واشنطن: محامون يسعون لإعادة المهاجرين المُرحَّلين بموجب قانون «زمن الحرب»

أوامر مؤقتة تمنع إدارة ترمب من استخدام قانون «الأجانب الأعداء»

مركز احتجاز الإرهابيين في سجن بالسلفادور حيث يُحتجز الفنزويليون المرحَّلون من قِبَل إدارة ترمب (رويترز)
مركز احتجاز الإرهابيين في سجن بالسلفادور حيث يُحتجز الفنزويليون المرحَّلون من قِبَل إدارة ترمب (رويترز)
TT

واشنطن: محامون يسعون لإعادة المهاجرين المُرحَّلين بموجب قانون «زمن الحرب»

مركز احتجاز الإرهابيين في سجن بالسلفادور حيث يُحتجز الفنزويليون المرحَّلون من قِبَل إدارة ترمب (رويترز)
مركز احتجاز الإرهابيين في سجن بالسلفادور حيث يُحتجز الفنزويليون المرحَّلون من قِبَل إدارة ترمب (رويترز)

كانت دعوى قضائية مُعدلة قد رُفعت في واشنطن هي الحلقة الأحدث في سلسلة من الدعاوى التي تطعن في استخدام إدارة ترمب لقانون «الأجانب الأعداء»، لإرسال مهاجرين إلى سجن في السلفادور على مدار الأسبوعين الماضيين.

ونجح محامو الهجرة، الذين يواصلون التنقل من محكمة إلى أخرى، في الحصول على أوامر مؤقتة في 5 ولايات تمنع إدارة ترمب من استخدام قانون «الأجانب الأعداء»، وهو قانون يعود إلى زمن الحرب من القرن الثامن عشر، لترحيل الفنزويليين المتهمين بالانتماء إلى عصابات إجرامية إلى سجن متخصص في قضايا الإرهاب بالسلفادور.

تجمع المتظاهرون للاحتجاج على ترحيل المهاجرين إلى السلفادور خارج البعثة الدائمة للسلفادور إلى الأمم المتحدة في 24 أبريل 2025 بمدينة نيويورك (غيتي)

واتسمت أحكام القضاة بالصرامة، في تقييم كيفية استخدام البيت الأبيض لهذا القانون القوي.

وقال قاضٍ فيدرالي في مانهاتن، الثلاثاء: «إن الأبقار تحظى بمعاملة أفضل الآن تحت مظلة القانون». ولكن حتى الآن على الأقل، الشيء الوحيد الذي لم يتمكن المحامون من القيام به هو حماية مجموعة أخرى (يصعب الوصول إليها) من المهاجرين الفنزويليين: نحو 140 رجلاً موجودين بالفعل في السلفادور، بعد أن تم ترحيلهم إلى هناك بموجب ذلك القانون منذ أكثر من شهر.

حمل أحد المتظاهرين صورة لفنان المكياج الفنزويلي أندري هيرنانديز روميرو بينما يتجمع المتظاهرون للاحتجاج على ترحيل المهاجرين إلى السلفادور خارج البعثة الدائمة للسلفادور إلى الأمم المتحدة في 24 أبريل 2025 بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

وفي وقت مبكر من يوم الجمعة، حاول الاتحاد الأميركي للحريات المدنية مرة أخرى السعي لضمان الإجراءات القانونية الواجبة لهؤلاء الرجال.

ورفع محامو المجموعة نسخة محدَّثة من دعوى قضائية ضد استخدام الرئيس دونالد ترمب لقانون «الأجانب الأعداء»، في 15 مارس (آذار)، وهي المرة الأولى التي جرى فيها الطعن باستخدامه لذلك القانون. وهذه المرة، يطلب الاتحاد الأميركي للحريات المدنية من قاضٍ فيدرالي في واشنطن ألا يمنع إرسال الرجال إلى السلفادور، وإنما مساعدتهم على العودة إلى الأراضي الأميركية.

عندما رفع الاتحاد الأميركي للحريات المدنية النسخة الأولية من الدعوى، في المحكمة الفيدرالية الجزئية في واشنطن، أصدر القاضي جيمس إي بواسبيرغ أمراً فورياً يطلب من الإدارة التوقف عن إرسال أي طائرات تحمل الرعايا الفنزويليين إلى السلفادور، بموجب قانون «الأجانب الأعداء»، وتغيير اتجاه أي رحلات كانت قد أقلعت بالفعل. لكن ذلك لم يحدث. وأدى تقاعس الإدارة الأميركية في النهاية إلى تهديدٍ مِن القاضي بواسبيرغ ببدء التحقيق في ازدراء المحكمة، للوقوف على ما إذا كان مسؤولو إدارة ترمب قد انتهكوا تعليماته الأصلية، والآن الدعوى القضائية المحدثة.

وإجمالاً، رفع الاتحاد الأميركي للحريات المدنية ما لا يقل عن 7 دعاوى قضائية في 7 محاكم فيدرالية في جميع أنحاء البلاد، طعناً في إعلان السيد ترمب، في 14 مارس (آذار)، الذي استند إلى قانون «الأجانب الأعداء» بوصفه إحدى الأدوات الرئيسية في أجندته العدوانية للترحيل. وركزت الدعاوى على قضيتين قانونيتين مختلفتين، ولكنهما مرتبطتان.

تجمع المتظاهرون للاحتجاج على ترحيل المهاجرين إلى السلفادور خارج البعثة الدائمة للسلفادور إلى الأمم المتحدة في 24 أبريل 2025 بمدينة نيويورك (غيتي)

فرصة للطعن

أحد هذه الأسئلة مسألة إجرائية جوهرية: هل منحت إدارة ترمب المهاجرين (الذين أكد المسؤولون أنهم عرضة للترحيل بموجب القانون) وقتاً وفرصة كافيين للطعن في قرارات ترحيلهم أمام المحكمة؟

في وثيقة قضائية رُفعت السرية عنها، يوم الخميس، في قضية رفعها الاتحاد الأميركي للحريات المدنية في تكساس، قال مسؤول فيدرالي بارز في شؤون الهجرة إن الإدارة قررت أن «مقداراً معقولاً من الوقت» للمهاجرين للتعبير عن رغبتهم في الطعن في عمليات الترحيل يمكن أن يكون أقل من 12 ساعة.

وقال المسؤول إن المهاجرين يمكن أن يحصلوا على يوم آخر على الأقل لتقديم طعونهم أمام المحكمة.

المسألة الأخرى التي يبحث فيها الاتحاد الأميركي للحريات المدنية أكثر جوهرية، وهي: ما إذا كان ينبغي السماح للبيت الأبيض باستخدام القانون على الإطلاق ضد المهاجرين الفنزويليين.

ومن المفترَض أن يُستعان بهذا القانون، الذي تم إقراره عام 1798 فقط في أوقات الحرب المعلنة أو الغزو العسكري ضد أفراد دولة أجنبية معادية. وجادل مسؤولو إدارة ترمب مراراً وتكراراً بأن الفنزويليين الذين يحاولون ترحيلهم هم أعضاء في عصابة إجرامية تسمى «ترين دي أراغوا»، وأن وجودهم في الولايات المتحدة يرقى إلى مستوى الغزو الذي تدعمه الحكومة الفنزويلية.

لكن هذا الرأي قوبل بالرفض؛ ليس فقط من قِبل بعض مسؤولي الاستخبارات الأميركية، وإنما أيضاً من قِبل عدد متزايد من القضاة الذين ينظرون في دعاوى الاتحاد الأميركي للحريات المدنية. وعلى سبيل المثال، يوم الثلاثاء، خلال جلسة استماع في محكمة المقاطعة الفيدرالية في مانهاتن، انتقد القاضي ألفين كيه هيلرشتاين بشدة استخدام ترمب لذلك القانون، قائلاً إن استخدامه «مخالف للقانون». وكرر القاضي هيلرشتاين (الذي عينه الرئيس بيل كلينتون)، عدة مرات، أنه يعتقد أن السيد ترمب كان يستخدم القانون بطرق غير لائقة. وأشار بصفة خاصة إلى أن القانون لا يخول للحكومة «استئجار سجن في دولة أجنبية حيث يمكن أن يتعرض الأشخاص لعقوبة قاسية وغير اعتيادية غير مسموح بها في سجون الولايات المتحدة».

أقام ضباط شرطة نيويورك حواجز بينما تجمع المتظاهرون للاحتجاج على ترحيل المهاجرين إلى السلفادور خارج البعثة الدائمة للسلفادور لدى الأمم المتحدة في 24 أبريل 2025 بمدينة نيويورك... تم إرسال العديد من المرحلين المحتجزين الآن في مركز احتجاز الإرهاب في السلفادور (غيتي)

وعندما اعترض تيبيريوس ديفيس، محامي وزارة العدل، على هذا الرأي، أسكته القاضي هيلرشتاين بصرامة. وقال السيد ديفيس: «سيدي القاضي، مع كامل الاحترام، بمجرد ترحيلهم بالفعل، فإنهم ليسوا في عهدة الولايات المتحدة. هذه هي السلفادور. إنها دولة أجنبية ذات سيادة منفصلة». وقال القاضي هيلرشتاين: «هذا عين ما أقصده بالضبط». بينما أصدرت قاضية أخرى، شارلوت إن سويني، حكماً هذا الأسبوع في المحكمة الفيدرالية الجزئية بدنفر؛ حيث قضت فيه أن إعلان السيد ترمب قد وسّع بشكل غير لائق من معنى مصطلحات، مثل «الحرب» و«الغزو»، وبطريقة تتعارض مع النص الفعلي لقانون «الأجانب الأعداء».

وكتبت تقول: «بما أن نص القانون وتاريخه يستخدمان هذه المصطلحات للإشارة إلى أعمال عسكرية تشير إلى حرب فعلية أو وشيكة النشوب (وليس الهجرة غير الشرعية الجماعية أو الأنشطة الإجرامية)، فإن القانون لا يمكنه أن يدعم الإعلان الرئاسي المذكور».

قانون «الأجانب الأعداء»

وفي حين أن المحكمة العليا لم تُبدِ رأيها بعد في المسألة العامة ذات الصلة بما إذا كان البيت الأبيض يستخدم القانون بشكل صحيح، فقد اتخذت المحكمة قراراً بشأن المسألة الإجرائية المتعلقة بما إذا كان مسؤولو إدارة ترمب قد منحوا المهاجرين الخاضعين للقانون الإجراءات القانونية الواجبة.

وقد قرر القضاة، بعد أن رأوا أنهم لم يفعلوا ذلك، في أمر صدر في 7 أبريل (نيسان)، أنه يجب تحذير المهاجرين الفنزويليين مسبقاً، إذا كانت الحكومة تعتزم ترحيلهم بموجب قانون «الأجانب الأعداء»، حتى يتمكنوا من الطعن في قرارها أمام المحكمة، ولكن فقط في الأماكن التي كانوا محتَجَزين فيها. ولم يضع القضاة بعد تصورهم عن مقدار (أو نوع) التحذير الذي يجب أن يتلقاه المهاجرون بهذا الخصوص.

ومع ذلك، يستخدم الاتحاد الأميركي للحريات المدنية هذا الحكم في دعواه القضائية المحدّثة التي تم رفعها في واشنطن، بالتزامن مع قرار ثانٍ للمحكمة العليا صدر في قضية ترحيل مختلفة.

وفي ذلك القرار، قرر القضاة أن على البيت الأبيض «تسهيل» إطلاق سراح رجل من ولاية ماريلاند، يُدعى كيلمار أرماندو أبريغو غارسيا، من الحجز في السلفادور بعد أن قام المسؤولون بترحيله بشكل خاطئ، الشهر الماضي، في انتهاك لأمر قضائي سابق يمنع صراحة من إرساله إلى البلاد.

وفي ذلك القرار، قرر القضاة أن على البيت الأبيض "تسهيل" إطلاق سراح رجل من ولاية ماريلاند، يُدعى "كيلمار أرماندو أبريغو غارسيا"، من الحجز في السلفادور بعد أن قام المسؤولون بترحيله بشكل خاطئ الشهر الماضي في انتهاك لأمر قضائي سابق يمنع صراحة من إرساله إلى البلاد.


مقالات ذات صلة

الجزائر طردت عدداً قياسياً من المهاجرين إلى النيجر

شمال افريقيا مهاجرون يقفون على سطح سفينة إنقاذ في المياه الدولية قبالة سواحل ليبيا... 17 يناير 2026 (أ.ف.ب)

الجزائر طردت عدداً قياسياً من المهاجرين إلى النيجر

رحّلت الجزائر أكثر من 34 ألف مهاجر إلى النيجر المجاورة عام 2025، وهو رقم قياسي، بحسب ما أفادت منظمة نيجرية غير حكومية الاثنين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا حي يضم عدداً من مساكن المهاجرين في مصراتة مارس 2025 (إدارة إنفاذ القانون بالإدارة العامة للعمليات الأمنية)

سجن سري للاتجار بالبشر تحت الأرض في الكفرة الليبية

كشفت مصادر أمنية وحقوقيون عن وجود سجن سري في الكفرة، يقع على عمق يقارب ثلاثة أمتار تحت سطح الأرض، عُثر بداخله على 221 مهاجراً، جرى احتجاز غالبيتهم منذ عامين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ عناصر من إدارة حماية الحدود الأميركية في مدينة منيابوليس بولاية مينيسوتا (رويترز) play-circle

«البنتاغون» يستعد لنشر 1500 جندي في ولاية مينيسوتا

ذكرت صحيفة «واشنطن بوست»، ​الأحد، نقلاً عن مسؤولين، أن وزارة الحرب الأميركية أمرت نحو 1500 جندي في الخدمة بالاستعداد لنشر ‌محتمل في ولاية ‌مينيسوتا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)

إحالة متهم إلى القضاء الليبي على خلفية «انتهاكات جسيمة» ضد مهاجرين

أحالت النيابة العامة في ليبيا متهماً إلى القضاء على خلفية ارتكاب انتهاكات جسيمة طالت مهاجرين، وفق تحقيقات جهاز الأمن الداخلي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)

«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

قال الحقوقي الليبي طارق لملوم إن جريمة التخلص من 21 أفريقياً ودفنهم في مقبرة جماعية بمدينة أجدابيا شرق ليبيا «ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

وزير الخزانة الأميركي واثق بإمكان التوصل لحل مع أوروبا بشأن غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
TT

وزير الخزانة الأميركي واثق بإمكان التوصل لحل مع أوروبا بشأن غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)

عبَّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، ‌عن ‌ثقته ⁠ب​أن الحكومات ‌الأوروبية لن «تصعد» التوتر مع الولايات المتحدة على خلفية ⁠رغبة الأخيرة في ‌شراء غرينلاند.

وقال ‍بيسنت للصحافيين ‍على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في ​دافوس بسويسرا: «أنا واثق بأن القادة لن يصعدوا، وأن هذا الأمر سينتهي بصورة جيدة للغاية للجميع».

وهو كان قد حذّر الدول الأوروبية، الاثنين، من فرض رسوم جمركية مضادة رداً على الرسوم التي هدّد بها الرئيس دونالد ترمب من أجل الاستحواذ على إقليم غرينلاند الدنماركي.

وأعلن ترمب رغبته في السيطرة على غرينلاند التي تتمتع بحكم ذاتي، وهدد بفرض رسوم جمركية على الدول المعارضة له. ويدرس الاتحاد الأوروبي، في المقابل، اتخاذ إجراءات مضادة.

وقال بيسنت في دافوس: «أعتقد أن ذلك سيكون خطوة غير حكيمة». وأضاف أن ترمب يريد السيطرة على الإقليم الدنماركي؛ لأنه يعده «استراتيجياً»، و«لن نَكِلَ أمن نصف الكرة الأرضية الغربي لأي طرف آخر».

ورداً على سؤال حول رسالة وجهها ترمب إلى رئيس الوزراء النرويجي، وبدا فيها أنه يربط مطالبته بغرينلاند بفشله في الفوز بجائزة نوبل للسلام، أجاب بيسنت بأنه لا يعلم شيئاً عن هذه الرسالة. وقال: «لكنني أعتقد أنه من السخف الظنّ بأن الرئيس سيفعل ذلك بسبب جائزة نوبل».

وأشار ترمب في هذه الرسالة إلى أنه لم يعد مضطراً للتفكير «فقط في السلام» بعد فشله بالفوز بجائزة نوبل، مشيراً إلى أن العالم لن يكون آمناً حتى تصبح غرينلاند تحت سيطرة الولايات المتحدة.

وشنّ ترمب حملة شرسة للفوز خلال العام الفائت بجائزة نوبل للسلام مكافأة له على جهوده في إنهاء 8 حروب، بحسب قوله.

ومُنحت الجائزة للمعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو التي توجهت إلى أوسلو، الشهر الماضي، في اليوم التالي لتسليم الجائزة، بعد أن فرّت من فنزويلا على متن قارب.


تقرير: ترمب يعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي ويُضعف مبدأ التوازن بين السلطات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
TT

تقرير: ترمب يعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي ويُضعف مبدأ التوازن بين السلطات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

خلال عام واحد فقط من ولايته الثانية، أحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحوّلات عميقة في بنية النظام السياسي للولايات المتحدة، تمثّلت في توسّع غير مسبوق في صلاحيات الرئاسة، وتراجع واضح في استقلالية المؤسسات الدستورية، وعلى رأسها الكونغرس ووزارة العدل وأجهزة الأمن الفيدرالية، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، اليوم الثلاثاء.

اعتمد ترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض على فريق من المقرّبين والموالين، بدل الشخصيات الجمهورية التقليدية، ما سمح له بإحكام السيطرة على مفاصل الدولة التنفيذية. وقد ترافق ذلك مع إصدار كثيف للأوامر التنفيذية، مكّنته من فرض إرادته على الإدارات الفيدرالية وتقليص أي معارضة داخلية محتملة.

وشمل هذا التوسّع في النفوذ إخضاع وزارة العدل، والتأثير المباشر في عمل مكتب التحقيقات الفيدرالي، إضافة إلى توسيع صلاحيات الرئاسة في مجالات لم يسبق لرؤساء أميركيين أن تدخلوا فيها بهذا الشكل خلال فترات السلم.

صورة من جلسة للكونغرس الأميركي (رويترز - أرشيفية)

تراجع دور الكونغرس

شهد الكونغرس تهميشاً غير مسبوق، حيث باتت جلساته تُعلّق لتفادي النقاشات، بينما تحوّل مجلس الشيوخ إلى مؤسسة ضعيفة التأثير، مع بقاء عدد محدود فقط من الأصوات الجمهورية المنتقدة دون قدرة فعلية على تعطيل قرارات البيت الأبيض.

استخدام الطوارئ

وسّع ترمب صلاحياته عبر إعلان حالات طوارئ اقتصادية سمحت له بفرض رسوم جمركية واسعة على دول عدة، ما أجبر شركاء واشنطن، بمن فيهم حلفاء تقليديون، على الدخول في مفاوضات تجارية جديدة بشروط أميركية.

كما جرى استخدام القوة الفيدرالية ضد ولايات أميركية يُسيطر عليها الديمقراطيون، من خلال نشر الحرس الوطني وتوسيع دور وكالة الهجرة والجمارك، التي أصبحت لاعباً أمنياً أساسياً داخل المدن الأميركية، مع هامش واسع للتحرّك وقيود قانونية أقل.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال فعالية للإعلان عن تعريفات جمركية جديدة في «حديقة الورود» بالبيت الأبيض في واشنطن... 2 أبريل 2025 (أ.ب)

الضغوط على الإعلام والجامعات والاقتصاد

شهدت وسائل الإعلام تراجعاً في قدرتها على المواجهة، وسط ضغوط سياسية وقضائية ومالية متزايدة. كما طالت الإجراءات الجامعات الكبرى عبر تقليص التمويل الفيدرالي، في إطار إعادة ضبط ما يُعتبر معاقل فكرية معارضة.

وفي المجال الاقتصادي، تم تجاوز قواعد التجارة الحرة التقليدية، مع تدخل مباشر للرئاسة في توجيه السوق وفرض قيود حمائية واسعة.

عناصر إنفاذ القانون يحرسون مبنى في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأميركية... في 17 يناير 2026 (رويترز)

مرحلة سياسية شديدة الحساسية

مع دخول السنة الثانية من ولاية ترمب، تتزايد المخاوف من غياب آليات فعالة لكبح قرارات الرئيس أو مراجعتها، في ظل ضعف المؤسسات الرقابية. ويأمل الديمقراطيون في استعادة جزء من السيطرة عبر انتخابات الكونغرس المقبلة هذا العام، لكن هناك مخاوف من احتمال الطعن في نتائجها أو تعطيل مسارها.


زلزال «أميركا أولاً» في البنتاغون

ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)
ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)
TT

زلزال «أميركا أولاً» في البنتاغون

ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)
ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

بعد مرور عام كامل على عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، لم تعُد المؤسسة العسكرية الأميركية هي ذاتها التي عرفها العالم لعقود. لم يكتفِ ترمب بتغيير القيادات، بل أحدث انقلاباً جذرياً في فلسفة القوة، مُحوّلاً البنتاغونمن حارس للنظام العالمي إلى أداة لتعزيز الهيمنة الأميركية. وتحت شعارات «تفكيك البيروقراطية» وإعادة «عقيدة المحارب»، شهد عام 2025 تحوّلات بنيوية في الميزانية والتسليح والانتشار العسكري، أعادت رسم خريطة النفوذ الأميركي.

من «الدفاع» إلى «الحرب»

كانت الخطوة الأولى في أجندة ترمب هي إعادة تعريف هوية المؤسسة العسكرية. وبتعيينه بيت هيغسيث وزيراً للحرب، بدأت عملية «تطهير» آيديولوجي واسعة النطاق، حيث تم إلغاء جميع مكاتب «التنوع والإنصاف والشمول»، التي استُحدثت في عهد الرئيس السابق جو بايدن، وعُدّت «سموماً أضعفت الروح القتالية».

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث متحدّثاً خلال مناسبة في البنتاغون 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

وأحيا ترمب «عقيدة المحارب»، وهي رؤية عسكرية تركز حصراً على «الفتك» والانتصار في الميدان، بعيداً عن القضايا الاجتماعية. أدّى ذلك إلى تقاعد قسري لعشرات الجنرالات الذين وُصفوا بـ«المُسيّسين»، واستبدال قادة شباب يتبنّون رؤية ترمب القومية بهم. هذا التحول لم يكن إدارياً فحسب، بل كان إعلاناً عن عودة «وزارة الحرب» - بدل وزارة الدفاع - بمفهومها الهجومي الصريح، حيث الغاية هي التفوق الساحق، وليست «إدارة النزاعات».

خصخصة «التفوق العسكري»

رغم توجّهه نحو خفض الإنفاق الحكومي، استثنى ترمب المؤسّسة العسكرية، دافعاً بميزانية دفاعية لعام 2026 حطّمت الأرقام القياسية باقترابها من حاجز تريليون دولار.

ترمب لدى استقباله الجنرال غريغوري غيو قائد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية في البيت الأبيض 15 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

واقترح سيد البيت الأبيض ميزانية لعام 2027 بقيمة 1.5 تريليون دولار؛ بهدف تشكيل «جيش الأحلام» عبر موارد مالية ضخمة مستمَدة من إيرادات الرسوم الجمركية المتنامية. هذه الميزانية لا تموِّل فقط العمليات التشغيلية، بل تغطي توسّعاً كبيراً في الصناعات الدفاعية، وأنظمة الأسلحة المتقدمة، والقدرات النووية، إضافة إلى الضغط على مقاولي الدفاع للاستثمار في الإنتاج وليس توزيع الأرباح على المساهمين. كما انتقلت الميزانية من تمويل «الوجود الدائم» في الخارج إلى تعزيز «التفوق التكنولوجي».

وحظي مشروع «القبة الذهبية» لبناء درع صاروخية متطورة وشاملة لحماية المدن الأميركية بحصة الأسد من الميزانية، في محاكاة لبرنامج «حرب النجوم» في عهد الرئيس رونالد ريغان، ولكن بتقنيات الذكاء الاصطناعي المعاصر. كما تم الاستغناء عن «الخردة المُكلفة»، حيث ألغى البنتاغون مشروعات لبناء حاملات طائرات عملاقة وتطوير مقاتلات جيل سادس مأهولة، عادّاً إياها «أهدافاً سهلة» في حروب المستقبل، مقابل الاستثمار في «أسراب المُسيّرات الانتحارية» التي يمكن إنتاجها بكميات هائلة داخل المصانع الأميركية المؤتمتة. وهو ما يراه البيت الأبيض «ديمقراطية القوة» التي تمنح واشنطن تفوقاً كاسحاً بتكلفة أقل. وقام بتعزيز «قوة الفضاء» لتُصبح الفرع الأكثر نمواً، مع التركيز على حماية الأقمار الاصطناعية التجارية والعسكرية من الهجمات السيبرانية والصينية.

ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)

غير أن التطور الأبرز كان الاندماج غير المسبوق بين البنتاغون وعمالقة التكنولوجيا في «سيليكون فالي». فالعقود العسكرية الكبرى لم تعُد تذهب حصراً لشركات السلاح التقليدية مثل «بوينغ» أو «لوكهيد مارتن»، بل برزت شركات مثل «أندوريل» و«بالانتير» و«سبايس إكس» بوصفها أعمدة للأمن القومي. وتحت ما يُسمى برنامج «المنتقم الرقمي»، وقَّعت الإدارة عقوداً بمليارات الدولارات لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على اتخاذ قرارات قتالية في أجزاء من الثانية. وهو ما يعكس رغبة ترمب في جيش «أصغر حجماً، وأكثر ذكاءً، وأقل تكلفة بشرية».

إحياء «عقيدة مونرو»

أحدث ترمب صدمةً جيوسياسيةً بإعلانه الرسمي إحياء «عقيدة مونرو» لعام 1823، ولكن بنسخة القرن الحادي والعشرين، أو ما أُطلق عليها «عقيدة دونرو» تيمّناً باسمه (دونالد).

ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

تقوم هذه العقيدة على مبدأ «أميركا للأميركيين»؛ ما يعني عدّ أي تدخل أجنبي (صيني أو روسي) في نصف الكرة الغربي تهديداً مباشراً. وقد أدّى ذلك إلى إعادة توزيع القوات بشكل غير مسبوق؛ بهدف الانسحاب من «المستنقعات». وتمّ سحب آلاف الجنود من ألمانيا وأفريقيا وأجزاء من الشرق الأوسط، وإعادتهم إلى القواعد داخل الولايات المتحدة أو نشرهم في «المحيط الحيوي» القريب.

وعلى الجبهة الجنوبية، تحوَّلت الحدود مع المكسيك «منطقة عسكرية»، واستخدم ترمب القوات النظامية لمواجهة كارتلات المخدرات، عادّاً إياها «قوات معادية غير نظامية». وشنَّ ضربات مميتة على «قوارب المخدرات» في الكاريبي، وفرض حصاراً على فنزويلا ممهداً للعملية العسكرية الخاطفة التي أدت إلى اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك للمحاكمة. هذا التغيير أعاد تعريف دور الجيش الأميركي ليكون «حارساً للحدود»، قبل أن يكون «ضامناً للأمن الإقليمي» في القارات البعيدة.

تكلفة الحماية

لم يعد الانتشار العسكري الأميركي يعتمد على المعاهدات القديمة بقدر ما يعتمد على «عقود الحماية». في العام الأول من ولايته الثانية، فرض ترمب على حلفاء «ناتو» واليابان وكوريا الجنوبية دفع كامل تكاليف الوجود العسكري الأميركي، مُهدّداً بالانسحاب التام.

جنديان أميركيان خارج قاعدة عسكرية في كركوك مارس 2020 (د.ب.أ)

وشهدت خريطة الانتشار العسكري الأميركي تحوّلاً نحو «نقاط الارتكاز الذكية» في آسيا والمحيط الهادئ، حيث ظلّ التركيز على تطويق الصين قائماً، لكن عبر تعزيز القواعد في غوام وأستراليا، مع تقليل الاعتماد على القواعد في الدول التي «تتردّد» في الانحياز الكامل لواشنطن. وفي الشرق الأوسط، تقلّص الوجود التقليدي لصالح «القوة عن بعد»، مع الاعتماد على التحالفات الإقليمية للقيام بمهام حفظ التوازن، بينما يكتفي الجيش الأميركي بحماية الممرات المائية الحيوية للتجارة.

تستند جميع هذه التغييرات إلى رؤية ترمب الفلسفية التي ترفض «العولمة العسكرية». إذ يعتقد ترمب أن قوة أميركا تكمن في «الغموض الاستراتيجي» و«الضربة القاضية»، وليس في الوجود الاستنزافي. وبدا أن إحياء «عقيدة المحارب» يهدف إلى فصل الجيش عن الجدل السياسي الداخلي، وتحويله قوة فاعلة تنفذ أوامر القائد الأعلى دون تردد.

في المقابل، فإن «عقيدة دونرو» تمنح واشنطن شرعيةً أخلاقيةً وقانونيةً - من وجهة نظر الإدارة - للتدخل في أميركا اللاتينية، ومنع الصين من بناء موانٍ أو قواعد عسكرية هناك؛ ما يغلق «الفناء الخلفي» لأميركا أمام المنافسين.

«ناتو»... الدفع أو الرحيل

عاش حلف شمال الأطلسي (ناتو) أصعب عام له منذ تأسيسه في عام 1949. فقد طبّق ترمب حرفياً مبدأ «الحماية مقابل الرسوم».

وبما يشبه نموذج «الاشتراك الأمني»، أبلغت واشنطن بروكسل رسمياً بأن القوات الأميركية لن تدافع عن أي دولة لا تخصِّص 3 في المائة على الأقل من ناتجها المحلي للدفاع. وهو ما أدّى إلى انقسام الحلف لطبقتين؛ دول «الدرجة الأولى» (مثل بولندا ودول البلطيق) التي سارعت لرفع ميزانياتها، ودول «الدرجة الثانية» التي بدأت تبحث عن بدائل دفاعية أوروبية مستقلة.

ترمب يتوسّط قادة أوروبيين وأمين عام «ناتو» في ختام مفاوضات لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية بالبيت الأبيض 18 أغسطس 2025 (رويترز)

كما بدأ تنفيذ خطة لسحب 30 ألف جندي أميركي من ألمانيا وإعادة نشرهم في بولندا (القريبة من الجبهة الروسية والمستعدة للدفع)، أو إعادتهم إلى الأراضي الأميركية. هذا التحول أدّى إلى تراجع دور ألمانيا بوصفها قاعدة انطلاق رئيسية للعمليات الأميركية في العالم.

ومن خلال التهديد بوقف المساعدات العسكرية، يدفع ترمب نحو «اتفاقية سلام» تؤدّي إلى تجميد الحرب الأوكرانية - الروسية وفق خطوط التماس الحالية. وهو ما عدّه الأوروبيون طعنةً لمفهوم «وحدة الأراضي»، بينما عدّه ترمب «توفيراً لمليارات الدولارات الأميركية في حرب لا نهاية لها».

نظام إقليمي جديد

أدى انسحاب «الشرطي الأميركي» من مناطق النزاع التقليدية إلى ولادة نظام عالمي جديد يقوم على «الأقطاب الإقليمية». فقد شجّع ترمب على تشكيل «ناتو إقليمي» في الشرق الأوسط، يضمّ حلفاء واشنطن، يتولى مسؤولية التصدي للنفوذ الإيراني، مع تقديم واشنطن الدعم الاستخباري والتقني فقط، مقابل عقود شراء سلاح ضخمة تضمن بقاء المصانع الأميركية تعمل بكامل طاقتها.

صورة للقادة العسكريين في اجتماع شارك فيه جميع الجنرالات الأميركيين بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (رويترز)

وفي شرق آسيا، تحوَّل التحالف مع اليابان «شراكة مُسلّحة»، حيث سُمح لطوكيو بتطوير قدرات هجومية بعيدة المدى لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، لتكون هي «خطّ الدفاع الأول» ضدّ الصين، بدلاً من الاعتماد الكلي على الأساطيل الأميركية.

بعد عام من ولاية ترمب الثانية، بدت الولايات المتحدة وكأنها دولة تتجه نحو الانعزالية وتعتمد على قوة عسكرية وتكنولوجية غير مسبوقة، تعيد تعريف مفهوم «السلام من خلال القوة». ومع ذلك، يبقى هذا السلام هشاً في عالم متغير، حيث تراجع دور التدخل الأميركي المباشر وأصبح أمن البلاد مرتبطاً فقط بمصالحها الأساسية.

علاوة على ذلك، فإن «عسكرة الداخل» واستخدام الجيش في مهام إنفاذ القانون والحدود أثار مخاوف حقوقية ودستورية لم تشهدها الولايات المتحدة منذ عقود، حيث يخشى البعض من تحول الجيش أداةً سياسية في يد السلطة التنفيذية.