وزير الخارجية الياباني لـ«الشرق الأوسط»: الوضع الإنساني في غزة كارثي

إيوايا كشف عن إنشاء مجلس الشراكة الاستراتيجية مع السعودية برئاسة قيادتَي البلدين

وزير الخارجية الياباني مستقبلاً نظيره السعودي الأمير فيصل الفرحان لدى زيارة الأخير إلى طوكيو أخيراً (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية الياباني مستقبلاً نظيره السعودي الأمير فيصل الفرحان لدى زيارة الأخير إلى طوكيو أخيراً (الشرق الأوسط)
TT

وزير الخارجية الياباني لـ«الشرق الأوسط»: الوضع الإنساني في غزة كارثي

وزير الخارجية الياباني مستقبلاً نظيره السعودي الأمير فيصل الفرحان لدى زيارة الأخير إلى طوكيو أخيراً (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية الياباني مستقبلاً نظيره السعودي الأمير فيصل الفرحان لدى زيارة الأخير إلى طوكيو أخيراً (الشرق الأوسط)

على خلفية الوضع الإنساني الكارثي في غزة، وترقُّب دولي حذر إلى ما ستسفر عنه المفاوضات بشأن الأسرى بضغط من مبعوث الرئيس الأميركي إلى منطقة الشرق الأوسط، شدد تاكيشي إيوايا، وزير الخارجية الياباني، على ضرورة الحرص على تنفيذ الاتفاق ببنوده كافة، والانتقال إلى المرحلة الثانية، لتحقيق الاستقرار في المنطقة على المدى الطويل، مؤكداً على أهمية حلّ الدولتين، لصناعة السلام والأمن الدوليين.

من ناحية أخرى، أقرّ وزير الخارجية الياباني، بمهددات أمنية تواجه بلاده؛ الأمر الذي دفعها إلى توقيع اتفاق مع الإدارة الأميركية برئاسة الرئيس دونالد ترمب؛ للعمل بشكل وثيق لتحقيق «منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة»، مع الارتقاء بالتحالف الثنائي بين البلدين إلى آفاق جديدة، مشيراً إلى فكرة تحالف آسيوي لمواجهة القوة العسكرية الصينية وصواريخ كوريا الشمالية.

وقال إيوايا في حوار مع «الشرق الأوسط»: «تحيط باليابان بيئة أمنية صعبة، هي الأكثر تعقيداً منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك من خلال ما نشهده من تطورات متسارعة في التسلح العسكري، بما في ذلك تعزيز القدرات النووية والصاروخية، وزيادة الضغط من أجل إجراء تغييرات أحادية الجانب للوضع الراهن، وبالقوة».

ولي العهد يستقبل رئيس وزراء اليابان ويتجهان لعقد جلسة مباحثات رسمية (واس)

العلاقات اليابانية - السعودية

وعلى صعيد آخر، كشف إيوايا، عن أن طوكيو وقَّعت أخيراً مع الرياض أثناء زيارة الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، مذكرة لإنشاء مجلس الشراكة الاستراتيجية «SPC» الذي سيرأسه قادة البلدين، لتعزيز الحوار الاستراتيجي الثنائي الذي انطلق أخيراً، للمضي بالتعاون، إلى آفاق أرحب في المجالات كافة.

وحول العلاقات اليابانية السعودية، ونتائج الحوار الاستراتيجي على مستوى وزيرَي الخارجية في البلدين، قال إيوايا: «تولي اليابان أهمية كبيرة لشراكتها الاستراتيجية مع المملكة؛ نظراً للدور الرائد الذي تلعبه المملكة بين الدول العربية والإسلامية».

وأضاف: «في الأعوام الأخيرة، شهدت علاقات التعاون بين اليابان والمملكة، نمواً متسارعاً في مختلف المجالات وفق (الرؤية اليابانية - السعودية 2030)، ولم تعد تقتصر على قطاع الطاقة التقليدي، الذي يركز على النفط الخام، بل توسعت لتشمل قطاعات الطاقة النظيفة، السياحة، الثقافة، الرياضة، الترفيه، وغيرها من المجالات المتنوعة».

وتابع إيوايا: «مع التقدم الذي تحققه السعودية، على المستويات كافة، من السياسة والاقتصاد والتقنيات المتقدمة إلى الثقافة والرياضة، تتوسع مجالات التعاون الواعدة بين البلدين. على سبيل المثال، يمكن للتقنيات اليابانية المتقدمة والمحتوى الثقافي الياباني الثري، والخبرة اليابانية في قطاع الضيافة، أن تساهم في نجاح مختلف المشاريع الضخمة، التي تعمل المملكة حالياً على تنفيذها، مثل المدن الذكية، السياحة والترفيه».

وزير الخارجية الياباني (الشرق الأوسط)

وأضاف إيوايا: «من ناحية أخرى، هذا العام هو عام (إكسبو أوساكا - كانساي 2025 ) في اليابان، ونحن سنسلّم الشعلة إلى معرض إكسبو الرياض 2030، ومع تنامي الدور الذي تلعبه السعودية في إحلال السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، لا بد لنا من تعزيز التعاون الثنائي في هذا الإطار».

حوار استراتيجي سعودي - ياباني

وقال إيوايا: «في فبراير (شباط) الماضي، تشرفت باستقبال نظيري السعودي، الأمير فيصل بن فرحان في طوكيو، حيث عقدنا الحوار الاستراتيجي الثاني، الذي تضمن مناقشات مثمرة حول سبل تعزيز علاقاتنا الثنائية في مجموعة واسعة من المجالات وتعزيز التعاون من أجل معالجة القضايا الإقليمية والدولية».

وأضاف: «في هذه المناسبة، وقّعنا مذكرة لإنشاء مجلس الشراكة الاستراتيجية (SPC)، الذي سيرأسه قادة البلدين. هذا المجلس، سيكون بمثابة برج للقيادة وسيعمل على تعزيز العلاقات الثنائية والارتقاء بها إلى آفاق جديدة».

وزاد إيوايا: «يصادف هذا العام الذكرى الـ70، لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين اليابان والمملكة العربية السعودية. وهنا لا بد من أن أؤكد بأنني سأبذل كل الجهود اللازمة لتعزيز العلاقات السعودية اليابانية خلال هذا العام المميز».

حلّ الدولتين... السبيل إلى استقرار المنطقة

وعن موقف اليابان من القضية الفلسطينية، واتفاقات وقف إطلاق النار وعمليات تبادل الأسرى، قال إيوايا: «تتابع اليابان من كثب الوضع في غزة، وتتواصل بشكل وثيق مع الدول والمنظمات الدولية ذات الصلة».

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الياباني لدى زيارته الأخيرة إلى المملكة (واس)

وأضاف إيوايا، أن بلاده تشارك في الجهود الدولية المبذولة لتحسين الوضع الإنساني في قطاع غزة، وإعادة الإعمار، فضلاً عن استمرارها في تكثيف الجهود الدبلوماسية، لتحقيق حل الدولتين وضمان السلام والاستقرار الإقليميين على المدى الطويل.

ووفق إيوايا، فإن اليابان تقدّر، الجهود المبذولة، لتوفير الإمدادات الإنسانية في غزة، وتثمن عالياً التقدم الملموس في إطلاق سراح الرهائن، بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في شهر يناير (كانون الثاني)، مشيراً إلى أن هذه الخطوة مهمة جداً، على حدّ تعبيره؛ لتحسين الظروف الإنسانية وتهدئة الوضع، وهو ما دعت إليه اليابان باستمرار.

وقال وزير الخارجية الياباني: «نعتقد أنه من الضروري الحرص على تنفيذ الاتفاق ببنوده كافة، والانتقال إلى المرحلة الثانية، وذلك من أجل تحقيق الاستقرار في المنطقة الإقليمية على المدى الطويل».

الموقف الياباني من الوضع السوري

أما رؤية اليابان لمواجهة التحديات التي تواجه سوريا الجديدة، فقال: «نحن نراقب من كثب، وبقلق بالغ، تطورات الوضع في سوريا، وحكومة اليابان على تواصل مع أعضاء (حكومة الإنقاذ)، وتدرس كيفية الاستجابة للوضع في سوريا».

وأضاف: «إن اليابان، تنظر إلى الوضع في سوريا بنهج شامل (كل سوريا) بناءً على قناعتها بضرورة دعم كل السوريين؛ إذ إن طوكيو قدمت المساعدات الإنسانية للمحتاجين في مجالات كثيرة لدعمهم على المديين المتوسط والبعيد».

ولفت وزير الخارجية الياباني، إلى أن بلاده، ساهمت في تنمية الموارد البشرية التي ستلعب دوراً أساسياً في مستقبل سوريا، مؤكداً على مواصلة طوكيو دعم في كل من سيساهم في بناء الدولة السورية الجديدة.

ووفق إيوايا، فإن اليابان، تتطلع إلى انتقال سلمي ومستقر للسلطة في سوريا، متمنياً أن يلعب جميع الأطراف دوراً بنَّاء في تحقيق تسوية سياسية شاملة من خلال الحوار بين الشعب السوري، «ومن هذا المنطلق، ستعمل اليابان بشكل وثيق مع المجتمع الدولي لتحقيق ذلك».

تحالف آسيوي لمواجهة الصين وكوريا الشمالية

وحول الفكرة التي طرحتها اليابان سابقاً بشأن إنشاء تحالف آسيوي لمواجهة القوة العسكرية الصينية وصواريخ كوريا الشمالية، قال إيوايا: «في مواجهة الوضع الأمني الصعب، تقوم اليابان بكل الجهود اللازمة لتعزيز قدراتها الدفاعية؛ بناءً على استراتيجيات الأمن القومي، وتعمل في الوقت نفسه على تطوير التعاون مع الدول الحليفة والدول ذات النهج المماثل».

وشدد إيوايا، على أن بلاده ستعزز على وجه التحديد، قدرات الردع والاستجابة للتحالف الياباني - الأميركي، مع تعزيز قدرته على الصمود والاستدامة، فضلاً عن أن اليابان مستمرة في توسيع التعاون نحو «منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة».

وأضاف إيوايا: «إننا نعمل على ذلك، من خلال تطوير التعاون مع الدول الحليفة ذات النهج المماثل، كالتحالف الرباعي بين اليابان، والولايات المتحدة، وأستراليا والهند، والتحالف بين اليابان، والولايات المتحدة وجمهورية كوريا الجنوبية، والتحالف بين اليابان، والولايات المتحدة وأستراليا، بالإضافة إلى تحالف اليابان، والولايات المتحدة والفلبين».

مستقبل العلاقات اليابانية - الأميركية

وعن رؤيته لمستقبل العلاقات بين اليابان والولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترمب، قال إيوايا: «بعد تنصيب ترمب رئيساً، تم عقد اجتماع قمة بين اليابان والولايات المتحدة وعَقَدتُ شخصياً اجتماعات مع نظيري وزير الخارجية الأميركي، للتأكيد على ضرورة تعزيز التحالف الثنائي، وهو حجر الزاوية في السياسة الدبلوماسية والأمنية لبلدنا».

وأضاف: «في اجتماع القمة الذي عقد بين اليابان والولايات المتحدة في فبراير الماضي، والذي حضرته أيضاً، تبادل رئيس وزراء اليابان إيشيبا والرئيس الأميركي ترمب، وجهات النظر بشفافية حول القضايا الأمنية والاقتصادية وحول الوضع الدولي الراهن».

وتابع إيوايا: «في هذا السياق، ناقش الزعيمان الظروف الأمنية الصعبة والمعقدة، واتفقا على العمل بشكل وثيق لتحقيق (منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة)، مع الارتقاء بالتحالف الثنائي بين البلدين إلى آفاق جديدة»، مشيراً إلى أن القمة، شكلت بين الزعيمين خطوة مهمة لبناء الثقة المتبادلة؛ ما يمثل إنجازاً كبيراً للمستقبل.

وقال إيوايا: «في ظل الوضع الدولي الراهن، هناك الكثير من التحديات، التي يتحتم على اليابان والولايات المتحدة معالجتها معاً، وأنا عازم على الدفع بالتحالف الثنائي إلى آفاق جديدة من خلال بناء الثقة المتبادلة والتعاون على مختلف المستويات، وذلك بالتعاون مع نظيري الأميركي، ماركو روبيو وزير الخارجية».


مقالات ذات صلة

برفقة الفيصل... الأمير ويليام يزور المسار الرياضي

رياضة عالمية الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل يستقبل الأمير ويليام في المسار الرياضي (إكس)

برفقة الفيصل... الأمير ويليام يزور المسار الرياضي

استقبل الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل وزير الرياضة، اليوم الثلاثاء، الأمير ويليام أمير ويلز ولي عهد المملكة المتحدة، وذلك ضمن زيارته الرسمية للمملكة.

سلطان الصبحي (الرياض)
الخليج المشاركون في اجتماع المديرين السياسيين للتحالف الدولي لهزيمة تنظيم «داعش» الذي استضافته الرياض الاثنين (واس)

«التحالف الدولي» يرحب بانضمام سوريا ويؤكد استعداده للعمل الوثيق معها

رحَّب التحالف الدولي لهزيمة تنظيم «داعش»، الثلاثاء، بانضمام الحكومة السورية، بوصفها العضو التسعين في التكتل، مؤكداً استعداده للعمل بشكل وثيق معها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج الرئيس الفلسطيني محمود عباس مستقبلاً السفير السعودي الأمير منصور بن خالد بن فرحان (وفا)

الرئيس الفلسطيني يتسلّم أوراق اعتماد السفير السعودي

تسلَّم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الاثنين، أوراق اعتماد الأمير منصور بن خالد بن فرحان، سفيراً للسعودية غير مقيم لدى دولة فلسطين، وقنصلاً عاماً في مدينة القدس.

«الشرق الأوسط» (عمَّان)
شمال افريقيا وزير الدفاع السعودي يوقع مذكرة تفاهم للتعاون العسكري مع نظيره الصومالي  (وكالة الأنباء الصومالية)

الصومال لتعظيم التعاون العسكري الإقليمي مع تنامي المخاطر

تواجه مقديشو مخاطر أمنية في مواجهات «حركة الشباب» الإرهابية وإعلان قوات أفريقية سحب قواتها في بعثة حفظ السلام، وأخرى داخلية.

محمد محمود (القاهرة)

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.