الصين تطالب أميركا بـ«إلغاء فوري» للرسوم الجمركية... وتتوعد بالرد

إجمالي التعريفات بلغ 54 %... وبكين تحذر من تضرر سلاسل التوريد العالمية

سيارات معدَّة للشحن في ميناء يانتاي شرق الصين (أ.ف.ب)
سيارات معدَّة للشحن في ميناء يانتاي شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين تطالب أميركا بـ«إلغاء فوري» للرسوم الجمركية... وتتوعد بالرد

سيارات معدَّة للشحن في ميناء يانتاي شرق الصين (أ.ف.ب)
سيارات معدَّة للشحن في ميناء يانتاي شرق الصين (أ.ف.ب)

طالبت وزارة التجارة الصينية، الخميس، واشنطن بأن «تلغي فوراً» الرسوم الجمركية التي فرضها لتوّه الرئيس دونالد ترمب على دول العالم أجمع، بما في ذلك رسوم إضافية بنسبة 34 في المائة على الواردات الصينية. وتوعَّدت بكين باتخاذ إجراءات مضادة لحماية مصالحها، محذّرةً من أنّ هذه التعريفات «تُعرِّض التنمية الاقتصادية العالمية للخطر» وتضرُّ بالمصالح الأميركية وسلاسل التوريد الدولية.

وقالت الوزارة في بيان إنّ «الصين تحضّ الولايات المتّحدة على أن تلغي فوراً إجراءات الرسوم الجمركية الأحادية، وأن تحلّ الخلافات مع شركائها التجاريين على نحو سليم من خلال حوار متكافئ»، مشدّدة على أنّ «لا رابح في حرب تجارية، ولا مخرج من الحمائية».

وقالت الوزارة إن الخطوة الأميركية تتجاهل توازن المصالح الذي تمَّ التوصُل إليه عبر مفاوضات تجارية متعددة الأطراف على مرِّ السنين، كما تغفل حقيقة استفادتها الكبيرة من التجارة الدولية. وأضافت أن «الصين تعارض هذا الأمر بشدة، وستتخذ إجراءات مضادة لحماية حقوقها ومصالحها»، في الوقت الذي يبدو فيه أن أكبر اقتصادَين في العالم على وشك الانخراط بشكل أعمق في حرب تجارية من شأنها أن تهز سلاسل التوريد العالمية.

كما حثَّت وزارة الخارجية الصينية، الولايات المتحدة على تصحيح «أخطائها»، وصرَّح المتحدث باسم الوزارة، غوه جيا كون، في مؤتمر صحافي دوري، بأن فرض الولايات المتحدة رسومًا جمركية إضافية على الصين ودول أخرى «ينتهك بشدة» قواعد منظمة التجارة العالمية، ويضرّ بنظام التجارة الدولية القائم على القواعد. وأضاف أن الصين تحث الولايات المتحدة على حل النزاعات التجارية والاقتصادية معها ومع الدول الأخرى عبر التشاور على أساس المساواة والاحترام والمعاملة بالمثل.

وأعلن ترمب، مساء الأربعاء، أن الصين ستواجه رسوماً جمركية بنسبة 34 في المائة، بالإضافة إلى 20 في المائة فرضها عليها في وقت سابق من هذا العام، ليبلغ إجمالي الرسوم الجديدة 54 في المائة، ويقترب من نسبة الستين في المائة التي هدَّد بها خلال حملته الانتخابية.

وسيُواجِه المصدِّرون الصينيون، كما هي الحال مع نظرائهم من أي اقتصاد آخر، تعريفةً جمركيةً أساسيةً بنسبة 10 في المائة، كجزء من الضريبة الجديدة البالغة 34 في المائة، على جميع السلع تقريبًا المشحونة إلى أكبر اقتصاد مستهلك في العالم ابتداءً من يوم السبت، قبل أن تدخل «التعريفات الجمركية المتبادلة» الأعلى المتبقية حيز التنفيذ اعتبارًا من 9 أبريل (نيسان).

كما وقّع ترمب أمرًا تنفيذيًا يُغلق ثغرًة تجاريةً تُعرف باسم «الحد الأدنى»، التي سمحت للطرود منخفضة القيمة من الصين وهونغ كونغ بدخول الولايات المتحدة معفاة من الرسوم الجمركية.

وكان ترمب قد أمر الممثل التجاري الأميركي بتحديد ما إذا كانت الصين تفي بالتزاماتها بموجب «المرحلة الأولى» من اتفاقية التجارة الأميركية - الصينية لعام 2020 بحلول الأول من أبريل.

وكانت الاتفاقية قد اشترطت على الصين زيادة مشترياتها من الصادرات الأميركية بمقدار 200 مليار دولار على مدى عامين، لكن بكين لم تحقق أهدافها عندما ضربت جائحة «كوفيد-19». واشترت الصين سلعًا أميركية بقيمة 153 مليار دولار في عام 2017، قبل بدء الحرب التجارية، وفقًا لبيانات الجمارك الصينية، وارتفع هذا الرقم إلى 164 مليار دولار العام الماضي.

وقالت روبي عثمان، الخبيرة في الشؤون الصينية بـ«معهد توني بلير للتغيير العالمي»: «يمكن القول إن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترمب على دول أخرى ستسبب أكبر قدر من المشكلات. لقد دأبت الشركات الصينية على إعادة توجيه تجارتها عبر دول مثل فيتنام والمكسيك لتجنب الرسوم الأميركية، لكن هذه الأسواق تتعرَّض الآن لرسوم جمركية كبيرة خاصة بها».

وانتشر مفهوم «الصين +1» بين المصدرين الصينيين والشركات متعددة الجنسيات التي جعلت من الصين مركزًا إنتاجيًا رئيسيًا لسلاسل التوريد الخاصة بها خلال ولاية ترمب الأولى.

ولكن مع مواجهة الهند والمكسيك وفيتنام وماليزيا - وهي الدول الأكثر استفادة من هذا التحول - رسومًا جمركية تتراوح بين 24 و46 في المائة، فإن ميزة التكلفة المترتبة على نقل التصنيع خارج الصين تتضاءل بشكل كبير.

وقد تشجع رسوم ترمب الجمركية الصين على تعزيز تجارتها مع الأسواق البديلة، لكن لا يوجد بلد آخر يقترب حاليًا من القوة الاستهلاكية الأميركية، حيث يبيع المنتجون الصينيون سلعًا تزيد قيمتها على 400 مليار دولار سنويًا.

وقال ويليام هيرست، أستاذ التنمية الصينية بجامعة كمبردج: «من المؤكد أن رسوم ترمب الجمركية لن تساعد الشركات الصينية، وستسبب ضررًا حقيقيًا في بعض القطاعات، لكنها لن تُحدث أي تأثير حاسم على الاقتصاد الصيني». وأضاف: «تتراجع أهمية الصادرات الأميركية بالنسبة للصين. وستحفز الرسوم الجمركية الأميركية مزيدًا من التجارة الصينية مع دول أخرى، من أوروبا إلى جنوب شرقي آسيا وأفريقيا».

لكن المنتجين الصينيين وصفوا التحول إلى الأسواق البديلة بأنه «سباق فئران»؛ مما يؤدي إلى حروب أسعار بين المصدرين، مما قد يُفاقم قوى الانكماش في ثاني أكبر اقتصاد في العالم، مع استمرار الشركات في الضغط على هوامش الربح المتقلصة.

وأبقت الصين على هدفها الاقتصادي لهذا العام دون تغيير، عند نحو 5 في المائة، على الرغم من فرض ترمب رسومًا جمركية قد تعوق انتعاشًا قائمًا إلى حد كبير على الصادرات، بدأ منذ نهاية جائحة «كوفيد-19».

وتعهَّدت الحكومة الصينية بمزيد من التحفيز المالي، وزيادة إصدار الديون، وتيسير السياسة النقدية، والتركيز بشكل أكبر على تعزيز الطلب المحلي لتخفيف آثار الحرب التجارية.

وقالت روبي عثمان، في إشارة إلى الاجتماعات البرلمانية السنوية للصين: «كانت الصين تعلم أن هذا اليوم قادم مُسبقًا، وكانت إعلانات التحفيز المُقيّدة نسبيًا في الدورتين البرلمانيتين في مارس (آذار) مُجرد حسابات، وليست سهوًا». وأضافت: «لقد تعمدت بكين الاحتفاظ بمزيد من الاحتياطات، سواء من حيث التحفيز المحلي أو الإجراءات الانتقامية، تحسبًا لاحتياجها إلى رد أقوى».

وقد يتدخل الرئيس الصيني شي جينبينغ أيضًا في المعركة، بعد تقارير أفادت بأن الرجلين يقودان اجتماعات محتملة بين مسؤولين أميركيين وصينيين في يونيو (حزيران) في الولايات المتحدة.

وقال كريغ سينغلتون، الزميل البارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، معهد الأبحاث في واشنطن: «ترمب وشي عالقان في مفارقة من الضغط والكبرياء. وتمزج استراتيجية ترمب بين أقصى قدر من الضغط والمبادرات الدبلوماسية المفاجئة؛ فهو يرى أن النفوذ والانخراط متكاملان. أما شي، على النقيض من ذلك، فهو منهجي ويتجنب المخاطرة، ويعتمد على التأخير والانضباط. لكن هنا تكمن المعضلة: إذا رفض الانخراط، يتصاعد الضغط؛ وإذا انخرط مبكرًا جدًا، فإنه يخاطر بالظهور بمظهر الضعيف».

وأضاف: «لا يريد أي منهما أن يُنظر إليه على أنه يستسلم أولًا، لكن التأخير قد يعمق المواجهة».


مقالات ذات صلة

حرب تجارية تلوح بالأفق... أوروبا تتأهب للرد على رسوم ترمب

الاقتصاد نموذج مصغر مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لترمب وعلمي الاتحاد الأوروبي وغرينلاند وكلمة «الرسوم الجمركية» (رويترز)

حرب تجارية تلوح بالأفق... أوروبا تتأهب للرد على رسوم ترمب

دخلت العلاقات التاريخية عبر الأطلسي في نفق مظلم هو الأخطر منذ عقود، مع تسارع وتيرة المواجهة بين إدارة الرئيس دونالد ترمب والاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا السيناتور كريس كونز (وسط) محاطاً بأعضاء من الكونغرس في كوبنهاغن (أ.ب) play-circle

احتجاجات في كوبنهاغن وغرينلاند ضد مساعي واشنطن لضم الجزيرة القطبية

قامت مظاهرات، السبت، في عدّة مدن في الدنمارك وغرينلاند احتجاجاً على مطامع الرئيس الأميركي في الجزيرة تزامناً مع زيارة وفد الكونغرس لكوبنهاغن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا بعض من السفراء الأجانب الجدد (أ.ف.ب)

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

عرض الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، رؤية بلاده للوضع السياسي العالمي؛ خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب.

رائد جبر (موسكو)
الاقتصاد ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)

المنتدى الاقتصادي العالمي يدق ناقوس الخطر بقرب «المواجهة الاقتصادية»

تصدَّرت المواجهة الاقتصادية بين الدول وتداعياتها استطلاع «المنتدى الاقتصادي العالمي» السنوي لتصورات المخاطر، لتحل محل النزاع المسلح كأكبر مصدر قلق لدى الخبراء.

«الشرق الأوسط» (دافوس (سويسرا))
آسيا رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي يرحب بنظيره النيوزيلندي كريستوفر لوكسون في نيودلهي - 17 مارس 2025 (أ.ب)

لماذا تواجه الهند عاماً صعباً في 2026؟

تجد نيودلهي نفسها أمام اختبارات صعبة ستحدد قدرتها على المناورة، وحماية مصالحها الاستراتيجية في المرحلة المقبلة

«الشرق الأوسط» (لندن)

ترمب يهدد جمركياً... والأسهم الأوروبية تسجل انخفاضاً حاداً

مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرنكفورت (رويترز)
مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرنكفورت (رويترز)
TT

ترمب يهدد جمركياً... والأسهم الأوروبية تسجل انخفاضاً حاداً

مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرنكفورت (رويترز)
مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرنكفورت (رويترز)

شهدت الأسهم الأوروبية انخفاضاً حاداً، يوم الاثنين، بعد أن هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية إضافية حتى يُسمح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند، ما أعاد التوترات التجارية إلى الواجهة، وأثار الشكوك حول الاتفاقيات التجارية السابقة.

وانخفض مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1.3 في المائة، في بداية أسبوع متقلب، يتخلله إعلانات الأرباح والمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، الذي يخضع للمتابعة من كثب بحثاً عن مؤشرات بشأن الرسوم الجمركية والتوقعات الجيوسياسية، وفق «رويترز».

كما تراجعت المؤشرات الوطنية، بشكل ملحوظ، حيث هبط مؤشر «كاك 40» الفرنسي بنسبة 1.8 في المائة، ومؤشر «داكس» الألماني بنسبة 1.4 في المائة، ومؤشر «فوتسي 100» البريطاني بنسبة 0.4 في المائة.

كان ترمب قد أعلن أنه سيفرض تعريفة جمركية إضافية بنسبة 10 في المائة، ابتداءً من 1 فبراير (شباط) المقبل، على البضائع القادمة من الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا وبريطانيا، على أن ترتفع النسبة إلى 25 في المائة في 1 يونيو (حزيران) المقبل، حال عدم التوصل إلى اتفاق.

وأثارت هذه التهديدات ردود فعل قوية في أوروبا، حيث يبحث المسؤولون عن سُبل لردع هذه الخطوة، مع التحضير لتدابير مضادة محتملة.

وتعكس تحركات السوق مدى جدية هذه التهديدات، إذ يستخدمها الرئيس الأميركي أداة سياسية، حتى تجاه الدول التي أبرمت، بالفعل، اتفاقيات تجارية مع واشنطن.

وقال خبراء اقتصاديون في بنك «آي إن جي»، في مذكرة: «باتت مبررات رفع التعريفات الجمركية، الآن، ذات طابع سياسي أكثر منها اقتصادياً، مقارنةً بالنصف الأول من عام 2025».


من «البيت السعودي» بدافوس... غورغييفا تشيد بإصرار المملكة على التنويع

جلسة خاصة بالسعودية في «البيت السعودي» (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالسعودية في «البيت السعودي» (الشرق الأوسط)
TT

من «البيت السعودي» بدافوس... غورغييفا تشيد بإصرار المملكة على التنويع

جلسة خاصة بالسعودية في «البيت السعودي» (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالسعودية في «البيت السعودي» (الشرق الأوسط)

شهد جناح «البيت السعودي (Saudi House)»، المُقام على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2026، إشادة دولية واسعة بمسار التحول الوطني، حيث نوهت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، بـ«عنصر الإصرار» السعودي في تحقيق الإصلاح الهيكلي، مؤكدة أن تنويع الاقتصاد بات حقيقة ملموسة تشمل جميع القطاعات. في هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استدامة هذا النجاح واستمراريته مرهونتان بتبنّي نهج «البراغماتية»، وبناء مصداقية صلبة في الأسواق العالمية.

الجدعان والانضباط المؤسسي

وأكد وزير المالية محمد الجدعان أن الاستمرارية في مسيرة التحول الوطني مرهونة بتبنّي نهج «البراغماتية»، وبناء مصداقية صلبة ومستدامة في الأسواق العالمية. وشدد على أن التجربة السعودية أثبتت أن الإصلاح الناجع هو الذي يتحول إلى عمل مؤسسي مستدام «لا يعتمد على أشخاص»، مشيراً إلى أن قوة الاقتصاد تكمن في تحويل الاستراتيجيات إلى ممارسات يومية تعكس جدية الدولة في الالتزام بمستهدفات «رؤية 2030». وأوضح أن هذا الانضباط المؤسسي هو ما يمنح المستثمرين والأسواق الدولية الثقة المطلوبة للاستثمار طويل الأمد في المملكة.

وأشار وزير المالية إلى أن النجاح الحقيقي يتمثل في قدرة المملكة على عكس ممارسات إصلاحية جادة على أرض الواقع، مما يسهم في تعزيز المصداقية الدولية. وعَدَّ أن بناء هذه المصداقية، جنباً إلى جنب مع السياسات المالية البراغماتية، هو ما يضمن استدامة تدفق رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية، ويؤمِّن صمود الاقتصاد السعودي أمام التحديات العالمية المتغيرة.

وخلص الجدعان إلى أن وضوح السياسات المالية والنتائج المستهدفة، والمتابعة الدقيقة للمؤشرات، عززت قدرة الحكومة على إدارة التحول بكفاءة عالية، مؤكداً أن الاستدامة المالية تظل الركيزة الأساسية التي تنطلق منها كل مشروعات التنمية والتنويع الاقتصادي التي تشهدها المملكة اليوم.

الإبراهيم: التحول يتطلب مرونة مؤسسية

أكد وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي، فيصل الإبراهيم، أن ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة تتطلب وضوحاً في الرؤية وقدرة مؤسسية فائقة على التكيف وسرعة تعديل المسار. وشدد على أن «التحول المستدام لا يتحقق دون تعامل واعٍ مع المخاطر»، مشيراً إلى أن الإصلاح يجب أن يكون «مستداماً ومؤسسياً ولا يعتمد على أفراد» لكي يضمن الاستمرارية والنجاعة على المدى الطويل.

وأوضح الإبراهيم أن تجربة «رؤية 2030» صقلت قدرات الفريق الحكومي في التخطيط والتنفيذ، لافتاً إلى أن التخطيط في المملكة ليس عملية جامدة، بل هو مسار مستمر يستند إلى قراءة المؤشرات وتغيير الاتجاه عند الحاجة. وأضاف: «إن الانتقال من الرؤية إلى النتائج الفعلية ينطوي على مخاطر تحولية يجب إدارتها بوعي وإصرار وانضباط، مع الحفاظ على شفافية التواصل لتعزيز ثقة الأسواق».

في سياق متصل، أشار وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح إلى أن المملكة نجحت في تقديم «صيغة جاذبة» استطاعت من خلالها استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية على حد سواء. وعدَّ الفالح أن بناء المصداقية والالتزام بالممارسات العالمية الجادة هما الضمان الأساسي لاستدامة تدفق الاستثمارات، مما يعزز مكانة المملكة وجهة استثمارية رائدة ضمن اقتصاد عالمي متغير.

غورغييفا: السعودية تقدم نموذجاً عالمياً في الإصلاح

من جانبها، أعربت كريستالينا غورغييفا، مديرة صندوق النقد الدولي، عن تقديرها البالغ لمسيرة الإصلاح السعودي، منوهةً بـ«عنصر الإصرار» الذي ميَّز التجربة السعودية. وقالت غورغييفا إن المملكة اتخذت قراراً استراتيجياً بالاهتمام بالإصلاحات الهيكلية وتقديم تجربتها لتتشاركها مع العالم، مؤكدة أن «التنويع الاقتصادي في السعودية بات واقعاً ملموساً ينطبق، اليوم، على جميع القطاعات» دون استثناء.


«ستاندرد آند بورز»: شركات النفط الخليجية تضخ 125 مليار دولار سنوياً رغم تقلبات الأسعار

شعار «أرامكو» (رويترز)
شعار «أرامكو» (رويترز)
TT

«ستاندرد آند بورز»: شركات النفط الخليجية تضخ 125 مليار دولار سنوياً رغم تقلبات الأسعار

شعار «أرامكو» (رويترز)
شعار «أرامكو» (رويترز)

تتوقع وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيفات الائتمانية أن تحافظ شركات النفط في دول مجلس التعاون الخليجي على استثماراتها القوية، وأن يرتفع إنفاقها الرأسمالي إلى ما بين 115 و125 مليار دولار سنوياً خلال الفترة من 2025 إلى 2027. ويأتي هذا الارتفاع، الذي يتجاوز مستويات عام 2024 البالغة 110-115 مليار دولار، مدفوعاً بصيانة القدرة الإنتاجية في السعودية وخطط توسع في قطر والإمارات.

ثبات في الإنفاق رغم تقلبات الأسواق

وأوضح التقرير، الذي جاء بعنوان «آفاق الطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي لعام 2026»، أن شركات المنطقة ستواصل الإنفاق المرتفع حتى في ظل بقاء أسعار النفط عند مستويات منخفضة معتدلة. وعلى الرغم من توقعات بتباطؤ «معدل نمو» هذا الإنفاق مقارنة بالسنوات السابقة بسبب قرب دخول مشروعات ضخمة حيز التشغيل، فإن التوجه الخليجي يظل متفرداً؛ إذ يتناقض مع الاستقرار أو التراجع المتوقع في الإنفاق الرأسمالي للشركات العالمية المنافسة خلال عام 2026.

«أرامكو»: ريادة في الغاز

برزت «أرامكو السعودية» في التقرير كلاعب رئيسي يحرك دفة الاستثمارات الإقليمية، حيث تضع تطوير حقول الغاز الكبرى في صدارة أولوياتها المحلية لتعزيز القدرات الوطنية، وعلى رأسها حقل «الجافورة»، وتوسعة محطتي «تناجيب» و«الفاضلي».

ولم يقتصر نشاط أرامكو على الداخل، بل عززت حضورها الدولي في قطاع الغاز الطبيعي المسال عبر الاستحواذ على حصة أقلية في شركة «ميد أوشن»، مما يمنحها موطئ قدم في أصول استراتيجية بأستراليا وبيرو.

ريادة في تكامل العمليات وأمن الإمدادات

كما أثبتت الشركة ريادتها في «تكامل العمليات»؛ إذ تستهلك أنشطة التكرير والتسويق لديها أكثر من 50 في المائة من إجمالي إنتاجها من النفط الخام، وهي نسبة وصلت إلى 53 في المائة بنهاية عام 2024. ويهدف هذا التوجه إلى تأمين منافذ موثوقة للقيم وزيادة الكفاءة التشغيلية على طول سلسلة القيمة.

شراكات الطاقة المتجددة والاستدامة

إلى جانب الوقود الأحفوري، تضطلع «أرامكو» بدور محوري في تحقيق أجندة الاستدامة الوطنية من خلال شركة «أرامكو السعودية للطاقة» (SAPCO)، المملوكة لها بالكامل، والتي تأسست لدمج استثمارات الشركة في مجالات الطاقة التقليدية والمتجددة. وتستثمر «سابكو» بشكل فعال في برامج الطاقة المتجددة التابعة لصندوق الاستثمارات العامة وشركة «أكوا باور». كما تدخل «أرامكو» في شراكات استراتيجية كبرى، مثل مشروع «شركة جازان للمنافع» المشترك مع «أكوا باور» وشركة «إير برودكتس قدراً».

إقليمياً، أشار التقرير إلى سباق التوسع؛ حيث تسعى «أدنوك» الإماراتية للوصول إلى طاقة إنتاجية تبلغ 5 ملايين برميل يومياً بحلول 2027، مع توسع دولي في موزمبيق وأذربيجان. وفي الوقت نفسه، تواصل قطر ترسيخ مكانتها كلاعب عالمي في الغاز المسال عبر توسعة حقل الشمال، بينما تمد «قطر للطاقة» أذرعها في أفريقيا وأميركا الجنوبية.

وتتوقع «ستاندرد آند بورز» أن يتراوح متوسط ​​إنفاق شركات النفط الوطنية في دول مجلس التعاون الخليجي بين 115 و125 مليار دولار سنوياً خلال الفترة من 2025 إلى 2027 من 110 -115 مليار دولار في 2024 مع إمكانية زيادة الإنفاق إذا تجاوزت خطط توسيع الطاقة الإنتاجية التوقعات الحالية. وهذا يشير إلى زيادة مستمرة في وتيرة الاستثمارات الإقليمية، وهو ما يتناقض مع التوجُّه العالمي لشركات النفط الدولية التي يُتوقع أن يشهد إنفاقها استقراراً أو تراجعاً في عام 2026.

مرونة مالية وتصنيفات ائتمانية مستقرة

أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن التصنيفات الائتمانية لغالبية شركات النفط الوطنية في دول مجلس التعاون الخليجي ستظل «مرنة ومستقرة»، حتى في حال انخفاض أسعار النفط بشكل معتدل وتراجع التدفقات النقدية. وتستند هذه الرؤية الإيجابية إلى تمتع هذه الشركات بميزانيات عمومية قوية، ومستويات ديون منخفضة تاريخياً، بالإضافة إلى هوامش أمان مالية تتيح لها استيعاب تكاليف الاستثمارات الرأسمالية الضخمة دون المساس بجودتها الائتمانية.

وفي هذا السياق، صرحت روان عويدات، محللة الائتمان في «ستاندرد آند بورز»: «حتى مع انخفاض أسعار النفط بشكل طفيف، نتوقع أن تحافظ معظم شركات النفط الوطنية على تصنيفاتها الائتمانية القوية، مدعومة بنمو مطرد في الطلب العالمي».