التصوير الفلورسنتي... ثورة في جراحة الدماغ

تقنية حديثة تُحدث فرقاً في نسب الشفاء

التصوير الفلورسنتي... ثورة في جراحة الدماغ
TT

التصوير الفلورسنتي... ثورة في جراحة الدماغ

التصوير الفلورسنتي... ثورة في جراحة الدماغ

يُعد استئصال أورام الدماغ أحد التحديات الكبرى في مجال الجراحة العصبية، حيث تؤمن الإزالة الدقيقة والكاملة للورم عاملاً حاسماً في نجاح العلاج، وتحسين فرص بقاء المريض على قيد الحياة.

صعوبات جراحة أورام الدماغ

وتكمن صعوبة الجراحة في أن أورام الدماغ، وخاصة الأورام الدبقية (Glioma) عالية الدرجة، تمتلك حدوداً غير واضحة المعالم، مما يجعل من الصعب التمييز بين الأنسجة الورمية والخلايا الدماغية السليمة. ويؤدي ذلك إلى مخاطر متعددة، منها عدم استئصال كامل للورم، ما يزيد من احتمالية عودته بسرعة، أو التسبب في ضرر للنسيج العصبي السليم، ما قد يؤثر على الوظائف الحيوية للمريض مثل الحركة، والنطق، والإدراك.

في هذا السياق، جاءت الحاجة إلى تقنيات حديثة تُمكن الجراحين من زيادة دقة الاستئصال وتقليل المخاطر المصاحبة للجراحة التقليدية. من بين أبرز هذه الابتكارات، ظهرت تقنية 5 - أمينو ليفولينك أسيد (5 - AminoLevulinic Acid، 5 - ALA)، التي تعتمد على استخدام التألق الفلورسنتي للكشف عن الأنسجة السرطانية في أثناء الجراحة. وتسمح هذه التقنية للجراح برؤية حدود الورم بوضوح، ما يسهل استئصال نسبة أكبر من الخلايا السرطانية، ويقلل من احتمال ترك أجزاء سرطانية قد تؤدي إلى عودة الورم لاحقاً.

ومع تزايد الاهتمام العالمي بتطوير استراتيجيات أكثر دقة وأماناً في جراحة أورام الدماغ، أصبحت تقنية (5 - ALA) اليوم أحد المعايير الحديثة المستخدمة في كبرى المراكز الطبية المتقدمة، بفضل قدرتها على تحسين نتائج الجراحة وتقليل التأثيرات الجانبية التي قد تؤثر على نوعية حياة المريض بعد الاستئصال. وفقاً لدراسة (Roberts et al.، 2018).

تقنية «التألق الفلورسنتي»

- ما تقنية (5 - ALA)؟ وكيف تعمل؟ تقنية 5 - أمينو ليفولينك أسيد هي وسيلة حديثة ومبتكرة تُستخدم في جراحات أورام الدماغ لتعزيز دقة الاستئصال من خلال التصوير الفلورسنتي، ما يساعد الجراحين على التمييز بوضوح بين الأنسجة السرطانية والأنسجة السليمة في أثناء العملية.

- آلية العمل لهذه التقنية تعتمد على إعطاء المريض جرعة من محلول 5 - أمينو ليفولينك أسيد عن طريق الفم قبل 3 - 4 ساعات من بدء الجراحة. وبعد امتصاص المادة عبر الجهاز الهضمي، يتم استقلابها داخل الجسم إلى بروتوبورفيرين IX، وهو مركب حساس للضوء يتراكم بتركيز أعلى داخل الخلايا السرطانية مقارنة بالخلايا الطبيعية.

وعند تعريض الورم لضوء أزرق خاص بطول موجي بين 400 - 410 نانومتر في أثناء الجراحة، يصدر البروتوبورفيرين IX توهجاً وردياً أو أحمر، ما يسمح للجراح برؤية الورم بوضوح شديد.

- لماذا تتراكم المادة في الخلايا السرطانية؟ سبب التراكم الانتقائي لهذه المادة داخل الورم يعود إلى اختلاف آلية التمثيل الغذائي بين الخلايا الطبيعية والخلايا السرطانية. فالخلايا السرطانية تمتاز بمعدل تكاثر ونشاط أيضي مرتفع، ما يؤدي إلى زيادة امتصاص واستقلاب (5 - ALA)، مما يسمح بتراكم البروتوبورفيرين IX داخل الورم بمستويات عالية.

دور مهم في الجراحة

كيف تساعد تقنية (5 - ALA) في الجراحة؟ أثبتت الدراسات السريرية أن استخدام تقنية 5 - أمينو ليفولينك أسيد(5 - ALA) يرفع نسبة الاستئصال الكامل للورم الدبقي عالي الدرجة (GBM) بنسبة تصل إلى 30 في المائة مقارنة بالجراحات التقليدية. مما يعزز فرص تحسين البقاء على قيد الحياة. ومن الفوائد الرئيسية لهذه التقنية:

- تحسين رؤية الورم في أثناء العملية: يجعل التألق الفلورسنتي الورم يبدو أكثر وضوحاً مقارنة بالجراحة التقليدية، ما يساعد الجراح على استئصال نسبة أكبر من الأنسجة السرطانية دون التسبب في ضرر غير ضروري للأنسجة السليمة المحيطة. (Hadžić et al. 2019).

- تقليل خطر ترك بقايا الورم: بفضل هذه التقنية، يمكن تحديد أجزاء الورم غير المرئية بالعين المجردة التي قد تظل بعد الجراحة التقليدية، ما يساهم في تقليل معدلات تكرار الورم بعد العملية (Roberts et al.، 2018).

- تحسين معدلات الشفاء والبقاء على قيد الحياة: تُشير الدراسات إلى أن استخدام (5 - ALA) يزيد من معدل الاستئصال الكامل للأورام الدبقية عالية الدرجة، مما ينعكس إيجابياً على استجابة المرضى للعلاج الكيميائي والإشعاعي، وبالتالي يطيل فترة بقائهم على قيد الحياة (Widhalm et al. 2010).

تطبيق التقنية محلياً

تبنى مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بجدة تقنية 5 - أمينو ليفولينك أسيد (5 - ALA) للتغلب على تحديات استئصال ورم الدماغ الدبقي عالي الدرجة، حيث تساعد الأطباء على التمييز بوضوح بين الأنسجة المصابة والسليمة في أثناء العملية.

ويُعد «التخصصي» بجدة أول مستشفى في المملكة يستخدم هذه التقنية بشكل روتيني، الأمر الذي يعزز مكانته بصفته أحد المراكز الصحية الرائدة في الجراحة الدقيقة، وذلك في إطار مواصلة دوره وجْهَةً طبيةً متقدمةً. وبدأ «التخصصي» في التعاون مع مستشفيات أخرى داخل المملكة وخارجها لنقل هذه التقنية وتبادل الخبرات، بهدف توسيع نطاق استخدامها وتحقيق أقصى استفادة ممكنة للمرضى، وذلك في إطار جهود المستشفى الدائمة لتطبيق أحدث الابتكارات الطبية لتقديم رعاية صحية متقدمة للمرضى. وصُنف مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، الأول في الشرق الأوسط وأفريقيا والـ15 عالمياً، وضمن قائمة أفضل 250 مؤسسة رعاية صحية أكاديمية حول العالم، بحسب «براند فاينانس» لعام 2025. واستطاع المستشفى أن يكون العلامة التجارية الصحية الأعلى قيمة في المملكة والشرق الأوسط لعام 2024، كما أُدرج ضمن قائمة أفضل المستشفيات الذكية في العالم لعام 2025 من قبل مجلة «نيوزويك» الأميركية.

تطور التقنية وسلامتها

• تطور التقنية:

- في التسعينات: بدأ البحث حول (5 - ALA) بوصفه وسيلة لتمييز الأورام الدبقية (Stummer et al. 1998).

- في 2006: حصلت التقنية على موافقة الاتحاد الأوروبي للاستخدام السريري (Stummer et al. 2006).

- في2017: اعتمدتها إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) معياراً في جراحات أورام الدماغ (Roberts et al. 2018).

- في الوقت الحالي: أصبحت التقنية مستخدمة عالمياً في المراكز المتقدمة.

• السلامة والآثار الجانبية. يُعد حمض 5 - أمينو ليفولينك (5 - ALA) آمناً نسبياً، ويُستخدم على نطاق واسع في جراحة أورام الدماغ، إلا أنه كأي تقنية طبية قد يكون له بعض الآثار الجانبية التي تستدعي الانتباه. منها:

- حساسية الضوء: أحد الآثار الجانبية الأكثر شيوعاً هو حساسية الجلد والعينين للضوء، حيث يصبح المريض أكثر عرضة للتفاعل الضوئي لمدة 24 ساعة بعد تناول الجرعة. ويعود ذلك إلى تراكم البروتوبورفيرين IX، المادة الفعالة في التقنية، في خلايا الجلد، ما يجعلها أكثر حساسية للأشعة فوق البنفسجية. ولهذا السبب، يُنصح المرضى بتجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس، أو الإضاءة القوية، أو أجهزة الإضاءة ذات الأشعة فوق البنفسجية خلال الساعات التي تلي تناول الدواء.

- الاضطرابات الهضمية: قد يعاني بعض المرضى من آثار جانبية خفيفة إلى متوسطة مثل الغثيان، القيء، أو الانزعاج المعدي بعد تناول الجرعة، لكنها غالباً ما تكون مؤقتة وتتحسن بمرور الوقت. ينصح الأطباء بتناول الجرعة مع كمية كافية من السوائل لتقليل هذه الأعراض.

- التفاعلات الدوائية: على الرغم من أن (5 - ALA) لا تتداخل مع معظم الأدوية، فإن هناك بعض الحالات التي تستدعي الحذر، مثل المرضى الذين يتناولون أدوية تُحسّس للضوء (مثل بعض المضادات الحيوية من عائلة التتراسيكلين أو الفلوروكينولونات). لذلك، يجب إبلاغ الطبيب بجميع الأدوية المستخدمة قبل الجراحة لتجنب أي مضاعفات محتملة.

- تأثيرات على وظائف الكبد والكلى: في بعض الحالات النادرة، قد تؤدي (5 - ALA) إلى ارتفاع إنزيمات الكبد أو تغييرات طفيفة في وظائف الكلى، خاصة لدى المرضى الذين يعانون من أمراض كبدية أو كلوية مسبقة. لذا، يُنصح بإجراء اختبارات وظائف الكبد والكلى قبل إعطاء الدواء للمرضى المعرضين للخطر.

- التأثيرات العصبية المحتملة: في حالات نادرة جداً، قد تحدث اضطرابات مؤقتة في الجهاز العصبي، مثل الصداع أو الدوخة بعد تناول الجرعة، لكن هذه الأعراض نادراً ما تستدعي إيقاف استخدام التقنية.

وتتمثل إجراءات السلامة لتقليل المخاطر، في:

- إبقاء المرضى في بيئة خافتة الإضاءة بعد تناول الجرعة ولمدة 24 ساعة.

- ارتداء ملابس طويلة وقبعات ونظارات شمسية عند الخروج لتقليل التعرض للضوء.

- متابعة وظائف الكبد والكلى في المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة.

- إبلاغ الفريق الطبي عن أي تفاعلات دوائية أو حساسية سابقة.

بشكل عام، تُعد تقنية (5 - ALA) آمنة عند استخدامها وفق البروتوكولات الطبية الموصى بها، كما أن فوائدها في تحسين دقة الجراحة تفوق بكثير المخاطر الجانبية المحتملة.

يرفع نسبة الاستئصال الكامل للورم بنسبة تصل إلى 30%

الورم الدبقي الدماغي

• أنواع الأورام. الورم الدبقي(Glioma) هو ورم دماغي ينشأ من الخلايا الدبقية الداعمة للجهاز العصبي المركزي. يمثل نحو 30 في المائة من أورام الدماغ الأولية و80 في المائة من الأورام الخبيثة داخل الدماغ. والأورام الدبقية نوعان:

- منخفضة الدرجة (Grade I - II): تنمو ببطء، ولكن قد تتحول إلى أورام عدوانية لاحقاً.

- عالية الدرجة (Grade III - IV) مثل الورم الدبقي متعدد الأشكال (GBM)، وهو الأكثر عدوانية بمعدل بقاء لا يتجاوز 12 - 15 شهراً رغم العلاج.

تعتمد نسبة عودة الورم بعد الاستئصال على درجة الورم وحدود الاستئصال:

- الأورام منخفضة الدرجة: يمكن أن تعود بعد عدة سنوات من الجراحة.

- الأورام عالية الدرجة (GBM): أكثر من 90 في المائة من الحالات يعود فيها الورم خلال عام واحد رغم العلاج المكثف.

• الأسباب. ولا تزال الأسباب الدقيقة غير واضحة، لكن هناك عوامل خطر قد تزيد من احتمالية الإصابة، مثل:

- الطفرات الجينية.

- العوامل البيئية، مثل التعرض للإشعاع.

- وجود تاريخ عائلي للإصابة بأورام الدماغ.

• طرق العلاج. يعتمد العلاج على درجة الورم وموقعه، ومن بين الخيارات المتاحة:

- الجراحة: تُعد الخيار الأول، خاصة باستخدام تقنية (5 - ALA) لتحسين نتائج الاستئصال.

- العلاج الإشعاعي: ضروري بعد الجراحة لمنع نمو الورم مجدداً.

- العلاج الكيميائي: تيموزولوميد (Temozolomide - TMZ) هو الخيار الأول لعلاج.

- العلاج المناعي والجيني (تجريبي): الأبحاث الحديثة تركز على استخدام لقاحات وعلاجات مناعية لاستهداف الخلايا السرطانية.

ختاماً، يتضح أن الورم الدبقي، خصوصاً GBM، هو من أخطر الأورام، حيث يتميز بنسبة عودة مرتفعة رغم العلاجات المتقدمة.

إن تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في المستقبل والعلاجات المناعية في هذا المجال، يحملان آمالاً جديدة في تحسين العلاجات، ومع تقنية (5 - ALA) تزداد فرص تحسين النتائج، مما يمنح المرضى أملاً في حياة أطول وجودة حياة أفضل.

*استشاري طب المجتمع.


مقالات ذات صلة

هل ينهي الاستخدام المبكر لـ«مونجارو» معاناة مرضى السكري من النوع الثاني؟

صحتك يُباع «مونجارو» لعلاج مرض السكري والسمنة (رويترز)

هل ينهي الاستخدام المبكر لـ«مونجارو» معاناة مرضى السكري من النوع الثاني؟

أظهرت دراسة أن مرضى السكري الذين جرى تشخيص حالتهم في الآونة الأخيرة ولم يستجيبوا بشكل جيد للعلاج الأولي المعتاد، تحسنت حالتهم بعد إضافة عقّار «مونجارو».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا نواب البرلمان المصري في أثناء عرض برنامج الحكومة (مجلس الوزراء المصري)

مصر لزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم... هل استوفت الاستحقاقات الدستورية؟

أقرت الحكومة المصرية زيادات بموازنة قطاعي التعليم والصحة للعام المالي الجديد، التي يبدأ العمل بها مطلع يوليو (تموز) المقبل.

أحمد جمال (القاهرة)
أفريقيا مدير منظمة الصحة العالمية بعد وصوله إلى بونيا يوم 30 مايو (أ.ب)

«إيبولا» يتمدّد شرق الكونغو... ومدير «الصحة العالمية» يتفقد بؤرة التفشي

دعا المدير العام ‌لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، السبت، المجتمعات المحلية في منطقة تفشي فيروس «إيبولا» بالكونغو إلى الاضطلاع بدور محوري.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
صحتك غسل الدجاج قبل الطهي قد يضر أكثر مما ينفع (رويترز)

غسل الدجاج قبل الطهي... أضرار أكثر من الفوائد

على الرغم من أن غسل الدجاج قبل الطهي عادة شائعة، فإن هيئات سلامة الغذاء في العديد من الدول تحذر من ذلك، فغسل الدجاج قبل الطهي قد يضر أكثر مما ينفع.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك الشاي الأخضر يساعد في دعم مستويات الكوليسترول الصحية (رويترز)

5 مشروبات ترفع مستويات الكوليسترول... ماذا تشرب بدلاً منها؟

قد يؤدي الإفراط في تناول الكوليسترول عبر النظام الغذائي إلى ارتفاع مستويات الكوليسترول الضار (LDL) وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هل ينهي الاستخدام المبكر لـ«مونجارو» معاناة مرضى السكري من النوع الثاني؟

يُباع «مونجارو» لعلاج مرض السكري والسمنة (رويترز)
يُباع «مونجارو» لعلاج مرض السكري والسمنة (رويترز)
TT

هل ينهي الاستخدام المبكر لـ«مونجارو» معاناة مرضى السكري من النوع الثاني؟

يُباع «مونجارو» لعلاج مرض السكري والسمنة (رويترز)
يُباع «مونجارو» لعلاج مرض السكري والسمنة (رويترز)

أظهرت دراسة موّلتها شركة «إيلاي ليلي» أن مرضى السكري من النوع الثاني، الذين جرى تشخيص حالتهم في الآونة الأخيرة ولم يستجيبوا بشكل جيد للعلاج الأوليّ المعتاد، تحسنت حالتهم بعد إضافة عقّار «تيرزيباتيد»، الذي تنتجه الشركة، مقارنة بإضافة أدوية أخرى من الفئة نفسها.

ويباع «تيرزيباتيد» تحت الاسم التجاري «مونجارو» لعلاج مرض السكري في الولايات المتحدة، ولعلاج السكري والسمنة في دول أخرى.

وكان المطلوب في التجربة من 800 بالغ تقريباً، جرى تشخيص إصابتهم بالسكري من النوع الثاني، خلال السنوات الأربع السابقة، ولم تسيطر عقاقير «الميتفورمين» والنظام الغذائي والتمارين الرياضية على المرض بالشكل الكافي، إضافة إما «تيرزيباتيد» أو أدوية أخرى، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتلقّى معظم المرضى في المجموعة الضابطة عقاقير أخرى من فئة «جي إل بي-1»، التي تحاكي عمل هرمون تفرزه الأمعاء بعد تناول الطعام، لتنظيم مستويات السكر في الدم والتحكم في الشهية، مثل عقّار «سيماغلوتيد» الذي تبيعه شركة «نوفو نورديسك» تحت اسم «أوزمبك»، أو عقّار «تروليسيتي» من إنتاج «إيلاي ليلي».

وبعد عامين، أظهر المرضى الذين تلقّوا حقن «مونجارو» الأسبوعية تحسناً أكبر في التحكم بنسبة السكر في الدم وفي الوزن ومحيط الخصر، مقارنة بالمرضى في المجموعة الضابطة.

وجاء في تقرير عن الدراسة نُشر في دورية «سِجلات الطب الباطني» أن مستويات السكر في الدم كانت بعد عامين طبيعية لدى نحو 60 في المائة من المشاركين الذي تلقّوا حقن «مونجارو»، مقارنة مع 24 في المائة من المرضى في المجموعة الضابطة.

وذكر الباحثون، في بيان، أن النتائج تشير إلى أن بدء استخدام «مونجارو» في وقت مبكر، إذا كانت الرعاية العادية غير كافية، قد تكون له فوائد أقوى وأكثر استدامة فيما يتعلق بالتمثيل الغذائي، مقارنة بالطرق العلاجية المعتادة.


دواء للسكري يُقلّل خطر الإصابة بالسرطان ويُطيل العمر

يستهدف دواء الميتفورمين الجزيئات المسئولة عن الطاقة في الخلية مباشرة (جامعة مونتريال)
يستهدف دواء الميتفورمين الجزيئات المسئولة عن الطاقة في الخلية مباشرة (جامعة مونتريال)
TT

دواء للسكري يُقلّل خطر الإصابة بالسرطان ويُطيل العمر

يستهدف دواء الميتفورمين الجزيئات المسئولة عن الطاقة في الخلية مباشرة (جامعة مونتريال)
يستهدف دواء الميتفورمين الجزيئات المسئولة عن الطاقة في الخلية مباشرة (جامعة مونتريال)

توصل باحثون في جامعة مونتريال الكندية إلى أن آلية عمل الميتفورمين، وهو دواء شائع يُستخدم لعلاج داء السكري من النوع الثاني، قد تُقلّل من خطر الإصابة بالسرطان، بل وتُساعد البشر على العيش مدة أطول.

ويقول باحثو الدراسة المنشورة في مجلة «eLife» إن هذا الاكتشاف يفتح آفاقاً جديدة لفهم كيفية تأثير الميتفورمين على استقلاب الطاقة، وبيولوجيا السرطان، والشيخوخة، وداء السكري.

وأماطت نتائج الدراسة اللثام عن الدور المحوري الذي يلعبه جزيء «ATP5I»، حيث اكتشف باحثو جامعة مونتريال أن الميتفورمين يستهدف مباشرةً جزيء «ATP5I»، وهي وحدة فرعية صغيرة من الإنزيم الذي يُنتج الأدينوسين ثلاثي الفوسفات (ATP)، وهو جزيء الطاقة الموجود في خلايا جميع الكائنات الحية.

قال المؤلف الرئيسي للدراسة، جيراردو فيربير، أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة مونتريال وكبير العلماء في مركز أبحاث مستشفى الجامعة: «كما هو الحال غالباً في الأبحاث، يُثير هذا الاكتشاف أسئلة أكثر من الإجابات»، مضيفاً في بيان نُشر، الجمعة: «لقد فتحنا صندوق باندورا، وسنكون منشغلين للغاية باكتشاف ما سيقودنا إليه».

واستُخدم الميتفورمين لعقود لعلاج داء السكري من النوع الثاني. كما أشارت الدراسات الوبائية إلى أنه قد يقلل من خطر الإصابة بالسرطان، وربطته الدراسات التي أُجريت على الحيوانات بزيادة متوسط ​​العمر المتوقع. ومع ذلك، لم يكن العلماء يعرفون حتى الآن كيف يعمل هذا الدواء المذهل.

في دراستهم، حدد فيربير وزملاؤه في جامعة مونتريال، أستاذة الكيمياء أندريا شميتزر وأستاذ الصيدلة سيمون بيير غرافيل، وهو أيضاً الباحث الرئيسي في معهد أبحاث المناعة والسرطان بجامعة مونتريال، إنزيم «ATP5I» كهدف مباشر جديد للميتفورمين.

العملة الرئيسية للطاقة

ويُعد إنزيم «ATP5I» جزءاً من الإنزيم الميتوكوندري الأساسي المسؤول عن إنتاج «ATP»، العملة الرئيسية للطاقة في الخلية. لا يُحفّز بروتين «ATP5I» نشاط الإنزيم المُنتِج لـ«ATP» نفسه، ولكنه يُسهم على ما يبدو في تجميع الإنزيم وتنظيمه.

اختبر فريق جامعة مونتريال بقيادة طالب الدكتوراه غيوم ليفرانسوا، المؤلف الأول للدراسة، هذه الفرضية.

تفتح نتائج الدراسة آفاقاً جديدة لاستراتيجيات علاجية تستهدف إطالة العمر الصحي للبشر (أ.ف.ب)

وفي سلسلة من التجارب، أنشأ الفريق نماذج من الخلايا تفتقر إلى بروتين «ATP5I»، ووجدوا أن هذه الخلايا أصبحت مقاومة للميتفورمين، ولكن عند استعادة بروتين «ATP5I»، عادت حساسية الخلايا للدواء.

أسئلة جديدة تُطرح

يطرح هذا الاكتشاف أيضاً أسئلة جديدة مهمة: كيف يُترجم ارتباط الميتفورمين ببروتين ATP5I إلى التأثيرات المفيدة الواسعة المنسوبة إليه؟ هل يُمكن أن تُساعد هذه الآلية في تفسير دوره المُحتمل في الوقاية من السرطان أو إطالة العمر؟

يقول شميتزر: «هذا دليل على أن الاكتشافات الكبرى تنشأ عند حدود التخصصات».

وأوضح أنه بفضل الجمع بين خبرتنا في الكيمياء الحيوية العضوية والرؤى البيولوجية والأيضية لفيربير وغرافيل، تمكّنا من رصد ما هو غير مرئي: كيف أن جزيئاً مثل الميتفورمين لا يقتصر دوره على تثبيط وظيفة معينة، بل يؤثر على بنية آلية الطاقة الخلوية نفسها.

وأضاف غرافيل: «من المثير للاهتمام أن مركباً معروفاً منذ أكثر من قرن، وهو الميتفورمين، لم يكشف بعد عن جميع أسراره».

وأضاف: «لا يُسلط هذا البحث الضوء على آليات عمل هذا العامل متعدد التأثيرات فحسب، بل يفتح أيضاً آفاقاً جديدة لاستراتيجيات علاجية تستهدف (ATP5I)، وهو هدف لا يزال غامضاً بنفس القدر».


كثرة استخدام السجائر الإلكترونية تولد مواد شديدة السمية

أكثر من 100 مليون شخص حول العالم يدخنون السجائر الإلكترونية (إ.ب.أ)
أكثر من 100 مليون شخص حول العالم يدخنون السجائر الإلكترونية (إ.ب.أ)
TT

كثرة استخدام السجائر الإلكترونية تولد مواد شديدة السمية

أكثر من 100 مليون شخص حول العالم يدخنون السجائر الإلكترونية (إ.ب.أ)
أكثر من 100 مليون شخص حول العالم يدخنون السجائر الإلكترونية (إ.ب.أ)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة كاليفورنيا الأميركية في ريفرسايد، أن السجائر الإلكترونية ذات الاستخدام المكثف قد تحتوي على مستويات أعلى من المواد الكيميائية الضارة مقارنةً بالسجائر الإلكترونية الجديدة، مما يثير مخاوف بشأن المخاطر الصحية المحتملة على المستخدمين.

وتُباع السجائر الإلكترونية مع تحديد عدد الاستنشاقات التي صُمم الجهاز لتوفيرها قبل نفاد السائل. وتُصنف السجائر الإلكترونية ذات الاستخدام المكثف بأنها تلك المصممة لعدد كبير من النفخات، يصل عادةً إلى الآلاف.

قالت برو تالبوت، أستاذة الدراسات العليا في جامعة كاليفورنيا، ريفرسايد، والمشرفة على أومايي: «تشير نتائجنا إلى أن السائل المتبقي في جهاز مستخدم بكثرة، له تركيبة كيميائية مختلفة تماماً وأكثر سمية بشكل ملحوظ، من السائل الإلكتروني الجديد».

للسجائر الإلكترونية وجه آخر خفي (جامعة كاليفورنيا)

وأضافت في بيان الجمعة: «تفاوتت المستويات الكيميائية بين العلامات التجارية، لكن نتائجنا الإجمالية تُظهر أن الاستخدام المطوّل للسجائر الإلكترونية التي تُنتج كميات كبيرة من البخار قد يؤدي إلى تراكم أكبر للمنتجات الثانوية الضارة».

وقالت منظمة الصحة العالمية، في بيان صدر أكتوبر (تشرين الأول) 2025، في أول تقدير عالمي لاستخدام السجائر الإلكترونية، إن أكثر من 100 مليون في أنحاء العالم يدخنون السجائر الإلكترونية الآن، منهم 86 مليون شخص بالغ على الأقل، وإن معظمهم في البلدان ذات الدخل المرتفع.

الاستخدام المطول للجهاز

أراد الباحثون معرفة ما إذا كان الاستخدام المطول للجهاز، مع زيادة عدد مرات الاستخدام ودورات التسخين، سيؤدي إلى تراكم هذه المركبات في السائل المتبقي مع مرور الوقت.

قام الباحثون بتحليل السائل من أجهزة التبخير الإلكتروني الشائعة التي تُستخدم لمرة واحدة، وقارنوا السائل المتبقي في الأجهزة المُستعملة مع سوائل جديدة غير مُستعملة من العلامات التجارية والنكهات نفسها لمعرفة كيفية تغير التركيب الكيميائي بمرور الوقت.

ركزت الدراسة، المنشورة في مجلة «ACS Omega»، على المواد الكيميائية المعروفة باسم الألدهيدات، والتي تتشكل عند تسخين سوائل السجائر الإلكترونية. وتُعد الألدهيدات من المنتجات الثانوية لهذه العملية.

وجد الباحثون أن كثيراً من الألدهيدات السامة قد ارتفعت مستوياتها بشكل ملحوظ بعد استخدام أجهزة التبخير الإلكتروني.

وهو ما علقت عليه إستر أومايي، باحثة ما بعد الدكتوراه في قسم البيولوجيا الجزيئية والخلوية والأنظمة بجامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، والمؤلفة الرئيسية للدراسة: «كثير من الألدهيدات التي قمنا بقياسها مواد سامة معروفة، وعلى سبيل المثال، الفورمالديهايد مادة مسرطنة معروفة».

وأضافت: «كما وصل تركيز أحد المركبات الضارة إلى ملليغرامات لكل ملليلتر في بعض سوائل التبخير الإلكتروني التي حللناها. وهذه ليست كميات ضئيلة. فعند اختبارها على خلايا الرئة البشرية، تسببت هذه الألدهيدات في أضرار قابلة للقياس».

نتائج خطيرة

أعرب الباحثون عن قلقهم من أن الشخص الذي يستخدم جهاز تبخير إلكتروني عالي الاستهلاك في نهاية عمره الافتراضي قد يستنشق كمية أكبر بكثير من هذه المركبات مقارنةً بشخص يستخدم جهازاً جديداً.

عدد النفخات يؤثر بشكل مباشر على التعرض للمواد الكيميائية - (رويترز)

لفهم التأثير الصحي بشكل أفضل، عرّض الباحثون خلايا الرئة البشرية لمركبين من هذا النوع، ما تسبب في تلف كبير للخلايا، واضطراب في بنيتها الطبيعية، وتداخل مع إنتاج الطاقة، وزيادة في الإجهاد التأكسدي، وهي عملية مرتبطة بالالتهاب والأمراض.

تنصح تالبوت وأومايي مستخدمي السجائر الإلكترونية بتوخي الحذر عند استخدام الأجهزة ذات عدد النفخات العالي، خصوصاً مع اقتراب نهاية عمرها الافتراضي.

قالت تالبوت: «عدد النفخات ليس مجرد رقم تسويقي، بل هو متغير يؤثر بشكل مباشر على التعرض للمواد الكيميائية، ويجب إدراجه في تقييمات السلامة».

وطالبت أومايي: «أن تواكب المعايير التنظيمية هذا التطور وتُلزم بإجراء اختبارات شاملة طوال دورة استخدام الجهاز، لن يكون لدى المستهلكين أي وسيلة لمعرفة ما يستنشقونه فعلياً في المراحل الأخيرة من عمر الجهاز».