عمرو موسى: في 5 يونيو 1967 توقفت عن الإيمان بعبد الناصر

قال لـ«الشرق الأوسط»: أنا قلق من غياب الحكم الرشيد في مصر منذ 70 عاماً (1 من 4)

TT

عمرو موسى: في 5 يونيو 1967 توقفت عن الإيمان بعبد الناصر

عبد الناصر في حديقة منزله عام 1968 (غيتي)
عبد الناصر في حديقة منزله عام 1968 (غيتي)

عرفتُ سياسيين غمرتهم العزلة حين فقدوا مباركة صانع المصائر وسلموا مفاتيح مكاتبهم. وعرفت قلة احتفظت بحضورها وبريقها رغم خسارة الأختام. عمرو موسى واحد من هذه القلة. يبحر في النصف الثاني من الثمانينات متابعاً للأحداث وقارئاً للتحولات.

على مدى نصف قرن كان عمرو موسى شريكاً أو شاهداً في المحطات التي هزت العالم العربي. عمل مندوباً لمصر في الأمم المتحدة، ثم وزيراً للخارجية، لينتقل بعد ذلك إلى مهمة شاقة كأمين عام لجامعة الدول العربية. وضعته هذه التجربة الطويلة على تماسٍ مع نظرائه في الإقليم وخارجه، وكان عليه أن يتعامل مع قادة من طبائع مختلفة وسياسات متباينة مثل صدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي وياسر عرفات.

قلت نزور ذاكرته الغنية لنسأله عن محطات ورجال، واتسع صدره لأسئلتنا. استوقفتني في إجاباته عبارات كثيرة. لم يخفِ قلقه من المستقبل، مشيراً إلى أن «مصر تدفع ثمن 70 عاماً من غياب الحكم الرشيد». وقال إنه توقف في الساعة التاسعة من صباح الخامس من يونيو (حزيران) 1967 عن «الإيمان بعبد الناصر» بعدما اكتشف أن «البيانات تكذب ومصر مهددة».

اعتبر أن الرئيس أنور السادات قام بعمل «سليم جداً» حين استعاد كل الأرض التي ضاعت في الحرب الشهيرة، ملاحظاً أن مرتفعات الجولان لا تزال محتلة.

لم أسأل عمرو موسى عن الجريمة الإسرائيلية المتمادية في غزة فموقفه منها معروف وعبّر عنه في تصريحاته وفي مقالاته في «الشرق الأوسط».

عمرو موسى متحدثاً إلى رئيس تحرير «الشرق الأوسط» غسان شربل (الشرق الأوسط)

لم تغب عن الحوار أغنية شعبان عبد الرحيم (شعبولا) «أنا بكره إسرائيل وبحب عمرو موسى» التي دفعت بعض المحيطين بمبارك إلى مطالبة المغني بنسخة تحمل اسم مبارك مكان موسى. ولم يغب ذكر المتنبي الذي يتذكر موسى أن وزير الخارجية الليبي الأسبق عبد الرحمن شلقم كان يحمل ديوانه في حقيبته.

«الحكم الرشيد ضرورة»

سألت عمرو موسى إن كان قلقاً على مستقبل مصر، فأجاب: «لا بد أن من أكون قلقاً، والقلق شيء جيد، وعدم القلق يعني أنك تسبح في خيالات. كل هذه المصائب التي نحن فيها، دولية وإقليمية وجوارية، ولا أكون قلقاً؟ ليس ممكناً. لا بد من أن يكون المرء قلقاً، وأنا من هؤلاء القلقين. مصر، تحديها الكبير، الكبير جداً، هو زيادة عدد السكان، وأنا من المؤمنين بشعار أراه على التلفزيون: الجمهورية الجديدة. نحن في حاجة إلى جمهورية جديدة، والجدة هذه تأتي من تطبيق الحكم الرشيد بالكامل. ماذا يعني الحكم الرشيد؟ تعرف نظرية الأواني المستطرقة، مرفق التعليم ومرفق الصحة ومرفق الدفاع ومرفق السياسة الخارجية ومرفق التموين ومرفق الكرة ومرفق الحكم المدني وغيرها، كلها يجب أن تُعطى الأهمية المناسبة المتوازية في الوقت نفسه».

وأوضح فكرته: «نحن يجب أن نهتم بالبشر وبالحجر وبالشجر، أي الثروة الزراعية. الحجر لا يعني طرقاً فقط، بل يعني طرقاً وفنادق ومباني ومدناً جميلة، نحن نرى المدن، أناقة المدن شيء عظيم جداً، والقاهرة عندما تراها، القاهرة القديمة والفسطاط وقاهرة المعز، ترى عز زمان، وعندما ترى قاهرة الخديو ترى أناقة الجزء الثاني من القرن التاسع عشر والذي استمر حتى خمسينات القرن الماضي، ولم يعد هناك اهتمام بالمدينة، والقرية. أنا لا أؤمن بأن مصر دولة فقيرة، هي دولة غير فقيرة. ما تحتاج إليه هو إدارة الثروة، واستخراج الثروة، والتجارة. هذا من الأمور المطروحة الآن أن يكون هناك مسار جديد لمصر. هناك حكومة جديدة ونرجو أن تأتي بسياسة جديدة وتعبر عن أوضاع جديدة، وهذا ممكن».

نهاية الإيمان بعبد الناصر

حديث غياب الحكم الرشيد أعادني إلى الماضي. كان يوم 5 يونيو 1967 منعطفاً مؤلماً في حياة مصر والعرب وزعامة جمال عبد الناصر. أين كان عمرو موسى وبماذا شعر؟ ها هو يروي: «أنا كنت شاباً من الأنصار المتحمسين لجمال عبد الناصر، وكنت عضواً في التنظيم الطليعي، وكنت أتابع المسيرة المصرية بصفتي شاباً له رغبة دائمة في المتابعة السياسية. عدم الانحياز. رفض الأحلاف. الصف العربي. وهذا كله تجسد فيما يقوله عبد الناصر.

أنا من عائلة وفدية (منتمية إلى حزب الوفد الليبرالي). عائلة من الريف ومنها كان النواب والشيوخ والعمد والفلاحون العاديون، وكان لهم خط وطني، هناك نقاش وطني دائماً حتى في القرية، ماذا يحدث هنا؟ ماذا حصل في فلسطين؟ أول مرة أسمع بفلسطين كانت في القرية. أولاد صغار. فلسطين، فلسطين. وربما من أجل أن تعرف أثر ذلك أقول إنني بدأت أفيق. فلسطين، سمعت، وقرأت في الصحيفة كل يوم عندنا في البيت. سمعت عبد الوهاب يغني لفلسطين: أخي جاوز الظالمون المدى. لن أنساها».

وأضاف: «هذه التعبئة الكبيرة، الأدبية والفنية زائداً حقائق ما حدث في فلسطين، تربينا عليها. سمعناها ونحن في القرية، وهذا أدى إلى أن أتعاطف وأتقبل بسهولة الطرح الناصري، إلى يوم 5 يونيو في التاسعة صباحاً. كنت آتياً من البيت وأسمع في الراديو إسقاط طائرات إسرائيلية وتصريحات منها مثلاً تصريحات وزير خارجية العراق عدنان باجه جي بأننا نقترب من تل أبيب... تصريحات كبيرة جداً. وبيانات إسقاط طائرات. وأنا بالسيارة ثم صعدت إلى المكتب. كنت في مكتب وزير الخارجية. مكتب وزير الخارجية لديه الكثير من الأخبار التي تأتي. رأيت الأخبار وكانت شيئاً مختلفاً كلياً. إذاً، هناك كذب علينا، نحن نتكلم. أكذب عليك وأنت تكذب عليّ، لا. البلد في خطر. وبعد قليل، كلام في (بي بي سي) أن إسرائيل وصلت إلى القناة. الشاطئ الشرقي لقناة السويس. الحقيقة صُدمت. شاب بدأ يفهم، وهو عضو في السلك الدبلوماسي المصري. عندها توقفت عن أن أؤمن بجمال عبد الناصر. أقول لك: الساعة التاسعة من صباح 5 يونيو 1967 توقفت عن الإيمان بعبد الناصر».

عبد الناصر والزعيم السوفياتي نيكولاي بودجورني خلال زيارة الأخير إلى القاهرة بعد الهزيمة بأسابيع (غيتي)

«أنا مازلت أتابع جمال عبد الناصر وما ينشر عنه في السوشيال ميديا وما يذاع، مثل خطبه. لو سمعت خطبة لعبد الناصر أوقف كل شيء وأسمعها، وأنا عارف النتيجة. نحن في القرن الحادي والعشرين، وأعرف نتيجة ما حصل، ويقودني هذا إلى أن أتعاطف معه على أمل أن ما يقوله سيحصل. وأنا عارف أنه لم يحصل، إنما جاذبية عبد الناصر لا تزال عندي ولا أزال، لو هناك أغنية جميلة لأم كلثوم وعبد الوهاب وخطبة لعبد الناصر، أترك الاثنين وأستمع إلى عبد الناصر. هذا الجزء الأول».

«أما الجزء الثاني، فيتعلق بإيماني أو عدم إيماني بعبد الناصر. المسؤولية مسؤولية رئيس الدولة عندما تحصل كارثة من هذا النوع. لا جدال في ذلك. المسؤول هو. الجيش ثلثه على الأقل، أو جزء كبير منه في اليمن، وتلعب لعبة خطرة على المستويين الدولي والإقليمي مع إسرائيل وجيشك ليس جاهزاً؟ على الأقل، تعمل حساباً لاحتمال أن يهجم عليك. مَن سيدافع؟ الجيش في اليمن يقوم بمهمة ليست الدفاع والهجوم في الصحاري الكبيرة في سيناء. هذه مسؤولية كبيرة جداً، لا يصح أن يقامر أحد بمصير بلده. في الحرب والسلام لا يصح أن يكون القرار لشخص واحد. أنا وكثيرون نُحمّل عبد الناصر المسؤولية، ونحن حزينون جداً لما حدث، وبالتالي ما قام به أنور السادات في هذا الشأن كان الشيء السليم جداً».

عبد الناصر والطعام السويسري

تذكرت الجدل الذي أثاره تصريحه بأن عبد الناصر كان يطلب أطعمة معينة من سويسرا وهو كان دبلوماسياً فيها، فقال: «للحقيقة لو رجعت إلى الصياغة، أنا لم أقل ذلك. أنا كنت أتكلم في إطار أنه كيف يؤخذ الناس، خصوصاً البسطاء، بزعيم له هذه الكاريزما. وأنا كنت ملحقاً في سفارة مصر في سويسرا في ذلك الوقت، كان هناك مَن يأتي من أجل أن يأخذ أكلاً معيناً لجمال عبد الناصر الذي كان مصاباً بالسكري. هذا الطعام خاص بالذين لديهم سكري، وليس للمتعة. ربما تكون هناك عناصر أخرى للمتعة أضافها، إنما أساساً جاء لهذا الطعام.

عبد الناصر في حديقة منزله عام 1968 (غيتي)

هذا كان في ستينات القرن الماضي، ولم يكن هنا في القاهرة أي شيء من هذا النوع. أنت الرئيس، ولك أن تأخذ مثل هذه الحاجات الخاصة بمرض السكري، إنما كان السياق أن الشخص الذي كان يأتي ليحضرها وطريقة حديثه عن جمال عبد الناصر، وهو لا يعرف سوى هذه العظمة التي يراها أمامه، مقاربة بنيكسون وجونسون. يقول: يا أستاذ عمرو نحن عندنا أعظم رئيس في العالم. كلام من هذا النوع.

أنا كنت أتحدث في مناسبة عن كيف يتكوّن لدى الشخص البسيط هذا الانطباع المتفرد بأن زعيمه هو زعيم العالم كله. أنا قلت هذا الكلام، وأمسك به بعض أنصار تأليه عبد الناصر... (تساءلوا مستنكرين): هل عبد الناصر مناصر الفقراء يطلب أكله من سويسرا؟ لا، لم يكن يطلب طعامه من سويسرا، إنما كان يُرسَل إليه طعام خاص بمرض السكري، وهو ليس موجوداً في القاهرة. ويمكن أن تقبل فكرة أن رئيساً من الرؤساء يأخذ الطعام لأنه مريض، وهذا الطعام غير متوفر في البلد الذي هو فيه. قامت الضجة لهذا السبب، وأنا تمسّكت بموقفي وهو لم يتغير قط. هذا هو ما حدث. ومؤخراً، قال أحد زملائنا من السفراء، السفير منير زهران في حديث مع قناة (العربية): نعم طبعاً هذا كان يحصل. لا مصلحة لنا أن نقول كلاماً غير سليم».

وعن شعوره حين عبر الجيش المصري في حرب 1973 «خط بارليف»، قال: «طبيعي، السعادة الغامرة. السعادة الوطنية. ليست سعادة شخصية، بل سعادة وطنية بأن الأداء، أداء الجيش المصري، أداء الجنود والضباط، كان أداءً متميزاً. الكلام الذي قيل قبل ذلك، طعناً فيهم، وإسرائيل قالت إنها الجيش الذي لا يُقهر، وإذا به أصبح يُقهر. أول عملية أو معركة قُهر فيها الجيش الإسرائيلي كانت هذه. أولاً العبور، ثم خط بارليف. هذا كان شيئاً عظيماً جداً، وشعوري الوطني شعور بأنه على الأقل رددنا الإهانة، أو بدأنا نرد الإهانة. كان شيئاً مهماً جداً. المصريون لم يكن من الممكن أن يتسامحوا في استمرار الاحتلال أبداً».

وتابع: «لم يكن أحد يرتاح في حكم مصر قط إذا استمر الاحتلال من دون علاج. أنور السادات اتخذ القرار الصحيح واشتغل على التدريب الصحيح، والتخطيط الصحيح، والحدود التي يعمل فيها، وكيف رأى العمل العسكري الذي يجب أن يكمله العمل الدبلوماسي والسياسي. هذه كانت عملية عظيمة للغاية أدت إلى الانسحاب الإسرائيلي من سيناء. أضاعت الهزيمة أرضاً مصرية فاتخذ السادات القرار الذي أدى إلى استعادتها كاملة. أنا مصري، لا يمكن أن أقبل أبداً أن دولة صغيرة مثل إسرائيل تحتل أرضاً واسعة من مصر وهزيمة مصر أمامها. هذه مسألة لم أتقبلها قط. لم أتقبلها».

عبد الناصر والسادات

سألته عن أسلوب عبد الناصر والتنافس بين أنصاره وأنصار السادات، فقال: «طبعاً، هناك تنافس بين أنصار هذا وأنصار ذاك. وطريقة وأسلوب أنصار عبد الناصر، وأسلوب أنور السادات. أسلوب عبد الناصر قائم على الفرد. أنور السادات، قد يكون لديه نفس النزعة، أنه هو الفرعون، وهو كان يقول إنه آخر الفراعنة.

عبد الناصر والسادات قبل حرب 1967 بشهور (غيتي)

أنور السادات شعر بأن لديه مسؤولية استعادة الأرض والانتقام لهزيمة الجيش المصري، وهذا كان قوة نفسية مهمة جداً حرّكته. صديقي مصطفى الفقي، وهو أحد الدبلوماسيين ومفكر جيد، يقول إن جمال عبد الناصر كان زعيماً كبيراً إنما أنور السادات كان رجل دولة. أي أنه يفكر بالدولة وكيفية إدارتها. أهم شيء عنده، أولوياته، كان الانتقام لما حصل في 5 يونيو 1967، وهو كان محقاً في ذلك. طبعاً أنور السادات كان يفكر بمنطق الدولة ورئيس الدولة ومسؤوليته... إلخ، إنما عبد الناصر كانت الزعامة جزءاً منه. مسلّمة لديه».

دخول السادات الكنيست كغزو القمر

وعن شعوره يوم رأى السادات واقفاً في الكنيست الإسرائيلي، قال: «هذه تركيبة معقّدة جداً. مشاعرنا. أنا كنت في وزارة الخارجية في القاهرة. وأجزاء من الكلام الذي قاله كُتب في وزارة الخارجية، إنما المبادرة في ذاتها كانت كغزو القمر. أذكر أنه، في المبادرة هذه عندما ذهب الرئيس السادات، كان على مشارف عيد، وكنت في الإسكندرية، خلت الشوارع من المارة تماماً كما خلت الشوارع عندما داست أقدام أول آدمي القمر. شيء جميل. هناك جرأة لا تحتاج إلى كلام. والخطاب كان مكتوباً جيداً وليست فيه تنازلات، وفيه وفيه.

جانب من خطاب السادات في الكنيست عام 1977 (غيتي)

كتب الخطاب موسى صبري الذي كان رئيس تحرير «الأخبار» وأسامة الباز الذي كان مديراً لمكتب وزير الخارجية، وأنا كنت مع الباز في ذلك الوقت. المساهمان الرئيسيان موسى صبري وأسامة الباز، في كتابة هذا الخطاب المهم التاريخي. الطرح فيه هو أن مصر تقول لهم: مستعدون للسلام أم لا؟ أنا مستعد للسلام بدليل وجودي هنا، إنما للسلام شروط وتعريف وكذا وكذا. وهذا ما سارت عليه مصر، وكنا نتفاوض على مسارين: مصر والأراضي المصرية، وفلسطين والأراضي الفلسطينية. رأساً برأس على الدوام».

نصيحة تشاوشيسكو للسادات

نقلت إلى موسى ما سمعته من أسامة الباز الذي قال لي: «لا تصدق ما يقال: فكرة زيارة إسرائيل هي من السادات نفسه وليست اقتراحاً أميركياً»، فرد موسى: «نعم، لم تكن اقتراحاً أميركياً، وإنما الفكرة التي كانت في رأس أنور السادات جرت تنميتها بواسطته هو. هو كانت لديه هذه الفكرة أن يقوم بحدث ضخم يهزّ الدنيا ويدفع إسرائيل إلى تحويل سياستها باتجاه الوصول إلى حل سلمي. أساساً، انسحاب إسرائيل من الأراضي المصرية المحتلة.

أنا لا أستبعد أن بعض رؤساء أوروبا الشرقية الضالعين في العلاقات مع إسرائيل مثل (الزعيم الشيوعي الروماني نيكولاي) تشاوشيسكو شجّعوا أنور السادات على هذه الفكرة، أو أن السادات استشارهم لأننا قرأنا أنه سأل بالذات عن مناحيم بيغن، مَن هو بيغن؟ إنه لو زاره وتحدث معه يأخذ منه حاجة. مَن هو؟ وقرأنا أن تشاوشيسكو لاحظ أن بيغن من اليمين وأنه لو اتفق معك فلن تجد أي صعوبة، إنما لو كان شخصاً من اليسار سيفتح اليمين عليه جهنم. هذه تطورات التفكير، وإنما ليست فكرة أميركية. أنا أرى أن هذا أمر منطقي جداً، أما إذا كانت هناك مسألة تحت الطاولة ولم يعرف بها أسامة أو أنا أو غيري، فأستبعدها».

لو كنت وزيراً للخارجية يومها، هل كنت رافقت الرئيس السادات في رحلته إلى القدس؟ أجاب موسى: «لا أعرف. لا أعرف لأنني كنت مع وزير الخارجية الذي كان آنذاك، وهو إسماعيل فهمي، ولم يقبل الذهاب إلى القدس، بينما غيره قبل، بطرس غالي ومصطفى خليل الذي كان وزير خارجية ورئيس وزراء بعد ذلك. الرأي في مصر كان منقسماً. هو لم يكن ذاهباً للسياحة في إسرائيل، ولا ذاهباً للاعتراف لمجرد الاعتراف أو التطبيع إرضاء لهذا أو ذاك، كان ذاهباً لأن هناك أرضاً مصرية محتلة يريد استعادتها بعد حرب أكتوبر وبعد التعقيدات التي حصلت في هذا المسار. لا أستطيع أن أجزم بنعم أو لا».

لحظة وصول السادات إلى القدس عام 1977 (غيتي)

عرفات والأسد وفرصة كامب ديفيد

سألته إن كان ياسر عرفات خاف من الالتحاق بالسادات، فأجاب: «أعتقد نعم. أعتقد أنه خاف. لو التحق بأنور السادات كانت مصر ستحميه بالتأكيد، وربما كان سيأخذ شيئاً مهماً. أنور السادات وحده مع عدم وجود ياسر عرفات، وربما ببعض المقاطعة أو غير ذلك من القيادة الفلسطينية إزاء الرئيس السادات، الكلام الذي قلناه في كامب ديفيد، بالملحق الخاص بفلسطين أو الجزء الخاص بفلسطين، الحكم الذاتي الكامل، توطئة لمفاوضات بشأن الدولة الفلسطينية. تصور لو هذا تم في ذلك الوقت؟ طبعاً، تستطيع أن تقول لي، وأنا ما زلت أقول لنفسي، إن الخطة الإسرائيلية في منع قيام الدولة كانت منذ صدور قرار التقسيم».

تحدثت عن الجولان، سائلاً: هل تعتقد أن حافظ الأسد أخطأ لأنه لم يشارك السادات في مغامرة السلام في حينه؟ أجاب موسى: «أنور السادات لم يطلب منه المشاركة، بل طلب منه أن ينتظر ويرى ماذا سيحصل. إن لم يتمكن من الحصول على شيء، فإنه (السادات) سيكون مسؤولاً (عن ذلك) ولو تمكن من الحصول على شيء فالكل سيستفيد منه. طبعاً تردد أن الأسد راودته فكرة احتجاز السادات حين زاره في دمشق. لا، لا، لا تحصل ولو أن هناك بعض الرؤوس الحامية فكرت بذلك، طبقاً لما قرأناه، وليس معلومات. الحقيقة أن موضوع الجولان لا يزال على أجندة الكل، هل يمكن أن تنشئ نظاماً إقليمياً جديداً وإسرائيل متوسعة في الجولان أو أخذته كله أو معظمه؟ هل هذا ممكن؟ ليس ممكناً، وسيكون سبباً من أسباب القلق أو الإقلاق أو الاضطراب الإقليمي أيضاً، ونحن في الحقيقة، أنا لا أتكلم من منطلق القومية العربية الهتافية بل من منطلق منطقة هادئة تتفرغ للبناء وللتعاون الإقليمي. لا يكون هناك احتلال لا في أرض سورية ولا في أرض فلسطينية ولا في أرض لبنانية. بكل صراحة هكذا. ضروري. نحن أناس أوادم ونقول في هذه الأمور كلاماً معقولاً: هل أي منا يقبل بإهداء أرض لإسرائيل هكذا؟ لماذا؟ في أي مناسبة؟».

يوم اغتيال السادات

«تسألني عن يوم اغتيال السادات. شعرت بحزن شديد جداً. أنا كنت وقتها، لغرابة الأمر، الرجل الثاني، نائب رئيس الوفد المصري في الأمم المتحدة. كان رئيس الوفد الدكتور عصمت عبد المجيد، الله يرحمه، وذهب إلى الحج، وأصبحت أنا رئيس الوفد بالإنابة، ثم حصل الاغتيال. هناك إجراءات تتخذ. أنور السادات، كانت هناك ثورة عربية ضده، بعد كامب ديفيد، وربما ستكون هناك صعوبة في أن تحتفي الأمم المتحدة به وتقيم جلسة خاصة لتأبينه، فكلمت الأمين العام كورت فالدهايم، أنا رئيس الوفد المصري بالإنابة، وقلت له: حصل كذا وأنا غير متأكد من الوفاة، حصل اعتداء كبير على أنور السادات وليس لدي أي شيء رسمي، ولكن أرجو أن نستعد لأنه إذا حصل شيء فلتكن الجلسة بعد ظهر اليوم وليس غداً، لأنه لو حصلت غداً ستحصل تدخلات عديدة. فقال لي: حسناً، نعمل حسابنا على الثالثة بعد الظهر».

«كلمت مصر، وسألت عن الوضع، فلم أحصل على إجابة واضحة، فقلت لهم: الساعة الثالثة ستعقد جلسة لتأبين الرئيس السادات، وأريد أن أعرف الآن ما هو الوضع. في هذه الأثناء، كانت الأخبار من البيت الأبيض أن الرئيس قُتل. الذي كان يكلمني من مصر، قلت له: البيت الأبيض سرّب الخبر وسيعلن بعد قليل مصرع الرئيس السادات. فإما سآخذ بتعليماتكم بالسكوت، وأنا لن أقدر في مواجهة بيان من البيت الأبيض بهذا الشكل يعني أن الرئيس قُتل وستتم إقامة حفل تأبينه بعد الظهر. وبعد دقيقتين طلبوني من القاهرة، وقالوا: نعم توفي. هذا أولاً، ثانياً: مَن سيتكلم في هذا التأبين؟ المجموعة العربية وافقت على أن رئيس المجموعة العربية سيتكلم ويؤبن السادات. إسرائيل تريد أن تتكلم، وأنا لن أقدر على منعها، والرئيس سيعطيها الكلمة».

«لدى الإسرائيليين أيضاً نوع من السلوك الشرقي، ورئيس الوفد الإسرائيلي سيأتي ليسلم عليّ. توقعت ذلك، وكان يجلس أمامنا بعدد من الصفوف.

أتيت بشخص من الوفد وقلت له أنت تقف على بُعد 3-4 أمتار مني، وعندما ترى السفير الإسرائيلي آتياً سلم عليه. وفعلاً أتى وسلم عليه واحتضنه. كل هذا كان سيحصل معي. فرغ مشاعره لدى الشخص وعندما وصل إليّ سلمت عليه بيد ناشفة لمنعه من احتضاني، والكاميرات موجودة، وبالتالي قدّم عزاءه ورجع».


مقالات ذات صلة

عمرو موسى: عرفات كان «عفريتاً» وهاجسه الفرار من الوصايات

خاص عرفات مستقبلاً عمرو موسى عام 1993 (أ.ف.ب) play-circle 03:53

عمرو موسى: عرفات كان «عفريتاً» وهاجسه الفرار من الوصايات

في الحلقة الأخيرة من مقابلته مع «الشرق الأوسط»، يشارك عمرو موسى لمحات عن قادة ووزراء عرب عمل معهم.

غسان شربل (القاهرة)
خاص جانب من الصورة التذكارية لآخر قمة جمعت عمرو موسى بمعمر القذافي في سرت الليبية عام 2010 (أ.ف.ب) play-circle 08:37

خاص عمرو موسى: عاملني القذافي في البداية بوصفي جاسوساً أميركياً ثم تغيرت الأمور

عمرو موسى يروي في الحلقة الثالثة من مقابلته مع «الشرق الأوسط» قصة لقاء أخير مع صدام حسين، وكيف كان القذافي صعباً ومتقلباً.

غسان شربل (القاهرة)
خاص حديث بين حسني مبارك وعمرو موسى خلال قمة للدول النامية في القاهرة عام 2000 (أ.ف.ب) play-circle 02:23

خاص عمرو موسى: مبارك كان وطنياً جداً وليس بالسوء الذي صُوّر به

عمرو موسى يرسم لـ«الشرق الأوسط» صورة عن قرب للرئيس المصري الراحل حسني مبارك العاشق للأناقة والنكات، ويروي كواليس لقائه بالأسد بعد اغتيال الحريري.

غسان شربل (القاهرة)

الحكومة الجزائرية تلجأ للتهدئة لإخماد «ثورة الناقلين»

من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)
من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)
TT

الحكومة الجزائرية تلجأ للتهدئة لإخماد «ثورة الناقلين»

من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)
من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)

بعد أسبوعين من الاحتقان والاحتجاجات، التي شلت قطاع نقل المسافرين والبضائع في الجزائر، خضعت السلطات لضغط الشارع المهني بإقرار تعديلات جوهرية على مشروع قانون المرور المثير للجدل. ويأتي هذا التراجع من خلال مراجعة 11 مادة كانت محل نزاع، حيث تمَّ تخفيف العقوبات المُشدَّدة التي وصفها الناقلون بـ«التعجيزية».

خطوة لامتصاص الغضب

تهدف هذه الخطوة، في تقدير المراقبين للإضراب الذي شنَّه الناقلون، إلى امتصاص غضب المهنيين، وإعادة الهدوء للقطاع، في محاولة للتوفيق بين مقتضيات الأمن المروري، وبين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للسائقين، بعيداً عن منطق «الجباية العقابية»، والحلول الردعية الصارمة، التي أشعلت شرارة الإضراب.

جلسة التصويت على قانون المرور المثير للجدل في البرلمان (البرلمان)

وفي خطوة لافتة لتبديد حالة الاحتقان، تولَّى الأمين العام لـ«التجمع الوطني الديمقراطي»، منذر بودن، وهو أحد أبرز أحزاب الغالبية الرئاسية، الإعلان رسمياً عن سحب «الطابع الزجري» من القانون، خلال لقاء مع مناضلي الحزب نُظِّم، الجمعة، بجنوب غربي البلاد. وأشار في فيديو بثّه الحزب عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي إلى تخلي الحكومة عن 11 مادة في القانون، كانت سبباً في «ثورة» الناقلين مع بداية العام الجديد، بعد أيام قليلة من اعتماد المجلس الشعبي الوطني (الغرفة البرلمانية السفلى) للنص كما أعدّته الحكومة، التي أكدت أنها عززته بالعقوبات «للحد من العدد الكبير للوفيات في حوادث الطرقات»، الذي يفوق، حسبها، 4 آلاف وفاة سنوياً.

أمين عام التجمع الوطني الديمقراطي (إعلام حزبي)

من جهته، حاول وزير الداخلية والنقل، سعيد سعيود، التهوين من «الطابع العقابي» للنص، مؤكداً في خطاب عاطفي أمام أعضاء «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا)، يوم الخميس، استعداده للاستقالة «على أن يقال عني إنني أسعى لإنزال عقوبات قاسية على المواطنين».

وتم التخلي عن العقوبات الزجرية في المواد الـ11 المثيرة للجدل، خلال عرض القانون على «مجلس الأمة» يومَي الأربعاء والخميس الماضيين، وهي الخطوة التي عدَّها مراقبون وسيلة الحكومة لـ«تفكيك قنبلة الناقلين»، التي أربكت الفريق الحكومي؛ خشية اتساع رقعة الاحتجاجات، وانتقالها إلى قطاعات أخرى تعيش حالة من «الاحتقان الصامت».

قانون «أحادي الجانب»

يهدف هذا النص، بحسب الوزير سعيود، إلى «تحديث الإطار القانوني لحركة السير على الطرقات». غير أنه تعرّض لانتقادات من طرف عدد من أعضاء مجلس الأمة؛ بسبب طابعه الزجري، وتشديد العقوبات، وارتفاع مستوى الغرامات. وحذَّر المتدخلون من تداعياته على السائقين المهنيين وعلى المواطنين، الذين يعتمدون على مركباتهم في تأمين عيشهم اليومي، مع التشديد على ضرورة تحقيق توازن بين الردع والوقاية، وأخذ الحالية السيئة للطرقات بعين الاعتبار، إضافة إلى مسؤولية السلطات في مجال الصيانة. وأشار بعض البرلمانيين إلى «النتائج السلبية»، التي خلَّفها قرار الحكومة منذ 5 سنوات بوقف استيراد قطع الغيار، على حالة المركبات، وهو ما يفسر حسبهم ارتفاع الحوادث.

وكانت مداخلة مهني حدادو، منتخب «جبهة القوى الاشتراكية» المعارضة، لافتة بشكل خاص، إذ ندد بالمشروع، وعدَّه نصاً «أحادي الجانب، تم إقراره من دون تشاور حقيقي مع مهنيي النقل والنقابات، والخبراء والمجتمع المدني».

وقال حدادو: «إن قانوناً يتعلق بأمن المواطنين لا يمكن فرضه دون نقاش وطني، ويجب أن يعكس حوكمة تشاركية حقيقية». وطالب بسحبه، مؤكداً «ضرورة تعويضه بنص نابع من حوار وطني شامل ومتوازن، ومتكيف مع واقع القطاع ومتطلبات السلامة المرورية».

وزير الداخلية والنقل (مجلس الأمة)

وأمام هذه الانتقادات، أكد وزير القطاع في رده على انشغالات أعضاء «مجلس الأمة» أن القانون «لا يهدف إطلاقاً إلى معاقبة المواطنين، بل إلى ضمان سلامتهم». وقال بهذا الخصوص: «لسنا في منطق معاقبة المواطنين. ولو علمت أنني قد أكون يوماً مجرد ذريعة لمعاقبة المواطنين، فسأغادر منصبي على الفور».

وأوضح الوزير أن الجانب الزجري في النص «يُعدّ أداةً للوقاية قبل كل شيء، وليس غايةً في حد ذاته، ويهدف إلى تحميل جميع الفاعلين في المنظومة مسؤولياتهم، وحماية أرواح مستعملي الطريق». كما شدد على أنه «يُشكِّل مرحلةً أساسيةً لتعزيز السلامة المرورية والحد من حوادث المرور»، التي وصفها بأنها «من أخطر الظواهر ذات الآثار الجسيمة».

الحالات الأشد خطورة

يجرّم المشروع تزوير التقارير الفنية، عندما لا تذكر الأعطال الموجودة في المركبة، أو عندما تتضمَّن التقارير معلومات غير صحيحة. كما يوسّع نطاق المسؤولية ليشمل مدارس تعليم السياقة ومراكز التكوين، والمسؤولين عن صيانة الطرق، إضافة إلى المستوردين والمصنعين والموزعين لقطع الغيار المقلدة. ويصنف المخالفات حسب خطورتها، مُميِّزاً بين المخالفات والجنح، مع إقرار عقوبات تكميلية، مثل سحب أو إلغاء رخصة السياقة.

وزير العدل (مجلس الأمة)

وكان وزير العدل، لطفي بوجمعة، قد تطرَّق إلى الموضوع، موضحاً أن أقسى العقوبات لا تخص إلا الحالات المشددة، مثل السياقة تحت تأثير المخدرات أو الكحول، والفرار بعد حادث، واستعمال وثائق مزورة (خاصة بالمراقبة الفنية)، و«انتحال الهوية»، أو غيرها من المخالفات الخطيرة. وأكد أن الهدف ليس معاقبة المواطنين «بصورة عشوائية»، موضحاً أن كل قضية تعالج على حدة من قبل القضاء، وفقاً لأدلتها وملابساتها الخاصة، وفي إطار احترام صارم للضمانات القانونية.

كما قال وزير العدل إن هذه العقوبات «متناسبة وقانونية، وتهدف أساساً إلى حماية المواطنين وضمان حقهم في طريق آمنة، وليس إلى المعاقبة التعسفية. ويأتي النص في إطار منطق الوقاية والسلامة والمسؤولية الجماعية».


ترمب في رسالة للسيسي: مستعد لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب في رسالة للسيسي: مستعد لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

قال ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في رسالة وجّهها، الجمعة، إلى نظيره المصري ‌عبد الفتاح ‌السيسي، ‌إن ⁠الولايات ​المتحدة ‌مستعدة لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا للمساعدة في حل مسألة تقاسم ⁠مياه نهر النيل.

وكتب، ‌في الرسالة التي نشرها على منصة «تروث سوشيال»: «أنا مستعد لاستئناف الوساطة ​الأميركية بين مصر وإثيوبيا من ⁠أجل حل مسألة تقاسم مياه النيل بمسؤولية وشكل نهائي». وأضاف: «أود مساعدتكم على التوصل إلى حل يضمن تلبية الاحتياجات المائية لمصر والسودان وإثيوبيا».

ورأى أنه يمكن التوصل إلى اتفاق دائم لكل دول حوض النيل عبر المفاوضات والتنسيق الأميركي بين الأطراف. وأكد أن «حل التوترات المرتبطة بسد النهضة في إثيوبيا على رأس أولوياتي».

ولفت إلى أنه يمكن ضمان إطلاق كميات من المياه خلال فترات الجفاف في مصر والسودان باتباع نهج ناجح. وكذلك يمكن لإثيوبيا توليد كميات كبيرة من الكهرباء ومنحها أو بيع جزء منها لمصر أو السودان.

وجزم بأنه «لا ينبغي لأي دولة أن تسيطر بشكل أحادي على مياه النيل».

وأشاد بالسيسي ودوره في إدارة التحديات الأمنية والإنسانية في مصر والمنطقة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.


البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

TT

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني)
البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني)

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، الجمعة، إن «معركة الكرامة لا تزال مستمرة، ولن تنتهي إلا بانتهاء التمرد وكل من يدعمه»، مؤكداً أن الشعب السوداني «لن يقبل بفرض أي حلول أو قيم من أي جهة أو شخص»، في وقت حذّر فيه برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرَين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين من الجوع الشديد بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب. ودعا البرهان، خلال لقائه أهالي بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم، السودانيين إلى التماسك والتكاتف من أجل حماية البلاد، في ظل استمرار الحرب الدائرة منذ نحو ثلاثة أعوام.

وأفادت مصادر محلية بأن قوات الجيش السوداني، مدعومة بفصائل من «القوة المشتركة» التابعة لحركات مسلحة من إقليم دارفور، حققت تقدماً في عدد من البلدات بولاية جنوب كردفان، مما قرّبها من مدينة الدبيبات، الخاضعة بالكامل لسيطرة «قوات الدعم السريع». في المقابل، تكبّد الجيش خسائر فادحة خلال معارك دارت، الخميس، في منطقة هبيلا بولاية جنوب كردفان. وقالت «قوات الدعم السريع» إنها أفشلت جميع محاولات الجيش ومخططاته للاختراق العسكري في تلك المناطق.

تورك يتفقد أوضاع النازحين

من جانبه، يواصل المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فولكر تورك، زيارته إلى السودان، حيث تفقد، الجمعة، مخيم النازحين في منطقة العفاض شمال كردفان.

وقالت «وكالة السودان للأنباء» إن تورك التقى أعداداً كبيرة من النازحين، واطّلع على الجهود التي تبذلها الحكومة السودانية تجاه المتضررين من القتال، مشيرة إلى أن الوفد الأممي يرافقه أعضاء من «الآلية الوطنية لحقوق الإنسان». وخلال زيارته إلى مدينة دنقلا، الخميس، أشار تورك إلى أن كثيراً من النازحين يفتقرون إلى المأوى المناسب، في حين تواجه النساء صعوبات في الوصول إلى خدمات الدعم، داعياً إلى بذل «جهد شامل» من جانب السلطات السودانية والمجتمع الدولي، لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية الحيوية.

من جهتها، حذّرت حكومة «تأسيس» الموالية لـ«قوات الدعم السريع»، الجمعة، من أي محاولات للالتفاف على «المبادرة الرباعية» أو فتح مسارات جانبية بديلة، لافتة إلى أن ذلك من شأنه تغذية استمرار الحرب وإعاقة التوصل إلى سلام عادل وشامل. وأعربت في بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي، عن أسفها لعدم صدور موقف معلن عن اجتماع «الآلية التشاورية» الخامس الذي عُقد في القاهرة، الأربعاء الماضي، بشأن وقف الحرب، رغم مشاركة أطراف دولية وإقليمية فاعلة.

خيام وفّرتها السعودية في مخيم للنازحين بمدينة الأُبيّض في ولاية شمال كردفان 12 يناير 2026 (رويترز)

وكان وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، قد جدّد تأكيد موقف بلاده الرافض لتشكيل أي سلطة موازية في السودان خارج إطار مؤسسات الدولة الرسمية، مشدداً على التزام مصر بدعم وحدة السودان وسلامة أراضيه. كما أكد استمرار العمل ضمن «الرباعية الدولية» التي تضم السعودية ومصر والولايات المتحدة والإمارات، بهدف التوصل إلى هدنة إنسانية شاملة تفضي إلى وقف مستدام لإطلاق النار. في المقابل، قالت حكومة «تأسيس»، التي تتخذ من مدينة نيالا عاصمة لها، إنها «ليست سلطة موازية»، بل «تعبير سياسي وأخلاقي عن إرادة ملايين السودانيين الذين تُركوا بلا دولة منذ اندلاع الحرب».

تحذير أممي

من جهته، حذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، الخميس، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان خلال شهرين، بسبب نقص حاد في التمويل، رغم معاناة ملايين الأشخاص من الجوع الشديد. وأكد البرنامج أنه اضطر إلى تقليص الحصص الغذائية إلى «الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة»، محذراً من أن مخزونه الغذائي سينفد بالكامل بحلول نهاية مارس (آذار) المقبل، ما لم يتم توفير تمويل إضافي فوري.

المفوض الأممي لشؤون اللاجئين برهم صالح متفقداً أحوال النازحين السودانيين في مخيم أدري على الحدود مع تشاد 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وأوضح أن نحو 21 مليون شخص في مختلف أنحاء السودان يعانون من الجوع الشديد، في حين يحتاج البرنامج إلى 700 مليون دولار لاستكمال عملياته حتى يونيو (حزيران) المقبل. وكان تقرير «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، المدعوم من الأمم المتحدة، قد أكد انتشار المجاعة في مدينتي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي بجنوب كردفان، محذراً من أن سكان 20 مدينة أخرى يواجهون ظروفاً مشابهة، في ظل صعوبات التحقق من البيانات بسبب الحصار وانقطاع الاتصالات.