عمرو موسى: مبارك كان وطنياً جداً وليس بالسوء الذي صُوّر به

قال لـ«الشرق الأوسط» إن الرئيس المصري الراحل لم يحلم بالزعامة العربية (2 من 4)

TT

عمرو موسى: مبارك كان وطنياً جداً وليس بالسوء الذي صُوّر به

حديث بين حسني مبارك وعمرو موسى خلال قمة للدول النامية في القاهرة عام 2000 (أ.ف.ب)
حديث بين حسني مبارك وعمرو موسى خلال قمة للدول النامية في القاهرة عام 2000 (أ.ف.ب)

استوقف أداء الضابط حسني مبارك الرئيس جمال عبد الناصر وبعده الرئيس أنور السادات. انفتحت أمامه أبواب الصعود. لكن شروط التميز في المؤسسة العسكرية تختلف عنها في قصر الرئاسة، خصوصاً إذا طالت الإقامة فيه، وأطلق العمر سهامه على قدرات سيد القصر.

عاين المصريون مشهداً غير مسبوق. السيد الرئيس صانع المصائر يَمثُل متعباً ومريضاً أمام القضاة، وبات «قصره» وراء القضبان. كان باستطاعة مبارك النجاة من هذه المشاهد لكنه رفض دخول التاريخ هارباً إلى المنفى وحسم الأمر: «وُلدتُ على أرض مصر وعليها سأموت». ربما كان يعتقد أن من زيّن أكتافهم بالنجوم وصدورهم بالأوسمة سيبعدون كأس المَشاهد المؤلمة عن شفتيه لكنَّ ذلك لم يحدث. كان هدير الشارع واسعاً وعنيفاً، وكان الحل عدم اعتراض الموجة بل الالتفاف عليها.

لم يراود حلم الزعامة العربية مبارك وكان يرى أن «كل ده عك»، لافتاً إلى أنه ليس السادات أو عبد الناصر. وهو كان يقدِّر الأول ويحب الثاني. غياب حلم الزعامة لدى مبارك أثلج صدر معمر القذافي الذي رأى نفسه وريث عبد الناصر في الزعامة. والحقيقة أن مبارك كان «مكبَّر دماغه»، كما يقول عمرو موسى وزير الخارجية المصري السابق والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية.

أنور السادات وحسني مبارك على متن مروحية رئاسية عام 1977 (غيتي)

يرى موسى في الحلقة الثانية من مقابلته مع «الشرق الأوسط» أن السنوات العشر الأولى من القرن الحالي كانت كارثية في مصر. تقدَّم مبارك في السن، وفقد الاهتمام اليومي بإدارة البلاد، وبدأ الابتعاد عن اتخاذ أي قرارات تحتاج إلى جهد ومتابعة ومبادرات. ثم جاء موضوع التوريث الذي لم يكن موضع ترحيب من مسؤولين بارزين وإن ترددوا في المجاهرة بموقفهم.

سألت عمرو موسى عن علاقة مبارك بالسادات وعبد الناصر، فأجاب: «كان مبارك مؤمناً بأن ما قام به أنور السادات شيء سليم. وكان يحب جمال عبد الناصر جداً. عبد الناصر، ليس من اصطفاه، إنما كانت عينه عليه، وأنور السادات أيضاً كانت عينه عليه، ربما بالتفاهم بينهما. كانا يتكلمان عن الضباط، وكان لحسني مبارك نوع من التقدير، سواء عبد الناصر أو السادات. من المؤكد كان يحب عبد الناصر، وإنما كان يقدِّر أنور السادات».

مبارك وملف التوريث

هل كانت نهاية مبارك مؤلمة؟ وهل ظُلم؟ يجيب موسى: «نعم، طبعاً. لم يكن بالسوء الذي صُوّر للناس. هذا الرجل كان وطنياً جداً، ويعرف ماذا يفعل. لم يكن ساذجاً أبداً. ربما موضوع التوريث، وهذه كلمة سخيفة. موضوع احتمال أن يكون ابنه وريثه لم يكن مقبولاً من أحد. ليس هناك سبب يجعل أي أحد يقبل بمثل هذا. إخراج هذا الموضوع كان إخراجاً سيئاً جداً.

الغريب أن حسني مبارك لم يكن من أنصار هذا. لم يكن يريد أن يعرض ابنه لحكم مصر. وحكم مصر ليس مسألة بسيطة. هذه بلاد كبيرة جداً، ومعقدة جداً، والرئاسة تقتضي خبرة كبيرة جداً، وسلطة يستطيع بها أن يفرض رأيه وقيادته. هذه السلطة تعني أن الكل يؤدي لك سلاماً بمن فيهم الجيش، والمدنيون، والقضاة... المسألة ليست بسيطة. لم يكن هذا ممكناً أن يُفرَض على مصر.

مبارك في قاعة محكمة عام 2018 وخلفه نجله جمال (غيتي)

تسألني عن موقف عمر سليمان؟ لم يكن مؤيداً كثيراً. كان ضابطاً وأدّى سلاماً. لم تكن هناك تعليمات بالتوريث، كانت هناك حركة تؤيد التوريث. كلهم مجموعات من الشباب ومجموعات من بعض رجال الأعمال وغيره، وهو لم يكن منهم. إنما لم يعترض. لم يعترض. لا أظن أن أحداً من الحلقة الضيقة اعترض. أفضِّل ألا أجزم لأنني لم أكن من الحلقة الضيقة».

صانع سياسات أم منفذ؟

أوحى موسى أحياناً بأنه صانع سياسات وليس منفِّذ سياسات، فهل كانت جاذبيته سبب الحذر منه؟ قال: «أولاً، وزير الخارجية يجب أن يكون أحد صناع السياسات. في الظروف التي نحن فيها هناك المخابرات تعمل، وهناك مجلس الأمن القومي يعمل، ووزير الخارجية، وهو رئيس المؤسسة التي تتعامل مع السياسة الخارجية، له دور. وإذا كان مجرد منفذ فلن يكون له دور لا في تاريخ الدبلوماسية ولا في السياسة، ولا حتى الوزن المفروض أن يكون لدى وزير الخارجية في أن يبادر ويفكر ويتصرف بسرعة وليس محتاجاً في مواجهة أزمة صغيرة طرأت إلى أن يتصل بالتليفون ويسأل: ماذا أفعل؟ يجب أن يفعل.

حديث بين حسني مبارك وعمرو موسى خلال قمة للدول النامية في القاهرة عام 2000 (أ.ف.ب)

هذا كان في اعتقادي، إنما لا أستطيع أن أقول إنني كنت من صناع السياسة المصرية. إنما مؤكَّد أنا أسهمت في كثير من الخطوات السياسية والتفكير السياسي. ما الأولويات مثلاً؟ أولوية جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من السلاح النووي. هذا كان عمل الدبلوماسية المصرية التي كنت رئيسها، وكنت مصرّاً على هذا الأمر. ربما لم يكن هذا مقبولاً جداً من الرئيس، وانتهى الأمر إلى رأيه».

قصة الوساطة بين سوريا وتركيا

«موضوع، مثلاً، العلاقة السورية - التركية، هذا تحدثت فيه مع الرئيس شخصياً، وأذكر أنه كان مساءً، وكنت أذهب إلى مكتبي مساءً ساعتين أو ثلاثاً، وعندما كلَّمته قلت له إن هذا الوضع كبير وخطير، ولدينا فرصة أن نتدخل، لأن علاقتنا بالأتراك جيدة، وعلاقتنا بالسوريين جيدة، مَن غيرنا يمكنه أن يقوم بذلك؟ فجلس يفكر. قلت له: أنا مستعد أن أذهب غداً إلى الأتراك وأتكلم معهم وأرى ماذا يمكن أن نفعل بتدخل سيادتك شخصياً. فوافق، وذهبت فعلاً إلى تركيا ورتَّبت موعداً لزيارة الرئيس في اليوم التالي، وذهب والتقى الرئيس سليمان ديميريل وقال له: نعم يجب أن نعمل معاً، والأتراك مستعدون لمساندة مصر في وساطتها. وقرر الاثنان إرسالي في أثناء وجودنا في تركيا للقاء الرئيس الأسد.

لم أذهب وحدي. بعد قليل قال الرئيس سأذهب أنا وعمرو. ذهبنا معاً إلى مطار دمشق ووجدنا في استقبالنا الرئيس الأسد وعبد الحليم خدام وفاروق الشرع، ودخلنا إلى قاعة في المطار. الرئيس مبارك ووزير خارجيته، والرئيس الأسد ووزير خارجيته، ولم يُسمح لعبد الحليم خدام نائب الرئيس بالدخول. لم يكن موجوداً رغم مشاركته في الاستقبال. وقيل لي إنه غادر بسرعة غاضباً. تكلمنا في هذا الموضوع الذي جئنا من أجله ووجدنا أذناً صاغية، وأيضاً مقدِّرة.

كان الأتراك قد هدَّدوا بالتدخل عسكرياً في سوريا. هدَّدوا بذلك. هل (اتخذوا) القرار أم لا؟ لا أعرف. إنما نحن أسرعنا، كمصر، لنلحق الموضوع ونعطِّل هذا القرار، وكي لا ينتقل الكلام إلى فعل. فوّضت تركيا الرئيس مبارك وأنا للتحدث مع السوريين، وتقبَّل السوريون هذا وخلال أسبوع بدأت المفاوضات السورية - التركية.

حافظ الأسد وعمرو موسى خلال زيارة للأخير إلى دمشق عام 2000 (أ.ف.ب)

أحد الشروط التي وضعتها تركيا كانت خروج عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، من سوريا. نحن ذكرنا ذلك. قال (الرئيس مبارك) إن أوجلان يفعل كذا... وهو مقيم في سوريا وعنوانه كذا. هذا ما قاله ديميريل، وكرره الرئيس مبارك للأسد في الجلسة الرباعية. كان لدى الرئيس مبارك حس ساخر، فقال: إحنا عارفين عنوانه... وبدأ التفاوض، وانتهت صفحة من صفحات التوتر السوري - التركي في ذلك الوقت».

نصيحة للأسد بالانسحاب من لبنان

سألت عمرو موسى عمَّا إذا كان مبارك قد نصح بشار الأسد بالانسحاب من لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، فقال: «لست أدري، أنا كنت الأمين العام للجامعة العربية. أنا نصحت. أنا ذهبت أولاً. يومها كان المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الجامعة العربية سيجتمع في عدن باليمن، والأمين العام سيلحق (بهم). في هذا اليوم بالذات، كان اجتماع اللجنة التحضيرية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي. أنا اتخذت قراراً أن نجتمع في مدن عربية بما فيها الفاشر في السودان، أخذت مجلس الجامعة كله إلى هناك من أجل أن يشعر الناس بأن الجامعة لهم ومعهم. نحن أنتم، وأنتم نحن.

صباح ذلك اليوم، كان 14 فبراير (شباط) 2005، كنت أشاهد التلفزيون وسمعت أن هناك انفجاراً حصل لموكب رفيق الحريري. اتصلت بالرئيس علي عبد الله صالح وقلت له إنني لن أستطيع المجيء، فقال: لماذا؟ قلت له: حصل كذا وكذا. قال: الجنازة ستكون غداً. قلت له: يستحيل. هذا حدث ضخم جداً يا سيادة الرئيس، أنا أستأذنك، ولن أحضر. فقال لي: هل أذهب وألقي كلمة والأمين العام غير موجود؟ قلت له: الجامعة كلها موجودة، ونحن أمام حدث كبير جداً، أنا ذاهب الآن إلى لبنان.

ذهبت إلى بيروت، وأول شخص قابلته هناك كان وزير خارجية اليمن. ذهبت وتقبلت العزاء مع العائلة وبقيت يوماً واثنين. يوم الجنازة، كان الحديث عن الجيش السوري، وهذا ما كان ليحدث لولا (وجوده). قررت أن ألتقي الرئيس الأسد. طلبت من أحد مساعديَّ أن يطلب دمشق ويقول لهم إن الأمين العام يريد أن يزور الرئيس بأسرع ما يمكن. وقد كان. انتهت الجنازة، واستمررنا في استقبال المعزين وأذكر أنني التقيت وفداً عسكرياً أردنياً كأحد الذين يتلقون العزاء أيضاً. وجاء الرد من سوريا بأن آتي غداً الساعة كذا. الساعة كذا يعني خلال النهار، كي أتمكن من اللحاق بالطائرة المصرية التي تغادر مساءً من بيروت.

بشار الأسد مستقبلاً عمرو موسى في دمشق عام 2003 (أ.ف.ب)

ذهبت إلى دمشق. قلت: صباح الخير سيادة الرئيس، أنا آتٍ من لبنان، وهناك حديث عن مسؤولية الجيش السوري، ولا بد من سحب الجيش السوري، وإلخ. وأنا أنقل إليك هذا الكلام لأن مصلحتنا الآن أن نعالج الأمور بكل ما نستطيعه، وأنت الأساس يا سيادة الرئيس. فقال لي: انظر يا أخ عمرو، أنا أريدك أن تعرف أنني حينما توليت الحكم كان الجيش السوري في لبنان فوق الـ60 ألفاً، والآن 35 ألفاً. أنا سحبتهم، ومستعد أن أسحب الباقي لأنني لا أرى أن العلاقة السورية - اللبنانية تنبع من وجود الجيش السوري في لبنان وإنما من الاعتقاد المشترك بالمعيشة المشتركة، ولا يمكن لسوريا ولبنان العيش بمعزل، بعضهما عن بعض، وليست هناك حاجة للجيش السوري.

قلت له: أنت مستعد لسحب الجيش السوري؟ قال لي: نعم. قلت له: هل أستطيع أن أقول ذلك علناً للصحافة؟ قال لي: نعم. الذي كان موجوداً فاروق الشرع، لا أذكر إن كان عبد الحليم خدام موجوداً أم لا، لكن فاروق الشرع كان موجوداً مؤكداً. خرجنا وعدت إلى بيروت واستقللت الطائرة ورجعت إلى مصر. وعندما صعدت إلى السيارة في المطار، قلت للسائق أن يفتح «بي بي سي» وكانت (أخبارها) على (رأس) الساعة. فجأة أسمع خبراً يقول إن المتحدث الرسمي باسم الحكومة السورية كذَّب ما ذكره الأمين العام للجامعة العربية من أن الرئيس بشار الأسد قال إن سوريا على استعداد للانسحاب.

أنا جُننت. كيف ذلك؟ اتصلت بفاروق الشرع ونحن في السيارة، وقلت له: هذا الكلام لم يحصل يا فاروق، يا أبا مضر هذا لم يحصل، الذي حصل وأمامك أن الرئيس قال: نعم سوف أسحب القوات، وأعطاني حرية التصريح بذلك، ومن ثم أنا صرحت لأن الرئيس عندما سألته قال لي: نعم تستطيع أن تقول ذلك. قال لي: ماذا تريدنا أن نفعل؟ قلت له: أولاً تقول للرئيس هذا الكلام، لأنني بعد هذا التكذيب سأضطر إلى أن أرد، وسندخل في كلام خاص برفيق الحريري، وإلخ. نحن في غنى عن ذلك، أنا أريد أن يسحب هذا التكذيب. اتصل بالرئيس بشار الذي أعطى تعليمات لوزير الإعلام بأن يقول لي: أنت ماذا تريدنا أن نقول؟ لأن الرئيس قال: نعم أنا أعطيته ذلك، وهذا التكذيب ليس صحيحاً... وانتهى الأمر بسحب التكذيب وإعادة إذاعة تصريحي».

ثقل الحريري وراء اغتياله

سألته إن كان يعتقد اليوم أن الحريري اُغتيل على خط التماس الإقليمي فأجاب: «خط التماس الإقليمي كلمة عامة جداً، إنما هو اُغتيل لأنه كان أكبر من لبنان. كان شخصية عربية كبرى. يستطيع أن يلتقي رئيس الولايات المتحدة في أي وقت، ورئيس فرنسا في أي وقت وربما غيرهما. كان صاحب حيثية دولية وإقليمية وعربية وإسلامية ولبنانية. اجتمعت كلها في رفيق.

هم استكثروا على لبنان أن يكون لديه مثل هذا الزعيم، الذي يضيف إليه ثقلاً كبيراً جداً في الموازين الإقليمية.

ربما أيضاً، ربما، أن يكون في بدايات النزاع الشيعي - السني، وهو أمر مؤسف جداً، لأن رفيق كان سيمنع مثل هذا (النزاع) أو يعطي للسُّنة قوة كبرى في مثل هذا التنافس. أنا أقول ذلك لأننا هنا في مصر لسنا من أنصار الصراع السني - الشيعي. تعرف في التاريخ، إمبراطور إيران تزوج من أخت ملك مصر، والذي عقد القران شيخ الأزهر. ليست لدينا هذه التفرقة وهذه المشاعر حتى اللحظة. ليست لدينا. ربما يكون هذا أيضاً من ضمن ترتيبات هذا الصراع. الله أعلم. لو أردنا أن نحلل فإننا نستطيع أن نحلله بالطريقة التي نتحدث بها وأن نصل إلى قرار معين. إنه نعم كانت هناك قوى معينة تستفيد من اختفاء رفيق الحريري، ومن السهل أن تعدِّد هذه القوى. إنما الأمر ذهب ونحن لسنا مؤرخين».

عمرو موسى مع رفيق الحريري خلال زيارة الأخير للقاهرة عام 2004 (أ.ف.ب)

وهل اشتكى رفيق الحريري لك يوماً من تعامل سوريا معه؟ قال: «نعم، طبعاً. وذكر لي أن الضباط على الحدود يتعاملون معه تعاملاً غير لطيف، تعاملاً فظاً. اشتكى من هذا أو ذكر لي هذا.

لا أظن أن علاقته بالحكم في دمشق كانت جيدة، لكن هذا لا يعني ولا أقصد به اتهام سوريا بالضلوع في اغتياله، لأن هناك قوى أخرى تتنافى مع الحذر السوري المعروف في مثل هذه الأمور. فهم أكثر حذراً وذكاءً من أن يكونوا وراء العملية، خصوصاً أن هناك قوى أخرى لها مصلحة وتستطيع أن تقوم بهذه العملية».

سألت عمرو موسى إن كان العمل السياسي يؤدي إلى نوع من الإدمان، فقال: «نعم، طبعاً. أنت تسميه إدماناً، إنما أنا أسميه حياة. المرء، وليس نحن فقط في المجال السياسي أو الإعلامي، فالطبيب يعي حياته كطبيب، في الصباح وفي المساء، في عيادته وفي بيته. المهندس يفكر طوال الوقت. نحن كذلك. سمِّه إدماناً، ولكن أنا أسميه شيئاً طبيعياً جداً أن يعيش الإنسان مهنته من البداية إلى النهاية».

القادة وأعباء السياسة

قلت له إنني سمعت من الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح أنه لن يترشح في الانتخابات الرئاسية وإنه مشتاق لملاعبة أحفاده. سمعت الكلام نفسه من الرئيس عمر البشير، لكن كل منهما بقي في السلطة حتى واجه مصيره. هل صعب على المرء أن يخرج من الأضواء؟ أجاب: «أحياناً الخروج من الأضواء يُشعرك بالراحة، لأنك أمام الأضواء تصبح مسؤولاً عن كل شيء تقوله أو كل حركة تقوم بها. يجب أن ترتاح من هذا. هذا الشعور عند الكل، عند الجميع.

فيما يتعلق بالرئيس صالح، الله يرحمه، وكان شخصية ظريفة للغاية، قال لي هذا الكلام، وقال: يعني الواحد تعب. فقلت له: تعبت من ماذا يا سيادة الرئيس؟ فقال لي: تعبت من ماذا؟ طوال الوقت المرء يبدأ بمعالجة مشكلة سياسية، ومشكلة بين اثنين أو ثلاثة في عائلتك، ومشكلة بين ثلاثة أو أربعة من المرافقين لك، ومشكلة مع جيرانك، ومشكلة... راح يشرح. فقلت له: هذا أمر يجعل الذهن يقدح وينشط، وغير ذلك فإننا نُصاب بكسل وخمول... واستمررنا في هذا الكلام لأنه كان ظريفاً جداً، وحينها كانت إريتريا قد احتلت جزيرة يمنية، وكنت حينها الأمين العام، ذهبت إليه لأناقشه ونرى كيف نساعده. حكاية أحفاده، كان يلاعبهم وهو رئيس. والرئيس أحياناً يشعر بفراغ في لحظة ما. يقال في الإنجليزية: وحيد في القمة.

كان الرئيس مبارك، الله يرحمه، يسألني عندما نكون في لندن أو باريس: ماذا ستفعل اليوم؟ فأقول له: سأذهب لتناول العشاء في مطعم، وهو جميل جداً أحب أن أذهب إليه، والله يا سيادة الرئيس لو فكرت تتعشى في الخارج، فهو أمر جميل جداً، تفضل. فيقول لي: أنت تعرف من أجل أن تتفضل سيكون معي على الأقل 50 شخصاً يتفضلوا، الحرس والسائقون ورجال المباحث والمخابرات... لا، لا، أنا لا أقدر... تذكَّرني عندما تكون هناك.

حسني مبارك وعمرو موسى خلال لقاء تمهيدي للقمة العربية في 2008 (أ.ف.ب)

في واشنطن مثلاً، وكانت نهاية أسبوع، إذ كان دائماً يسافر السبت ويستريح الأحد ثم يعمل الاثنين، أنا كوزير خارجية كنت أذهب الخميس أو الجمعة من أجل ترتيب الاجتماعات. قال لي: ماذا ستفعل غداً؟ فقلت له: سأذهب للتسوق، أنا أحب التسوق في أميركا جداً. فقال: إلى أين ستذهب؟ فقلت له: توجد هنا أشيك محلات الدنيا يا سيادة الرئيس، وهو كان يحب الشياكة جداً. قال: حسناً. غادرت وما كدت أصل إلى الفندق، وهو كان في بيت الضيافة، حتى تلقيت اتصالاً من سكرتيره وقال لي إن الرئيس سيخرج غداً للتسوق، أنت وهو. وفعلاً ذهبنا معاً للتسوق، والحرس لم يصحبوه، وإنما كانوا على أبعاد مختلفة. دخلناً محلاً، وطلبت من البائع أن يقفل الباب، فدُهش قليلاً، فقلت له: هل تعرف مَن هذا؟ هذا فلان، والحرس في الخارج. نحن نحتاج على الأقل إلى نصف ساعة. وكان مرتاحاً جداً، خلع الحذاء وخلع السترة وراح يلف على ربطة العنق هذه وهذا القميص... كان في منتهى السعادة لفترة قاربت على الساعة. نسي (مَن يكون)... ما رأيك بهذا القميص؟ وهذا يُظهر لك إلى أي حد يكون فيه الرؤساء في وضع يبعث على الملل، ليس مللاً من السلطة، إنما في الحياة نفسها. ولذلك، السلوى الكبيرة للرئيس مبارك، الله يرحمه، كان حفيده. سلوى كبيرة جداً تشغله عن، أو على الأقل تفتح له أبواباً من الحنان غير موجودة في أسلوب الحكم أو بناء الحكم.

أنور السادات وحسني مبارك في زيارة لمدينة الإسماعيلية عام 1977 (غيتي)

الرئيس أنور السادات كان يحب مشاهدة فيلم أميركي كل يوم، كما يقال وكُتب ونُشر، وأكثر الأفلام الأميركية التي كانت تريحه أفلام رعاة البقر الذي يجري بعضهم وراء بعض. ليس هناك موضوع، إنما أناس يجري بعضهم وراء بعض ويطلقون رصاصاً... فكان يتسلى جداً بهذا الأمر، في اليوم يُمضي ساعة أو اثنتين. ربما لم يكن منتبهاً إليها (الأفلام) كثيراً إنما (كان) يفكر، وهكذا... وهناك رؤساء يقرأون كثيراً، ورؤساء يتجولون كثيراً، وهكذا».

مبارك أحب الأناقة والمزاح

وهل كان مبارك يهتم بأناقته الشخصية؟ أجاب: «نعم. هذه مسألة يبدو أن فيها إحساساً أو جينات معينة يولَد المرء بها. كان يعرف ماذا يلبس مع ماذا، وكان يقدِّر الأناقة جداً، وهو كانت عنده نظرة في الناس، وغالباً ما كان على حق في هذا. لو رأى شخصاً مبهدلاً (غير منتظم في ملابسه) يظن أو يعتقد فوراً أن هذا الرجل ربما يكون أيضاً غير منتظم في فكره، وكثيراً ما كان يوفَّق في هذا، ليس على أساس الأناقة إنما في الترتيب. ويسأل أسئلة بسيطة والإجابات عنها يأخذها في اعتباره أيضاً: نبيه. إجابة طريفة. إجابة ذكية. إجابة سخيفة... من هذا النوع.

كان مصرياً تماماً، أي يحب القفشات والسخرية ويسمع النكتة ويضحك بنشاط كبير جداً وبصوت مرتفع عندما تُذكَر له، ومعه مجموعة من الظرفاء، ثم فجأة يعود الرئيس. كان يستيقظ باكراً ويجلس في كشك لطيف في الحديقة ويقرأ الجرائد وما يرسَل إليه من الأجهزة من أخبار وأنباء ويأخذ وقته، وبعدما ينتهي يكون في الصورة بالنسبة إلى أمور كثيرة جداً. هذا لم يُنشَر كثيراً عن حسني مبارك الشخص، إنما له أمور تختص به هو نفسه منها الأناقة».

مَن كان يحب مِنَ الزعماء العرب؟ قال: «ملوك السعودية. كان على علاقة طيبة جداً بالأسرة السعودية، وبكثير من أمراء وشيوخ الخليج. كان على علاقة طيبة بحافظ الأسد، وعلى علاقة طيبة بالقذافي. درجة العلاقة الطيبة مختلفة هنا وهناك، إنما كان قادراً على أن يتعامل مع الكل: أهل المغرب وشمال أفريقيا. أهل الخليج. أهل الهلال الخصيب. وهنا فوارق ما بين هؤلاء وأولئك، احتفظ بعلاقات جيدة جداً معهم، مما سهَّل عليه الحكم وسهَّل عليه أن يقود مصر واحتياجاتها وظروفها وسط هذه الأنواء».

حسني مبارك في خيمة معمر القذافي عام 1992 (غيتي)

وعن نقاط ضعف حسني مبارك، قال: «نقطة الضعف ليست فيه هو شخصياً. كلنا فينا نقاط ضعف، وليس من المنصوح به أن أتحدث عن نقاط الضعف بالنسبة إلى رئيس انتقل إلى رحمة الله، إنما نقطة الضعف كانت نقطة الضعف المصرية، وهي أننا أخطأنا كثيراً في عدم بناء مصر الاقتصادية مع هذه الثروة الهائلة في مصر؛ مساحةً، وجواً، وبحاراً تحيط بها من كل جانب، ونهراً يسري فيها بنشاط كبير من الجنوب إلى الشمال، وصحراء مليئة بالثروات، وأناساً متعلمين كثيرين جداً، قادرين على الإنتاج وعلى الأداء الطيب. كل هذا لم يوضع في بوتقة واحدة لتُنتج منتجاً جيداً متميزاً يقدَّر على المستوى الإقليمي والعالمي. نحن أخطأنا في هذا، من دون أي كلام. وهو ما أسميه بالحكم الرشيد. وأرى أننا أخطأنا في غياب الحكم الرشيد لسنوات طويلة تربو على 70 سنة».


مقالات ذات صلة

عمرو موسى: عرفات كان «عفريتاً» وهاجسه الفرار من الوصايات

خاص عرفات مستقبلاً عمرو موسى عام 1993 (أ.ف.ب) p-circle 03:53

عمرو موسى: عرفات كان «عفريتاً» وهاجسه الفرار من الوصايات

في الحلقة الأخيرة من مقابلته مع «الشرق الأوسط»، يشارك عمرو موسى لمحات عن قادة ووزراء عرب عمل معهم.

غسان شربل (القاهرة)
خاص جانب من الصورة التذكارية لآخر قمة جمعت عمرو موسى بمعمر القذافي في سرت الليبية عام 2010 (أ.ف.ب) p-circle 08:37

خاص عمرو موسى: عاملني القذافي في البداية بوصفي جاسوساً أميركياً ثم تغيرت الأمور

عمرو موسى يروي في الحلقة الثالثة من مقابلته مع «الشرق الأوسط» قصة لقاء أخير مع صدام حسين، وكيف كان القذافي صعباً ومتقلباً.

غسان شربل (القاهرة)
خاص عبد الناصر في حديقة منزله عام 1968 (غيتي) p-circle 02:28

خاص عمرو موسى: في 5 يونيو 1967 توقفت عن الإيمان بعبد الناصر

عمرو موسى يروي لـ«الشرق الأوسط» شهادته على التحولات العربية، من هزيمة 1967 إلى السلام مع إسرائيل. قلق على مستقبل مصر ويشدد على ضرورة «الحكم الرشيد».

غسان شربل (القاهرة)

تباين حول تأثير «تثبيت الفائدة» على قرارات المصريين بشأن الادخار


اجتماع رئيس الوزراء المصري مع محافظ البنك المركزي حسن عبد الله الأحد الماضي لبحث تعزيز الاستقرار المالي (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
اجتماع رئيس الوزراء المصري مع محافظ البنك المركزي حسن عبد الله الأحد الماضي لبحث تعزيز الاستقرار المالي (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
TT

تباين حول تأثير «تثبيت الفائدة» على قرارات المصريين بشأن الادخار


اجتماع رئيس الوزراء المصري مع محافظ البنك المركزي حسن عبد الله الأحد الماضي لبحث تعزيز الاستقرار المالي (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
اجتماع رئيس الوزراء المصري مع محافظ البنك المركزي حسن عبد الله الأحد الماضي لبحث تعزيز الاستقرار المالي (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

تباينت آراء خبراء حول تأثير قرار «تثبيت سعر الفائدة» على قرارات المصريين بشأن الادخار، خاصة أنه يتزامن مع «تذبذب الذهب وسعر الدولار وتقلبات في أسواق العقارات». فبينما أكد البعض أنه «لا يوجد تأثير مباشر»، تحدث آخرون عن أن «القرار سيدفع كثيرين إلى البحث عن أوعية ادخارية أخرى».

وقررت لجنة «السياسات النقدية» في «البنك المركزي المصري»، مساء الخميس، تثبيت سعر الفائدة، والإبقاء على عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية عند 19و20 و19.5 في المائة، كما تم الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند 19.5 في المائة.

وأشار «المركزي»، إلى أن قرار تثبيت الفائدة جاء «انعكاساً لتقييمه أحدث تطورات التضخم وتوقعاته»، إلى جانب «التغيرات في المخاطر المحيطة بمسار الأسعار والنشاط الاقتصادي». وأوضح أن الاقتصاد العالمي «لا يزال يتأثر بالتوترات الجيوسياسية والصراعات التجارية، وهو ما يفرض حالة من عدم اليقين بشأن آفاق النمو العالمي، والتضخم وأسعار السلع الأساسية، خاصة الطاقة».

وبحسب «المركزي»، فإن هذه التطورات قد تؤدي إلى «زيادة تقلبات الأسواق العالمية وتشديد الأوضاع المالية، في الوقت الذي تواصل البنوك المركزية الكبرى تقييم مسارات السياسة النقدية وفقاً لتطورات التضخم والنشاط الاقتصادي».

وتزامن قرار تثبيت «الفائدة» مع تقلبات تشهدها أسواق الذهب والعقارات في البلاد، فضلاً عن تذبذب سعر الدولار، الذي بلغ، الجمعة، نحو 51.80 جنيه، وهو ما أثار تساؤلات بشأن تأثير «تثبيت الفائدة» على قرارات المصريين في الادخار.

الخبير الاقتصادي كريم العمدة يرى أنه رغم قرار التثبيت، فإن سعر الفائدة ما زال مرتفعاً، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا سوف يشجع كثيرين على ادخار أموالهم في البنوك، لأنها ما زالت الخيار الآمن، مقارنة بأي وعاء ادخاري آخر».

ويؤكد أنه على «الجانب الآخر سيكون لقرار تثبيت الفائدة تأثير سلبي على الاقتراض للتوسع في مشروعات اقتصادية أو تجارية أو إنشاء أنشطة جديدة، حيث سيحجم كثيرون عن اللجوء للاقتراض».

بشأن الدلالات الاقتصادية لقرار «تثبيت الفائدة»، يوضح العمدة أن هذا يعني أن «معدل التضخم تحت السيطرة وفي حدود معقولة».

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وأكد «المركزي المصري»، استمرار تحسن مؤشرات النشاط الاقتصادي بالبلاد، حيث «سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بنسبة 4.7 في المائة خلال الربع الثاني من العام الحالي، مقارنة بنحو 5 في المائة خلال الربع المقابل من العام الماضي».

كما ارتفع معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 5.1 في المائة خلال العام المالي 2025/2026، مع توقعات باستمرار التعافي خلال العام المالي 2026/2027.

ويعتقد الخبير الاقتصادي وائل النحاس، أن «قرار تثبيت سعر الفائدة ليس له تأثير مباشر على قرارات الادخار»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «معظم حسابات الادخار في البنوك سواء عبر الشهادات أو الودائع تكون ممتدة زمنياً لمدد تصل إلى 3 سنوات، لذلك لن تتأثر خيارات الادخار».

وبحسب النحاس، فإن «تثبيت الفائدة هدفه الحد من زيادة تكلفة الدين المحلي، لأنه في حال رفع الفائدة ستزيد تكلفة الدين مما يزيد عجز الموازنة».

مصري يستبدل دولارت داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

أما الخبير الاقتصادي، رشاد عبده، فيرى أن «تثبيت سعر الفائدة» قد يدفع كثيراً من المصريين إلى البحث عن بدائل ادخارية أخرى، ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعد قرار رفع سعر الفائدة في أميركا، كان متوقعاً أن يقوم (المركزي المصري) باتخاذ قرار مماثل، لكن يبدو أن قرار الإبقاء على الفائدة دون تغيير له أبعاد أخرى».

ووفق رأي عبده فإن «كل رفع لسعر الفائدة بنسبة 1 في المائة يكلف الدولة نحو 70 مليار جنيه فوائد ديون محلية»، ويشير إلى أن «كثيراً من المصريين قد يضطرون إلى البحث عن أوعية ادخارية غير البنوك مثل الذهب أو العملة الدولارية».

وأكد «البنك المركزي» في بيانه، مساء الخميس، أن «مسار التضخم خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطاً بتطورات أسعار السلع عالمياً، خاصة الطاقة، إلى جانب تحركات أسعار الصرف والأوضاع المالية العالمية والمحلية».


خطبة الجمعة بالمساجد المصرية تؤكد «حرمة تصوير الأفراد من دون إذنهم»

خطبة الجمعة من مسجد الشرطة بمحافظة سوهاج (صفحة وزارة الأوقاف المصرية على «فيسبوك»)
خطبة الجمعة من مسجد الشرطة بمحافظة سوهاج (صفحة وزارة الأوقاف المصرية على «فيسبوك»)
TT

خطبة الجمعة بالمساجد المصرية تؤكد «حرمة تصوير الأفراد من دون إذنهم»

خطبة الجمعة من مسجد الشرطة بمحافظة سوهاج (صفحة وزارة الأوقاف المصرية على «فيسبوك»)
خطبة الجمعة من مسجد الشرطة بمحافظة سوهاج (صفحة وزارة الأوقاف المصرية على «فيسبوك»)

أثارت خطبة الجمعة في المساجد المصرية نقاشاً حول الحدود الفاصلة بين حماية خصوصية الأفراد وحق المواطنين في توثيق وقائع قد تنطوي على اعتداء أو مخالفة أو مساس بالمصلحة العامة، وذلك بعدما خصصت وزارة الأوقاف خطبة هذا الأسبوع لموضوع «حرمة تصوير الأفراد من دون إذن».

وحذّرت الخطبة من «اختراق خصوصية الناس» وتصويرهم من دون إذن، مؤكدة أن حرمة الخصوصية لا تقتصر على الأماكن المادية، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي، وما يتضمنه من صور ومعلومات وبيانات شخصية، ومحذرةً من الأضرار التي قد تترتب على التقاط الصور ونشرها وتداولها عبر الوسائط الرقمية.

وتكررت خلال الفترة الأخيرة وقائع أسهم تصويرها وتداولها في كشف ملابساتها أو تحريك إجراءات رسمية بشأنها، ما يُثير تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين حماية الخصوصية ومشروعية التصوير بوصفه، في بعض الحالات، وسيلةً لإثبات حق أو توثيق واقعة اعتداء.

وتقول أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة، عضو مجلس النواب، الدكتورة نشوة عقل، لـ«الشرق الأوسط»، إن ثمة ضرورةً للتمييز بين «الاعتداء على خصوصية شخص دون مبرر، واستخدام الكاميرا لتوثيق واقعة تستدعي ذلك».

وترى أن «تصوير شخص عادي دون مبرر أو رغماً عنه يمكن أن يُمثل تعدياً على خصوصيته، ما دام الأمر لا يتعلق بشخصية عامة أو بواقعة تستدعي التوثيق»، مضيفةً أنه «إذا كان الشخص يرتكب مخالفة، فإن التصوير في هذه الحالة يمكن أن يصبح شاهداً على الواقعة ووسيلة لتوثيقها».

لكن نشوة عقل تفرّق بين توثيق الواقعة ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، موضحةً أن المسار الطبيعي لمن يصور مخالفة بقصد إثباتها هو تقديم المادة المصورة ضمن بلاغ إلى الجهات المختصة، وليس بالضرورة طرحها للتداول العام.

وتربط لجوء بعض المواطنين إلى نشر تلك المقاطع بسرعة الاستجابة التي توفرها مواقع التواصل الاجتماعي، موضحة أن «المواطن بات يلاحظ اهتماماً سريعاً بالوقائع التي تنتشر عبر المنصات الرقمية، في حين قد يستغرق البلاغ الذي يسلك مساره القانوني المعتاد وقتاً أطول».

وتعدّ نشوة عقل أن المسؤولية في هذه الحالة «موزعة بين الأفراد وجهاز الشرطة»، داعيةً إلى «التعامل بالاهتمام نفسه مع البلاغات المقدمة عبر المسار القانوني، بما يقلل حاجة المواطنين إلى نشر الوقائع، على أن تحظى بالسرعة والاهتمام نفسيهما اللذين تحظى بهما الوقائع المنشورة عبر مواقع التواصل».

وتضمنت «خطبة الجمعة» التي طالبت وزارة الأوقاف الأئمة بالالتزام بها، تحذيراً من «اختراق خصوصية المواطنين»، مشيرةً إلى أن «حرمة الخصوصية لا تقف عند حدود المكان الملموس الذي تطؤه قدماك، بل تمتد بكل ثقلها ومسؤوليتها إلى كل فضاء معنوي أو رقمي».

لقطة من المقطع المتداول لاعتداء سيدة على فرد أمن بأحد المجمعات السكنية في مصر (صورة متداولة على منصة «إكس»)

ويرى خبير الإعلام الرقمي، محمد فتحي، أن القضية تستدعي التفرقة بين «حق الإنسان في الخصوصية وحق المجتمع في المعرفة والتوثيق»، موضحاً أن «المشكلة ليست في التصوير في حد ذاته، وإنما في الهدف منه، وكيفية استخدام المادة المصوّرة».

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يوثّق شخص واقعة اعتداء أو مخالفة أو إهمالاً أو سلوكاً يُمثل خطراً على الآخرين، فقد يكون للتصوير مبرر يرتبط بالمصلحة العامة، خصوصاً إذا كان الهدف تقديم دليل إلى الجهات المختصة، سواء وزارة الداخلية أو النيابة العامة. بينما يختلف الأمر حين يتحول التصوير إلى وسيلة للتشهير، أو كشف تفاصيل الحياة الخاصة، أو تحقيق المشاهدات على حساب خصوصية الأشخاص».

ويضيف: «مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت بالفعل قناة فعالة لعرض شكاوى المواطنين ووصولها سريعاً إلى مؤسسات الدولة، لكن هذا الدور لا يعني أنها أصبحت بديلاً عن جهات التحقيق والقضاء»، مضيفاً: «على أي شخص أن يوثق ما يخدم المصلحة العامة، ويحمي ما ينتمي إلى الحياة الخاصة، ولا يجعل تحقيق المشاهدات مبرراً لانتهاك خصوصية الأشخاص».

ومن الناحية القانونية، يشير المحامي الجنائي محمد عبد المقصود، إلى أن التصوير قد يصبح «وسيلة لتوثيق واقعة وحفظ دليل يمكن تقديمه إلى الجهات المختصة ضمن بلاغ رسمي، وهو ما يفسر لجوء البعض إلى كاميرا الهاتف الجوال عند التعرض لمخالفة أو اعتداء».

بينما يؤكد، من ناحية أخرى، لـ«الشرق الأوسط» أن القانون المصري «يوفر حماية للحياة الخاصة، ويجرِّم تسجيل أو نقل صور الأشخاص في الأماكن الخاصة دون رضاهم، كما قد تمتد المسؤولية إلى تداول المادة المصورة إذا انطوت على اعتداء على الخصوصية»، مشدداً على «ضرورة التفرقة بين التوثيق وانتهاك الحياة الخاصة أو توسيع نطاق تداول المادة المصورة».

وبرزت خلال الفترة الأخيرة وقائع عدة لعب فيها التصوير دوراً في كشف ملابساتها أو تحريك إجراءات رسمية بشأنها. ففي سبتمبر (أيلول) الحالي، وثّق مقطع فيديو واقعة تعدّي سيدة على فرد أمن إداري بأحد التجمعات السكنية (كومباوند) في «نيو جيزة» بمحافظة الجيزة (جنوب القاهرة)، قبل أن تتولى الأجهزة الأمنية فحص الواقعة وضبط السيدة، فيما أمرت النيابة بالتحفظ على المقطع وفحصه، إلى جانب تفريغ كاميرات المراقبة المحيطة بموقع الواقعة.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، قاد تداول مقطع مصور لواقعة تحرش بفتاة في منطقة الهرم بمحافظة الجيزة إلى تحرك الأجهزة الأمنية، وتحديد السيارة الظاهرة في المقطع وضبط قائدها، الذي أقر بارتكاب الواقعة.


«آلية تسعير جديدة» للدواء في مصر تثير مخاوف من زيادات مرتقبة

آلية تسعير الأدوية الجديدة تستند إلى 3 مؤشرات اقتصادية (هيئة الدواء المصرية)
آلية تسعير الأدوية الجديدة تستند إلى 3 مؤشرات اقتصادية (هيئة الدواء المصرية)
TT

«آلية تسعير جديدة» للدواء في مصر تثير مخاوف من زيادات مرتقبة

آلية تسعير الأدوية الجديدة تستند إلى 3 مؤشرات اقتصادية (هيئة الدواء المصرية)
آلية تسعير الأدوية الجديدة تستند إلى 3 مؤشرات اقتصادية (هيئة الدواء المصرية)

أثارت «آلية تسعير جديدة» للدواء في مصر مخاوف من زيادات مرتقبة في أسعار الأدوية؛ ما يشكل عبئاً اقتصادياً على المرضى، في ظل استمرار الشكاوى من نقص بعض العقاقير.

واعتمدت هيئة الدواء المصرية (الجهة الحكومية المسؤولة عن تنظيم سوق الدواء)، نظاماً جديداً لتحديد أسعار المستحضرات الدوائية، يربط الارتفاع أو الانخفاض بثلاثة مؤشرات اقتصادية، هي سعر الصرف والتضخم وأسعار الفائدة.

وأصدرت «الهيئة»، مساء الخميس، القرار رقم 480 لسنة 2026 بشأن ضوابط وإجراءات تسعير المستحضرات الطبية، وتضمن القرار قواعد جديدة لتسعير الأدوية المحلية والمستوردة والمستحضرات، إلى جانب آلية لمراجعة الأسعار في ضوء المتغيرات الاقتصادية كل 6 أشهر.

ويعد الدواء إحدى السلع المُسعرة جبرياً من الحكومة المصرية، كالمواد البترولية والخبز، وتضم السوق المصرية أكثر من 17 ألف دواء مسجل، حسب تقديرات نقابة صيادلة القاهرة.

وتستند آلية التسعير الجديدة إلى 3 مؤشرات اقتصادية، تشمل حركة سعر الصرف، وتمثل 60 في المائة من معادلة التسعير، إلى جانب معدل التضخم، ويمثل 30 في المائة من المعادلة، ثم التغير في أسعار الفائدة، وتشكل 10 في المائة في معادلة التسعير، وأتاح القرار إمكانية مراجعة معادلة التسعير خلال مدة أقل من 6 أشهر، حال حدوث ظروف استثنائية تستدعي ذلك.

وشدد القرار على أنه لا تُرفع أسعار المستحضرات؛ إلا إذا أظهرت المعادلة زيادة لا تقل عن 10 في المائة، مع استمرار المتغيرات الاقتصادية المؤثرة لمدة 45 يوماً على الأقل، وفي المقابل يمكن للهيئة خفض الأسعار إذا بلغت نسبة الانخفاض 10 في المائة على الأقل، واستمرت المتغيرات المؤثرة للمدة نفسها.

نظاماً جديداً لتحديد أسعار المستحضرات الدوائية (هيئة الدواء المصرية)

ووفق رئيس شعبة الأدوية بـ«اتحاد الغرف التجارية» بمصر علي عوف، «يحقق نظام التسعير الجديد التوازن بين شركات الأدوية والصيادلة والمرضى»، وقال إن «القرار كان ضرورياً لتحقيق التوازن في معادلة الأسعار بسوق الدواء، خصوصاً أن آخر قرار لتسعير الدواء كان قبل عامين في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 رغم الآثار الاقتصادية التي انعكست على سعر الصرف داخل البلاد».

ويرى عوف أن«القرار سينعكس إيجابياً على صناعة الدواء في مصر، ذلك أنه يتيح لشركات الدواء الأجنبية وضع خطط مستقبلية للسوق المصرية؛ ما يعزز من فرص استثمارها وإنتاجها في هذه السوق».

ويقول إن «نظام التسعير الحالي لا يحقق الشفافية»، ويلفت إلى أنه «لن تكون هناك زيادات في الأسعار مبالغ فيها؛ حيث إن معادلة التسعير، وفق المؤشرات الاقتصادية، الحالية تشير إلى إمكانية تحريك الأسعار من 10 إلى 12 في المائة بحد أقصى».

ويوضح مدير «المركز المصري للحق في الدواء» محمود فؤاد (منظمة مدنية)، أن آلية التسعير الجديدة «ستضاعف من أعباء المرضى خصوصاً غير القادرين»، ويشير إلى أن«القرار أتاح إجراء تغيير أسعار الدواء من الشركات المصنعة ومن هيئة الدواء؛ ما يضاعف من الأعباء الاقتصادية»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه «رغم أن القرار يستهدف تحقيق التوازن في سوق الدواء، لكن هناك مخاوف تتعلق بمعادلة التسعير الجديدة».

ونص القرار على أن «تقوم هيئة الدواء المصرية بمراجعة أسعار المستحضرات الخاصة بكل شركة على مدار 3 أشهر»، كما «يسمح القرار لصاحب تسجيل المستحضر بطلب إعادة تسعيره بعد مرور 6 أشهر على الأقل من آخر إخطار تسعير، في حين تدرس الهيئة الطلب استناداً إلى تكلفة المستحضر وأسعاره في الدول المرجعية وأسعار البدائل العلاجية إلى جانب دراسات التقييم الاقتصادي».

آلية جديدة لتسعير الدواء في مصر (وزارة الصحة المصرية)

ويعتقد فؤاد أن «القرار الجديد لا يضع ضمانات واضحة فيما يتعلق بتوفير أصناف الدواء غير المتوفرة في السوق»، ويشير إلى أن «هناك شكاوى من عدم توافر بعض الأصناف والمستحضرات الدوائية، خصوصاً التي يتم استيرادها من الخارج، أو التي يتم استيراد المواد الخام لتصنيعها محلياً».

وتتكرر شكاوى مواطنين من نقص بعض الأصناف الدوائية في الصيدليات، وخصصت هيئة الدواء المصرية «خطاً ساخناً لتلقي شكاوى المرضى عن نواقص الأدوية.