالة، بقيادة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الحزب الحاكم، بحسب ما نقلته «سي إن إن» الأميركية آنذاك.

وترى تسوكرمان أن العقوبات المفروضة يتطلب رفعها أو تخفيفها هو تبرير يتجاوز الضرورة الاستراتيجية لواشنطن، في ضوء الانتهاكات الموثقة ضد إريتريا، وهذا ما قد يُبطئ أو يُضعف أي محاولة لإعادة ضبط العلاقات، بسبب خلافات متوقعة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في هذا الصدد، بينما قد تقبل أسمرة بهذا التقارب في إطار استراتيجية قائمة على التنويع لا الشراكة، ما يحد من قدرة واشنطن على تحويل التقارب إلى نفوذ دائم.

ورغم العقوبات التي قد ترفع، فإن كلني يرى أن الانفتاح الأميركي على إريتريا يشي بأن المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل عميق في التوازنات ونفوذ القوى، قد يعيد رسم خريطة التحالفات، ويحدد ملامح النظام الإقليمي في السنوات المقبلة، معتقداً أن ما يجري اليوم ليس مجرد تقارب ثنائي، بل هو جزء من إعادة هندسة استراتيجية شاملة للبحر الأحمر، ستظل تداعياتها حاضرة في المشهد الدولي لفترة طويلة.


حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات نزع الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم، في ظل استمرار الاشتباه بقيام «قوات الدعم السريع» بزرع ألغام في عدد كبير من الأحياء السكنية خلال فترة سيطرتها على مساحات واسعة من المدينة. وتأتي هذه الجهود في إطار تهيئة الأوضاع الأمنية، بالتزامن مع تزايد موجات العودة الطوعية للمواطنين إلى منازلهم.

ورافقت مراسلة «الشرق الأوسط» أحد فرق المركز القومي لمكافحة الألغام في منطقة المقرن بوسط الخرطوم، الواقعة عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق، للوقوف ميدانياً على طبيعة عمل الفرق خلال عمليات الكشف عن الألغام المدفونة وإزالتها. وتُعد منطقة المقرن، بحسب تقييم المركز، من أكثر المناطق خطورة في العاصمة. وباشرت الفرق عملها في المنطقة فور استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في مايو (أيار) الماضي، حيث تم العثور على آلاف الألغام والأجسام غير المتفجرة في مواقع متفرقة.

المشرف على فريق العمل جمعة إبراهيم أبو عنجة متحدثاً لــ«الشرق الأوسط»

المشرف على فريق العمل، جمعة إبراهيم أبو عنجة، قال إن الفريق يتولى مهمة تطهير مساحة تُقدّر بنحو 45 ألف متر مربع في المقرن، مشيراً إلى أن المنطقة شهدت أعنف المعارك على خطوط التماس بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وأضاف أن المؤشرات ترجّح قيام الأخيرة بزرع آلاف الألغام في مناطق متعددة داخل قلب الخرطوم، خصوصاً في الشوارع والأحياء السكنية.

وأوضح أبو عنجة: «عثرنا على أكثر من 300 جسم خطر، بينها ألغام مزودة بعبوات أصغر ومواد شديدة الانفجار، صُممت لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا عند انفجارها». وأشار إلى أن الهدف من زرع هذه الألغام كان عرقلة تقدم قوات الجيش، وإلحاق خسائر في صفوفه، لافتاً إلى أن الفرق تمكنت من إزالة أنواع متعددة من الألغام، منها ألغام مخصصة للآليات العسكرية وأخرى مضادة للأفراد.

حقل الألغام

على خط مستقيم محدد بعلامات بيضاء، يتحرك فريق العمل بقيادة أبو عنجة بخطوات محسوبة، قبل أن يتوقف عند نقطة لا تتجاوز مساحتها نصف متر. يبدأ أحد العناصر بتمرير كاشف الألغام، بعد ضبطه بدقة عالية، للبحث عن أي أجسام مدفونة تحت سطح الأرض. وللمرة الثانية، يتوقف الفريق عند منطقة تأخذ شكلاً مثلثاً، تُعرف ميدانياً بـ«الخط الساخن»، في إشارة إلى كونها ضمن نطاق «حقل ألغام» محتمل. في هذه النقطة، يصبح كل احتمال وارداً؛ ما يستدعي التوقف مجدداً للتأكد من الالتزام الصارم بإجراءات السلامة. وقبل الوصول إلى موقع العمل، يحرص المشرف على التأكد من ارتداء الجميع للسترات الواقية المدرعة، وهو إجراء إلزامي خصوصاً عند مرافقة الصحافيين لفرق إزالة الألغام، مع التشديد على البقاء ضمن مسافة محددة خارج نطاق الخطر تحسباً لأي انفجار محتمل.

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

يقطع الصمت صوت جهاز الكشف، ما يستدعي انتباه الجميع؛ فالإشارة الصوتية تعني وجود جسم مدفون، قد يكون لغماً أو جسماً غير متفجر. وفي بعض الحالات، يكون الصوت ناتجاً عن قطعة معدنية عادية، إلا أن التعامل مع كل إشارة يتم بأقصى درجات الحذر. وعند التأكد من وجود لغم، يباشر الفريق عملية استخراجه بهدوء شديد، وفق خطوات دقيقة ومدروسة لتفادي أي انفجار. ويشدد المشرف على ضرورة التقاط الصور من مسافة آمنة تُعرف لديهم بـ«المنطقة الآمنة»، وفقاً للبروتوكولات المعتمدة، مع منع الاقتراب بشكل قاطع في أثناء تنفيذ عملية إزالة الألغام أو التعامل مع الأجسام غير المتفجرة.

ويحرص فريق إزالة الألغام على وضع إشارات واضحة لتحديد مناطق الخطر، حيث تُثبت لافتات حمراء كُتب عليها «ألغام خطرة» لتحذير السكان من الاقتراب. وفي حال تحديد موقع لغم أو جسم متفجر، تُغرس علامة خشبية مطلية باللون الأخضر بارتفاع يقارب ربع متر، للدلالة على موقع الجسم تمهيداً للتعامل معه.

فريق التفجيرات يستعد لتفجير الألغام والمواد الخطرة (الشرق الأوسط)

أما الألغام المضادة للأفراد، فيجري التعامل معها بشكل فوري، إذ تُفجَّر في اليوم نفسه وفق إجراءات محكمة. وقبل تنفيذ التفجير، يتم إغلاق جسر النيل الأبيض الذي يربط بين الخرطوم وأم درمان لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة، لضمان سلامة المواطنين. وعادة ما تُختار أوقات تقل فيها حركة المرور، لتفادي تعطيل السير.

حرب صامتة... وتوعية مستمرة

وفي موازاة الجهود الميدانية، يواصل «المركز القومي لمكافحة الألغام» حملات التوعية بين السكان، عبر الرسائل النصية، لحثهم على الإبلاغ عن أي أجسام مشبوهة، وتجنب الاقتراب منها، كما يُحذر السكان من حرق النفايات داخل الأحياء، خشية وجود مخلفات غير متفجرة قد تنفجر بفعل الحرارة.

وأوضح أبو عنجة أن الفرق تمكنت من تطهير نحو 80 في المائة من محيط المقرن، إلى جانب مناطق أخرى في الخرطوم، إلا أن المخاطر لا تزال قائمة، خصوصاً مع عودة أعداد كبيرة من السكان إلى منازلهم.

اللواء خالد حمدان مدير المركز القومي لمكافحة الألغام يراقب عملية التفجير (الشرق الأوسط)

ورغم التقدم المحرز، يواجه العمل تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل، الذي يؤثر في وتيرة عمليات إزالة الألغام، والتعامل مع المتفجرات. وأشار أبو عنجة إلى أن تأخر عمليات الإزالة يزيد من المخاطر، لافتاً إلى أن عشرات المدنيين فقدوا حياتهم، أو أصيبوا نتيجة انفجار ألغام ومخلفات حربية.

وكانت السلطات السودانية قد أعلنت في أغسطس (آب) الماضي بدء عمليات تفجير نحو 50 ألف جسم غير متفجر على مراحل، في محاولة للحد من المخاطر المتبقية.

وبينما تتواصل جهود إعادة الحياة إلى العاصمة، تبقى الألغام «عدواً خفياً» يهدد سلامة العائدين. وفي ظل هذه التحديات، تبرز أهمية تسريع عمليات التطهير، وتعزيز التوعية، لضمان عودة آمنة ومستقرة للسكان، في مدينة لا تزال آثار الحرب ماثلة في تفاصيلها اليومية.


مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
TT

مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)

قررت المصرية حبيبة أحمد تأجيل شراء الأجهزة الكهربائية التي ستحتاج إليها في ترتيب منزل الزوجية، لعدة أشهر، على أمل أن تنخفض أسعارها، في ظل تذبذب سعر الدولار، قائلة لـ«الشرق الأوسط»، إن «أسعار الثلاجات زادت نحو 30 في المائة خلال شهر واحد، وكذلك الغسالات».

ولا ترغب حبيبة، التي تسكن في منطقة فيصل، أن تخاطر بشراء ماركات أقل جودة لتعويض فارق الأسعار، رغم أن قرار التأجيل لا يخلو من المخاطرة أيضاً، في ظل توقعات خبراء اقتصاديين بأن يستمر عدم استقرار الأسعار، أو ارتفاعها حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير. ولذلك تضع حبيبة خطة احتياطية لشراء الأجهزة بالتقسيط إذا لم تنخفض خلال شهور، ووقتها تكون قد سددت أقساط ما سبق أن اشترته «بفيزا المشتريات».

ويحكم التردد العديد من قرارات المصريين الشرائية بسبب تذبذب سعر صرف الجنيه أمام الدولار، فبعدما صعد خلال الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً قبل الحرب، حتى وصل تدريجياً إلى نحو 55 جنيهاً، شهد تراجعاً بعد الهدنة حتى وصل إلى نحو 52 جنيهاً. وحتى الآن، لا يعرف الدولار استقراراً، حيث شهد الأسبوع الماضي هبوطاً في عدة أيام لما دون الـ52 جنيهاً، ثم ارتفع مجدداً ارتفاعاً طفيفاً نهاية الأسبوع.

ويعتبر الباحث في أسواق المال والكاتب الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الفترة الحالية، وإن كانت تشهد تذبذباً في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، فإنها «قد تكون أفضل من فترات مقبلة؛ إذ إنه من غير المتوقع أن تشهد الأسعار تراجعاً خلال الفترة المقبلة، بل إنها على العكس قابلة للارتفاع إذا ما عاود الدولار الارتفاع لـ55 جنيهاً، وهو أمر متوقع إذا ما تجددت الحرب الإيرانية».

ويتفق معه رئيس شعبة الأدوات الكهربائية في غرفة القاهرة التجارية، أشرف هلال، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن حركة البيع متراجعة حالياً في ظل تذبذب سعر الدولار وارتفاع الأسعار، والتي تعود لأسباب عديدة، ناصحاً في الوقت نفسه من يفكر في شراء أي شيء بأن يقوم بهذه الخطوة الآن وعدم التأجيل، في ظل عدم استقرار السوق، وما قد يأتي من زيادات جديدة.

ولفت عبد النبي إلى أن العديد من التجار والمصنعين يتعاملون في معاملاتهم التجارية بسعر تحوطي للدولار يتجاوز الـ55 جنيهاً، ما يتسبب في ارتفاع الأسعار، لكن تراجعها لن يحدث قريباً. بينما قال هلال إن «الارتفاعات تأتي من المصانع وليس التجار».

مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)

وكان رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، قد قال في تصريح، الخميس، خلال مؤتمر صحافي، إنه في حال توقف الحرب الإيرانية حالياً فلن يعود سعر برميل النفط لما كان عليه قبل الحرب، حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير، «وهذه هي أفضل السيناريوهات المتفائلة... والدولة تحاول التعامل مع تداعيات الحرب».

وكانت مصر قد قررت في مارس (آذار) الماضي، رفع سعر المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 إلى 30 في المائة لاحتواء تداعيات الحرب الإيرانية.

وتابع الباحث في أسواق المال، موضحاً أن تصريح مدبولي «يعزز توقعات الاقتصاديين بأن الأسعار لن تذهب في منحنى هبوطي قريباً، بل إن العكس هو الأكثر ترجيحاً»، لافتاً إلى أننا في مرحلة لا تسير فيها السوق وفق آليات العرض والطلب، بل وفق التوقعات.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

وعكس حبيبة، ترى سارة خالد (31 عاماً)، التي تعمل في مجال خدمة العملاء، أن الأسعار التي ترتفع لا تعود للانخفاض، «لذلك أشتري المفروشات والملابس استعداداً للزواج، مع تأجيل الأجهزة حالياً، ليس على أمل انخفاضها، ولكن لحين تدبير سعرها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

أما الشاب العشريني أحمد عطا الله، الذي أحبطت الحرب الإيرانية قبل شهر خطوته لشراء شقة، بعدما رفع البائع سعرها 100 ألف جنيه فجأة، إثر ارتفاع الدولار، فقد قرر تأجيل شرائها حالياً مع وضع خطة بديلة.

يقول عطا الله، الذي يعمل محاسباً، لـ«الشرق الأوسط»، إنه اشترى كمية من الذهب بمدخراته في الفترة التي انخفض فيها سعره خلال الحرب، على اعتبار أنه يحتفظ بقيمته، وقد يشهد زيادة بعدها، فيبيعه ويتمكن من شراء الشقة.

وتشهد أسعار الذهب تذبذباً أيضاً على غرار الدولار، لكنه يظل آلية استثمارية مضمونة، إذا ما كان بغرض الاستثمار طويل الأجل، بحسب مراقبين.