منظمة إنسانية ترصد كيف يواجه المهاجرون الموت بين ليبيا والجزائر والمغرب والنيجر

المئات منهم يُدفعون إلى عمق الصحراء من دون طعام أو ماء في رحلة محفوفة بالمخاطر

عناصر الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة مهاجر سري قذفتها أمواج البحر في شاطئ شرق طرابلس (أ.ف.ب)
عناصر الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة مهاجر سري قذفتها أمواج البحر في شاطئ شرق طرابلس (أ.ف.ب)
TT

منظمة إنسانية ترصد كيف يواجه المهاجرون الموت بين ليبيا والجزائر والمغرب والنيجر

عناصر الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة مهاجر سري قذفتها أمواج البحر في شاطئ شرق طرابلس (أ.ف.ب)
عناصر الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة مهاجر سري قذفتها أمواج البحر في شاطئ شرق طرابلس (أ.ف.ب)

أكد تقرير يتناول أوضاع المهاجرين في مناطق الصحراء الكبرى أن المئات منهم يُدفعون إلى عمق الصحراء من دون طعام أو ماء، في رحلة محفوفة بالموت تمتد عبر طريق صحراوي، يبلغ طوله نحو 600 كيلومتر، يبدأ من الحدود الليبية–النيجرية، وصولاً إلى مدينة سبها في جنوب غرب ليبيا، قبل أن تتشعب بهم المسارات لاحقاً نحو الجزائر والمغرب. وفي تلك المسالك القاسية تكشف شهادات الناجين عن صراع يومي مرير من أجل البقاء؛ إذ يواجه المهاجرون العطش والجوع، ومخاطر الضياع في صحراء شاسعة لا ترحم.

نيجريون عائدون إلى بلادهم بعد رحلة هجرة غير موفقة إلى بلدان الجوار (ألارم فون)

أفاد تقرير حديث لمنظمة «ألارم فون صحاري»، وهي شبكة إنسانية مستقلة تهتم برصد أوضاع المهاجرين في مناطق الصحراء الكبرى، خصوصاً على الحدود بين الجزائر والنيجر وليبيا، بأن صحراء النيجر باتت تعد أحد أخطر ممرات الهجرة في العالم، فـ«المهاجرون الذين يعبرونها في طريقهم إلى ليبيا أو الجزائر أو المغرب، أملاً في بلوغ أوروبا، يواجهون خطر العطش والجوع والضياع في رمال شاسعة تبتلع قصصهم بصمت»، وفق ما جاء في التقرير.

وأعلنت المنظمة أن أكثر من 1800 مهاجر رُحّلوا خلال شهر فبراير (شباط) 2026 وحده إلى ما يُعرف بـ«النقطة صفر»، وهي منطقة صحراوية حدودية بين الجزائر والنيجر، يُترك فيها المرحّلون دون حماية أو مساعدة إنسانية.

رحلة نوح من الحرب إلى التيه الصحراوي

نوح، اسم مستعار، سرد التقرير قصته كأحد هؤلاء المهاجرين الذين يخاطرون بحياتهم في الصحراء، أملاً في الوصول إلى أوروبا. هو شاب من ولاية الجزيرة في السودان، اضطر إلى الفرار منذ عام 2024 بسبب الحرب. بدأ مساره من أم درمان في العاصمة الخرطوم، متنقلاً بين ليبيا والجزائر والمغرب والنيجر، قبل أن يعود إلى ليبيا. ويصف التقرير بأن رحلته «كانت متقطعة تعكس قسوة طرق الهجرة غير النظامية».

مهاجرون غير نظاميين من جنوب الصحراء بعد وصولهم في «قوارب الموت» إلى الساحل الإسباني (موقع هجرة نيوز)

في ليبيا، عمل نوح لفترة قصيرة في الكفرة (1000 كلم جنوب شرق طرابلس)، ثم انتقل إلى طرابلس، حيث اشتغل عاملاً في شركة «معمار» بمدينة الدابية، قبل أن يتجه إلى الزنتان بشمال غرب ليبيا. ويقول إن العمل في ليبيا شاق ومردوده محدود، «أما الجزائر فكانت بالنسبة إليه محطة عبور نحو المغرب؛ إذ دفع خمسة آلاف دينار ليبي (800 دولار) للوصول، لكنه لم يتمكن من الاستقرار بسبب الإجراءات المغربية التي أعادته إلى الجزائر، قبل أن ترحّله السلطات الجزائرية إلى ليبيا»، حسب ما تضمنه التقرير.

يمتد طريق التهريب في الصحراء الليبية إلى نحو 600 كيلومتر من الحدود الليبية–النيجرية إلى مدينة سبها، ويُعرف باسم «طريق القذافي»، وذلك أنه خلال حكم معمر القذافي (1969-2011) كان الطريق يخضع لحراسة مشددة، لكنه تحوّل منذ عام 2011 إلى ممر رئيسي لشبكات التهريب، في ظل ضعف أمني وإفلات شبه كامل من العقاب، وفق التقرير.

الطرد إلى «النقطة صفر»

يروي نوح لنشطاء «ألارم فون» أن رحلته الأخيرة بدأت من غدامس، آخر مدينة ليبية على الحدود الجزائرية، رفقة أربعة شبان سودانيين. ساروا أكثر من 20 كيلومتراً عبر منطقة الدبداب الجزائرية، قبل أن تستمر رحلة التهريب الشاقة نحو الحدود المغربية، لكنهم تفرّقوا فور دخولهم الأراضي الجزائرية.

متطوعون لإغاثة المهاجرين في الصحراء الكبرى (منظمة ألارم فون)

يقول نوح إنهم فقدوا أموالهم وهواتفهم ومتعلقاتهم الشخصية خلال الرحلة، مضيفاً أنهم نُقلوا إلى مدينة تمنراست الحدودية، قبل أن يُتركوا في المنطقة الفاصلة مع النيجر، دون مال أو وثائق أو وسيلة تواصل.

ويؤكد أن عدد المرحّلين السودانيين تجاوز 300 شخص، معظمهم عانوا من نقص حاد في الطعام والماء. أمضى نوح أكثر من 15 يوماً في النيجر بلا مال أو مصدر رزق، واصفاً البلد بأنه «قاسٍ وصعب، لا فرص فيه للعمل».

ويذكر التقرير أن السلطات الليبية عثرت مؤخراً على 29 جثة لمهاجرين في مقبرة جماعية جنوب شرق البلاد، ليرتفع عدد الجثث المنتشلة إلى 57 جثة في الأشهر الأخيرة، في مؤشر جديد على فداحة الثمن الذي يدفعه العابرون، حسب قوله.

انتقادات متصاعدة

أثارت وتيرة عمليات الطرد المتسارعة انتقادات من بعض المنظمات غير الحكومية. ففي رسالة نُشرت في 20 مايو (أيار) 2025، أعربت منظمات مثل «هاتف الطوارئ في الصحراء»، و«شبكة المغرب الساحلي للهجرة» عن قلقها إزاء وضع النساء والأطفال والمرضى على الحدود الجنوبية، معتبرة أن ظروفهم الإنسانية صعبة للغاية.

نيجريون عائدون إلى بلدهم إثر ترحيلهم من بلدان الجوار (ألارم فون)

وفي خلاصة تجسّد حجم المأساة، أكد تقرير «ألارم فون» أن مسارات التهريب ومراكز الاحتجاز «ما هي إلا فصول في رواية ألم ممتدة؛ إذ تظل الصحراء الكبرى شاهداً صامتاً على أرواح تتبدد وأحلام دُفنت تحت الرمال. هناك، خلف الكثبان، تتحول التطلعات نحو الفردوس الأوروبي إلى معركة يومية للبقاء، وقودها العطش، ودافعها الخوف، ونهايتها مجهول يتربص بكل من ضل الطريق».

الجزائر ترحّل 16 ألف مهاجر نيجري

تفيد تقارير حديثة لوزارة الداخلية الجزائرية بأن آلاف المهاجرين النيجريين يدخلون الأراضي الجزائرية سنوياً، حيث يتخذونها محطة إقامة مؤقتة تسبق هدفهم النهائي، المتمثل في بلوغ السواحل الإسبانية. وفي المقابل، يضع العابرون نحو ليبيا نصب أعينهم الوصول إلى إيطاليا كوجهة رئيسية.

مهاجرون سريون يطلبون النجدة من باخرة «أوسيان فايكينغ» قرب سواحل ليبيا (أ.ف.ب)

وفي كلتا الحالتين، ينخرط هؤلاء المهاجرون في سوق العمل غير الرسمي، سواء في ورشات البناء أو كعمالة منزلية لدى العائلات الميسورة، سعياً لجمع الأموال اللازمة لتأمين تكاليف رحلة «شراء الطريق» نحو القارة الأوروبية، حسبما تضمنته هذه التقارير، التي تؤكد أن المشهد في السنوات الأخيرة شهد تحولاً لافتاً في كبرى المدن والجزائر العاصمة، حيث بات الوجود الميداني للمهاجرين النيجريين أكثر ظهوراً في الفضاءات العامة والشوارع، وبرزت من بينهم فئات هشة من الأطفال، الذين يمارسون التسول لتأمين قوت يومهم بانتظار استكمال مغامرة العبور.

عناصر الهلال الأحمر الليبي قرب شاطئ ببلدة قصر الأخيار بعد أن لفظ البحر جثث عدد من المهاجرين جنوب الصحراء (أ.ف.ب)

ومنذ أن دخلت العلاقات بين الجزائر ونيامي في حالة من الفتور، إثر الانقلاب على الرئيس محمد بازوم في 26 يوليو (تموز) 2023، رحّلت السلطات الجزائرية أكثر من 16 ألف مهاجر غير نظامي إلى حدود النيجر. وقد نُفذت هذه العمليات وسط احتجاجات من منظمات حقوقية، بسبب الظروف القاسية التي يواجهها المرحّلون قبل وصولهم إلى نقطة يتم فيها تجميعهم.


مقالات ذات صلة

الجزائر ترسم توازناتها بين رهانات الصمود العسكري ومسارات التهدئة مع باريس

شمال افريقيا الوزير المنتدب للدفاع أثناء إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)

الجزائر ترسم توازناتها بين رهانات الصمود العسكري ومسارات التهدئة مع باريس

شدد قائد الجيش الجزائري الفريق أول سعيد شنقريحة على «صلابة» الجزائر في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية العالمية، مرجعاً هذا التوازن لـ3 ركائز.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل تدهور العلاقات في 2024 (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر بين «انتهازية» باريس و«شراكة» واشنطن

سادت حالة من الارتياح في الجزائر إزاء إشادة مسؤول أميركي رفيع بالدور الدبلوماسي الجزائري في ملف الصحراء الغربية، الذي سبّب قطيعة دبلوماسية بين الجزائر والمغرب.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

رسمت زيارة الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، إلى الجزائر ملامح عودة متسارعة للعلاقات الثنائية إلى سابق عهدها.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون متسلماً رسائل نظيره الفرنسي من الوزيرة المكلفة شؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر ترهن التطبيع مع باريس باعتذار صريح عن جرائم الاستعمار

تعاملت السلطات الجزائرية ببرودة تجاه خطوة باريس اللافتة نحو تطبيع العلاقات بين البلدين، والمتمثلة في إرسال الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزيرة الدولة الفرنسية المكلّفة بالقوات المسلحة وشؤون المحاربين القدامى أليس روفو (إلى اليسار) ومسؤولون يضعون إكليلاً من الزهور وباقات ورد خلال مراسم إحياء ذكرى «مجازر سطيف 1945» في مدينة سطيف شرق الجزائر يوم 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)

باريس والجزائر تخطوان نحو تطبيع علاقاتهما

بعد عامين من التباعد، باريس والجزائر تقطعان خطوة جدية نحو تطبيع علاقاتهما، وماكرون أعاد سفير بلاده إلى مركزه وكلف وزيرة شؤون القوات المسلحة بإنجاز مهمة تصالحية.

ميشال أبونجم (باريس)

مصر تراهن على النموذج الياباني في تحديث التعليم... والآراء متباينة

وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يستعرض خططه للاستفادة من النموذج الياباني خلال جلسة لمجلس الشيوخ الاثنين (وزارة التربية والتعليم المصرية)
وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يستعرض خططه للاستفادة من النموذج الياباني خلال جلسة لمجلس الشيوخ الاثنين (وزارة التربية والتعليم المصرية)
TT

مصر تراهن على النموذج الياباني في تحديث التعليم... والآراء متباينة

وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يستعرض خططه للاستفادة من النموذج الياباني خلال جلسة لمجلس الشيوخ الاثنين (وزارة التربية والتعليم المصرية)
وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يستعرض خططه للاستفادة من النموذج الياباني خلال جلسة لمجلس الشيوخ الاثنين (وزارة التربية والتعليم المصرية)

تراهن الحكومة المصرية على التجربة اليابانية لتطوير منظومة التعليم، بعد محاولات على مدى سنوات للتحديث وإدخال تعديلات جذرية في المناهج الدراسية، على نحو أثار تبايناً في الآراء حول الفوائد التي يمكن أن تعود على الطلاب مع توالي التغييرات في شكل نظام التعليم وأهدافه.

ومنذ أن أفصح وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، محمد عبد اللطيف، عن خطته للعام الدراسي المقبل أمام مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، الاثنين الماضي، لم يتوقف الجدل حول تحديات التوسع في الاعتماد على المناهج اليابانية في التعليم المصري العام، وسط مخاوف من ضعف المردود على الطلاب في بيئة اعتادت التركيز على التحصيل الدراسي، لا على الأنشطة التي تُعد مدخلاً رئيسياً لإنجاح «التجربة اليابانية»، وفق خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وكشف وزير التعليم المصري عن تطبيق مناهج يابانية لتسعة صفوف في جميع المدارس العام الدراسي المقبل، مؤكداً أن الوزارة تهدف لتطوير مناهج الرياضيات تدريجياً على مدى ثلاث سنوات لتصبح متوافقة مع النموذج الياباني.

وأعلن الوزير إعداد مناهج منظومة «البكالوريا» - التي تُطبق اختيارياً على طلاب المرحلة الثانوية - في مادتي العلوم والرياضيات بالتعاون مع خبراء يابانيين، مع بدء تطبيق نظام شهادة «البكالوريا» المصرية تحت إشراف مؤسسة دولية متخصصة، على أن يشهد العام الدراسي المقبل أول دُفعة تطبق هذا النظام.

وتُطبِّق وزارة التربية والتعليم مسارَين متوازيين للمرحلة الثانوية؛ فإلى جانب الثانوية العامة التقليدية، استحدثت هذا العام منظومة «البكالوريا» التي تُطبَّق على طلاب الصف الأول الثانوي، وهي تحوي شعباً أكثر تخصصية، منها مسار للأعمال يتضمَّن دراسة مواد المحاسبة وإدارة الأعمال، وهي تمنح الطلاب أكثر من فرصة امتحانية لتحسين الدرجات.

تقييم التجربة

تتوسع مصر في تشييد «المدارس المصرية - اليابانية» التي تستلهم فلسفة التعليم اليابانية، ووصل عددها حتى نهاية 2025 إلى 69 مدرسة. وبحسب وزير التعليم، فإن العام الدراسي المقبل يشهد دخول أكثر من 100 مدرسة جديدة الخدمة، مع استمرار العمل للوصول إلى 500 مدرسة بحلول 2030.

وتضمنت خطة وزير التعليم المصري زيادة عدد الخبراء اليابانيين المشرفين على تلك المدارس إلى 50 خبيراً، بهدف تعزيز المتابعة الفنية والتربوية، إلى جانب استمرار تطبيق التعاون مع الجانب الياباني فيما يتعلق بتدريس مادة «البرمجة والذكاء الاصطناعي» لطلاب المرحلة الثانوية عبر منصة تعليمية يابانية، باستخدام المناهج المطبقة نفسها في اليابان، وكذلك تطبيق مادة «الثقافة المالية» باعتبارها مادة نشاط لطلاب «البكالوريا».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل وزير التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا الياباني مطلع العام (الرئاسة المصرية)

ويرى رئيس قطاع التعليم العام الأسبق بوزارة التربية والتعليم، رضا مسعد، أن تطوير التعليم في مصر استرشاداً بالنموذج الياباني ليس جديداً، مشيراً إلى وجود تعاون بين وكالة اليابان للتعاون الدولي «جايكا» ووزارة التربية والتعليم المصرية منذ 20 عاماً، وقال إن الهيئة اليابانية لعبت دوراً في بناء بعض المدارس والفصول والإشراف على البعثات التعليمية للمعلمين المصريين إلى اليابان.

ولفت في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إلى أن التعاون أخذ أبعاداً أكثر تطوراً منذ إنشاء أول مدرسة مصرية - يابانية في عام 2017، وأضحى هناك عدد أكبر من الخبراء اليابانيين المقيمين في مصر لمتابعة تطبيق فلسفة التعليم الياباني في هذه المدارس والإشراف عليها. وأضاف أن الحكومة سعت إلى تطبيق أنشطة «التوكاتسو» التي تعتمد على تنمية مهارات الطلاب وتعزيز السلوكيات الإيجابية، داخل المدارس الحكومية، قبل عدة سنوات.

غير أنه أبدى ملاحظات على التوجه القائم حالياً نحو توسيع التجربة من خلال إدخال النموذج الياباني في المناهج الدراسية في التعليم العام، وقال إن الوزارة بدأت قبل ست سنوات في تطوير جذري لمناهج التعليم «ولم يتم تقييم التجربة التي ما زالت في طور التطبيق، ومن المفترض أن تستمر حتى نهاية المرحلة الثانوية».

«فجوات معرفية»

منذ عام 2018، بدأت مصر تطوير منظومة التعليم بتطوير مناهج رياض الأطفال والصفوف الأولى، قبل أن يعلن الوزير عبد اللطيف إدخال تعديلات على 94 منهجاً دراسياً في مختلف مراحل التعليم، وبدأ الطلاب في دراسة هذه المناهج اعتباراً من العام الدراسي الحالي.

ويتخوف مسعد من «تشويه خطوات تطوير منظومة التعليم» مع التوجه نحو إنهاء تجربة لم تكتمل والشروع في بناء أخرى جديدة، مشيراً لإمكانية تطبيق المناهج اليابانية على المدارس المصرية - اليابانية أولاً، ومتابعة نتائج مخرجاتها والمقارنة مع الأقران في منظومة التعليم.

ويشير إلى أن نظام التعليم المصري يعتمد حالياً على تطوير مناهج العلوم والرياضيات والهندسة والتكنولوجيا، وهو ما يركز عليه «نظام ستيم» الأميركي؛ فيما يركز النموذج الياباني على الأنشطة وربطها بجميع المناهج مع الاهتمام بالارتقاء بالأخلاق والتركيز على مهارات القيادة والريادة، مع التركيز أيضاً على مناهج الرياضيات والعلوم التي تحظى في النموذج الياباني بتقييمات مرتفعة لدى منظومة «ستيم» الأميركية.

وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف خلال استقباله وفد وكالة اليابان للتعاون الدولي أواخر الشهر الماضي (وزارة التربية والتعليم)

ويؤكد وزير التعليم أن التجربة اليابانية مناسبة للنظام المصري؛ نظراً لوجود نقاط تشابه بين مجتمعَي البلدين، سواء من حيث الكثافة السكانية أو طبيعة النظام التعليمي. وأشار إلى أن متوسط كثافة الفصول في اليابان يصل إلى نحو 40 طالباً، ومع ذلك تحقق اليابان نتائج تُصنف ضمن الأفضل عالمياً في التعليم.

لكن أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، تامر شوقي، يرى أن طلاب الصفوف الأولى الذين خضعت مناهجهم للتطوير خلال السنوات الماضية سيعانون مشكلات نتيجة وجود فجوات معرفية بين المناهج التي يدرسونها حالياً وتلك التي ستقرها الوزارة وفقاً للنموذج الياباني. وتوقع أن يؤدي ذلك إلى «صعوبات في التحصيل العلمي والمعرفي مع القضاء على فكرة التكامل في المناهج التي اعتمدت عليها فكرة تطوير منظومة التعليم في مصر».

ويرفض شوقي فكرة «استيراد المناهج» بوجه عام، مشيراً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن ذلك قد لا يسفر عن «تطور منظومة التعليم»؛ إذ إن نجاحات اليابان «تجيء في ظل منظومة تعليم ناجحة وليس نظام مناهج فقط».

وأضاف: «مصر بحاجة إلى تدريب المعلمين أولاً على النموذج الياباني مع وجود إدارة مدرسية قوية، إلى جانب ضرورة الربط بين المناهج والبيئة المحلية المحيطة بالطلاب».

إلا أنه يرى، في الوقت ذاته، أن المناهج اليابانية تشجع الطلاب على التفكير والربط بين المعلومات التي يتم شرحها والأنشطة التدريبية، قائلاً إنها «قريبة من نظام مصري قديم اعتمد على تدريس مواد عديدة للأنشطة قبل أن تتقلص حالياً».

ونوَّه كذلك إلى أن النموذج الياباني يراعي قدرات التفكير الناقد، كما يهتم بربط التعليم بالواقع، وتنمية القدرات الشخصية.


مناوي: حملنا السلاح «مجبورين»... والسودان ينهار تحت وطأة الحرب

رئيس «حركة تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي (الشرق الأوسط)
رئيس «حركة تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي (الشرق الأوسط)
TT

مناوي: حملنا السلاح «مجبورين»... والسودان ينهار تحت وطأة الحرب

رئيس «حركة تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي (الشرق الأوسط)
رئيس «حركة تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي (الشرق الأوسط)

من قلب الحرب السودانية وتعقيداتها المتشابكة، برّر رئيس «حركة تحرير السودان»، حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي مشاركة قواته إلى جانب الجيش السوداني، بأنه «ضرورة فرضتها طبيعة الاستهداف الذي طال الإنسان السوداني وتاريخه وأرضه»، مشيراً إلى أن «قوات الدعم السريع» ارتكبت أكبر الجرائم في البلاد، وأن السودان ينهار تحت وطأة الحرب.

وفي وقت تتفاقم فيه المأساة الإنسانية وتتسع رقعة النزوح والدمار، أقرّ مناوي بأن الحديث عن «إنجازات» وسط هذا الخراب يبدو بعيداً عن الواقع، مؤكداً أن الحرب لم تُبقِ شيئاً إلا واستنزفته، من الأرواح إلى الموارد.

وقال مناوي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن الأطراف التي انخرطت في القتال فعلت ذلك «مجبورة»، موضحاً أن الاستهداف لم يقتصر على المشاركين في الحرب، بل شمل المدنيين ومقومات الحياة في السودان عموماً.

وانتقد مناوي بطء تنفيذ «اتفاق جوبا لسلام السودان»، معرباً عن أسفه لما وصفه بـ«الضعف الكبير» في تطبيق بنوده، وقال إن ما نُفّذ فعلياً لا يتجاوز 20 في المائة من الاتفاق.

وكان الاتفاق قد وُقّع في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 بين الحكومة السودانية وعدد من الحركات المسلحة، أبرزها «حركة العدل والمساواة» بقيادة جبريل إبراهيم، و«حركة تحرير السودان» بقيادة مناوي، إلى جانب «الحركة الشعبية - شمال» بقيادة مالك عقار، ضمن ما عُرف بـ«تحالف الجبهة الثورية»، بهدف تحقيق السلام وإعادة توزيع السلطة والثروة.

وفي فبراير (شباط) 2023، وقّعت الأطراف على مصفوفة محدثة لاستكمال البنود العالقة، غير أن اندلاع حرب 15 أبريل (نيسان) أدى إلى تجميد معظم الاتفاق، كما تسبب في انقسام الحركات الموقعة بين طرفي النزاع، ما جعل مستقبل الاتفاق مرهوناً بوقف الحرب وإنهاء القتال.

وعن الأوضاع الأمنية والإنسانية في دارفور، أكد مناوي أن الإقليم لا يمكن عزله عن المشهد السوداني العام، مشيراً إلى تفاوت حجم التدهور الأمني من منطقة إلى أخرى. واتهم «قوات الدعم السريع» بارتكاب «أكبر وأعظم» الجرائم في دارفور، مرجعاً ذلك إلى ما وصفه بالمنطلقات القبلية للقوات.

أما على الصعيد الإنساني، فوصف مناوي أوضاع معسكرات النزوح بأنها «كارثية»، خصوصاً في دارفور، مؤكداً انهيار الخدمات الأساسية بصورة شبه كاملة، بما في ذلك التعليم والصحة والخدمات العامة، فضلاً عن تعرض المواطنين لعمليات نهب وإفقار واسعة، في وقت تشير فيه تقديرات إلى سقوط عشرات الآلاف من القتلى، ونزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان وخارجه.


ديون العلاج... شبح يطارد المرضى الليبيين في مصر وتونس

ليبيون أمام إحدى المصحات التونسية خلال وقفة احتجاجية هذا الأسبوع (لقطة من تسجيل مصور)
ليبيون أمام إحدى المصحات التونسية خلال وقفة احتجاجية هذا الأسبوع (لقطة من تسجيل مصور)
TT

ديون العلاج... شبح يطارد المرضى الليبيين في مصر وتونس

ليبيون أمام إحدى المصحات التونسية خلال وقفة احتجاجية هذا الأسبوع (لقطة من تسجيل مصور)
ليبيون أمام إحدى المصحات التونسية خلال وقفة احتجاجية هذا الأسبوع (لقطة من تسجيل مصور)

لم تتوقف استغاثات المرضى الليبيين العالقين في رحلات العلاج بالخارج، خصوصاً بمصر، وتونس، والتي تحولت إلى وقفات احتجاجية متكررة لأجساد أنهكها المرض، مع تجدد أزمة تأخر المخصصات المالية الحكومية، وتوقف تغطية نفقات العلاج من قبل السلطات الليبية.

وفي حين يقول مرضى وذووهم إنهم يواجهون خطر انقطاع العلاج، أو الطرد من المصحات بسبب تراكم الديون، تقول السلطات الليبية إنها بدأت تسديد التزاماتها المالية، بالتوازي مع خطط لإصلاح القطاع الصحي، و«توطين العلاج» داخل البلاد.

وتُعد مصر وتونس منذ سنوات وجهتين رئيستين لآلاف الليبيين الباحثين عن خدمات طبية غير متوفرة محلياً، في بلد لا يزال يعاني تداعيات الانقسام السياسي، والصراعات المسلحة منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011.

جحيم الانتظار

في القاهرة، نظم مرضى ليبيون هذا الأسبوع، خصوصاً من مرضى الأورام، وزراعة النخاع، والكبد، وقفة احتجاجية لمطالبة حكومة «الوحدة» في غرب ليبيا بصرف مستحقاتهم المالية المتأخرة، مؤكدين أن بعضهم ينتظر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025 تحويل المخصصات، فيما اضطر آخرون إلى استكمال العلاج على نفقتهم الخاصة رغم امتلاكهم ملفات علاجية معتمدة لدى الجهات الرسمية.

ويروي الليبي مفتاح الزعلوك، وهو ستيني يتلقى العلاج بين مصر وتونس بعد إصابته بورم، جانباً من معاناته قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنه يواجه «ظروفاً صحية صعبة، وتكاليف تفوق القدرة، والإمكانات».

أطباء يجرون جراحة قلب لمريض في أحد المشافي الليبية (جهاز دعم وتطوير الخدمات العلاجية)

الزعلوك الذي أمضى سنوات طويلة في عمله «بكل إخلاص وانضباط»، وفق قوله، بات اليوم يعتمد على دعم عائلته وأصدقائه للاستمرار في رحلة العلاج، مطالباً بتدخل حكومي عاجل لتوفير النفقات اللازمة، ومناشداً الجهات المعنية «الوقوف وقفة إنسانية» إلى جانب المرضى.

وكان الوضع أكثر صعوبة عند مصطفى مسعود (58 عاماً) الذي كتب لـ«الشرق الأوسط» كلمات مقتضبة بعد خروجه من جلسة علاج كيماوي من مرض السرطان في أحد المشافي المصرية، بدت مثقلة بالألم أكثر من الحروف. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه يتنقل بين مصر وتونس بحثاً عن دواء يخفف قسوة السرطان، بينما تستنزف الرحلة صحته وماله معاً.

وهناك حالة أخرى لسيدة ليبية تبلغ من العمر (58 عاماً)، وهي مريضة تعاني من مشكلة في الأعصاب، وتحتاج إلى جراحة عاجلة في مصر بتكلفة تبلغ نحو 80 ألف جنيه مصري (نحو 1580 دولاراً أميركياً)، ويتوقف إجراؤها على توفر ربع المبلغ، وفق ما نقلت إحدى المقربات منها التي تحفظت على ذكر اسمها.

ولم تعلق الحكومة في غرب ليبيا على الوقفة الاحتجاجية الأخيرة، لكن السفارة الليبية في القاهرة سبق أن أعلنت في أبريل (نيسان) الماضي تسوية مديونيات مستحقة على الدولة الليبية لصالح عدد من المرافق الطبية المصرية، تشمل الالتزامات المالية المتعلقة بعلاج المرضى والجرحى الليبيين خلال الفترة من 2018 حتى 2021، بحسب ما أعلنه عبد المطلب ثابت المكلف بتسيير أعمال السفارة الليبية في مصر.

غير أن الناشط المدني الليبي عبد الرحمن شعيب يبرز أن صفحه على «فيسبوك» يديرها هو ورفقة متطوعين لا تزال تستقبل يومياً مئات الرسائل من مرضى وذويهم يطلبون دعماً لتغطية تكاليف العلاج في الخارج، علماً بأنه ينخرط بجهد تطوعي في مساعدة المرضى المسافرين إلى دول الجوار عبر تبرعات من فاعلي خير، وفق ما تحدث به إلى «الشرق الأوسط».

القائم بأعمال السفارة الليبية في القاهرة خلال مراسم تسوية المديونيات الليبية المستحقة لمؤسسات صحية في القاهرة أبريل الماضي (السفارة)

وساق الناشط المدني أمثلة على ما قال إنها «حالات مرضى أورام (مثبتة بأوراق) يحتاجون شهرياً إلى جرعات علاج تصل كلفتها إلى خمسة آلاف يورو، بينما لم توفر الدولة هذه الأدوية منذ سنوات، ما اضطر بعض المرضى إلى بيع ممتلكاتهم لتغطية النفقات».

وتحدث شعيب عن أن المبادرات الفردية «لا يمكن أن تكون بديلاً عن دور الدولة»، موضحاً أن أزمة العلاج بالخارج تحتاج إلى «تحرك حكومي جاد، وإرادة حقيقية لمعالجة جذور المشكلة».

توقف العلاج

المشكلة ذاتها تبدو أكثر تعقيداً في تونس، إذ تتكرر على نحو دوري استغاثات مرضى وذويهم من توقف العلاج داخل مصحات خاصة بسبب تراكم الديون، وكان آخر تلك الاستغاثات ضمن وقفة احتجاجية ليبية قال منظموها إن بعض المصحات بدأت تقليص خدماتها، فيما هددت أخرى بوقف العلاج نهائياً، مع تسجيل حالات طرد لمرضى بسبب عدم سداد المستحقات.

وكتب الليبي علي مادي (50 عاماً)، الذي يتردد على تونس لتلقي العلاج، عبر حسابه على «فيسبوك»: «الدافع الذي قادني إلى تونس هو ذاته الذي يدفع كثيراً من الليبيين إلى شد الرحال: البحث عن علاج لأوجاع أرهقت أجسادنا، ولم نجد لها شفاءً في وطن يفترض أنه غني بموارده».

ويقول مدير «المرصد التونسي لحقوق الإنسان»، مصطفى عبد الكبير، لـ«الشرق الأوسط» إن الوقفات الاحتجاجية التي ينظمها ليبيون للمطالبة بسداد مستحقات المصحات الخاصة في تونس «تتكرر بصورة دورية منذ سنوات دون حل حاسم»، مشيراً إلى تسجيل «خمس وقفات احتجاجية خلال الأشهر الستة الماضية فقط».

وأضاف عبد الكبير أن «حكومة غرب ليبيا تتحمل مسؤولية هذا الملف، خصوصاً مع استمرار تدفق جرحى الاشتباكات الأخيرة، إلى جانب المرضى الذين يحتاجون إلى جراحات عاجلة، أو علاج للعيون»، لافتاً إلى أن المؤسسات الصحية الخاصة «لديها التزامات مالية لا تحتمل التأجيل».

وشدد على رفض «أي توظيف سياسي لمعاناة المرضى، أو استخدامهم ورقة ضغط»، مؤكداً أن الحق في العلاج «تكفله القوانين، والمواثيق الدولية».

رئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

في المقابل، تؤكد حكومة الوحدة الوطنية أنها تمضي في تنفيذ خطط لإصلاح القطاع الصحي، وتقليص الاعتماد على العلاج بالخارج عبر مشروع «توطين العلاج»، الذي أطلق قبل نحو أربعة أعوام. واعتبر رئيسها عبد الحميد الدبيبة أن نجاح إجراء عملية قسطرة قلب له داخل أحد مستشفيات مدينة مصراتة، إلى جانب تنفيذ أكثر من 140 عملية مماثلة بنجاح، يمثلان مؤشراً على تقدم جهود توطين جراحات القلب داخل البلاد.

كما سبق أن أعلن الدبيبة إطلاق «استراتيجية الـ100 يوم» لإصلاح القطاع الصحي، والتي شملت افتتاح أكثر من 20 مرفقاً صحياً في مناطق مختلفة، وتجهيزها بمعدات حديثة، وكوادر طبية متخصصة، في إطار ما عده مساعي من حكومته لتحسين الخدمات الصحية، وتقليل الحاجة إلى العلاج في الخارج.

لكن مرضى وناشطين يرون أن هذه الخطط لم تنعكس بعد بشكل ملموس على أوضاع آلاف الليبيين الذين لا يزالون مضطرين للسفر إلى الخارج بحثاً عن العلاج، في ظل نقص التخصصات الطبية، والأدوية، وتعثر الخدمات الصحية داخل البلاد.