وعورة التضاريس تصعّب مهمة أميركا في تدمير قدرات الحوثيين

الضربات استهدفت أكبر مجمع عسكري بصعدة

الأسلحة الأميركية تمتلك القدرة على تدمير المواقع الحصينة للحوثيين (الجيش الأميركي)
الأسلحة الأميركية تمتلك القدرة على تدمير المواقع الحصينة للحوثيين (الجيش الأميركي)
TT

وعورة التضاريس تصعّب مهمة أميركا في تدمير قدرات الحوثيين

الأسلحة الأميركية تمتلك القدرة على تدمير المواقع الحصينة للحوثيين (الجيش الأميركي)
الأسلحة الأميركية تمتلك القدرة على تدمير المواقع الحصينة للحوثيين (الجيش الأميركي)

على الرغم من تأكيد الولايات المتحدة عزمها استخدام «القوة المميتة» لإنهاء تهديدات الحوثيين لحركة الملاحة، فإن الخيارات أمامها لتحقيق ذلك في غياب مشاركة الحكومة اليمنية على الأرض، تبدو محدودة؛ نظراً إلى التضاريس الصعبة التي توفر ملاذاً آمناً للجماعة ولمراكزها القيادية ولمخازن أسلحتها؛ مما يرجح اللجوء إلى السيناريو الذي اتُّبع في ضرب قدرات «حزب الله» اللبناني.

ومع دخول الضربات التي أمر بها ترمب يومها الخامس، فإن الآثار الواضحة لهذه العملية لم تتبين كلياً، رغم تأكيد مصادر محلية ما أعلنته وزارة الدفاع الأميركية عن مقتل العشرات من عناصر وقيادات الحوثيين وتدمير مراكز قيادة ومواقع تدريب ومخازن أسلحة في أكثر من 7 محافظات يمنية.

إلا إن استئناف الجماعة إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه القطع البحرية الأميركية، ومن بعده إطلاق صاروخ نحو إسرائيل، يبين أن الضربات لم تصل إلى المستوى الذي يفقدها القدرة على الرد.

وإذا كان إطلاق المسيّرات بتلك الكثافة والصواريخ الباليستية يتطلب تجهيزات ومعلومات استخباراتية ومواقع آمنة، فإن الحديث، وفقاً لمراقبين، لا يزال مبكراً عن فاعلية الضربات الأميركية؛ مما يرجح وجهة النظر التي تستدعي السيناريو الذي اتّبعته إسرائيل في ضرب قدرات «حزب الله» اللبناني؛ لأنه، في تقديرهم، الأعلى فاعلية ومن شأنه نزع قدرة الحوثيين على الصمود وتقليل تكاليف المواجهة ومداها.

دخان يتصاعد عقب ضربة أميركية استهدفت الحوثيين في اليمن (رويترز)

وفي حين يجمع قطاع واسع من اليمنيين؛ سواء أكانوا مسؤولين أم مواطنين عاديين، على أن القضاء الفعلي على قدرة الحوثيين يتطلب عمليات عسكرية على الأرض تواكب الضربات الجوية، جاءت تصريحات واشنطن لتؤكد أن هدف عملياتها هو وقف الهجمات على الملاحة فقط؛ مما يجعل من الصعب على الجانب الحكومي الذهاب إلى مرحلة المواجهة الميدانية مع الحوثيين.

وبالتالي، فإن تغلب واشنطن على غياب هذا الجانب والتضاريس الجبلية الصعبة التي توفر المخبأ للحوثيين ولتخزين الأسلحة ولإدارة العمليات، سيتطلب منها مزيداً من العمل الاستخباراتي واستخدام أسلحة أكثر فتكاً لإحداث فارق عما كانت عليه الضربات في عهد الإدارة الديمقراطية.

توسيع بنك الأهداف

مع الصعوبات التي تواجه تنفيذ ضربات مركزة ومكثفة تستهدف قادة الحوثيين بعد مغادرة معظمهم العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والاحتماء في الكهوف الجبلية بمحافظة صعدة، حيث يقيم بشكل دائم زعيمهم منذ بداية التمرد على السلطة المركزية في 2004، فإن استهداف المقاتلات الأميركية مواقع متعددة في مديرية مجز بالمحافظة نفسها، يوحي بأن واشنطن قد وسعت بنك الأهداف وبأنها تعمل من أجل توجيه ضربة قاصمة للجماعة التي رفضت كل دعوات التهدئة.

ويستند المراقبون في فاعلية هذا السيناريو إلى حالة الارتباك التي أصابت قادة الحوثيين عقب مقتل الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني وتهديد إسرائيل آنذاك باتباع الأسلوب نفسه في اليمن، حيث اختفت كل قيادات الصف الأول من صنعاء وانقطع الاتصال معهم، ووجدت البعثات الأممية صعوبة في الوصول إليهم، خصوصاً أنهم غيروا عناوينهم وأرقام هواتفهم وانتقل معظمهم إلى محافظة صعدة، التي تتبع فيها الجماعة إجراءات مخابراتية صارمة، إلى جانب توفر عدد من الكهوف الجبلية والخنادق التي استُحدثت طوال سنوات المواجهة مع القوات الحكومية خلال العقدين الماضيين.

ووفق منصة «ديفانس» المختصة في القضايا الأمنية والعسكرية، فإن الغارات الأميركية الجديدة استهدفت مواقع في محافظة صعدة؛ خصوصاً بمديرية الصفراء، التي تحوي أكبر مجمع للقواعد العسكرية الحوثية. وذكرت أن الصفراء هي ثانية كبرى المديريات جغرافياً في المحافظة، وتمتد من حدود محافظة عمران جنوباً إلى الحدود السعودية شمالاً، وتوجد بها مجمعات وقواعد عسكرية قديمة، ومنشآت جديدة طورتها الجماعة الحوثية خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً منذ ما بعد إعلان الهدنة الأممية مطلع 2022.

ووفق ما أوردته المنصة، فإنه تنتشر في نطاق هذه الجغرافيا الجبلية الواسعة قواعد ومواقع ومخابئ ومغارات عدة تحت الأرض، وأنفاق وكهوف متعددة ومتباعدة، تربط بينها شبكة من الطرق المعبدة متعددة الوصول. وتقع في نطاق المديرية كسارات عدة؛ قديمة وحديثة، تتحدث معلومات عن استخدام الجماعة الحوثية بعضها لعمليات عسكرية.

خسائر معلنة

وأقر الحوثيون بمقتل 10 من الضباط المنتمين للجماعة في الغارات الأميركية التي استهدفت عدداً كبيراً من مواقعها، بعد أن كانوا يتحدثون عن مصرع 53 من المدنيين، فيما أكدت مصادر محلية وعائلات ضحايا أن عدد قتلاهم يقترب من المائة.

آثار القصف الأميركي في محافظة صعدة المعقل الرئيسي للحوثيين (أ.ف.ب)

وذكرت وسائل إعلام الجماعة أن جثامين الضباط العشرة شُيعت في صنعاء، لكنها تجنبت ذكر أماكن وتوقيتات مصارعهم، غير أن عائلات مقاتلين أقل رتبة ذكرت لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك العشرات من الضحايا من المجندين، فقد أدت الضربات إلى تدمير (معهد التدريب المهني) في محافظة البيضاء، وكل المقاتلين الذين كانوا بداخله، ودُفن بعضهم في صنعاء، وآخرون أُرسلوا إلى محافظاتهم».

وفي حين تتجنب الجماعة الكشف عن الخسائر التي تكبدتها رغم إقرار بعض قادتها بوقوع خسائر كبيرة في الأفراد والعتاد، ذكرت المصادر أن أغلب الضحايا سقطوا في استهداف مبنى بوسط صنعاء، وفي المبنى الإداري بمحافظة الجوف، وفي محافظة البيضاء.


مقالات ذات صلة

السفير الألماني: «مسام» يؤدي دوراً حيوياً في حماية السكان من مخاطر الألغام في اليمن

الخليج  السفير الألماني أكَّد أن مشروع «مسام» يؤدي دوراً حيوياً في حماية السكان من مخاطر الألغام (مسام) p-circle

السفير الألماني: «مسام» يؤدي دوراً حيوياً في حماية السكان من مخاطر الألغام في اليمن

أكَّد السفير الألماني لدى اليمن، أهمية مشروع «مسام» لنزع الألغام في اليمن، مشيداً بالجهود التي يبذلها لحماية المدنيين والتخفيف من المخاطر التي تهدد حياتهم.

عبد الهادي حبتور (مأرب)
العالم العربي عائلة يمنية مشردة بعد توقف مصدر دخل العائل (إكس)

بسبب العجز عن الإيجار... التشرد يطارد سكان صنعاء

تتفاقم أزمة الإيجارات في مناطق سيطرة الحوثيين مع اتساع الفقر وانقطاع الرواتب؛ مما يهدد آلاف الأسر اليمنية بالطرد والتشرد، وسط تحذيرات حقوقية وإنسانية متصاعدة...

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
الخليج جانب من توقيع الاتفاقية السعودية - اليمنية بحضور رئيس الوزراء اليمني (الشرق الأوسط)

اتفاقية سعودية - يمنية لتوريد مشتقات نفطية بـ150 مليون دولار

وُقِّعَت، الثلاثاء، اتفاقية «سعودية - يمنية» لتوريد مشتقات نفطية دعماً لتشغيل محطات توليد الكهرباء في مُختلف المحافظات اليمنية بقيمة 150 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)

الحوثيون يقرّون بأزمة الوقود المغشوش بعد اتساع الغضب

تسبب الوقود المغشوش في مناطق سيطرة الحوثيين بأعطال للسيارات وغضب السكان، في حين يفسر خبراء اقتصاديون الأزمة بالضغوط الاقتصادية والمالية التي تعانيها الجماعة

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)

«التجسس»... سيف الحوثيين المسلط على العمل الإنساني

أدت حملة الحوثيين ضد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية إلى شلل العمل الإنساني في مناطق سيطرتهم، ما فاقم الجوع وهدد ملايين المحتاجين بالمجاعة

محمد ناصر (عدن)

بسبب العجز عن الإيجار... التشرد يطارد سكان صنعاء

عائلة يمنية مشردة بعد توقف مصدر دخل العائل (إكس)
عائلة يمنية مشردة بعد توقف مصدر دخل العائل (إكس)
TT

بسبب العجز عن الإيجار... التشرد يطارد سكان صنعاء

عائلة يمنية مشردة بعد توقف مصدر دخل العائل (إكس)
عائلة يمنية مشردة بعد توقف مصدر دخل العائل (إكس)

لم يعد تأمين الغذاء والدواء التحدي الوحيد الذي يواجه آلاف الأسر اليمنية في مناطق سيطرة الحوثيين؛ إذ برزت أزمة أقسى، تتمثل في العجز عن دفع إيجارات المنازل؛ مما وضع أعداداً متصاعدة من السكان أمام خطر فقدان المأوى والتشرد، في ظل تدهور اقتصادي مستمر، وتراجع فرص العمل، واستمرار أزمة الرواتب.

وتؤكد مصادر حقوقية أن ظاهرة التهديد بالإخلاء القسري للمستأجرين تشهد تصاعداً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً في العاصمة المختطفة صنعاء، حيث تعجز أعداد متصاعدة من الأسر عن سداد الإيجارات المتراكمة؛ نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية المستمر منذ سنوات.

ويرى مراقبون أن أزمة السكن لم تعد مجرد مشكلة اقتصادية مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة، بل تحولت قضيةً إنسانيةً تهدد الاستقرار الاجتماعي لعشرات آلاف الأسر، التي تجد نفسها بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستدانة لتسديد الإيجارات، وإما مواجهة خطر الطرد من مساكنهم.

وفي أحد أحياء مديرية شعوب شرق صنعاء، تنتظر أم محمد انتهاء المهلة الأخيرة التي منحها لها مالك المنزل لسداد الإيجارات المتراكمة. وتقول إن زوجها فقد مصدر دخله المنتظم منذ فترة طويلة، وإن الأسرة باتت عاجزة عن توفير المبلغ المطلوب رغم محاولاتها المستمرة.

عائلات يمنية تضطر إلى السكن في دكاكين مهجورة داخل الأحياء (إكس)

وتعكس قصتها واقعاً متكرراً تعيشه آلاف الأسر التي فقدت قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الشهرية، في وقت يزداد فيه الضغط من قبل ملاك العقارات، الذين يواجهون بدورهم ظروفاً اقتصادية صعبة تدفعهم إلى المطالبة بحقوقهم المالية.

ويشير سكان في المدينة إلى أن كثيراً من ملاك العقارات أصبحوا أقل قدرة على منح المستأجرين مهلاً إضافية، مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قيمة العملة وتآكل المدخرات؛ مما فاقم من حدة الخلافات بين الطرفين.

ويقول «سعيد»، وهو موظف حكومي يقطن صنعاء، إنه لم يتقاضَ راتباً منتظماً منذ سنوات، وإنه اضطر إلى بيع بعض مقتنيات منزله لتغطية النفقات الأساسية. ويضيف أن مالك العقار يطالبه باستمرار بدفع المتأخرات أو إخلاء الشقة، دون أن يملك أي بديل سكني يؤويه مع أسرته.

أما «عبد الملك»، وهو سائق أجرة، فيشير إلى أن دخله اليومي بالكاد يغطي احتياجات أسرته الغذائية، فيما تراكمت عليه إيجارات أشهر عدة، مؤكداً أن صاحب المنزل لم يعد يقبل مزيداً من التأجيل.

أزمة متفاقمة

وأسهمت سنوات الصراع في تدهور مصادر الدخل وإضعاف النشاط الاقتصادي في مختلف المناطق اليمنية؛ مما أثر بشكل مباشر في قدرة المواطنين على الوفاء بالتزاماتهم المعيشية.

فإلى جانب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية، فقد تراجعت فرص العمل بصورة حادة، بينما استمرت أزمة الرواتب التي طالت مئات آلاف الموظفين؛ مما أدى إلى استنزاف المدخرات المحدودة، ودفع بمزيد من الأسر نحو الفقر.

ويؤكد اقتصاديون أن السكن بات أحد أكبر الأعباء المالية التي تواجه الأسر اليمنية، خصوصاً في المدن الكبرى التي يعتمد معظم سكانها على الإيجار. وفي ظل غياب أي تحسن اقتصادي ملموس، تزداد المخاوف من اتساع دائرة العجز عن السداد خلال الفترة المقبلة.

الحوثيون ينفقون الأموال على الدعاية العقائدية ويتجاهلون معاناة اليمنيين (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع المساعدات الإنسانية الموجهة إلى اليمن في زيادة الضغوط على الأسر الفقيرة، التي كانت تعتمد جزئياً على تلك المساعدات لتغطية بعض احتياجاتها الأساسية، بما فيها تكاليف السكن.

ووفق مصادر مطلعة، فقد شهدت أقسام الشرطة والمحاكم في صنعاء خلال الفترة الأخيرة ارتفاعاً في أعداد النزاعات المرتبطة بالإيجارات؛ نتيجة تعثر المستأجرين في السداد، وإصرار بعض الملاك على استعادة عقاراتهم أو تحصيل مستحقاتهم المالية.

وتوضح المصادر أن معظم القضايا يتعلق بأسر فقدت مصادر دخلها أو تعتمد على أعمال يومية غير مستقرة؛ مما جعلها غير قادرة على الالتزام بدفع الإيجارات بشكل منتظم.

اتساع دائرة الإخلاء

وتحذر تقارير أممية من تفاقم أزمة السكن في اليمن، مشيرة إلى أن مئات الآلاف من السكان معرضون لخطر فقدان المأوى بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإيجارات.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 308 آلاف نازح يواجهون مخاطر الإخلاء القسري نتيجة عدم قدرتهم على تسديد الإيجارات، في ظل تراجع فرص العمل، وفقدان مصادر الدخل، وازدياد الاحتياجات الإنسانية.

ويخشى ناشطون يمنيون في المجال الإنساني أن يؤدي اتساع ظاهرة الإخلاء إلى زيادة معدلات التشرد والنزوح الداخلي، خصوصاً بين الأسر التي لا تمتلك مساكنَ بديلة أو أراضيَ يمكن العودة إليها.

كما يحذرون من التداعيات الاجتماعية والإنسانية لهذه الأزمة على الأطفال والنساء وكبار السن، بصفتهم الفئات الأكبر عرضة للضرر في حال فقدان المأوى.


مشروعات الطاقة تعزز فرص «التقارب الحذر» بين القاهرة ودمشق

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

مشروعات الطاقة تعزز فرص «التقارب الحذر» بين القاهرة ودمشق

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

في وقت يستهدف قطاع النفط والغاز السوري تسريع وتيرة التعافي واستعادة القدرات الإنتاجية، التقى وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي بوزير الطاقة السوري محمد البشير، الثلاثاء، وبحثا سبل تعزيز التعاون المشترك، في خطوة قال محللون إنها تعزز مسارات «التقارب الحذر» بين البلدين.

جاء اللقاء على هامش فعاليات النسخة العاشرة من «المنتدى العالمي للطاقة»، الذي ينظمه «المجلس الأطلسي» بالعاصمة الأميركية واشنطن، يومي التاسع والعاشر من يونيو (حزيران)، بمشاركة كبار صناع القرار والوزراء في مجالات الطاقة والسياسة الخارجية، ورؤساء شركات الطاقة العالمية والمستثمرين.

ويمضي التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا على قدم وساق مع توجه دمشق نحو إعادة الإعمار، وفي ظل تحديات إقليمية ترتبط بملف الطاقة. ووقع البلدان مذكرتي تفاهم مطلع هذا العام، الأولى «للتعاون في توريد الغاز إلى سوريا عبر مصر لتوليد الكهرباء» والثانية «لتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية».

واستعرض الوزيران، الثلاثاء، مستجدات تنفيذ مذكرة التفاهم المتعلقة بالغاز الطبيعي، بالإضافة إلى فرص التعاون في إعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية للطاقة داخل سوريا من خلال الاستفادة من الخبرات والإمكانات التي تمتلكها شركات قطاع البترول المصرية.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني في القاهرة الشهر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكد بدوي أن العلاقات بين مصر وسوريا «تستند إلى روابط تاريخية وأخوية قوية، وهو ما يوفر أرضية مناسبة لتعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات الاقتصادية، وعلى رأسها مجالات الطاقة والبنية التحتية»، وفقاً لبيان صادر عن وزارة البترول المصرية الثلاثاء.

«تقارب حذر»

يأتي اللقاء في وقت كانت تطورات مسارات «التقارب الحذر» بين البلدين محل نقاشات عديدة. ونشرت «الشرق الأوسط»، الأسبوع الماضي، تقريراً عن «تحفظات مصرية» تعرقل استقبال سفير سوري جديد، غير أن مصدراً مصرياً مسؤولاً أكد في تصريحات للصحيفة، السبت الماضي، أن الحكومة السورية قدمت مرشحاً آخر لرئاسة البعثة «وأن الأمور تسير نحو اعتماده».

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أشرف حربي، أن التعاون في مجالات اقتصادية مهمة، بما في ذلك ملف الطاقة، يؤدي لمزيد من التقارب، وقد «يخفف من أي إشكاليات» قد تعيق هذا المسار، مشيراً إلى أن العلاقات الاقتصادية والتجارية «تسير بشكل جيد، وهناك رغبة من القاهرة لأن تمضي باقي مسارات التعاون على الوتيرة نفسها وإن كانت هناك بعض التحديات».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تعمل على تنحية أي أزمات جانباً... ونعمل على تهيئة الأجواء المناسبة لأن تعود العلاقات مع سوريا إلى طبيعتها، وبما يدعم انخراط سوريا بشكل كامل في محيطها العربي».

واعتبر أن قضية تعيين سفير جديد لسوريا لدى مصر «ليست بالموضوع الكبير الذي يُعيق العلاقات أو يؤثر على الروابط التاريخية بين الشعبين»، لكنه شدد على أن هناك «أساسيات أو مبادئ رئيسية لا يمكن للقاهرة أن تحيد عنها دون أن يقود ذلك لتوتر في العلاقات مع الجيران والأشقاء العرب».

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية تتحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يتجه ذلك تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.

لقاءات متعددة

وكان أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» استضافته دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي بمشاركة 26 من قيادات الغرف التجارية المصرية وقطاعات المال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، بمثابة بادرة إيجابية أعقبها نشاط على مستوى اللقاءات الدبلوماسية والاقتصادية.

اجتماعات مصرية - سورية تستهدف الارتقاء بالعلاقات في مجالات مختلفة (الخارجية المصرية)

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيسين لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

وأعقب هذا اللقاء زيارة أجراها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة في الثالث من مايو (أيار) الماضي، وتمخض عنها الإعلان عن تشكيل مجلس أعمال مشترك بين البلدين وتوسيع مجالات التعاون التجاري والاقتصادي، مع التأكيد على أهمية تنسيق المواقف بشأن التطورات في المنطقة.

ويقول الباحث في الشؤون الدولية، هاني الجمل، إنه «رغم التقارب الحذر والعلاقات التي يشوبها بعض الغيوم، فإن القاهرة حريصة على أن تمد يدها إلى دمشق، وتؤيد رسم خطوط جديدة للتقارب، بالتزامن مع مساعي سوريا لتسريع وتيرة إعادة الإعمار وتقديم نفسها محطة للمرور والتجارة بين دول الخليج وأوروبا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «مشروعات الطاقة يمكن أن تتجه إلى إعادة إحياء خط الغاز (القاهرة – دمشق - أنقرة)، وبالتالي تقفز الملفات الاقتصادية لتقود القاطرة السياسية». لكنه شدد في الوقت ذاته على أن مصر تتابع عن كثب ما ستؤول إليه خطوات التقارب الحالية مع سوريا في ملفات عديدة، وتنتظر مزيداً من الإجراءات التي تخفف مخاوفها الأمنية، وتترقب السياسات السورية الجديدة.

واستطرد: «القاهرة تهدف في نهاية المطاف لأن تحتوي أي مشكلات من شأنها التأثير سلباً على العمق الاستراتيجي المصري».


الحوثيون يقرّون بأزمة الوقود المغشوش بعد اتساع الغضب

الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يقرّون بأزمة الوقود المغشوش بعد اتساع الغضب

الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)

بعد أيام من التجاهل والإنكار، أقرَّت الجماعة الحوثية بأزمة الوقود المغشوش الذي انتشر في مناطق سيطرتها وتسبب بخسائر كبيرة لملاك السيارات والمركبات، وحوادث هدَّدت حياة مئات المتنقلين وسلامتهم، وأثار غضب السكان وتهكمهم، وسط أزمة مالية دفعت الجماعة إلى ممارسات تشدد الخناق على المستثمرين والسكان.

وأقرَّت شركة النفط التابعة للجماعة الحوثية بوجود شكاوى واسعة تتعلق بأعطال أصابت مركبات بعد تعبئة الوقود، وزعمت أن فِرقاً فنية تابعة لها باشرت سحب عينات من المحطات وإخضاعها للفحص المخبري، إلا أنها فسرت التلوث بظروف النقل والتفريغ والتخزين، قبل أن تعود لادعاء تسبب الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية به.

ونشر عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو لتوقف سياراتهم وتعطلها في الطرقات، وكانت أغلبية الشكاوى من متنزهين تنقلوا لمسافات طويلة أيام عيد الأضحى، واضطروا إلى استئجار سيارات لإعادتهم وعائلاتهم إلى المنازل واستقدام فنيين لإصلاح السيارات.

وعلى الرغم من أن شركة النفط التابعة للحوثيين تحدثت عن إخضاع الوقود المستورد للفحص قبل السماح بتوزيعها في الأسواق، واتخاذ إجراءات احترازية لضمان سلامته، فإن مستخدمي وملاك السيارات والمركبات أعادوا التذكير بأزمة مشابهة خلال العام الماضي.

وظهرت تلك الأزمة بعد فرض الولايات المتحدة حظراً على وصول الوقود إلى ميناء الحديدة، الذي تسيطر عليه الجماعة، بعد تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية، وفرضت عقوبات على عدد من قادتها، ورغم اعتراف الجماعة حينها بوجود الوقود المغشوش، فإنها تنصلت من المسؤولية عن انتشاره.

تبريرات غير مقبولة

جاء في تبريرات الشركة الخاضعة للحوثيين، أخيراً، أن خزاناتها النفطية تعرضت للتدمير الكامل من جراء غارات أميركية وإسرائيلية؛ ما أدى إلى اضطرارها إلى استخدام خزانات أخرى لا تسمح بترسب الشوائب وتنقية الوقود.

يمني يلجأ لتفريغ الوقود الحوثي المغشوش من خزان سيارته (إكس)

وكان عدد من القادة الحوثيين نفوا، خلال الأيام الماضية، وقوع هذه الأزمة، قبل أن يعاود بعضهم الحديث عنها بوصفها تستهدف الجماعة والإساءة إليها.

وحاول القيادي نصر الدين عامر، المُعيَّن في منصب رئيس مجلس إدارة النسخة الحوثية من وكالة «سبأ»، تخفيف الغضب الشعبي بزعم تعرض سيارته لعطل واضطراره إلى نزع خزان الوقود، مدعياً أن هذه الحالات نادرة وليست بذلك القدر من الانتشار كما يجري الحديث في أوساط المجتمع، وقال إن سيارات معارفه لم تتعطل رغم تعبئتها بالوقود من المحطة ذاتها التي يشتري منها الوقود.

وعلق، فكري، وهو أحد فنيي السيارات، على مزاعم عامر بأنه شخصياً فحص وحاول إصلاح أكثر من 20 سيارة في ورشة يعمل بها في العاصمة المختطفة صنعاء خلال الفترة منذ ما قبل العيد، واتضح أن غالبيتها تعرضت لأعطال بسبب رواسب خطيرة تؤثر على كفاءة محركاتها.

وفسّر فكري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» عدم تعرض جميع السيارات للأعطال نفسها، بأن الأمر لا يعود إلى وجود كمية قليلة من الوقود المغشوش، بل إلى أن غالبية السيارات الحديثة، وأغلبها صغيرة الحجم وخفيفة الوزن، تعمل بقطع ومعدات حساسة لا تستطيع مقاومة التلوث، ويمكن لأي رواسب أن تتسبب بأعطال فيها.

وعلى العكس من ذلك، فإن السيارات التي تنتمي إلى طرازات مشهورة بالقوة والصلابة تستطيع محركاتها التعامل مع التلوث ومقاومته إلى حد كبير، إلا إذا كانت نسبته كبيرة أو جرى استخدامه فيها لوقت طويل.

أزمات مترابطة

يرى خبراء ومراقبون أن أزمة الوقود المغشوش مرتبطة بالأزمة المالية التي تحاصر الجماعة الحوثية منذ أشهر بسبب تداعيات العقوبات الدولية المفروضة عليها وممارساتها التي خنقت الأنشطة الاقتصادية في مناطق سيطرتها.

يمني تعرَّضت سيارته لحادث بعد توقفها وسط الطريق بسبب الوقود الحوثي المغشوش (إكس)

من جهته، فسّر فؤاد المقطري، وهو باحث اقتصادي يمني، عودة الوقود المغشوش للانتشار في مناطق سيطرة الحوثيين بالأزمة المالية التي تعانيها الجماعة؛ وهو ما اضطرها إلى استيراد وقود رخيص غير مرغوب فيه، أو اللجوء إلى تسويق كميات من الوقود المغشوش الذي يُحتمل أنها تحتفظ به منذ سنوات.

وأوضح الباحث لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة منذ سنوات أعلنت عن ضبط ومصادرة كميات كبيرة من الوقود المغشوش، ولم تصرح عن كيفية تعاملها معها، مرجحاً أن تكون خزَّنتها تحسباً لأي أزمات تواجهها، مثل الأزمة المالية الحالية.

وحذَّر من أن ممارسات الجماعة ستؤدي إلى المزيد من تراجع الأنشطة التجارية بفعل تراجع القدرة الشرائية للسكان واتساع رقعة البطالة، إلى جانب ما تسببت به العقوبات المفروضة عليها من تقييد لمصادر التمويل.

العقوبات على الحوثيين أسهمت في التضييق على مواردهم المالية (رويترز)

وتواجه الجماعة الحوثية أزمة مالية متفاقمة دفعتها إلى تكثيف إجراءات الجباية وفرض رسوم وأعباء مالية جديدة على التجار ورجال الأعمال في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بعد تراجع الموارد المالية وتباطؤ النشاط الاقتصادي والتجاري، حسب موقع «أتليار» الإسباني.

وكشف الموقع عن أن الجماعة نفذت خلال الفترة الأخيرة حملات واسعة لتحصيل أموال من الشركات والتجار تحت مسميات مختلفة، بعد حملات مماثلة سبقت موسم عيد الأضحى، شملت مطالبات بتقديم مساهمات نقدية وعينية.

وحسب مصادر نقل عنها الموقع، فإن الكثير من التجار ورجال الأعمال يشكون من تزايد الرسوم والالتزامات المالية المفروضة عليهم خلال السنوات الماضية؛ ما دفع العديد منهم إلى تقليص أنشطتهم أو نقلها إلى مناطق أخرى.

عاجل وزير الحرب الأميركي: ضرباتنا على إيران الليلة ستكون واضحة وقوية