ما تأثيرات قمة القاهرة الثلاثية على مقاربة ترمب لغزة؟

ماكرون سعى لتوضيحات بشأن الأمن والحوكمة في القطاع

ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض الاثنين (رويترز)
ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض الاثنين (رويترز)
TT

ما تأثيرات قمة القاهرة الثلاثية على مقاربة ترمب لغزة؟

ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض الاثنين (رويترز)
ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض الاثنين (رويترز)

قد تكون الصدفة مسؤولة عن التزامن بين القمة الثلاثية التي استضافتها القاهرة، الاثنين، التي ضمت الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والفرنسي إيمانويل ماكرون، والملك الأردني عبد الله الثاني، والاتصال الهاتفي الذي أجراه الثلاثة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وقد تكون الصدفة أيضاً وراء تزامن ذلك مع اجتماع البيت الأبيض الذي ضم ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الذي استدعي على عجل إلى واشنطن.

لكن ما يجدر التوقف أمامه وتسجيله في الجانب الإيجابي، أن ترمب أعلن، في حديثه إلى الصحافة وإلى جانبه بنيامين نتنياهو، ما حرفيته: «أود أن أرى الحرب تتوقف، وأعتقد أن الحرب ستتوقف في مرحلة ما، ولن يكون ذلك في المستقبل البعيد جداً».

ويمكن فهم كلام ترمب وربطه بالطلب الرئيسي للقادة الثلاثة الداعي لوضع حد للحرب في غزة، بحسب البيان الثلاثي الصادر عنهم. ووفق آخر ما صدر عن وزارة الصحة في غزة، فإن أعداد القتلى قد تجاوزت 50 ألفاً فضلاً عن عشرات آلاف الجرحى، وتشريد مئات الآلاف من السكان والتدمير الكامل للقطاع.

الرئيسان عبد الفتاح السيسي وإيمانويل ماكرون والملك عبد الله الثاني خلال القمة الثلاثية في القاهرة الاثنين (الرئاسة المصرية)

من هذا المنظور، يمكن القول إن القمة الثلاثية ربما أدت دوراً في دفع ترمب إلى تعديل مقاربته واعتباره أن الحرب يجب أن تتوقف أخيراً وهو الذي تبنى تماماً، منذ عودته إلى البيت الأبيض في 20 يناير (كانون الثاني) الماضي، السياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية.

وهكذا، تكون القمة الثلاثية قد أصابت نجاحاً. لكن العبرة تبقى في التنفيذ وفي مدى تجاوب نتنياهو مع رغبة ترمب وهو الذي جعل من تدمير «حماس» الهدف الأول لحربه على القطاع واستخدام القوة العسكرية سبيلاً لاستعادة المحتجزين الإسرائيليين لدى «حماس».

ماذا يريد ترمب حقيقة؟

بيد أن الترحيب بخطوة ترمب باتجاه وضع حد للحرب جاء ما يكشفه مباشرة في حديثه عن خططه بشأن غزة التي لا يرى فيها سوى «قطعة مذهلة من العقارات المهمة» ولكن «لا أحد يريد العيش هناك» حيث إن «المطور العقاري» عاد ليتقدم على صفته رئيساً لأكبر قوة عسكرية في العالم.

ومرة أخرى عاد ترمب ليؤكد رغبته بالاستيلاء على غزة. وقال: «وجود قوة مثل الولايات المتحدة هناك والسيطرة على قطاع غزة وامتلاكه سيكون أمراً جيداً».

ولم تفته الإشارة إلى «نقل الفلسطينيين إلى دول مختلفة حيث إن الكثير من الدول ستفعل ذلك»، ولكن من غير أن يشير إلى أي منها بعد أن كان سابقاً قد حدد مصر والأردن وجهتين لفلسطينيي، غزة وهو ما رفضته القاهرة وعمان رفضاً مطلقاً.

وبادرت مصر لاحقاً إلى إعداد خطة لإعادة إعمار غزة تبنتها القمة العربية التي استضافتها العاصمة المصرية الشهر الماضي وحظيت بدعم منظمة المؤتمر الإسلامي وتأييد العديد من الدول الأوروبية.

وسبق لترمب ونتنياهو أن رفضاها جذرياً. لكن رغم تكرار مقولته، يبدو أن سيد البيت الأبيض أخذ يعترف بأن السير بخطته ليس الحل الوحيد، إذ أعلن في المناسبة نفسها أن «الكثير من الناس يحبون مفهومي. لكن كما تعلمون، هناك مفاهيم أخرى تعجبني أيضاً وهناك بعض المفاهيم التي لا تعجبني».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض الاثنين (رويترز)

وكعادته، تفتقر تصريحات ترمب للدقة ما يفتح الباب لكثير من التأويلات بحيث لا يفهم أين يدرج خطة الـ53 مليار دولار العربية التي ركز عليها البيان الثلاثي الذي دعا إلى توفير «الدعم الدولي لخطة إعادة إعمار غزة التي اعتمدتها القمة العربية التي عقدت في القاهرة في الرابع من مارس (آذار) واعتمدتها منظمة التعاون الإسلامي في السابع منه، وناقشوا آليات التنفيذ الفاعل لها فيما يتعلق بالأمن والحوكمة».

وأضاف البيان: «أكد القادة أن الحوكمة والحفاظ على النظام والأمن في غزة، وكذلك في جميع الأراضي الفلسطينية، يجب أن يكونا بشكل حصري تحت مظلة السلطة الوطنية الفلسطينية الممكّنة، بدعم إقليمي ودولي قوي».

تغييب محمود عباس

حتى اليوم، عبرت بعض الدول الأوروبية عن دعمها للخطة العربية وهو ما أكده ماكرون مجدداً في القاهرة، حيث قال: «ندعم الخطة العربية لإعادة إعمار قطاع غزة، ونتفق مع مصر على وضع أجندة للاستقرار الإقليمي...». ووصف ماكرون خطة التهجير بأنها «انتهاك للقانون الدولي وتشكل تهديداً خطيراً على أمن كل المنطقة بمن فيها إسرائيل».

لكن السؤال المطروح اليوم يتناول الموقف الأوروبي الجماعي ومعرفة ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيدعم جماعياً، هذه الخطة ويساهم في الترويج لها. والحال أن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا كان موجوداً في القاهرة عند انعقاد القمة.

الاتحاد الأوروبي كذلك قال إنه جاهز لتوفير دعم ملموس لهذه الخطة. لكن، حتى اليوم، لم يظهر الدعم الموعود.

وبحسب دبلوماسي أوروبي في باريس، فإن الأوروبيين «ينتظرون ما سيرسو عليه الموقف الأميركي قبل أن يدخلوا في جدال مع واشنطن بشأن مستقبل غزة». إلا أن دولاً مثل إسبانيا وآيرندا وبلجيكا سارعت، منذ اليوم الأول، للتعبير عن دعمها له.

وقالت مصادر الإليزيه إن الرئيس ماكرون «يريد توضيح نقطتين في الخطة وهما حوكمة القطاع والإمساك بالأمن فيه، ما من شأنه تسهيل التواصل مع الإدارة الأميركية».

ثمة سؤال يستحق أن يطرح ويتناول أسباب تغييب الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن قمة القاهرة، خصوصا أن السلطة الفلسطينية ستكون المدعوة لإدارة القطاع (الحوكمة) والمحافظة على الأمن والنظام.

ونقلت صحيفة «لو فيغارو» عن مصدر فرنسي قوله بخصوص عدم دعوة عباس، البالغ من العمر 90 عاماً، أنه «أخذ يعي أنه يتعين عليه أن يتخلى عن منصبه». ولكن كيف ذلك؟ ومن سيخلفه وبحسب أية آلية؟ كلها أسئلة لا إجابات حولها في الوقت الحاضر، كما أن لا وضوح بالنسبة لمستقبل «حماس» في غزة والدور الذي قد تتمسك به، فضلاً عن أنها ترفض، حتى اليوم قطعياً، أن تتخلى عن سلاحها رغم قبولها التنحي عن السلطة.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)

أسئلة كثيرة مطروحة والإجابات عنها إما غائبة أو منقوصة وهناك استحقاق رئيسي في شهر يونيو (حزيران) المقبل عنوانه الاجتماع الرفيع المستوى الذي دعت إليه فرنسا والملكة السعودية في الأمم المتحدة بشأن الملف الفلسطيني بكليته. وما جرى في اليومين الأخيرين في القاهرة مهم لأنه أخذ في تحريك الوضع الذي يبقى رهينة ما سترسو عليه السياسة الأميركية لغياب أوراق الضغط العربية من جهة، وبالنظر لضعف الموقف الأوروبي. فالاتحاد الأوروبي يتبنى مبدأ الإجماع بشأن السياسات الخارجية وهو إجماع صعب بالنظر مثلاً لاستقبال نتنياهو رسمياً في المجر رغم مطالبة المحكمة الجنائية الدولية بتوقيفه لاتهامه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ما يعني أن الإجماع صعب للغاية. ويضاف إليه تردد الأوروبيين في ممارسة أي ضغط فعلي على إسرائيل رغم الأوراق الكثيرة التي يمتلكونها.


مقالات ذات صلة

مسؤول سابق بـ«الفاو» يطعن على قرار فصله بسبب موقفه من الجوع في غزة

المشرق العربي عنصر أمني حكومي يتبع لوزارة الداخلية في ضواحي قرية الصورة الصغيرة بريف السويداء يوم 15 سبتمبر الماضي (رويترز) p-circle

مسؤول سابق بـ«الفاو» يطعن على قرار فصله بسبب موقفه من الجوع في غزة

قال بنجامين ديفيس، المسؤول السابق في منظمة (الفاو)، إنه تقدم بطعن على قرار فصله من العمل، مشيراً إلى أن القرار جاء بسبب موقفه من قضية الجوع في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (جنيف - روما)
رياضة عالمية مشجع آيرلندي يحمل علم فلسطين أوقفته السلطات أثناء المباراة (د.ب.أ) p-circle 00:48

توقف مباراة آيرلندا والنمسا مرتين بسبب احتجاجات مؤيدة لغزة

توقفت مباراة ضمن دوري الأمم الأوروبية لكرة القدم بين آيرلندا والنمسا في دبلن، الخميس، مرتين لفترة وجيزة، بسبب احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
المشرق العربي مشيّعون يحضرون جنازة جماعية لفلسطينيين انتُشلت جثامينهم من تحت أنقاض مبنى سكني تعرّض لضربة إسرائيلية في أكتوبر 2023 وفقاً للدفاع المدني بمدينة غزة (رويترز)

تشييع رفات 105 جثامين في جنازة واحدة بقطاع غزة

شيّعت جماهير فلسطينية غفيرة بقطاع غزة، اليوم الخميس، رفات 105 جثامين في جنازة واحدة إلى مثواهم الأخير، بعد نحو ثلاثة أعوام قضوها تحت أنقاض منازلهم.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيعون يحضرون جنازة جماعية لفلسطينيين انتُشلت جثامينهم من تحت أنقاض مبنى سكني تعرض لضربة إسرائيلية في أكتوبر 2023 -وفقاً للدفاع المدني- وذلك في مدينة غزة اليوم (رويترز)

طائرات إسرائيلية تدمر 4 منازل شرق غزة

- شنّت الطائرات الإسرائيلية، اليوم (الخميس)، أربع غارات جوية استهدفت منازل سكنية غير مأهولة قرب «الخط الأصفر» شرق مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ صلاح صرصور رئيس الجمعية الإسلامية في ميلووكي يوم 18 يونيو 2026 (أ.ب)

قاضٍ أميركي يحكم بترحيل رئيس مسجد ميلووكي الفلسطيني

قضى ‌قاضي محكمة هجرة بأن الحكومة الأميركية يمكنها ترحيل الفلسطيني الأميركي صلاح صرصور، رئيس الجمعية الإسلامية في ميلووكي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ناقلة نفط خام تتعرض لضربة بمقذوف مجهول قبالة سواحل عُمان

أرشيفية لسفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان (رويترز)
أرشيفية لسفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان (رويترز)
TT

ناقلة نفط خام تتعرض لضربة بمقذوف مجهول قبالة سواحل عُمان

أرشيفية لسفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان (رويترز)
أرشيفية لسفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان (رويترز)

​قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، صباح ال​يوم ‌(السبت)، ⁠إن ​ربان ناقلة نفط ⁠خام أفاد بتعرضها لضربة بمقذوف ⁠غير ‌معروف على ‌بعد ​أربعة أميال ‌بحرية ‌من شرق سلطنة عمان.

وذكرت الهيئة ‌أن جميع أفراد الطاقم ⁠بخير، ⁠وأنه لم يتم الإبلاغ عن أي أثر بيئي في الوقت ​الراهن.


واشنطن وطهران تقتربان من مواجهة جديدة

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق  الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

واشنطن وطهران تقتربان من مواجهة جديدة

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق  الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

في ظل تعثر المساعي الدبلوماسية، تقترب واشنطن وطهران من مواجهة عسكرية جديدة، في حين تتصاعد نبرة التصريحات والتهديدات، فضلاً عن التمسك بمواقف متشددة من الطرفين، ومواصلة تعرض السفن إلى استهدافات في مضيق هرمز.

وأشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً في الفترة الأخيرة إلى أنه سيضرب إيران بـ«قوة شديدة» إذا لم تتوصل إلى اتفاق مع إدارته، مرجحاً أن يتم ذلك بعد انتخابات الكونغرس النصفية الشهر المقبل أو ربما قبلها. كما حثّ ترمب طهران على اتخاذ «القرار الصائب» قبل فوات الأوان، مضيفاً أنه لا يعرف «مع مَن يتعامل في إيران». في المقابل، ردت طهران بقولها إن قواتها المسلحة مستعدة لـ«حرب استنزاف» أو «عملية خاطفة»، إذا استأنفت واشنطن مهاجمتها.

وفي ظل هذا التصعيد، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أنها تلقت تقريراً من طرف ثالث يفيد بإصابة الناقلة بمقذوف مجهول أثناء عبورها مضيق هرمز؛ ما أدى إلى نشوب حريق في السفينة. وكثّفت إيران في الفترة الأخيرة هجماتها على السفن التجارية العابرة للمضيق؛ إذ أطلقت أسبوعياً نحو 30 هجوماً بالطائرات المسيَّرة و10 هجمات بصواريخ مضادة للسفن، وفق بيانات سرية لمسؤول أمني غربي نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز».

وأضاف المسؤول أن 4 سفن تجارية على الأقل أصيبت بهجمات إيرانية خلال الأيام العشرة الماضية، في حين تشير تقارير البحرية البريطانية إلى إصابة 13 سفينة على الأقل، معظمها ناقلات نفط، بمقذوفات أو حطامها، منذ 10 سبتمبر (أيلول).


استهداف السفن يفاقم التوتر بين واشنطن وطهران

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

استهداف السفن يفاقم التوتر بين واشنطن وطهران

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تقترب واشنطن وطهران من مواجهة عسكرية جديدة في ظل تعثر المساعي الدبلوماسية، بينما تتصاعد نبرة التصريحات والتهديدات، فضلاً عن التمسك بمواقف متشددة من الطرفين، ومواصلة تعرض السفن لاستهدافات في مضيق هرمز.

وأشار الرئيس الأميركي، مراراً في الفترة الأخيرة، إلى أنه سيضرب إيران بـ«قوة شديدة» إذا لم تتوصل إلى اتفاق مع إدارته، مرجحاً أن يتم ذلك بعد انتخابات الكونغرس النصفية، الشهر المقبل، أو ربما قبلها، كما حث ترمب طهران على اتخاذ «القرار الصائب» قبل فوات الأوان، مضيفاً أنه لا يعرف «مع من يتعامل في إيران».

وفي المقابل، ردت طهران بقولها إن قواتها المسلحة مستعدة لـ«حرب استنزاف» أو «عملية خاطفة»، إذا استأنفت واشنطن مهاجمتها.

وفي ظل هذا التصعيد، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أنها تلقت تقريراً من طرف ثالث يفيد بإصابة الناقلة بمقذوف مجهول في أثناء عبورها مضيق هرمز. وتعرّضت الناقلة، يوم الجمعة، لهجوم في أثناء خروجها من مضيق هرمز؛ ما تسبب في حريق على متنها أُخمد لاحقاً لتواصل رحلتها، وفق ما أفادت به هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية. وقالت الهيئة إن الربّان أفاد بتعرّض الناقلة «لضربة بمقذوف غير محدد في أثناء إبحارها خارجة من المضيق؛ ما أدى إلى نشوب حريق صغير، وانقطاع التيار الكهربائي على متنها». وأوضحت الهيئة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن «الحريق أُخمد، والسفينة تواصل رحلتها». وأوضحت الهيئة أن الناقلة، التي لم تفصح عن اسمها أو العلم الذي ترفعه، واصلت رحلتها بعد السيطرة على الحريق.

وكثّفت إيران في الفترة الأخيرة هجماتها على السفن التجارية العابرة للمضيق؛ إذ أطلقت أسبوعياً نحو 30 هجوماً بالطائرات المسيّرة، و10 هجمات بصواريخ مضادة للسفن، وفق بيانات سرية لمسؤول أمني غربي نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية.

وأضاف المسؤول أن 4 سفن تجارية على الأقل أصيبت بهجمات إيرانية خلال الأيام العشرة الماضية، بينما تشير تقارير البحرية البريطانية إلى إصابة 13 سفينة على الأقل، معظمها ناقلات نفط، بمقذوفات أو حطامها، منذ 10 سبتمبر (أيلول) الماضي.

تكثيف العقوبات الأميركية

وبالتوازي مع التهديدات العسكرية، وسّعت واشنطن نطاق ضغوطها الاقتصادية على طهران، بإعلان وزارة الخزانة الأميركية، الخميس، فرض عقوبات جديدة على قطاعي السكك الحديدية والسيارات في إيران، إلى جانب شركات وموردين أجانب يتعاملون معهما، في أحدث خطوات حملة تستهدف تقليص الموارد المالية المتاحة للحكومة الإيرانية.

وتندرج العقوبات ضمن عملية «الإقصاء الاقتصادي» التي أعلنتها وزارة الخزانة في 24 أغسطس (آب) الماضي، بهدف حرمان طهران من الإيرادات التي تقول واشنطن إنها تُستخدم في تمويل الحرب، وتطوير الصواريخ، وتنفيذ الهجمات الإلكترونية، ودعم «الحرس الثوري» الإيراني.

وتستهدف الإجراءات الجديدة قطاعات اكتسبت أهمية متزايدة بالنسبة إلى إيران، في ظل الحصار البحري الأميركي الذي أدى إلى تعطيل شحنات النفط عبر مضيق هرمز، ودفع طهران إلى زيادة اعتمادها على شبكات النقل البرية لنقل النفط والأسمدة والمواد الكيميائية وسلع أخرى.

وشملت العقوبات شركتي «إيران خودرو» و«سايبا» لصناعة السيارات، اللتين قالت وزارة الخزانة إنهما تستحوذان على أكثر من 90 في المائة من سوق السيارات المحلية، فضلاً عن شركة السكك الحديدية الإيرانية المملوكة للدولة، وشركة «قطارات رجا» لنقل الركاب، وشركة «راه آهن حمل ونقل»، التي وصفتها الوزارة بأنها من كبرى شركات شحن البضائع الخاصة في البلاد.

كما طالت العقوبات شركات أجنبية في إندونيسيا وتركيا، تتهمها واشنطن بتزويد قطاع السيارات الإيراني بالإمدادات اللازمة لاستمرار نشاطه.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الإجراءات الجديدة «تستهدف بصورة مباشرة الجهات التي تساعد إيران»، وتمهد الطريق أمام الولايات المتحدة وشركائها لاستنزاف إيرادات النظام الإيراني بصورة نهائية.

وتعكس العقوبات توجهاً أميركياً نحو توسيع نطاق الحصار الاقتصادي، بحيث لا يقتصر على تعطيل الصادرات البحرية، بل يمتد إلى شبكات النقل والتجارة والإمداد داخل إيران وخارجها.

لكن هذه الاستراتيجية تثير مخاوف من انعكاساتها على الأوضاع المعيشية للإيرانيين، في ظل اتساع نطاق القطاعات المستهدفة وتأثيرها المحتمل على النشاط الاقتصادي، وفرص العمل وتكاليف النقل والإنتاج.

منصة «إيه 7» الروسية

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

وفي إطار مساعيها لتضييق الخناق على شبكات التمويل التي تتهمها بمساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات، فرضت وزارة الخزانة الأميركية إجراءات جديدة على منصة «إيه 7» الروسية للتحويلات المالية، متهمة إياها بتسهيل معاملات مالية مرتبطة بإيران، وإخفاء مدفوعات تخص قطاعات وأفراداً خاضعين للعقوبات.

وقالت الوزارة، الخميس، إنها تحظر التعاملات مع المنصة ووكلائها، ووصفتها بأنها «منظمة إجرامية كبيرة عابرة للحدود»، مشيرة إلى أن الإجراءات الجديدة توسّع نطاق العقوبات السابقة لتشمل الشبكة المرتبطة بها بالكامل.

وتأسست «إيه 7»، عام 2024، على يد بنك «بي إس بي» الروسي، الذي يركز على قطاع الدفاع، وسرعان ما أصبحت من أبرز الجهات العاملة في سوق المدفوعات الدولية في روسيا، في وقت تسعى فيه موسكو إلى تطوير أنظمة مالية بديلة عن المنظومة الغربية، بالاعتماد على وسائل تشمل العملات المشفرة والذهب والعملات غير الغربية، وبالتعاون مع شركاء تجاريين رئيسيين، من بينهم الصين والهند.

ورفضت المنصة، في بيان صدر، الجمعة، الاتهامات الأميركية، نافية أي صلات لها بإيران أو منظمات إرهابية، ومؤكدة أنها توفر خدمات تسوية المدفوعات للسوق الروسية، التي قالت إنها تخضع لإجراءات تقييدية غير قانونية، وأضافت أنها تقدم خدماتها لدعم عمليات الاستيراد والتصدير المشروعة، المتعلقة بالسلع الاستهلاكية والمواد الأولية.

في المقابل، قالت وزارة الخزانة الأميركية إن المنصة أنشأت شبكة عالمية من الشركات التابعة بهدف إخفاء المدفوعات المرتبطة بقطاعات وأشخاص خاضعين للعقوبات، وإظهارها على أنها معاملات تجارية اعتيادية، مضيفة أن إيران و«الحرس الثوري» استفادا من هذه الشبكة.

مقترح عراقجي

عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

وفي موازاة التصعيد العسكري والاقتصادي، برزت مؤشرات على تحرك دبلوماسي إيراني لاحتواء الضغوط؛ إذ أفادت مصادر مطلعة لوكالة «بلومبرغ» بأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اقترح، خلال لقاءاته في نيويورك، السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول إلى المنشآت النووية التي تعرضت للقصف خلال الحرب، مقابل تخفيف العقوبات الأميركية.

وبحسب المصادر، فإن المقترح قد يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها طهران، ورغبتها في التوصل إلى تفاهم يخفف وطأة العقوبات، وإن لم يقدم عراقجي، خلال لقاءاته، تفاصيل موسعة بشأن الوضع الاقتصادي الإيراني، أو طبيعة التنازلات التي قد تكون بلاده مستعدة لتقديمها.

ويأتي المقترح في وقت لا تزال فيه الملفات النووية والعقوبات والأمن الإقليمي تشكل أبرز نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران، وسط شكوك أميركية بشأن فرص التوصل إلى اتفاق قابل للاستمرار.

وبينما تواصل واشنطن الجمع بين التهديد باستخدام القوة، وتشديد العقوبات، تسعى طهران إلى إظهار استعدادها للمواجهة العسكرية، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام تفاهمات دبلوماسية قد تتيح تخفيف الضغوط الاقتصادية، غير أن استمرار استهداف السفن في مضيق هرمز، وتباعد مواقف الطرفين بشأن الملفات الأمنية والنووية، يبقيان احتمالات التصعيد قائمة، ويجعلان المسار الذي ستتخذه المواجهة مرهوناً بمدى استعداد الجانبين لتقديم تنازلات تحول دون تجدد العمليات العسكرية.